سحر الكتابة الحرة

عند سؤال الكاتبة «جويس كارول أوتس» حول تلك الحالة المثالية التي يمكنها فيها أن تَكتب من الصباح المبكر وحتى الأصيل، قالت يجب على المرء ألَّا يتهاون أبدًا مع مسألة «المزاج الملائم» هذه؛ لأن الكتابة بمعنًى ما هي التي تُوجِد «المزاج الملائم». وهو رأيٌ يخالف كثيرًا ما نشَأْنَا عليه بخصوص انتظار اللحظة المواتية للكتابة.

نعرف جيِّدًا الصورةَ المألوفة للكاتِب الذي يجلس مُحدِّقًا في الورقة البيضاء بنظرة تعيسة في انتظار الوحي، أو يهيم على وجهه في الطرقات (أو ربما في أحضان الطبيعة) ملتمسًا الإلهام. الآن، فَلْتعتبروا هذه المشاهد من مُخلَّفات تاريخ الكتابة، فلم يَعُدْ عليك انتظار الوحي والإلهام، بل عليك أن تذهب بنفسك إليه، على قول وِليام فوكنر: «إنني لا أكتب إلا بإلهام، ولحسن الحظ، فإن الإلهام يأتيني كلَّ يوم في التاسعة صباحًا.» هذا يعني أن على الإلهام — إذا كان له وجود — أن يَجِدَكَ في انتظاره عندما يقرِّر زيارتك، وأن يَجِدَكَ مُستعِدًّا ومتأهِّبًا لالتقاط مِنَحه وكراماته.

إليك واحدًا من أهم كنوز صندوق أدوات الكتابة، وهو «الكتابة الحرة».

الكتابة الحرة هي أداةٌ، الهدفُ من استخدامها أن تضع على الورق أمامَك أيَّ شيء يخطر في بالك وقتَ الكتابة (أي شيء بمعنى أي شيء) لمدةٍ محدَّدة من الوقت (عشر دقائق مثلًا)، أو لعدد مُحَدَّدٍ من السطور أو الكلمات (٢٠ سطرًا أو ٢٠٠ كلمة)؛ الهدف أن تكتب فحسب، في دفقةٍ متواصلة، سواءٌ انطلاقًا من كلمة أو فكرة أو شخصية، أو حتى قطعة موسيقية أو لوحة فنية، والاحتمالات — كما هي العادة — بلا نهاية، أو دون أن تنطلق من أيِّ شيء بالمرة؛ من البياض المَحْض. كلُّ ما هنالك أن يتحرك قلمُك ببساطة وبسرعة على الصفحة، أو أن تعزف الأصابع بنشاطٍ وخفة على لوحة المفاتيح دون وعيٍ تقريبًا، مع إرجاء كلٍّ من الحكم والنقد والتنقيح والتحرير والضبط إلى وقتٍ تالٍ.

من الضروري كبح أيِّ صوتٍ نقديٍّ قد يبرز في رأس الكاتب، ولو ألحَّ هذا الصوت واستمر في الظهور؛ فبعض الكُتَّاب ينصحون باستخدامه ووضعه هو الآخَر على الورق والتسلُّل من حوله للعودة من جديد لمسار الأفكار. كما أن الاكتفاء بالحد الأدنى من سيطرة العقل الواعي على تيار الكتابة؛ شيءٌ لا غِنى عنه عند ممارسة الكتابة الحرة؛ لأنه عندئذٍ فقط تبدأ المفاجآت المدهشة في الظهور، وبعد أن كانت اليدُ ثقيلةً في السطور الأولى — أو جلسات الكتابة الأولى — تخفُّ وتتطاير كأنها تكافِح لتلحق بتيار الأفكار المتتابعة في الذهن، وبعد أن كانت الصورةُ غائمةً ومشوَّشة، نراها — بعد فترة من الممارسة — وقد انجلَت ووضحتْ معالِمُها وتفاصيلها، حتى إننا قد نَشعُر في لحظةٍ ما أننا لا نكتب، بل نكتشف، لا نبدع من عدم، بل فقط نَمُرُّ بأصابعنا على سطورٍ مكتوبة سلفًا من زمان بحبرٍ سريٍّ بداخلنا، وما علينا إلا أن نكشف عنها النقابَ.

في كتابها Becoming a Writer تقترح «دوروثيا براند» أن الطريقة المثلى لأنْ تبدأ كتابك ليست هي الانطلاق من فكرة أو شكل، بل أن تُطلِق كلَّ ما في ذهنك من أفكارٍ على آلتك الكاتبة، وهي تقترح عليك أن تصحو كلَّ يوم وتتوجه مباشَرةً إلى مكتبك (يكون من الأفضل أن تُعِدَّ قهوتك من المساء، وتتركها في وعاء يحفظها ساخنة)، ثم تشرع في كتابة كل ما يَرِدُ إلى ذهنك، حتى قبل أن تستيقظَ تمام اليقظة، قبل أن تقرأ أيَّ شيء أو تتحدَّث إلى أيِّ شخص؛ أيْ قبل أن تُسلِّم زمام عقلك لعالَم المنطق والواقع والقوانين والقواعد.

تمرين

مَارِسِ الكتابةَ الحرة يوميًّا على مدار أسبوع، كلَّ يوم لمدة ربع ساعة فقط. اعتبِرْ نفسَك في ماراثون، وتريد أن تحقِّق رقمًا قياسيًّا في إنتاج عدد الكلمات خلال هذه الفترة. اهزم خشيتك من السطحية أو السذاجة، اكتب فحسب، فلن يطَّلِع أحدٌ غيرك على هذه الكتابات، مرِّنْ عضلات الكتابة لديك لتكون مستعِدًّا عندما تعمل على مادتك الحقيقية. والاحتمالات كبيرة أن تُولَد تلك «المادة الحقيقية» من رَحِم تمارين الكتابة الحرة اليومية، التي يحرص كثيرٌ من الكُتَّاب على ممارستها يوميًّا كلَّ صباح، كأنها تمارين الصباح البدنية تمامًا.

نصائح …

من الروائي حنيف قريشي (بريطاني من أصل باكستاني):
  • (١)

    اكتب على دفقاتٍ، كلٌّ منها مدة رُبع ساعة على الأقل.

  • (٢)

    خلال دفقة الخمس عشرة دقيقة، لا تفكِّرْ على الإطلاق، اكتب فحسب.

  • (٣)

    اكتب كما لو أنك شخصٌ آخَر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١