نقد الشعر العربي

أخطاء المستشرقين في نقد الشعر القديم

انتهى في عصرنا هذا دور الاستشراق في خدمة اللغة العربية، وبقي للمستشرقين دورهم الذي ينتفع به أبناء الغرب الذين يعتمدون على إخوانهم في لغاتهم للعلم بما يحتاجون إلى علمه عن اللغة العربية.

ووضح اليوم مكان المستشرقين في الدراسات العربية، وسائر الدراسات الشرقية.

فإذا صرفنا النظر عن عمل الكثيرين منهم في دراسة اللغة لأغراض دينية أو سياسية، فهم قبل كل شيء مؤرخون أو أصحاب إحصاء وتسجيل، لم يعهد فيهم أنهم حجة في آداب بلادهم، فهم أحرى ألا يكونوا عندنا حجة في آدابنا العربية، وبخاصة في مسائل الذوق الفني، واختيار الشعر والحكم على الشعراء.

وهم بعد ذلك يجهلون روح اللغة ويجهلون معاني الكلمات، وليس من الشائع بينهم أن يتوسعوا في دراسة التاريخ العام للبلاد الشرقية إلى جانب دراسة اللغة، فيكثر عندهم من أجل ذلك أن يخطئوا فهم أطوار اللغة جهلًا منهم بأطوار التاريخ، وبما يستلزمه من موضوعات الشعر والخطابة وغيرها من التعبيرات القومية.

ومثال ذلك أنهم — لغفلتهم عن الفارق بين أديان العرب الجاهلين، وأديان الهند واليونان والفرس — حسبوا أن العرب قد كان لهم شعر ديني لا بد أن يكون على مثال قصائد الهند والفرس والأساطير اليونانية الشعرية، ورتبوا على ذلك إنكار الشعر العربي المنسوب إلى الجاهليين؛ لأنه خلو من التعبير عن العبادات والشعائر وما إليها، ولكن قليلًا من العلم بالتاريخ الجاهلي ينقض هذا الظن كله لما هو معلوم عن مناسك العرب الجاهليين، وإنها لم يوجد لها هيكل ترتل فيه الصلوات والأناشيد الدينية على مثال الهياكل الهندية أو الفارسية أو المحافل اليونانية، وإنما كان هيكلهم الأكبر في الكعبة مثابة فريضة ليس للشعر عمل فيها كعمله في الأشعار الدينية المشهورة، ونعني به فريضة الحج، أو زيارة الكعبة من حين إلى حين، ولو جاز أن ننفي الشعر الجاهلي الذي خلا من الدينيات لوجب أن نحل في محله شعرًا آخر لم يخل من هذه الدينيات، ولو بقي ذكره ولم تبق نصوصه بأوزانه وكلماته، سواء نظم ذلك الشعر بلغة قريش أو بلغة غيرها، لاعتقاد المستشرقين أن لغة قريش لم تشمل أنحاء الجزيرة العربية … فأين هو ذلك الشعر الموهوم؟

ومن نقص فهم التاريخ الذي يؤدي إلى الخطأ في نقد الشعر، وفهم أطوار اللغة أن المستشرقين لم يتلفتوا إلى عموم لغة قريش بين اليهود الذين لا شك في اختلاف لغتهم الأولى عن لغات قريش، وسائر أبناء الجزيرة.

وبعض ما يستفاد من الالتفات إلى تاريخ يهود يثرب — مثلًا — أنه يصحح خطأ المستشرقين؛ إذ ينكرون وحدة اللغة العربية قبل الإسلام في عصر المعلقات، والقصائد الجاهلية، ولقد كانت وحدة اللغة من مقدمات الدعوة الإسلامية التي خاطبت العرب جميعًا بلسان يعرفونه من قبل عصر الإسلام … فجاء بعض المستشرقين بوهم من أوهامهم يشككون في وحدة هذه اللغة، وينكرون اتفاق الجزيرة على التخاطب بلسان القرشيين والمكيين، ويزعمون أن وحدة هذه اللغة ممتنعة لاختلاف لسان العدنانيين والقحطانيين.

وإلى هذا الخطأ أشرنا في كتابنا مطلع النور حيث نقول:

فاليهود في يثرب أصدق جواب على هذه الأوهام؛ لأنهم غرباء عن الجزيرة العربية دخلوها في القرن الأول أو الثاني للميلاد، ولا يجوز الشك في ذلك، ولا القول: بأنهم عرب تهودوا كما قال بعض المؤرخين على غير علم ولا روية فيما يصح أن يقال! فإن القول بذلك يستلزم منا أن نفرض أن العرب الأميين تطوعوا للتحول إلى اليهودية، ثم تعلموا العبرية، وتفقهوا في كتب التوراة؛ لينقطعوا عن أسلافهم وينضووا إلى قوم مخذولين في بلادهم لا يسلمون لأحد من الأمم أنه أهل للدخول معهم في عداد شعب الله المختار، فهذا من أغرب الفروض التي لا تثبت بغير دليل قاطع فضلًا عن الثبوت — ظنًّا وتخمينًا — بغير دليل، وليس في هجرة اليهود من فلسطين إلى بلاد العرب غرابة، أو مناقضة لوقائع التاريخ بعد تشتيتهم في القرن الأول أو الثاني للميلاد، وقد كان مقامهم على الطريق بين تيماء والمدينة للتجارة والزراعة، والاشتغال بغير صناعات القبائل العربية أشبه شيء أن يكون على ذلك الطريق خاصة دون الطريق الأخرى التي يحميها النبط وقريش، ولا يستطيع اليهود المهاجرون أن يقتحموها على أصحابها وهم مشردون مستضعفون، مع العداء بينهم وبين النبطيين، وتعصب النبطيين على إسرائيل دينًا ولغة وميلًا في السياسة والولاء.

وعلى جميع هذه الفروض التي لا تقبل الشك تبقى هناك الحقيقة، التي لا تختلف مع اختلاف القول في أصول يثرب وخيبر وفدك وتيماء ووادي القرى على الإجمال.

فهل هؤلاء عرب يكتبون؟

لو كانوا كذلك لقد كانوا خلقاء أن يحفظوا في صحفهم كلامًا عربيًّا، مما قبل الإسلام بثلاثة قرون يخالف العربية الموحدة في عصر الإسلام، إن صح أن العربية لم تكن موحدة في أيام شعراء المعلقات … وبعض هؤلاء الشعراء لم يسبقوا عصر الإسلام بأكثر من مائة عام.

وكانوا خلقاء أن يحفظوا بالكتابة العبرية لهجة غير اللهجة الموحدة التي يشك المستشرقون في سبقها للإسلام إلى عصر أولئك الشعراء، أو كانوا خلقاء أن يعلمونا من كتابتهم شيئًا يؤيد ذلك الشك نوعًا من التأييد.

أما إذا كانوا على القول الراجح — بل القاطع — يهودًا دخلوا الجزيرة بلسان غير لسانها، وتكلموا الآرامية أو الأدومية أو العبرية، ثم تعلموا اللغة العربية الحجازية، فهذا التوحيد الذي تم بين اللغة الحجازية وبين الآرامية أو الأدومية أو العبرية ليس بالمستغرب أن يتم بين لهجة العرب في الجنوب، ولهجة العرب في الحجاز وسائر أطراف الجزيرة، فقد أقام عرب اليمن في الجزيرة، واتصلوا بالحجاز زمنًا أطول جدًّا من مقام اليهود المهاجرين منذ القرن الأول أو الثاني للميلاد.

ولم يصل إلينا شيء من لغة اليهود الذين أقاموا بجنوب الجزيرة، أو اليهود الذين تحالف معهم ذو نواس في نجران، ولكن اليهود الذين وفدوا إلى الحجاز بعد البعثة النبوية كان منهم كُتاب ومؤرخون مطلعون على تواريخ حمير، وتواريخ أسلافهم العبرانيين، وكان منهم كعب بن مانع المسمى بكعب الأحبار، وكان منهم وهب بن منبه الصنعاني الذي قال ابن خلكان: إنه رأى كتابًا له عن ملوك حمير وأخبارهم وأشعارهم في مجلد واحد، ووصف هذا الكتاب بأنه مفيد، وقد كان كعب ووهب من المغربين في طلب النوادر، فلم يذكروا لنا زمنًا شهداه، أو شهده آباؤهما، وأجدادهما، كانت فيه لغة قريش مجهولة في اليمن وما جاورها. وأدنى من ذلك إلى عصر البعثة قدوم الوفود من اليمن إلى الحجاز، وذهاب الولاة من الحجاز إلى اليمن بإذن النبي — عليه السلام، ومنهم معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب، ومن كان يصحبهما في عمل الولاية والتعليم، فلم نسمع أن وفود اليمن — على النبي — جهلوا ما سمعوه أو نطقوا بكلام لا يفهمه أهل الحجاز، وهؤلاء لقد لقنوا لغاتهم من آبائهم، فلا يفوتهم ما اختلف من كلامهم إذا كان ثمة اختلاف.

وأقدم من البعثة المحمدية رحلة الصيف ورحلة الشتاء، وليس في أخبار هذه الرحلات إلماع إلى تفاهم قريش من أهل اليمن، بلغة غير اللغة القرشية في الجيل السابق للبعثة والجيل الذي تقدمه، ومن البعيد جدًّا أن يغيب عن ذاكرة العربي حديث جيلين قبل جيله، وقد كانت أخبارهم ورواياتهم وأنسابهم وأمثالهم كلها قائمة على الحفظ، وتسلسل الرواية والإسناد من جيل إلى جيل، فإذا كانت لغة الحجاز شائعة عامة على مدى الذاكرة في عصر البعثة المحمدية، فلا أقل من ثلاثة أجيال تقدر لهذا الشيوع وهذا التعميم، وترجع بنا هذه الأجيال إلى أقدم الأوقات التي أسند إليها نظم المعلقات، فلا نستغرب نظمها باللغة التي يفهمها العرب من الجنوب إلى الشمال.

ولقد سمع النبي — عليه السلام — قصيدة كعب بن زهير، وقد نظمها ولا شك بلغة أبيه زهير بن أبي سلمى، وكان زهير من أسرة شاعرة مسبوقًا إلى النظم بتلك اللغة، ولا يعقل أن يكون التغير في لغة النظم قد طرأ عليهم فجأة في مدى سنوات معدودات. فإذا بلغنا بالمعلقات عصر هرم بن سنان — ممدوح زهير، وما تقدمه بقليل فليس من شعراء المعلقات من هو أقدم من ذلك بزمن طويل يمتنع فيه التوافق على النظم الواحد واللغة الواحدة.

ولا بد أن نذكر هنا أن أوزان العروض لا تخلق بين يوم وليلة، وأن وزن قصيدة كعب ووزن قصيدة أبيه قد وجدا قبل عصر الشاعرين، ونظمت فيهما قصائد جيل أو جيلين على الأقل قبل ذلك التاريخ، ولو أن هذه الأوزان وسعت شعرًا غير شعر اللغة الحجازية لما غاب خبره إن غاب لفظه ومعناه.

ومن عسف القول ولا ريب أن نجزم بامتناع هجرة اليمانية إلى ما وراء حدود اليمن في الجزيرة العربية، فإذا جاز أن تهاجر منهم قبيلة واحدة، فحكم القبيلة في مسألة اللغة كحكم القبائل العشر أو العشرين، ولمن شاء أن ينكر نسبة البكريين أو التغلبيين أو الغساسنة إلى اليمن مستندًا إلى الدليل، أو غير مستند إلى دليل على الإطلاق، ولكنه لا يستطيع أن ينكر نسبتهم إلى اليمن وينكر نسبة اللغة العدنانية إليهم في وقت واحد، فإنه بذلك ينكر نسبتهم إلى كل أصل معروف في الجزيرة العربية، ولا يأتي لهم بأصل من تلك الأصول.

وإن من ينكر انتقال قوم من اليمن إلى ما وراءها؛ لينكر أمرًا غير قابل للإنكار في الجزيرة العربية التي لم يثبت فيها تاريخ أثبت من تواريخ الرحلات، على تباعد الأزمنة وتبدل العوارض الجوية وطوارئ الخصب والجدب والغلبة والهزيمة. وما من باحث ذي روية يعتسف البت بذلك الإنكار، ثم يجزم بحصر اليمانية في حدودهم منذ أحاطت بهم تلك الحدود. فمن العسف أن يقال: إن اليمانية لم تبرح اليمن قط في العصور التي سبقت البعثة المحمدية، وليس من العسف في شيء أن يقال: إنها برحتها على حسب الطوارئ وعوامل الجو والتاريخ، ولا داعي بعد ذلك لاستغراب التوافق بين اليمانية، وأبناء الحجاز وتهامة، وسائر الجزيرة في لهجة من اللهجات، فما دمنا نقدر بحكم البداهة أن اليمانية وجدوا في الجزيرة العربية وراء حدودهم، وتكلموا كما يتكلم المقيمون في جوارهم فقد زالت المشكلة … ولم تكن هنالك في الحقيقة مشكلة تُزال.

وليس أكثر من العسف الذي يلجأ إليه منكرو الوحدة في لغة الجزيرة قبل البعثة المحمدية بجيلين أو ثلاثة أجيال، وإن اعتساف التاريخ هنا لأهون في رأينا من اعتساف الفروض الأدبية التي لا تقبل التصديق، فما من قارئ للأدب يسيغ القول: بوجود طائفة من الرواة يلفقون أشعار الجاهلية، كما وصلت إلينا ويفلحون في ذلك التلفيق؛ إذ معنى ذلك «أولًا» أن هؤلاء الرواة قد بلغوا من الشاعرية ذروتها التي بلغها امرؤ القيس والنابغة وطرفة وعنترة وزهير وغيرهم من فحول الشعر في الجاهلية. ومعنى ذلك «ثانيًا» أنهم مقتدرون على توزيع الأساليب على حسب الأمزجة والأعمار والملكات الأدبية؛ فينظمون بمزاج الشاب طرفة ومزاج الشيخ زهير، ومزاج العربيد الغَزِل امرئ القيس، ومزاج الفارس المقدام عنترة بن شداد، ويتحرون لكل واحد «مناسباته» النفسية والتاريخية، ويجمعون له القصائد على نمط واحد في الديوان الذي ينسب إليه، ومعنى ذلك «ثالثًا» أن هذه القدرة توجد عند الرواة، ولا توجد عند أحد من الشعراء ثم يفرط الرواة في سَمْعَتِها، وهم على هذا العلم بقيمة الشعر الأصيل، وما من ناقد يسيغ هذا الفرض ببرهان فضلًا عن إساغته بغير برهان ولغير سبب، إلا أن يتوهم ويعزز التوهم بالتخمين! وإن تصديق النقائض الجاهلية جميعًا لأهون من تصديق هذه النقيضة التي يضيق بها الحس، ويضيق بها الخيال.

وشتان — مع هذا — النقائض التي يستدعيها العقل ويبحث عنها إذا تفقدها فلم يجدها، والنقائض التي يرفضها العقل ولا موجب لها من الواقع، ولا من الفكر السليم.

فهذه النقائض التي تحاول أن تشككنا في وحدة اللغة العربية قبل الإسلام يرفضها العقل؛ لأن قبولها يكلفه شططًا ولا يوجبه بحث جدير بالإقناع.

فمما يتكلفه العقل إذا تقبلها أن يجزم — كما تقدم — بانقطاع عرب اليمن عن داخل الجزيرة كل الانقطاع، وأن يجزم ببقاء لغة قحطانية تناظر اللغة القرشية في الجيلين السابقين للبعثة المحمدية، غير معتمد على أثر في ذاكرة الأحياء ولا في ورق محفوظ، وأن يلغي كل ما توارثه العرب عن أنسابهم وأسلافهم، وهم أمة تقوم مفاخرها وعلاقاتهم على الأنساب وبقايا الأسلاف، وأن يفترض وجود الرواة المتآمرين على الانتحال بتلك الملكة التي تنظم أبلغ الشعر، وتنوعه على حسب الأمزجة والدواعي النفسية والأعمار، وأن يفهم أن القول المنتحل مقصور على الأسانيد العربية، مبطل لمراجعها، دون غيرها من مراجع الأمم التي صح عندها الكثير مما يخالطه الانتحال والكذب الصريح.

ومن النقائض التي يستدعيها العقل ويستلزمها، ويتخذ منها حجة لثبوت الواقع في جملته أن يحدث الاختلاف في الرواية، وأن يتعذر فيها الإجماع بين الرواة، فإن العقل لا يصدق الأقاويل التي يتفرق رواتها، ويطول العهد عليها ويعول أصحابها على الذاكرة والإسناد، ثم تأتي متفقة في الجملة والتفصيل، ولا تتعرض مع الزمن وعوامل الأهواء للاضطراب والحذف والإضافة عن قصد أو بفعل النسيان والإهمال، فاختلاف الرواة إذن سبب من أسباب التصديق، واتفاقهم يدعو إلى الشك أو التكذيب.

وقد نسمع النقيضين في هذه الحالة؛ فنرفضهما ولا نرفض لباب الخبر ومغزاه. فقد سمعنا أن عمرو بن كلثوم أو الحارث بن حلزة ألقى قصيدته في وقفة واحدة، وسمعنا أن زهير بن أبي سلمى كان ينظم قصيدته في الحول، وتسمى قصائده من أجل ذلك بالحوليات، وقد نسقط هذه المبالغة كما نسقط تلك، ولا يلزم من ذلك أن نسقط الشعر الذي يوغل في وقت نظمه، بين أقصى الطرفين.

وربما وقفنا على روايتين نصدقهما الآن عند النظر إلى الحقائق العصرية، ونعلم أن تلفيقهما في الزمن الماضي جد عسير ولو أراده الملفقون. فمما يروى عن امرئ القيس أنه تعجب من إعراض النساء عنه مع وسامته ومكانته، وسأل إحدى النساء في ذلك فقالت له: نعم، ولكن لك عرقًا كأنه عرق كلب، ثم نقرأ أخبار وفاته فنعلم منها أنه أصيب قبل موته بقروح تساقط منها جلده، وسمى الحلة التي كان يلبسها من أجل ذلك بذات القروح، ومؤدى الروايتين معًا أن الشاعر كان على استعداد للمرض الجلدي لفساد رائحة العرق الذي يفرزه، وأنه لم يزل حتى استشرى به الفساد في رحلته القصية فظهرت فيه تلك القروح، ويقترن ذلك بنوادره مع النساء المعرضات عنه، وغلبة الشاعر علقمة عليه في عيني امرأته، فلا يسهل على الناظر في جميع هذه الأخبار أن ينسب تلفيقها عمدًا إلى راوية واحد، ولا يسهل عليه أن يتلقاها متفرقة ثم يجردها من الدلالة التي تربط بينها على غير علم من الرواة المتفرقين.

وربما كذب الكثير من أخبار طرفة ولم تكذب قصيدته، حيث تنم في جملتها على خلائقه التي تنوب عن تلك الأخبار، وتغنينا عن محاسبة الرواة على التصديق أو التكذيب.

وهذه القرائن الأدبية هي التي يغفل عنها المستشرقون ولا يفطنون لها لأنهم ينظرون في النصوص والإسناد ولا ينظرون في الأدب، ولا في روح الكلام ومضامين التعبير، ومنهم من لا يعرف أدب بلاده، ولا يحسن الحكم عليه، وهو أدب اللغة التي تلقنها في حجر أمه، فليست معرفته باللغة العربية كافلة له أن يحكم على آدابها وأساليبها، ومضامين الكلام فيها، مع تعدد الأمزجة والأذواق … ومنهم علَّامة تصدى لوضع المعجمات الكبرى في اللغة العربية، فكتب في مادة «أخذ» إنها تأتي بمعنى نام لقوله تعالى: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ … ومنهم من يترجم «أبا بكر» بأبي العذراء؛ لأنه كان والد الزوجة التي بنى بها النبي — عليه السلام — وهي عذراء، ومنهم من يترجم الصعيد بمصر الميمونة أو مصر السعيدة Egypt Felix قياسًا على اليمن التي تسمى العربية السعيدة Arabia Felix، ومنهم من يقول: إن التضحية تدل على عبادة الشمس؛ لأنها من الضحى … وما هي في وضعها إلا كالتغدية من الغداة والتعشية من العشاء، والسحور من السحر إلى غير ذلك من توقيت الوجبات والذبائح بميقاتها في الليل والنهار، ومنهم من يحسب أن القصيدة من القصد، فيترجمها بالكلام الذي يراد معناه!
وقد تصدت منهم لهذا البحث الذي نحن فيه عن اللغة قبل نزول القرآن طائفة تقتحم هذه المباحث، وهي أجهل بآلاتها من عامة الأميين، فالدكتور سنكلر ثسديل Thusdale صاحب كتاب مصادر الإسلام يروي شبهات الناقدين للقرآن الكريم، ومنها هذه الأبيات:
دنت الساعة وانشق القمر
عن غزال صاد قلبي ونفر
أحورٌ قد حرت في أوصافه
ناعس الطرف بعينيه حور
مر يوم العيد في زينته
فرماني فتعاطى فعقر
بسهام من لحاظ فاتك
تركتني كهشيم المحتظر

ويتخذ منها قرينة على اقتباس القرآن بعض الآيات من أشعار الجاهليين.

ويضيف الدكتور العلامة إلى هذه الأبيات أبياتًا أخرى كقول القائل:

أقبل والعشاق من خلفه
كأنهم من حدب ينسلون
وجاء يوم العيد في زينة
لمثل ذا فليعمل العاملون

قال الدكتور: «ومن الحكايات المتداولة في عصرنا الحاضر أنه لما كانت فاطمة بنت محمد تتلو هذه الآية وهي اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ سمعتها بنت امرئ القيس، وقالت لها: إن هذه القطعة من قصائد أبي أخذها والدك، وادعى أن الله أنزلها عليه، ومع أنه يمكن أن تكون هذه الرواية كاذبة؛ لأن امرأ القيس توفي سنة ٥٤٠م، ولم يولد محمد إلا في سنة الفيل أي: سنة ٥٧٠م، فلا ينكر أن هذه الأبيات المذكورة واردة في سورة القمر وفي سورة الضحى، وفي سورة الأنبياء وفي سورة الصافات، وغاية الأمر أنه يوجد اختلاف طفيف في اللفظ وليس في المعنى، فورد في القرآن اقتربت وفي القصيدة دنت … ومن البين الواضح أنه يوجد مناسبة ومشابهة بين هذه الأبيات، وبين تلك الآيات الواردة في القرآن، فإذا ثبت أن هذه الأبيات هي لامرئ القيس حقيقة، فحينئذ يصعب على المسلم توضيح كيفية ورودها في القرآن؛ لأنه يتعذر على الإنسان أن يعتقد أن أبيات شاعر وثني كانت مسطورة في اللوح المحفوظ قبل إنشاء العالم.»

ثم قال الدكتور يطالب العلماء المسلمين، مع المعترضين والمشتبهين، بأن يقيموا الدليل على أن هذه الآيات مأخوذة ومقتبسة من القرآن، وأنها ليست من نظم امرئ القيس الذي توفي قبل مولد محمد بثلاثين سنة «ولكن يصعب علينا أن نصدق بأن ناظم هذه القصائد بلغ إلى هذا الحد من التهتك والاستخفاف، والجرأة في أي زمن من الأزمان بعد تأسيس مملكة الإسلام التي كانت متسعة الأطراف والأكناف، حتى يقتبس آيات من القرآن، ويستعملها في مثل هذا الموضوع.»

ثم يختم الدكتور كلامه في هذه الشبهات مصطنعًا الحذر والحيطة؛ لئلا يثبت نظم هذه الأبيات بعد الإسلام، فتسقط الشبهة كلها، فيقول: «إن هذه الأبيات ليست كل ما يعترض به المعترضون؛ لأن ما تقدم من الأسانيد كاف عندهم لتأييد هذه القضية.»

وأيسر ما يبدو من جهل هؤلاء الخابطين في أمر اللغة العربية قبل الإسلام، وعلاقتها بلغة القرآن الكريم — أنهم يحسبون أن علماء المسلمين يلقون في بحث تلك الأبيات، وصبا واصبًا لينكروا نسبتها إلى الجاهلية … ولا يلهمهم الذوق الأدبي أن نظرة واحدة كافية لليقين بإدحاض نسبتها إلى امرئ القيس، أو غيره من شعراء الجاهلية.

وهذه النظرة الكافية هي التي تعيي الناقدين المستشرقين، وهي أصل وثيق من أصول النقد يعول عليه الناظر في الأدب كل التعويل، ولا يقدح فيه أن يتسع للجدل، وأن يجوز عليه الخطأ في القليل دون الكثير.

كذلك يتسع سبيل الجدل في إنكار خبرة الخبير بكتابة الخطوط، وكذلك يجوز الخطأ في محاكاة كلمة أو بضع كلمات، ولا يجوز في السطور والصفحات.

فإذا نظر خبير الخطوط في صفحة من الصفحات، فقد تغنيه نظرة في الحكم عليها بالصحة أو التزييف، وربما جاز عليه أمر الكلمة والكلمات، إذا لم يكن أمامه غير هذه الكلمة أو هذه الكلمات للمقابلة والمضاهاة، ولكنه إذا حصل على تلك الكلمة مكتوبة عشر مرات أو عشرين مرة لم يكن من اليسير أن ينخدع فيها، كما ينخدع في الكلمة المفردة بغير تكرار، وعلى هذا المنوال يبدو الصحيح والزيف في الشعر الأصيل والشعر المدخول، وقد يجوز التزوير في الشطرة الواحدة أو البيت الواحد إذا امتنعت المقارنة بينه وبين أمثاله من تلفيق صاحب التزوير، ولكنه لا يجوز إذا كرر المزور الأبيات، ومثلت للناظر الناقد طريقته في تزوير هذه الأبيات المتفرقات.

أما المستحيل، أو شبيه المستحيل، فهو تزوير أدب كامل ينسب إلى الجاهلية، ويصطبغ في جملته بالصبغة التي تشمله على تباين القائلين والشعراء، فإذا جمعنا الشعر المنسوب إلى الجاهلية كله في ديوان واحد، فمن المستحيل أو شبيه المستحيل أن نجمع ديوانًا يماثله، ولا يخالفه من كلام العباسيين أو كلام الأمويين المتأخرين، وإذا قل الفارق بين الشعر المخضرم والشعر الأموي الأول والشعر الجاهلي، فتلك آية على صحة العلامات التي تميز الشعر الجاهلي، وعلى صحة القرابة بينه وبين الشعر الذي لم يفترق عنه افتراقًا بعيدًا بزمانه وثقافة قائليه، وبيئاتهم في المعيشة ومناسبات التعبير، فلا يتشابه الشعر الجاهلي والشعر المخضرم، إن لم يكن بينهما ميزان مشترك، مع انتمائه إلى عشرات الشعراء الجاهليين والمخضرمين.

إن الملامح الشخصية التي تميز بين الفرزدق والأخطل وجرير لم يكن لها ثبوت أوضح وأقوى من ثبوت الفوارق، التي تميز بين امرئ القيس وعمرو بن كلثوم وزهير، فمن يرى أن خلق دواوين الفرزدق والأخطل وجرير في وسع راوية واحد، فقد سهل عليه أن ينسب شعر الجاهليين جميعًا إلى راوية أو رواة، ولكنه يذهب في الحالين مذهبًا لا سند له، ولا سابقة من مثله في آداب الأمم، ولا نصيب له من الذوق الأدبي غير النبو والاستغراب.

وربما كان «سنكلر ثسديل» الذي مثلنا به لجهل المستشرقين باللغة والذوق الأدبي، وشواهد التضمين والاقتباس مثلًا صارخًا كما يقال في التعبير الحديث، ولكن المثل الصارخ هو الذي يبرز الحقيقة مستعصية على اللبس والمكابرة، ويحيط بما دونه من الأمثلة التي تتردد بين الشك واليقين، وقد أتينا على طائفة منها لا تتخلف عن المثل الصارخ بشوط بعيد.

•••

على أن موازين النقد الأدبي الذي اشتغل به هذا النفر من المستشرقين لا تسلم على هينة من جراء أخطائهم؛ لأنهم ضللوا أناسًا من تلاميذهم فاتبعوهم في أكثر الأخطاء التي كانوا يقعون فيها من جراء عجزهم عن النفاذ إلى حقائق التاريخ، وأسرار البلاغة العربية.

ولا بد من مراجعة طويلة يستعان فيها بموازين البحث العلمي على تصحيح تلك الأخطاء، ونأتي فيما يلي بمثل من أمثلة النقد في مسألة من مسائل الأدب القديم المشهورة لاتباع المنهج المفيد في المراجعة والتصحيح، كما اتصل الأمر على الخصوص بالفروض التي تتردد عن التاريخ المجهول.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠