للحوار أصول

سؤال

فكَّرت أليس: «وما نفع أي كتاب دون صورٍ أو حوارات؟»

لويس كارول، «أليس في بلاد العجائب»

مسائل تقنية وشكلية

تعرِف — من خبرتك كقارئ — أن الحوار في القصة والرواية لا يُكتَب كما تُكتَب سطورُ النثر الأخرى من وصفٍ وسردٍ للأحداث، وأنه لا بدَّ من تمييزه بطريقةٍ ما؛ لتنبيه القارئ إلى أن هذا هو نصُّ كلام الشخصية. هذا التمييز هو الهدف الأساسي البسيط، مهما تنوَّعت آلياته بين الكتَّاب؛ لأن منهم مَن يضع جُمَلَ الحوار بين قوسَيْ تنصيص صغيرين، مثل:

قالت: «صباح الخير يا معلم.»

ومنهم كذلك مَن يستغني عن هذين القوسين ويكتفي بوضع جملة القول على سطرٍ بمفردها بعد شرطة صغيرة، مثل:

قال لها: – كيف وصلتِ بهذه السرعة؟

ومهما كانت الطريقة التي تختارها فالمهم هو التمييز. ومع ذلك، فثمة اعتبارات شكلية يجب عدم تجاهُلها، فإذا وردَتْ جملةُ حوارٍ جديدةٌ لشخصية أخرى، فيجب أن تبدأ بها فقرة جديدة، ولا تكملها على نفس السطر، مثل:

سأل ابنه: «أين كنتَ طوال هذا الوقت؟»

فأجاب: «هذه حكاية طويلة.»

وحتى هذه القاعدة المسلَّم بها، ستجد أن بعض الكتَّاب يتجاهلونها تمامًا، والمثال الأشهر والأشد تطرُّفًا على ذلك هو الروائي البرتغالي صاحب نوبل «جوزيه ساراماجو»، الذي لا يميِّز جُمَلَ الحوار بأي طريقة، ولا يبدأ جملةَ الحوار الجديدة بفقرة جديدة، وغالبًا يتجنَّب حتى الإشارة إلى المُتحدِّث بين الشخصيات، ولعلَّه يتعمَّد ذلك لشحْذِ انتباه القارئ، أو لعدم اقتناعه بانفصال الحوار عن مجرى السرد انفصالًا حقيقيًّا. وأيًّا كان مقصده، فإن هذا مثال شديد التطرُّف على تجاهُل آليات تمييز الحوار كما أشرنا، لن تصادفه إلا لدى ساراماجو، ومقلِّديه بالطبع.

هناك كتَّاب يحرصون على إيراد فعل القول «قال، قلتُ» مع كل جملةِ حوارٍ تقريبًا، مع تنويعات بسيطة عليه، من قبيل: سألتْ، أجاب … إلى آخِره، غير أنكَ لستَ مُلزَمًا بتكرار فعل القول في كل مرة؛ فالقارئ يدرك هذا تلقائيًّا. وثمة ولع آخَر في التنويع الشديد على أفعال القول؛ فيميل البعض إلى وضْعِ فعلٍ جديد مع كل جملةِ قولٍ تقريبًا، من عينة: هتفَ، همسَ، صاحَ، أعلنَ، صرَّح … وإذا كان استخدام مثل تلك الأفعال لا غنى عنه أحيانًا، لتمييز طريقة القول والانفعال، فإنَّ الإفراطَ فيها يُفقِدُها قوتها وقيمتها، ويجعل القارئ يمرُّ عليها دون اكتراث، وكثيرًا ما تكون عقبةً تُشتِّت الانتباهَ بعيدًا عن جملة القول ذاتها؛ لذا ينصح أغلبُ الكتَّاب بتجنُّبها، والحد من تكرار فعل القول نفسه إلى أضيق الحدود.

من الضروري في بعض الأحيان وَصْف طريقة النطق بجملةٍ ما؛ أي اللجوء إلى استخدام الحال، على طريقة: «قال مغتاظًا أو مهتاجًا»، أو اللجوء إلى شبه جملة: «همست في حنان أو في دلالٍ … إلى آخره»، غير أن الإفراط في اللجوء لتلك الوسائل — شأن أي إفراط — يجلب نتيجةً عكسيةً. وينصح كتَّابٌ كثيرون بتجنُّب الأحوال الملحقة بفعل القول تمامًا؛ ربما ليتفاعل القارئ بحريةٍ كاملة مع الحوار، ويُضفِي عليه بنفسه النبرةَ التي يتخيَّل أنها الأنسبُ له، دون وقوف السارِد حائلًا دون ذلك. وعند كُتَّاب المسرح مثلًا — ولعلَّ قراءةَ أهم المسرحيات في المدارس المختلفة خيرُ درسٍ لكتابة حوارٍ نَشِطٍ وفعَّالٍ في القصة والرواية — هناك مدرستان أساسيتان في هذا؛ فالبعض يميل لأنْ يحدِّد طريقةَ ونبرةَ كلِّ جملةٍ تنطق بها شخصياتُه تقريبًا، وآخَرون يميلون للعكس، تاركين مهمةَ إضفاءِ النبرة لاجتهاد الممثلين والمخرِجين عند تنفيذ المسرحية. والقرار لك في نهاية الأمر، غير أن النصيحة التي لا بدَّ منها هي أن تترك البابَ موارِبًا لخيال القارئ وتفاعُله، وألَّا تفرط في التدخُّل عند كتابة الحوار.

على الرغم من التأكيد على أن الحوار في السرد ليس نسخةً مطابِقةً للكلام العادي في الحياة اليومية، غير أنه لا بأسَ من محاكاة بعض خصائص الكلام اليومي، من قبيل إيراد أصوات غير ذات معنًى من همهمة وتأوُّه أو غير ذلك: «إممم، آآآه …» أو استخدام تفتيت الجملة إلى عبارات مجتزَأَة غير مكتملة؛ لكي تنقلَ حالةَ المُتحدِّث، أو تعزِّزَ أسلوبًا خاصًّا بالشخصية: «ولكن … اسمعني … أريد أن أقول …» ومرةً أخرى، احذَرِ الإفراطَ في اللجوء إلى هذه الوسائل.

لكلٍّ منَّا قاموسُه

إننا لا نتحدَّث جميعًا بنفس الطريقة أو بنفس مجموعة المفردات؛ لذلك من الضروري أن تنصت في ذهنك إلى شخصياتك المختلفة، وأن تعطي لكلام كلٍّ منها طَعْمَه وقاموسَه وطريقةَ تعبيره، بما يتناسب بطبيعة الحال مع تكوينك لملامح هذه الشخصية، وعلى الأخص من الناحيتين الاجتماعية والنفسية. اكتشِفْ ما إذا كانَتْ طريقةُ الشخصية في التعبير تميل إلى استخدام العبارات القصيرة الحادة التي تصيب عينَ القصد، أم تجنح لجُمَلٍ طويلة وملتوية مكتنزة بالوقفات والجُمَل الاعتراضية.

تبيَّنْ أيضًا طريقةَ الشخصية في النطق؛ هل تتحدَّث ببطء أم بسرعة، بوضوح أم بتلعثُم وتآكُل للحروف، وغير ذلك ممَّا يميِّز البشرَ العاديين ولا بدَّ أيضًا أن يظهر بدرجةٍ ما على ألسنة شخصياتك، وخصوصًا لو عكس ذلك طبائعَهم وخصوصياتهم النفسية، فكلما كانت التفاصيل الخاصة بشخصيتك ذات مَقْصِد ودور محدَّد، صارت ألزم ولا غنى عنها، وليست مجرد إكسسوارات زائدة عن الحاجة لمجرد إضفاء المصداقية والإيهام بالواقع.

ليست أصواتًا إذاعية

حين نستمع إلى ممثِّل في تمثيلية إذاعية، يشتغل خيالُنا بحيث نبني على الصوت ما يمكن أن يحيط به من مشهد وصورة، وكذلك شكل وهيئة المتحدث. في الدراما المرئية لا نحتاج إلى هذا؛ أمَّا في السَّرد، فضَعْ في اعتبارك على الدوام، عند كتابتك جُمَلًا حواريةً، أنَّ شخصياتك لم تتحوَّل إلى مجرد أصوات إذاعية، وعلى ذلك لا بدَّ أن تكون منتبِهًا إلى الحيِّز المحيط بها وهيئتها في أثناء الحديث. طبعًا سوف نتوقَّف في فصولٍ تاليةٍ مع المشهد والوصف على العموم، لكن فيما يخصُّ كتابةَ الحوار هنا على الأقل، احرص على أن تقدِّم للقارئ ما يحتاج إليه من إشاراتٍ مختصرة للصورة العامة، وما يُمكِّنه من تخيُّل شخصياتك في حوارها، فلعلَّ الوضع الجسدي لشخصيتك يغيِّر تمامًا من مغزى ودلالة ما تقوله، من النقيض إلى النقيض.

ولسنا بحاجة إلى التذكير بأهمية اللغة الجسدية التي تكمل اللفظ المنطوق وتضيف إليه، أو تعيد صياغته تمامًا، فلا تغفُلْ عن طريقة جلوسِ شخصياتك وهي تتحدَّث؛ ماذا تفعل بذراعَيْها ويدَيْها، أين تنظر وكيف، حركتها وسكونها وتعبيرات وجهها؛ كل ذلك يجب أن يُحسَب بميزان حسَّاس حتى لا يأخذ الانتباهَ بعيدًا عن مضمون الحوار نفسه، والإفراطُ فيه خطرٌ شأن الوسائل السابقة، والأَوْلى أن يكون له دلالة واضحة، وليس مجرد زينة أو حيلة بصرية سهلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤