الفصل الثاني

قياس الصحة والمرض

الصحة حالة من المعافاة الكاملة بدنيًّا وعقليًّا واجتماعيًّا، لا مجرد انعدام المرض أو العجز.

دستور منظمة الصحة العالمية، ٧ أبريل من عام ١٩٤٨

قد يتساءل المرء إن كان المؤسسون الأوائل — الذين صاغوا دستور منظمة الصحة العالمية في أعقاب الحرب العالمية الثانية — يقصدون بلا وعي السعادةَ لا الصحة، مع أن السعادة — وهي تجربة إنسانية متغيرة ومتقطعة — لا يمكن وصفها بدقة على أنها حالة دائمة ومبهجة من المعافاة الكاملة. مع ما يتسم به تعريف منظمة الصحة العالمية من تجريد، فإنه لا يؤكد على أهمية البعدين النفسي والاجتماعي، القائمَين إلى جانب البعد الفسيولوجي، للصحة والمرض (جدير بالذكر أن الجوانب الاجتماعية التي ضُمِّنت في تصنيف حديث اعتمدته المنظمة للإعاقات والمحددات الاجتماعية للصحة قد أصبحت موضوعًا محوريًّا للمنظمة خلال السنوات الأخيرة). وحتى في أيامنا هذه، لا يزال الهدف الأساسي لدى الغالبية العظمى من البشر، وهو انعدام المرض أو العجز قدر الاستطاعة بواسطة الوسائل الوقائية والعلاجية الراهنة، بعيد المنال، وليس واضحًا متى قد يتحقق؛ ومن ثم فإن قياس الصحة بدءًا من الجانب السلبي، ألا وهو وجود المرض، ليس فقط أيسر من الناحية الفنية، وإنما أيضًا هو منطقي من الوجهة العملية.

تعريف المرض

من أجل أغراض الدراسات الوبائية، يمكن تعريف المرض إما عن طريق وضع تعريف له واعتبار الأفراد الذين ينطبق عليهم ذلك التعريف كحالات مصابة به، أو عن طريق قبول الأفراد الذين شُخِّصوا من قِبل أحد الأطباء على أنهم مصابون بالمرض باعتبارهم حالات مصابة به. على سبيل المثال، في أية دراسة مسحية وبائية عن مرض السكر، من الممكن أن يقوم فريق البحث بالفحص المباشر لنسبة من جميع البالغين في إحدى البلدات، وأن يعتبر أولئك الذين تنطبق عليهم مجموعة محددة سلفًا من المعايير التشخيصية حالات مصابة بمرض السكر. بدلًا من ذلك، والأبسط كثيرًا، يمكن للمرء أن يتقبل أولئك الذين أعلن الأطباء أنهم مرضى سكر في عياداتهم العامة أو مستشفيات البلدة باعتبارهم حالات مصابة بالسكر. الواقع أن الأسلوبين قد يتداخلان معًا بدرجة ما. فعند إجراء دراسة مسحية مباشرة، سوف يصادف فريق البحث في حقيقة الأمر بعض الأفراد المعلوم بالفعل أنهم مرضى بالسكر والذين قد يعد من غير الضروري إجراء المزيد من الفحوصات لهم. إلا أن تقبل التشخيصات القائمة بالفعل من الممكن أن يؤدي إلى بيانات تعكر صفوها الاختلافات في تعريف المرض والأسلوب المتبع في التشخيص من طبيب إلى آخر في المجال، وهو عيب لا تتصف به دراسة مسحية وبائية مباشرة متكاملة تُجرى اعتمادًا على تعريف ثابت وإجراءات موحدة. وهناك حل وسط بين دراسة مسحية أكثر مصداقية وإن كانت معقدة، وأخرى أبسط لكن أقل مصداقية يُقبل فيها التشخيصات القائمة دون تمحيص، وهذا الحل الوسط هو عدم قبول أو رفض التشخيص إلا بعد دراسة متأنية ودقيقة للسجلات الطبية سواء في ملفات الطبيب أو المستشفى. ومع ذلك، فإن هذا الإجراء — على عكس المفترض من أية دراسة مسحية وبائية — يغفل حالات الإصابة بمرض السكر غير القليلة الموجودة بين أفراد المجتمع السكاني والتي لا تظهر في الملفات؛ لأن المصابين بها لم تظهر عليهم أي أعراض. من الممكن استخدام أيٍّ من هذين الأسلوبين في تعريف مرض السكر وتحديد الحالات المصابة به في الحصول على أرقام عن معدل تكرار الإصابة بهذا المرض في بلد، أو منطقة، أو بين مجموعة معينة من الناس.

وما يزيد من تعقد الأمور أن العديد من تعريفات الأمراض تغير ولا يزال يتغير، بل قد يصل الأمر إلى حدوث تغييرات جوهرية فيها تواكب التطورات التي تحدث في المعرفة البيولوجية والطبية. ففي حالة مرض السكر مثلًا، تعرضت المستويات الحدية لنسبة السكر في الدم التي تعرف الإصابة بمرض السكر للتعديل منذ عشر سنوات آخذة في الاعتبار نتائج العديد من الدراسات التي بينت أن المستويات السابق اعتبارها «طبيعية» وآمنة كانت في حقيقة الأمر مرتبطة بارتفاع معدل تكرار المضاعفات. وبالنسبة للأزمات القلبية، أعيد الآن تعريف الأنواع المختلفة من احتشاء عضلة القلب؛ فأضيفت مسألة اكتشاف بعض البروتينات في الدم غير القابلة للقياس حتى يومنا هذا وهي بروتينات تفرزها خلايا القلب التالفة. ويمكن لعلم الأوبئة أن يسهم في تعريف الأمراض أو إعادة تعريفها. ويمكن لعالم الأوبئة بدلًا من إلزام نفسه بتعريف معين لمرض ما، أن يكتفي بقياس الأعراض الفردية للمرض كالأرق أو الصداع أو الإعياء أو الارتعاش أو الشعور بالغثيان؛ كي يرى إن كانت تحدث معًا، بما يشكل «متلازمة» (أي مجموعة مترابطة من الأعراض) لدى أفراد يتمتعون بسمات شخصية معينة، أو في ظروف بعينها. وهذا الأمر يمهد الطريق نحو بحث الآليات الفسيولوجية، والظروف الخارجية وتفاقم المتلازمة بمرور الوقت؛ وبمجرد اتضاح تلك العناصر، من المحتمل أن يتبلور تعريف لمرض جديد أو شكل خاص من مرض معروف بالفعل.

تعريف مرض السكر وتشخيصه

سمِّي مرض السكر أو البول السكري بهذا الاسم لأن نسبة السكر ترتفع في البول لدى المصابين به. وهو يحدث في شكلين: السكر من النوع الأول، أو سكر صغار السن، وتبدأ الإصابة به في الغالب الأعم قبل سن الثلاثين، في حين تبدأ الإصابة بالسكر من النوع الثاني، أو سكر الكبار، غالبًا بعد سن الثلاثين. وهناك أمر مشترك بين النوعين، اللذين يختلفان في العوامل المسببة لكليهما وفي الاستجابة للعلاج، وهو وجود خلل في أيض السكريات مما يؤدي إلى ارتفاع غير طبيعي في نسبة الجلوكوز في الدم. ومن بين مضاعفات هذا المرض ظهور الجلوكوز في البول وارتفاع نسبته في أنسجة الجسم؛ مما يؤدي إلى سلسلة من المضاعفات بالجهازين القلبي الوعائي والعصبي. وتفاقُم تلك المضاعفات هو الذي يجعل مرض السكر مرضًا يُحتَمل أن يشكل خطرًا بالغًا على من يصاب به.

ومن الممكن أن يشك الأطباء في أن أحد الأشخاص مصاب بالسكري عند معاناته أعراضًا معينة مثل كثرة التبول، وتكرار الشعور بالعطش، وتكرار الإصابة بالعدوى الميكروبية، وفقدان الوزن غير المبرر (وبخاصة في النوع الأول، أو لدى أصحاب الوزن الزائد أصلًا في النوع الثاني). وتصبح الإصابة بالمرض مؤكدة إذا وصل مستوى الجلوكوز في البلازما (وهو الجزء السائل من الدم) لدى شخص صائم لفترة تتراوح بين ٨ و١٢ ساعة إلى ١٢٦ ملِّيجرامًا لكل ديسيلتر أو تجاوز ذلك. يظل العديد من حالات الإصابة بالسكر، لا سيما النوع الثاني منه، بلا أعراض لسنوات عدة ولا يُكتشف إلا من خلال تحليل دم روتيني يُجرى لأسباب أخرى؛ وفي هذه الحالة، لا يعتبر التشخيص مؤكدًا إلا إذا أعيد إجراء تحليل الدم في حالة الصيام لتأكيد نتيجة التحليل الأول.

في إطار دراسة مسحية وبائية تجرى لأغراض بحثية، فإن أفضل أداة تشخيصية أن تجعل الأفراد الخاضعين للبحث الصائمين يشربون محلولًا مركزًا معدًّا من ٧٥ جرامًا من الجلوكوز ثم يقاس مستوى الجلوكوز في البلازما بعد ساعتين. ويعد المستوى الذي يصل إلى ٢٠٠ ملِّيجرام لكل ديسيلتر أو أعلى بمنزلة تشخيص بالإصابة بمرض السكر، في حين أن القيم التي تتراوح بين ١٤٠ و١٩٩ ملِّيجرامًا إشارة إلى وجود اختلال في تنظيم مستوى الجلوكوز، وهي حالة تشير إلى ارتفاع احتمال إصابة الشخص بالمرض.

تضم المراجع الطبية تعريفات مرجعية للأمراض، وقد تم وضع مجموعات من تعريفات الأمراض، من أشهرها وأكثرها استخدامًا على نطاق واسع «التصنيف الدولي للأمراض والمشاكل الصحية المتصلة بها» الذي وضعته منظمة الصحة العالمية. وحسبما يشير الاسم، فإن هذا التصنيف ليس مجرد مجموعة من تعريفات الأمراض، وإنما هو نظام لترتيب وتصنيف الأمراض في مجموعات. وقد تطور نظام التصنيف من ذلك المقترح في مراحل سابقة من المناقشات الدولية التي جرت حول تصنيف الأمراض منذ ما يقرب من ١٥٠ عامًا. وهو يعكس الحل الوسط نفسه بين معيارين رئيسيين للتصنيف، أحدهما مبني على موقع المرض في الجسم والآخر مبني على طبيعة المرض ومنشئه. وهو يغطي خمسة مجالات واسعة النطاق: الأمراض القابلة للانتقال بالعدوى، والأمراض الأساسية أو العامة (أمراض الدم، أمراض الأيض كمرض السكر، وأمراض السرطان، والاضطرابات العقلية)، والأمراض التي تصيب أعضاء أو أجهزة بعينها من الجسم (القلبي الوعائي، الهضمي … إلخ)، والأمراض المرتبطة بالحمل والولادة والنمو، والأمراض الناشئة عن الإصابات والسموم. أُقرت الطبعة الأولى من هذا التصنيف عام ١٩٠٠ خلال مؤتمر دولي بباريس شاركت فيه ٢٦ دولة. خضع التصنيف للمراجعة كل عشر سنوات، وفي عام ١٩٤٨ تولت منظمة الصحة العالمية التي كانت قد تأسست حديثًا وقتها مسئولية المراجعة السادسة للتصنيف، وصارت مسئولة عن جميع التطويرات اللاحقة. وفي الوقت الحالي تُستخدم المراجَعة العاشرة، التي تُحدَّث سنويًّا منذ عام ١٩٩٦ بدلًا من أن تُراجع بالكامل.

والمراجعة العاشرة مرتبة في ٢٢ فئة من فئات الأمراض، يشار إلى كلٍّ منها بكود تعريفي من ثلاثة رموز عبارة عن حرف أبجدي واحد وعددين. فالأنواع المختلفة من داء البول السكري تحمل الأكواد E10 حتى E14 وهي مدرجة تحت الفئة الرابعة: «أمراض الغدد الصماء، واضطرابات التغذية، والأيض». واحتشاء عضلة القلب حاصل على الكود I21، تحت الفئة التاسعة: «أمراض الجهاز الدوري»؛ وهناك رمز رابع، يمكن استخدامه اختياريًّا، يمكِّن المستخدم من تحديد الجزء المصاب بالاحتشاء من جدار القلب. ويُستخدم الكود المكون من ثلاثة رموز في جميع البلدان التي تتبع نظامًا معينًا في الإحصائيات الصحية لتكويد المرض الذي يعتبر سببًا للوفاة. وفي بلدان عديدة، يُستخدم كذلك في صيغته القياسية أو مع امتدادات وتعديلات لتكويد التشخيصات في سجلات الخروج من المستشفيات أو في غيرها من سجلات الخدمات الصحية. وقد وضعت جداول تتيح عملية تحويل الأكواد بين النسخ المختلفة من التصنيف الدولي للأمراض. الوفاة حالة جليَّة لا لبس فيها، وإحصائيات الوفاة مقياس معتمَد لوصف الظروف الصحية لإحدى المجموعات السكانية.

تخضع أسباب الوفاة — حسبما هي مسجلة في شهادات الوفيات التي تستعين بالمراجعة العاشرة من التصنيف — لمشكلات التشخيص المذكورة للتو وتحتاج إلى ترجمة تشخيص الطبيب إلى أكواد خاصة بالتصنيف. وتقدم شهادة الوفاة المعترف بها دوليًّا صيغة قياسية بسيطة لتيسير مهمة الطبيب في التعرف على السبب «الأساسي» للوفاة من بين العديد من العلل التي ربما أصابت أحد المرضى. إذن، هناك مجموعة كاملة من القواعد متوافرة اليوم — في كثير من الأحيان في صيغة إلكترونية — لواضعي الأكواد الذين عليهم تحويل بيانات شهادة الوفاة إلى أكواد التصنيف الدولي للأمراض. وبالرغم من وجود تلك الإجراءات، فإن دقة أسباب الوفاة المكودة لا تزال منقوصة ومتباينة حتى في البلدان المتقدمة. أما في البلدان النامية، حيث يعيش ويموت أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم، فإن بلوغ أدنى مستوى مقبول من الدقة في غياب الخدمات الطبية الكافية ربما يتطلب إجراء «تشريح سردي»؛ أي تحقيق استرجاعي منهجي مع أفراد الأسرة عن أعراض المرض السابق على الوفاة. وعلينا أن نتذكر دومًا تلك العيوب عند التعامل مع إحصائيات الوفاة، وبصورة عامة أكثر مع الإحصائيات المبنية على تشخيصات الأمراض. غير أنه حسب تعليق عالم الإحصاء الطبي البريطاني ميجور جرينوود، فإن «العالِم المتشدد، الذي ينتظر حتى تصبح الإحصائيات الطبية دقيقة من زاوية تصنيف الأمراض، ليس أكثر حكمة من القروي الساذج الذي وصفه «هوراس» بأنه كان ينتظر جفاف النهر حتى يعبره.»

قياس المرض

نحتاج دائمًا إلى ثلاثة عناصر من أجل قياس معدل الإصابة بالمرض في مجتمع سكاني معين أو داخل جماعة فيه وهي: تحديد عدد الحالات المصابة بالمرض، وعدد أفراد المجتمع، مع إشارة للعنصر الزمني. ففي إحدى المدن — وليكن اسمها مثلًا «مدينة الزهور» — إذا رُصدت ٥٨٧٥ حالة إصابة بالسكر من النوع الثاني بين الذكور البالغين (١٥ عامًا أو أكثر)، فسوف تتباين دلالة تلك النتيجة كثيرًا حسب تعداد الذكور في المدينة نفسها إن كان يبلغ ١٠ آلاف، أو ١٠٠ ألف، أو مليون نسمة. ولتوضيح تلك العلاقة، يمكن حساب أول مقياس للإصابة بالمرض، وهو «نسبة الانتشار» أو ببساطة «الانتشار»، وذلك على النحو التالي:
نسبة الانتشار = عدد المصابين بالمرض
عدد أفراد المجتمع السكاني

فإذا كان عدد الأفراد (الرجال) في المجتمع السكاني ٤٥١٩٣، تكون نسبة الانتشار ٥٨٧٥ / ٤٥١٩٣ = ٠٫١٣. وبصيغة النسبة المئوية، يقال إن ١٣٪ من جميع الذكور البالغين في تلك المدينة مصابون بمرض السكر. هل هذه النسبة هي الموجودة الآن أم كانت في وقت ما في الماضي؟ فإذا كان هذا التعداد قد أُجري عام ١٩٠٨ أو ١٩٢١، فإن هذا الأمر قد لا يكون له سوى أهمية تاريخية؛ أما إن كان في سنة قريبة في الوقت الحاضر، فإن له أهمية راهنة ويحمل في طياته تداعيات عملية. فالأمر يستلزم تحديد النقطة الزمنية التي أُجري فيها إحصاء عدد الحالات داخل المجتمع السكاني، ولتكن مثلًا ١ يناير ٢٠٠٨. وبهذا يكتمل قياسنا، ويُزال عنه غموضه باعتباره صورة لحظية لمرض السكر لدى الذكور بتلك المدينة. وهذه المعلومات مفيدة على سبيل المثال للتخطيط لتقديم خدمات صحية. بصفة عامة، أرقام نسب الانتشار الخاصة بجميع الحالات الصحية وفي كافة قطاعات المجتمع السكاني، ذكوره وإناثه، صغاره وكباره، مطلوبة من أجل التخطيط لتقديم الخدمات الصحية الملائمة في التشخيص والعلاج. لا يحتاج المرء إلا إلى التأمل قليلًا كي يدرك أن نسبة انتشار مرض السكر تعكس في حقيقة الأمر توازنًا بين عمليتين متضادتين: ظهور حالات جديدة واختفاء الحالات الحالية التي تُوفي أفرادها (أو شفوا شفاءً تامًّا، وهو ما يحدث في بعض الأمراض كالالتهاب الرئوي، لكنه ليس صحيحًا بالنسبة لمرض السكر المؤكدة الإصابة به). وكلتا العمليتين تتطوران بمرور الوقت؛ ومن ثم، فإن العنصر الزمني ينبغي وضعه في الاعتبار، ليس كمجرد إشارة بسيطة إلى النقطة الزمنية التي تم القياس عندها (مثلما هو الحال مع نسبة الانتشار)، وإنما كإشارة للفترات الزمنية التي تظهر خلالها حالات جديدة وتتوفى فيها حالات أخرى.

الاحتمال والخطر

نسب سقوط العملة على وجه الصورة عند قذفها عددًا من المرات المتتالية.1

قبل أن تبدأ مباراة كرة القدم، يقذف حكم المباراة عملة معدنية في الهواء كي يحدد «عشوائيًّا» جانب الملعب الذي سيقف فيه كل فريق من الفريقين المتباريين. وهذا الإجراء عادل للفريقين بافتراض أن العملة لن تنحاز لأحد الفريقين بالسقوط على الوجه الذي يحمل الصورة أو الكتابة. وتوضح نتائج إحدى التجارب التي سُجِّلت فيها ١٠ آلاف رمية أن هذا افتراض قوي. وكما يتضح من الرسم البياني، فإن نسبة سقوط العملة على الوجه الذي يحمل الصورة تتباين تباينًا كبيرًا عندما يكون عدد الرميات قليلًا، لكن التباين يتضاءل وتصبح النسبة تدريجيًّا أكثر استقرارًا كلما زاد عدد الرميات. إن العملة لا تعوض بصورة غامضة مثلًا سلسلة من الرميات المتتالية التي تسقط على الوجه الذي يحمل الصورة لتعطينا عددًا مساويًا من مرات السقوط على الوجه الآخر، ببساطة: أي خلل في التوازن بين مرات السقوط على الصورة أو الكتابة يتضاءل كلما زاد عدد الرميات وتتجه قيمة النسبة للاستقرار أكثر وأكثر بالقرب من قيمة ٠٫٥٠ تقريبًا (أو ٥٠٪ إن كنت تفضِّل النسب المئوية). هذه القيمة — المفترضة نظريًّا، حسبما يجب أن يحدث في سلسلة من الرميات إذا ما ظللنا نلقيها إلى ما لا نهاية — يمكن اعتبارها احتمال السقوط على الوجه الذي يحمل الصورة. بصفة عامة، «احتمال وقوع حدث ما هو نسبة المرات التي يقع فيها الحدث في سلسلة طويلة لا نهاية لها من المرات.» ولكونها نسبة، فإنها تتراوح بين صفر وواحد، أو بالنسب المئوية تتراوح بين ٠ و١٠٠٪.

وفكرة خطر الإصابة بمرض ما تربط الاحتمال بالزمن. «الخطر هو احتمال وقوع حدث ما خلال فترة زمنية محددة»؛ على سبيل المثال، خطر كسر ساق أحد الأشخاص خلال السنوات الخمس المقبلة. وعلينا ألا نخلط — مثلما يحدث كثيرًا في السياق العام — بين الخطر وبين «عامل الخطر»، والمعروف أيضًا باسم «المخاطرة»، الذي يستتبع خطر التعرض لتأثير ضار؛ فعند الحديث عن كسور عظم الساق، يعد التزلج على الجليد أحد عوامل الخطر. وحسب تعريفنا هنا، فإن الخطر ببساطة هو احتمال وقوع حدث ما له أي أثر، سواء أكان ضارًّا أو نافعًا، على سبيل المثال، الشفاء من مرض ما.

معدل خطر الإصابة بالمرض ومعدل الإصابة به

معدل خطر الإصابة بمرض ما هو احتمال إصابة الشخص بذلك المرض خلال فترة الملاحظة:
معدل الخطر = عدد الأفراد الذين أصيبوا بالمرض خلال فترة زمنية
عدد الأفراد عند بداية تلك الفترة

إذا كان من بين سكان مدينة الزهور (البالغ عددهم ٤٥١٩٣ نسمة)، هناك ٢٢٦ حالة إصابة جديدة بمرض السكر شُخِّصت خلال الفترة بين ١ يناير حتى ٣١ ديسمبر ٢٠٠٨، فإن معدل خطر الإصابة بهذا المرض يكون ٢٢٦ / ٤٥١٩٣ = ٠٫٠٠٥ أو ٥ لكل ألف نسمة. يقدم هذا المقياس البسيط تقديرًا لخطر الإصابة بمرض السكر الذي يهدد الذكور الذين يعيشون في مدينة الزهور إذا كان مجتمع المدينة «مغلقًا»، بمعنى أنه لا يوجد أفراد يدخلونها أو يغادرونها لأي سبب كان. من البديهي أن أي مجتمع طبيعي واقعي لا يكون مغلقًا أبدًا؛ فالناس يموتون، ويخرجون منه، ويدخلون إليه. وحتى في مجتمع مشكَّل اصطناعيًّا مثل مجموعة من الناس تم تحديدها لمتابعة ودراسة صحة أفرادها فترة طويلة، بحيث لن يسمح بدخول المزيد من الأفراد إليها، فسوف تحدث حالات وفاة فيما بينها ولا بد أن بعض أفرادها لن يمكن تتبعهم. باختصار، يبدو معدل الخطر مقياسًا غير مفيد في معظم الظروف إلا عندما تكون فترة الملاحظة الزمنية شديدة القِصَر، ليست عامًا وإنما أسبوعًا أو يومًا، بحيث تكون حالات الدخول والخروج من المجتمع السكاني الخاضع للبحث عند أدنى حد، ومن ثم يمكن تجاهلها.

لا يشترك مقياس حدوث المرض، الذي يُطلق عليه «معدل الإصابة» في أيٍّ من تلك العيوب الموجودة في المقياس السابق، وهو معدل يستخدم بصفة عامة غير أنه يتطلب صياغة أكثر دقة مع توافر بيانات أكثر تفصيلًا من مجرد عدد الأفراد الموجودين عند بدء فترة الملاحظة وعدد الأفراد المصابين بالمرض مع نهاية تلك الفترة. ويمكن اعتبار معدل الإصابة بمنزلة احتمال الإصابة بالمرض خلال فترة زمنية بالغة الضآلة، مجرد لحظة، بحيث لا يقع خلالها حدثان (الوفاة، وصول أحد المهاجرين، حالة مرضية جديدة … إلخ). وهو معدل لحظي للحدوث، يسمى «معدل الوفاة اللحظي» عندما يكون الحدث وفاة، و«معدل المرض اللحظي» عندما يكون الحدث عبارة عن حالة إصابة جديدة بمرض ما. ويمكن حساب معدل الإصابة بمرض ما من خلال المعادلة الآتية:
معدل الإصابة بالمرض = عدد الأفراد الذين أصيبوا بالمرض أثناء ملاحظتهم
إجمالي فترات الملاحظة الفردية لجميع الأفراد

«فترة الملاحظة» لشخص ما هي الفترة الزمنية من بدء عملية الملاحظة وحتى اللحظة التي يصاب فيها المريض بالمرض أو يتوفى أو يخرج من ميدان الملاحظة أو تنتهي فعاليات الدراسة. وتُجمع الفترات الفردية للملاحظة لتشكل مقام المعدل. عند خضوع سكان مدينة الزهور للملاحظة مدة ٣٦٥ يومًا من ١ يناير إلى ٣١ ديسمبر ٢٠٠٨، إذا حدث أن هاجر أحدهم إلى الخارج بتاريخ ٣١ مارس؛ أي بعد مرور ٩٠ يومًا من بدء التجربة، فإنه لا يُحتسب شخصًا كاملًا، وإنما كنسبة ٩٠ / ٣٦٥ = ٠٫٢٥ شخص-يوم؛ وإذا تُوفِّي شخص ما في ٢٩ أغسطس، فإنه يُحتسب بنسبة ٢٤١ / ٣٦٥ = ٠٫٦٦ شخص-سنة. إن وحدة القياس «شخص-سنة» تشير إلى مفهوم رئيسي وهو أنه يجب عدم احتساب كل شخص على أنه واحد صحيح وإنما كمقدار يساوي الزمن الذي خضع خلاله فعليًّا لخطر الإصابة بالمرض. فبالنسبة لتعداد الذكور في مدينة الزهور، يتبين أن معدل الإصابة بمرض السكر، المحسوب بطريقة سليمة بهذه الطريقة، هو ٥٫٢ لكل ١٠٠٠ شخص-سنة، أو — بتعبير أقل دقة لكنه الأكثر استخدامًا — ٥٫٢ لكل ١٠٠٠ شخص كل سنة. وبعبارة أوضح، يصاب نحو ٥ رجال من كل ألف رجل بمرض السكر كل عام. عادةً ما يحتسب الزمن بالسنة، غير أن الأسبوع، بل وربما اليوم قد يكون أكثر ملاءمة عند التعامل مع حالات تفشٍّ حادة لأمراض كالأنفلونزا أو السارس. وفي تلك الحالات، تصبح وحدة القياس «شخص-أسبوع» أو «شخص-يوم».

من البديهي أن هناك علاقة طردية بين معدل الإصابة بمرض ما ونسبة انتشاره. فظهور المزيد من حالات الإصابة بالسكر الجديدة يزيد من نسبة انتشار المرض في المجتمع السكاني إذا كان متوسط فترة المرض الزمنية، التي تتوقف على سرعة وفاة المرضى بعد ظهور المرض، لا تتغير زمنيًّا. إذن بالنسبة لمجتمع الذكور في مدينة الزهور، في الأحوال المستقرة، يكفي أن نضرب معدل الإصابة البالغ ٥٫٢ لكل ألف شخص-سنة في متوسط الفترة الزمنية البالغة ٢٥ عامًا واللازمة للحصول على نسبة انتشار ١٣٪ التي ذكرناها آنفًا.

المعدل — في علم الأوبئة مثلما هو في كافة العلوم الأخرى — هو مقياس يكون فيه الزمن مرجعية. فمعدل الفائدة هو مقدار ما تربحه سنويًّا من وراء رأس المال، ومعدل التقدم في قطع المسافات أو السرعة هو مقدار المسافة التي تقطعها خلال دقيقة أو ساعة. ويجب قصر هذا المصطلح على هذا الاستخدام وألا ينسحب بالتعميم على الأنواع الأخرى من النسب. فإذا سمعت كلمة «معدل الانتشار»، فإنه تعبير خاطئ ويعني ببساطة نسبة الانتشار. «المعدلات العامة» للإصابة بالمرض أو الوفاة تشير إلى مجتمع سكاني بأكمله، في حين أن «المعدلات النوعية»، مثل المرتبطة بعمر أو جنس معين، تشير إلى فئات فرعية من المجموعة السكانية تُحدد عن طريق العمر أو الجنس.

حساب معدل الإصابة

معدل الإصابة مقياس رئيسي في علمَي الأوبئة والديموغرافيا. وعند حسابه في حالة مجتمع سكاني معافًى، فإنه يعبِّر عن احتمال ظهور حالات جديدة من هذا المرض على مدار وحدة زمنية. وعند الإشارة إلى مجتمع آخر مصاب بهذا المرض، فهو يعبِّر عن احتمال الوفاة، أو الشفاء على مدار وحدة زمنية.

تخيل أن هناك مجتمعًا سكانيًّا مصغرًا من عشرة أفراد لوحظوا طيلة شهور الشتاء الثلاثة — أي لمدة ١٣ أسبوعًا بعد ١ يناير ٢٠٠٠ — في نطاق الممارسة الطبية. وشُخِّصت حالتان جديدتان من الأنفلونزا — بلوندين في الأسبوع السادس وفرانك في الأسبوع العاشر من تلك الفترة — مما جعل معدل خطر الإصابة بالأنفلونزا ٢ / ١٠ = ٠٫٢؛ أي ٢٠٪ خلال فترة الشهور الثلاثة. وُضع أندرو، وهو سائح أجنبي، تحت الملاحظة في الأسبوع الثاني وغادر في الأسبوع الرابع؛ وانتقل جورج للعمل في مكان آخر في الأسبوع التاسع؛ وتوفي إيان للأسف في حادث في الأسبوع الحادي عشر. ولتبسيط الأمور، نعتبر أن جميع الأحداث (القدوم، والسفر، والوفاة، وتشخيص مرض الأنفلونزا) قد وقعت في منتصف أي أسبوع من تلك التي ذكرناها. وبهذا، يكون أندرو قد وُضع تحت الملاحظة مدة أسبوعين فقط، ومن ثم، فإن الوقت الذي كان معرضًا فيه لخطر الإصابة بالأنفلونزا كان أسبوعين؛ وأصيبت بلوندين بالأنفلونزا خلال الأسبوع السادس، ومن ثم كان الوقت الذي تعرضت فيه للخطر ٥٫٥ أسابيع؛ لأن فترة الملاحظة التي تلت ذلك حتى الأسبوع الثالث عشر لم تعد تمثل تعرضها للخطر من السلالة نفسها من الأنفلونزا. ويبين العمود الثالث من الجدول التالي أسابيع التعرض للخطر لكلٍّ من أندرو وبلوندين والباقين.

عدد أسابيع الملاحظة الأسبوع المشخصة فيه الإصابة بالأنفلونزا أسابيع التعرض للخطر
أندرو ٢ ٢
بلوندين ١٣ السادس ٥٫٥
تشارلز ١٣ ١٣
ديانا ١٣ ١٣
إيف ١٣ ١٣
فرانك ١٣ العاشر ٩٫٥
جورج ٨٫٥ ٨٫٥
هيلين ١٣ ١٣
إيان ١٠٫٥ ١٠٫٥
جيني ١٣ ١٣
والآن يمكن حساب معدل الإصابة على النحو التالي: ٢/(٢ + ٥٫٥ + ١٣ + + ١٠٫٥ + ١٣) = ٢ / ١٠١ = ٠٫٠١٩٨ لكل شخص-أسبوع أو ١٫٩٨ لكل ١٠٠ شخص-أسبوع. وإصابة شخصين من كل ١٠٠ شخص بالمرض خلال فترة الأسبوع القصيرة تعد معدلًا مرتفعًا. ظاهريًّا، أصيب بالمرض خلال ٥٢ أسبوعًا (أي عامًا كاملًا) ١٠٤ أفراد (٢ × ٥٢)، من بين إجمالي ١٠٠ شخص، وهي نتيجة غريبة طبعًا! والحقيقة أن عملية الحساب الصحيحة، التي تتضمن أكثر من مجرد عملية حسابية بسيطة، تبين أنه إذا استمر ذلك المعدل مدة عام كامل (وهو لحسن الحظ أمر لا يحدث عادةً في حالة الأنفلونزا الموسمية)، فربما يفلت من الإصابة بها ٣ أو ٤ أفراد من بين كل عشرة في مجتمعنا المصغَّر.

هوامش

(1) From M. G. Bulmer, Principles of Statistics, 2nd edn. (Edinburgh and London: Oliver & Boyd, 1967), p. 2.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢