الفصل الحادي عشر

جمهورية المنطق: أفلاطون

يحاول أفلاطون في منتصف رائعته «الجمهورية» وضع تعريف للفلسفة بشرح أصل كلمة «فيلوسوفيا» التي تعني «حب الحكمة»، لكنَّ تعريفًا كهذا يشوبه الغموض. لذا كان أول تعديل مطروحٍ عليه هو الدفع بأن الفيلسوف هو ذلك الشخص الذي يحب صنوف الحكمة كلَّها لا بعضها. فهو «لا يجد غضاضة في الاطِّلاع على كل المعارف ويتصدى لمهمته بسرور ولا يَمَلُّهَا.» لكن هذا التعريف لا يزال على قدرٍ غير كافٍ من الدقة؛ لأنه يشمل أولئك الذين لا يُحسِنون تمييز الأشياء «ويرغبون فقط في خوض تجارب جديدة.» ويشمل هذا التعريف — على سبيل المثال — مَنْ «يتكالبون على احتفالات ديونيسيوس ولا يفوتون أحدها سواء أكانت في الحضر أو في الريف. فهل علينا إذن أن نَصِفَ هؤلاء وأمثالهم وكل المهتمِّين بالفنون الدنيا بأنهم فلاسفة؟» وهنا ترُد شخصية سقراط — التي تنطق بلسان أفلاطون في تلك المحاورة — بالنفي. ورغم أن محبي الفنون البصرية والسَّمْعية يُشابهون الفلاسفة في بعض الأوجه؛ فالفلاسفة الحقيقيون هم مَن «افتتنوا بمشهد الحقيقة في ذاتها.» وهذا يعني أنهم لا يهتمون بالأشياء الحقيقية والجميلة فحسب، بل بالحقيقة والجمال في ذاتهما. ولتوضيح هذه الفكرة يُقَدِّمُ أفلاطون شرحًا لنظريته عن المُثُل التي تقودنا إلى لُبِّ الأفلاطونية.

إن محبي الفنون البصرية والسمعية «تَسُرُّهم النغمات والألوان والأشكال الجميلة وكل صنوف الإبداع الفني، ولكنَّ فكرهم لا يستطيع الاستمتاع بالجمال ذاته.» وأمثال هؤلاء — شأنهم في ذلك شأن السواد الأعظم من الناس — «يؤمنون بالأشياء الجميلة ولكن لا يؤمنون بالجمال في حَدِّ ذاته، ولا يمكنهم فَهم من يحاول إرشادهم إلى معرفته.» ويقول أفلاطون إن غير الفلاسفة يعيشون في حالة أشبه بالحلم لأنهم يخلطون بين الأشباح المتحركة (أي الأشياء الجميلة) وبين الواقع (وهو الجمال عينه). والفلاسفة الحقيقيون هم من أفاقوا من هذا الحلم؛ فهم يدركون أن ثمة عالمًا مثاليًّا قوامه المُثُلُ تأتي منه النسخ غير المثالية أو الصور غير الأصيلة التي تتمثل أمامنا بعيدًا عن العالم المادي وآرائنا الذاتية، ووظيفة الفيلسوف الحقيقي أن يستعمل البحث العقلي لفَهم هذه الحقائق السامية والتركيز على المهم منها.

وأينما صادفت مصطلح «الأفلاطونية»، فغالبًا ما يشار إلى مثل هذه الصورة عن الحقيقة السامية للوجود المادي. فعلى سبيل المثال، عندما يحاول علماء الرياضيات في زمننا الراهن وصف طبيعة الأشياء الرياضية (مثل الأعداد) أو بيان الحقائق الرياضية، فهم يستعينون بأفكار أفلاطون؛ ولذلك كتب روجر بنروز يقول:

أتصور أنه عندما يُدرِك العقل فكرة رياضية ما؛ فإنه يتَّصل بعالم المفاهيم الرياضية لدى أفلاطون. (ولنتذكر أنه طبقًا للمنظور الأفلاطوني، فإن الأفكار الرياضية قائمة بذاتها، وموجودة في عالم أفلاطوني مثالي لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق العقل.) وعندما «يدرك» أحدهم حقيقةً رياضية ما؛ فإن وعيه يدخل عالم الأفكار ويتصل به اتصالًا مباشرًا.

وبما أن بنروز يؤمن أن الحقائق الرياضية توجد في عالم أفلاطوني، وأن الرياضيات هي أساس كل المعرفة العلمية؛ فإنه يرى أن «طبيعة العالم الخارجي الفعلي لا يمكن في النهاية فَهمُها إلا عن طريق … عالم أفلاطون المثالي الذي «يمكن الوصول إليه عن طريق العقل».»

ويرى كثير من الرياضيين المعاصرين أن ثمة مبالغةً عظيمة في ذلك، ولكن في الوقت نفسه يدرك العديد منهم أن بعض أوجه الأفلاطونية تتمتع بقسط من الأهمية عند شرح معرفتنا بالرياضيات. وبالنسبة للتفكير المعاصر تحظى الأفلاطونية بقَبُول واسع عند تطبيقها على الرياضيات مقارنةً بما سواها من مجالات. فالإيمان بالوجود المجرَّد للرقم ستة في «عالم أفلاطوني مثالي يمكن الوصول إليه عن طريق العقل» يختلف تمامًا عن الإيمان بالوجود المجرَّد للجمال السماوي. فإن اتبعنا ما قاله أفلاطون وسلَّمنا بوجود مثالٍ للرقم ستة ومثال للمثلث متساوي الأضلاع، يصبح من الغريب أن نتصور أيضًا وجود مثال للجمال ومثال للعدل، ومثال للطاولة، وآخر للكرسي، وربما مثال لخنازير غينيا أيضًا. وإن كانت نظرية المثل الغريبة هذه هي الإجابة عن سؤالٍ ما، فما هو ذاك السؤال يا ترى؟

لقد نشأت هذه النظرية لتلبية عدد من الحاجات، ولم يكن هناك سؤال محدَّد تسعى للإجابة عنه. ويبدو أنها خضعت للعديد من التغييرات طَوال مشوار أفلاطون الفكري، ويعتقد البعض أنه تخلَّى عنها في النهاية. وتناقش أعماله الأخيرة ما وُوجِهت به هذه النظرية من اعتراضات، رغم أنه من غير الواضح مدى قدرة أفلاطون على الرَّدِّ على تلك الاعتراضات، ولكن الفكرة الرئيسة ثابتة إلى حَدٍّ كبير. ولقد تطرقنا لبعض الأمور التي قادته إلى وضع تلك النظرية من خلال تناوُلنا للمفكرين السابقين عليه، ومن خلال ما رأيناه من اهتمام أفلاطون بالرياضيات. ولعل رغبة أفلاطون في التوصُّل إلى مستوًى عميق من الحقيقة الراسخة التي يمكن إدراكُها بالتفكير العقلي تعكِس انجذابه لأفكار بارمنيدس؛ إذ أمدته هذه الأفكار بإطار مناسب — فضلًا عن أشياءَ أخرى — لمعتقداته الأورفية والفيثاغورية حول تطهير الروح عن طريق التأمُّل العقلي في حقيقةِ ما وراء العالم المادي الأدنى قيمة. فمن خلال أفكار هرقليطس — أو ممَّا ذكره صديقه قراطيلوس عن هرقليطس — أتاه الباعث على التفكير بأن التغيُّرات المستمرة في العالم المادي تشكل عقبة في طريق المعرفة لا يمكن تجاوزها إلا بالاعتماد على شيء ثابت على غرار المُثُلِ. ويرى أفلاطون أن بدون المُثُلِ سيكون العالم على درجة من الفوضى يصعب معها فهمه. كما استقى أفلاطون بعض أفكاره من سقراط وبحثه عن تعريفات للمفاهيم الأخلاقية، حيث قال إن ثمة حقائقَ مجردة عن الأخلاق ينبغي للفلاسفة أن يجتهدوا في التوصُّل إليها وإماطة اللثام عنها؛ فقد جعل أفلاطون سقراط ينطق بأن «الأشياء لا تتفاوت بتفاوُت الأشخاص» بل يجب أن يكون لها «جوهرها المناسب الثابت؛ فهي لا ترتبط بِنَا ولا تأثير لنا عليها، ولا تتغير تبعًا لخيالنا ولكنها مستقلة.» وبعبارة أخرى: فإن تلك المُثُلَ تضع معايير ثابتة من جهة وتبين خطأ «نسبية» السفسطائيين من جهة أخرى.

ويتحدث أفلاطون بلغة تذكرنا ببارمنيدس في فقرة من محاورته «المأدبة» التي كانت على الأرجح أُولى محاوراته التي تتناول المُثُلَ. وتأتي المحاورة في سياق مناقشة تجري بعد العشاء بين عدد من الأصدقاء بمن فيهم سقراط يتبادلون خلالها الأدوار في الحديث عن طبيعة الحب. وكان لُبُّ الحديث هو ما قاله سقراط عن الحب، وما ذكر أنه سمعه من كاهنة تدعى ديوتيما، التي يقول إنها علَّمته كل شيء يعرفه عن الحب. حاولت ديوتيما أن تبين أن السعي إلى الحب يجب أن يكون على عدة مراحلَ، يمكن اعتبار أن كل مرحلة منها تؤدي لتلك التي تليها حتى نَصِلَ إلى مرحلة تذوُّق الجمال ذاته.

يبدأ الأمر (كما ينقل سقراط عنها) بالإعجاب بجسد شخص بعينه. ونظرًا لمواطن التشابُه بين هذا الجسد وأجساد المتَّصفين بالجمال عمومًا، يجب على المُحِبِّ أن «يجعل من نفسه محبًّا لكل جسد جميل، وأن يضبط عاطفته تجاه ذاك الجسد، وأن يعتبره غير ذي أهمية.» أما المرحلة التالية فهي إدراك أن «جمال الجسد لا يُقارَن بجمال الروح» بحيث يبدأ المُحِبُّ بالتعلُّق بالأرواح أو الشخصيات الجميلة حتى وإن سكنت أجسادًا قبيحة. وهذا النوع من الحب العفيف — الذي يُطْلَقُ عليه أحيانًا «الحب الأفلاطوني» في زماننا — «سيحفز في قلب المُحِبِّ الميل إلى نوع من الخطاب يسعى من خلاله لخلق طبيعة نبيلة. ومن هنا يتجه إلى التأمُّل في جمال القوانين والمؤسسات.» وبعد ذلك يجب أن يركز المحب على العلوم بهدف الوصول إلى معرفة «الجمال الكامن في جميع أنواع المعرفة.» وخلال فترة وجيزة سيبدأ في فَهم صورة بارمنيدس الكاملة عن الجمال ذاته حيث يقول:

والآن يا سقراط يُلْهَمُ المُحِبُّ رؤيةَ رُوح الجمال ذاته الذي طالما اشتاق إليه. إنه جمال سرمدي لا يأتي ولا يذهب ولا يتفتح ولا يذبُل؛ لأنه ثابت لكل شخص في كل زمان وفي كل مكان ومن كل طريق، وهو يتجلى لكل المتيمين على حَدٍّ سواء بالصورة ذاتها.

ولن يتخذ هذا الجمال صورة الوجه أو الأيدي أو أي شيء مادي يَدخُل اللحم فيه، ولن يكون في هيئة كلمات أو معارفَ أو ما دون ذلك من أشياء تُوجَدُ داخل كِيانٍ آخر مثل الكائن الحي أو الأرض أو السموات أو أي شيء خلا ما تمتع بصفة الوحدانية الأبدية؛ حيث يستقي منه كل ما هو جميل، ومهما زادت تلك الأشياء أو نقصت فلن يتغير ذلك المثال أو يتأثر بل سيبقى كُلًّا لا يتجزأ.

لطالما استعان الأدب الغربي بتصور ديوتيما عن تسامي المحب إلى الجمال؛ فقد استعاره الفلاسفة الروحانيون والكتاب المسيحيون الأوائل مثل أوريجن والقديس أوجستين وعدد لا يُحصى من شعراء الحب. ولعل ما اتَّصف به مثال الجمال من أبدية وسرمدية لا تتغير بتغيُّر الزمان أو المكان يبين أن مُثُلَ أفلاطون مماثِلة لفكرة الواحد لدى بارمنيدس، ولكنها وُلِدَتْ من جديد وتضاعفت واقترنت بالعالم المادي. وبينما لم يكُن هناك بالطبع إلا «واحد» أوحد لدى بارمنيدس، كان لدى أفلاطون مُثُلٌ مختلفة لكل مصطلح أو مفهوم عامٍّ وليس «الجمال» وحده. وبينما كان العالم المادي المتغير مجرد وهم كما اعتبره بارمنيدس، كان هذا العالم بالنسبة لأفلاطون حقيقيًّا رغم دونيته من جوانبَ عدة.

يحمل العالم المادي دلائل على المُثُلِ السامية، وكل شيء في هذا العالم يشبه «المثال» الذي يحاكيه؛ فالرجل الصالح مثلًا «يشبه» مثال الخير ومثال الرجل. وإن هذه العلاقة بين الأشياء المادية والمُثُلِ كما يرى أفلاطون هي ما يمنع العالم من أن يكون خليطًا فوضويًّا، بل يجعله تركيبًا مفهومًا. وهذا يذكرنا بالنهر في مقولة هرقليطس الشهيرة: إذا كان النهر متغيرًا دومًا فكيف نتحدث عن نهر واحد بعينه، وكيف يمكننا معرفة أي حقيقة عنه؟ ولو أن كل شيء في العالم المادي في حالة متغيرة كما ادعى أفلاطون فكيف يمكننا التعرف على ماهية الأشياء؟ لقد تعرض أفلاطون لصدمة شديدة من أمواج هرقليطس الباردة المضطربة، ففَرَّ إلى شواطئ «المُثُلِ» الآمنة المستقرة؛ فقد رأى أن المعرفة الأصيلة لا يمكن الحصول عليها إلا ممَّا هو ثابت حتى يتسنى لنا دراسته، والمُثُل هي الشيء الوحيد الذي يتصف بهذا الثبات.

ويزود الإدراك والمنطق السليم أصحابهما بمحض «آراء» قد تكون خاطئة؛ ذلك أن المرء يجب أن ينظر إلى المُثُل أيضًا في بحثه عن المعرفة الأصيلة المؤكَّدة. ولكن كيف يمكن للإنسان القيام بذلك؟ إن ذلك يكون بالاستعانة بِمَلَكَةِ العقل التي تكمل ما تعرضه الحواس. ومن الناحية العملية فإن ذلك أمرٌ لا يشوبه غموض كما قد توحي الصورة الرُّوحانية لديوتيما؛ فكل البشر يمكنهم القيام بذلك بدرجات متفاوتة فيما يتعلَّق ببعض المُثُلِ على الأقل، فأي رجل في الشارع أو على ضفة نهر قد يمتلك معرفة جيدة عن الأنهار لدرجة أنه قد يصيب في بيان ماهية النهر؛ أي إن بِوُسْعِهِ أن يقدم وصفًا عامًّا لما تشترك فيه الأنهار جميعًا، وهو بذلك لديه معرفة بمثال النهر. ومع ذلك فإن الكثير من المُثُلِ الأخرى تبدو أكثر تعقيدًا وصعوبة كَمُثُلِ العدالة والخير والجمال. ويتطلب إيجاد وصف صحيحٍ لها أن تعمل مَلَكَةُ العقل بلا توقُّف؛ فالمعرفة السليمة بهذه المُثُلِ لا يمكن الحصول عليها إلا بالحِجَاج؛ أي الجدال التعاوني المنطقي لتناوُل الأفكار وما تعلمه الإنسان بالملاحظة. وقد وصف أفلاطون عملية الحِجَاج ذات مرة بأنها تجري «عندما تُقَارَنُ التعريفات والمشاهدات والانطباعات الحِسِّيَّة ببعضها ويفحصها القائمون على توظيف صِيَغِ السؤال والجواب دون منافسة يحركها الحقد؛ فحينئذٍ ينشأ الفهم.» وعندما كان سقراط يصارع من أجل صياغة التعريفات كان بالتبعية، كما قال لأفلاطون، يبحث عن مثال لما يحاول تعريفه. (وكما رأينا في الفصل السابق اعتقد أفلاطون أن الناس يعرفون المُثُلَ قبل مولدهم، ولكن لأنهم يَنْسَوْنَ كل شيء عندما يولدون يجب استخراج معرفتهم مرة أخرى باستخدام وسائل سقراط الحجاجية.)

ولمعرفة كيف يُميط الحِجَاجُ اللثام عن المُثُلِ، نتناول أحد اختبارات سقراط النموذجية التي أجراها للتوصُّل لمعرفة مثال العدالة، التي تتجاوز في لغة أفلاطون المفاهيم القانونية الحديثة، حيث تعني بالنسبة له «فعل الشيء الصحيح». ويتناول سقراط فكرة مفادها أن رد الأمانة إلى أهلها نموذج للعدالة، وهذا مثال مباشر. ولكن يتساءل سقراط: ماذا إذا استودعك أحدهم سلاحًا وتملَّكه الغضب في وقت لاحق، هل تعيده إليه؟ لا؛ لأنه من المحتمل أن يفقد صوابه ويؤذي الآخرين. ولذلك يكون رد الأمانات إلى أهلها فعلًا سليمًا أحيانًا، بينما يكون غير ذلك في أحيان أخرى. وهذا التنوُّع هو مثال على التقلُّب الذي تحدَّث عنه هرقليطس، وهو ما يجعل الإشارة إلى المُثُلِ الثابتة ضروريًّا بالنسبة لأفلاطون. فلا يمكن أن تتغير طبيعة العدالة من لحظة لأخرى بهذا الشكل؛ ولذلك لا يمكن أن يكون «رد الأمانات إلى أهلها» شكلًا من أشكال العدالة. لذلك يتعيَّن على سقراط أن يستمر في البحث حتى يصل إلى الشيء الصحيح على الدوام، ولا تقتصر صحته على حالات دون أخرى، وعندما يعثر عليه سيكون هذا هو المثال الثابت للعدالة.

هذا المقتطف من إحدى المجادلات التي جاءت في كتاب «الجمهورية» هو نموذج لمناقشة مطوَّلة بشأن العدالة. فعندما نرى تطبيق نظرية المُثُلِ بهذا الشكل فإنها تفقد كثيرًا من تأثيراتها الرُّوحية. ولا يتطلب إدراك أحد المُثُلِ أكثر من مجرد البحث في مفهوم بعينه. وهذا بالفعل ما يئول الأمر إليه عندما يبحث أفلاطون في هذا المثال بدلًا من الحديث عنه.

وسنقدم باختصار بيانًا بالمناقشات والاستنتاجات المحورية الواردة في كتاب «الجمهورية». فقد استخدم أفلاطون هذه المحاورة ليؤكد على أفكار سقراط حول ما ينعم به الشخص العادل من سعادة، وما يحل بالظالم من شقاء. وتهدف المحاورة إلى سَدِّ بعض الفجوات في الموضوعات التي طرحها سقراط نفسه، وأن ترسم صورة لعلم النفس الإنساني وللمدينة الفاضلة التي تُعَدُّ أشهر إبداعات أفلاطون (رغم أنه ما من أحد في زمننا هذا يرغب في العيش فيها). وبعد ذلك سنتناول مُحاوَرَة أفلاطون «طيمايوس» التي تتضمن نظريته عن علم الكونيات. وقد ظلت هذه المحاورة عمليًّا بمثابة نَصٍّ مقدَّس في العلوم الطبيعية لعدة قرون. وتقدم كلتا المحاورتين «الجمهورية» و«طيمايوس» حلول أفلاطون للمشكلة التي عرضها السفسطائيون حول العلاقة بين الإنسان بقوانينه وتقاليده التي تبدو تعسفية ومستبِدة من جهة، وبين عالم الطبيعة الثابتة والمجرَّدة من جهة أخرى. ولكن حَرِيٌّ بنا في البداية أن نلقي نظرة سريعة على حياة أفلاطون لنستنتج بعض الأشياء عن طبيعته وشخصيته.

•••

figure
أفلاطون.

انحدر أفلاطون من عائلة ثرية مترابطة، يصل نسب والده إلى آخر ملوك أثينا، وهو قد بلغ بذلك أقصى درجات النُّبل (إلا إذا كان ذلك الملك تحديدًا غير موجود من الأساس). ونظرًا لكونه تلميذًا نجيبًا ينتمي إلى وسط كهذا؛ فقد كان من الطبيعي أن يعلِّق آماله على العمل بالسياسة، ولكن سرعان ما خاب أَمَلُهُ، ليس لأنه لم يكُن على المستوى المتوقَّع بل لأن السياسة هي التي كانت كذلك. وعندما كتب عن السياسة لاحقًا بعدما اهتز لأفكار سقراط المثالية، يقول أفلاطون إنه «انسحب في اشمئزاز من مفاسد ذلك الزمان.» وبعد عدة أعوام من ذلك الانفصال المبكِّر بينه وبين السياسة، سنحت له فرصة ليطبِّق أفكاره السياسية في إمبراطورية سيراقوسا، لكن الفرصة لم تَدُمْ طويلًا. وقد اعتبر أفلاطون نفسه محظوظًا فيما بعدُ لتَمَكُّنِهِ من النجاة من هذه المرحلة المأساوية الهزلية من حياته. وربما وجد عزاءه الوحيد في أن الأكاديمية التي كان قد أنشأها في أثينا قبل أعوام والتي تفرَّغ لها في ذلك الوقت استمرت حوالي ٩٠٠ عام.

وكانت فرصة أفلاطون الأولى لدخول مجال العمل السياسي في زمن الطغاة الثلاثين الذين تَوَلَّوْا مقاليد الحكم لفترة قصيرة بعد هزيمة أثينا في الحرب البلوبونيزية حيث كان اثنان من أقاربه أعضاء في تلك الحكومة البغيضة، وعرضا عليه العمل معهما. وقد كان أفلاطون طَموحًا وكان لا يزال في العشرينيات من عمره ولكنه أدرك بوضوح حقيقة الطُّغاة ورفض العرض. ورأى أفلاطون أن خطيئتهم الكبرى كانت محاولتهم إشراك سقراط «أعدل أهل زمانه» في أعمالهم. ويبدو أن الأمور تحسنت في أثينا لبعض الوقت بعد عودة الديمقراطية؛ مما جعل أفلاطون يعتقد في البداية أن وقته قد حان، ولكن تملَّكَه الفزع حين تسبب «بعض من كانوا في السلطة» في محاكمة سقراط وإعدامه، فكان هذا درسًا قاسيًا لما يمكن أن يحدث في ظل الديمقراطية؛ مما أحدث أثرًا سلبيًّا في الآراء السياسية لأفلاطون لم يتحرر منه قط.

لقد تحطمت آماله في الحياة العامة في أثينا وكَلَّ من انتظار اللحظة المناسبة لتكوين حكومة أفضل، وعن ذلك يقول:

أدركت أخيرًا أن أنظمة الحكم في كل الدول دون استثناء سيئة؛ ولذلك فأنا مُجبَر على القول إن الجنس البشري لن يعيش أيامًا أفضل إلى أن يتولَّى السلطة السياسية من يتبعون الفلسفة حقًّا وصدقًا، أو حين تحيل العناية الإلهية مَنْ بيدهم السلطة السياسية إلى فلاسفة حقيقيين.

كان أفلاطون في الثامنة والعشرين من عمره حين أُعْدِمَ سقراط «الفيلسوف حقًّا وصدقًا» عام ٣٩٩ قبل الميلاد، وارتحل إلى أماكن عديدة في الأعوام القليلة التالية، وكان معظم هذه الرحلات لزيارة الفلاسفة والرياضيين الآخرين. في البداية رحل إلى ميجارا ليبقى مع إقليدس، وهو أحد أتباع سقراط وشارك أفلاطون اهتمامه ببارمنيدس، بل ربما يكون هو من غرس فيه ذاك الاهتمام. وكان فلاسفة ميجارا كما رأينا في الفصل السابق مهتمِّين بالغ الاهتمام بالخير وماهيته. وعلى النقيض كان الكثير ممن قابلهم أفلاطون في رحلاته التالية إلى إيطاليا وصقلية مهتمِّين في الأساس بقضاء وقت ممتع حيث يقول:

وجدتُ نفسي أختلف بشدة مع نمط الحياة التي تُوصَفُ «بالسعيدة»؛ فهي مجرد حياة مليئة بالولائم الإيطالية والسيراقوسية، يقوم فيها كل شخص بملء بطنه مرتين كل يوم ولا يرقد في فراشه وحيدًا أبدًا، وينغمس في كل الممارسات الحِسِّيَّة المرتبطة بأسلوب الحياة هذا. وفي مثل هذه البيئة لا يمكن لأي إنسان تَرَبَّى على هذا الانغماس في الملذات أن يصير حكيمًا.

رأى أفلاطون أنه ليس من المصادفة أن تكون الدول التي يحكمها أمثال هؤلاء دولًا غير منتجة، سيئة الإدارة، ومنعدمة الاستقرار فقال: «من المؤكَّد أن تتعاقب على تلك المدن أنظمة حكم مثل الطغيان وحكم الأقلية والديمقراطية واحدًا تلو الآخر.» أما ما سره في إيطاليا فكانت المجتمعات الفيثاغورية التي ضمت الحكماء وعلماء الرياضيات الذين عقَد معهم صداقات دائمة وألهموه فلسفيًّا ومن بينهم أرخيتاس التارانتومي رجل الدولة الفيلسوف وعالِم الرياضيات الذي اجتمعت فيه قِيَمُ الصداقة والإلهام معًا. ومن المرجَّح أن الاتصال بهؤلاء الرجال هو السبب في رحلة أفلاطون إلى إيطاليا.

عقد أفلاطون صداقة أخرى لها قيمتها في سيراقوسا أثناء جولته الأولى، رغم أنها كانت في النهاية سلاحًا ذا حدين؛ فقد آمن ديون وهو أحد أقارب الطاغية ديونيسيوس الأول «بحُرِّيَّة أهل سيراقوسا في ظل أفضل النظم القانونية»، وعلى ذلك «قدم له أفلاطون أفكاره المثالية عن الجنس البشري» ووجد في ديون متلقيًا نهمًا لها. وبمجرد أن أنار أفلاطون بصيرة ديون «عقد الأخير العزم على قضاء بقيَّة حياته بشكل مختلف عن معظم الإغريق في إيطاليا وصقلية متمسكًا بالفضيلة بدلًا من المتعة أو الرفاهية.» ولعل ذلك التحمُّس لأفكاره هو ما دفع أفلاطون للعودة بعد عدة أعوام إلى سيراقوسا أثناء حكم ديونيسيوس الثاني ولكن بنتائجَ مؤسفة.

لقد كان ديون كالسمكة التي خرجت من الماء بالنسبة للحاشية الفاسدة المتنازعة التي أحاطت بديونيسيوس الأول الذي قرَّب إليه الفيلسوف المُحِبَّ للمتعة «أرسطيبوس»، الذي تتلمذ على يد سقراط، ويا لها من مفارقة عجيبة! وقد وصف بلوتارخ الوضع هناك بأنه «نظام يعتبر المتعة والإفراط فيها هما الخير الأسمى.» وهذا هو الشيء الذي لم يستطع أفلاطون تحمله. وقد انتهت زيارة أفلاطون الأولى لسيراقوسا نهاية سيئة نوعًا ما. وقد جاء في إحدى الروايات أن ديونيسيوس الأول قد عرضه في سوق الرقيق، وقام بعض الأصدقاء بإنقاذه منه.

عندما انتهت هذه المرحلة من رحلات أفلاطون عاد إلى أثينا وأسس ما يُعْرَفُ بالأكاديمية، وكان هذا عام ٣٨٧ قبل الميلاد وأفلاطون في الأربعين من عمره. اشترى أفلاطون أرضًا على بعد ميل من أسوار المدينة إلى جوار بستان مقدس كان يتعبَّد فيه البطل أكاديموس، وأنشأ مؤسسة جامعية بها مفكِّرون يعملون بالجهود الذاتية. ولكن من الصعب تكوين صورة عن الحياة اليومية داخل أكاديمية أفلاطون. وطبقًا للقانون وَجَبَ تسجيلُها كمؤسسة دينية تختصُّ بأحد المعبودات، وقد اختار أفلاطون رَبَّةَ الفنون التي كانت في ذلك الوقت مسئولة عن كل الأنشطة الفكرية وليس الفنون فحسب. وكانت بعض أنشطة الأكاديمية تحاكي تلك التي كانت تقيمها الجماعات التابعة لمذهب فيثاغورس التي رآها أفلاطون في إيطاليا. ونُظِّمَتْ ولائمُ عَشاء شهرية في الأكاديمية ربما تُشبِه تلك التي تُعِدُّهَا الجامعات القديمة في عصرنا الحاضر في بعض المناسبات. وربما عُقِدَتْ بعض الدورات التعليمية للعامة. وقد تحدَّث أرسطو وآخرون عن محاضرة لأفلاطون ألقاها ربما في الأكاديمية بعنوان «الخير» لكنها لم تنجح. وبغَضِّ النظر عمَّا كان يتوقعه الحضور من تلك المحاضرة، فقد شعروا بالحيرة والضيق بسبب اضطرارهم إلى الاستماع إلى قدر كبير من الرياضيات المبهمة.

كان جُلُّ الخدمة التعليمية للأكاديمية موجهًا نحو الصفوة من الأثرياء الذين كانوا يتوقون إلى الحصول على مستويات عالية من التعليم. وقد كان نطاق المواد التي تُدَرَّسُ وتُنَاقَشُ أكبر وأوسع ممَّا نعُده الآن ضروريًّا لتحقيق أحد الأهداف الرئيسة للأكاديمية وهو تخريج رجال دولة حكماء. وفي عهد أفلاطون قامت أربع مدن على الأقل باستدعاء خبراءَ من الأكاديمية لصياغة قوانينها وكتابة دساتيرها الجديدة. وكان من أقوى معتقدات أفلاطون أن هذا الدور يحتاج إلى من تَلَقَّوْا تدريبًا شاملًا لتأديته على أكمل وجه. وبناءً على ذلك أتاحت الأكاديمية الدراسة في جميع مجالات العلم من الجغرافيا والتصنيف النباتي والتاريخ السياسي إلى أكثر المذاهب الفلسفية تجرُّدًا التي تتناول المُثُلِ الأفلاطونية، ولا شك أن أفلاطون قد قام بالتدريس بنفسه في مجال المُثُل. وأصبحت الأكاديمية مركزًا مشهورًا للبحث في عِلْمَيِ الرياضيات والفلك على وجه الخصوص. وقد ارتبط بالأكاديمية اسمَا اثنين من أهم علماء الرياضيات قبل إقليدس وهما هرقل البنطي وأودوكسوس الكنيدوسي، وهناك أيضًا ظهر اهتمام أرسطو — الذي التحق بها في السابعة عشرة من عمره — بعلم الأحياء.

لقد رأى أفلاطون أن هناك بعض المواهب الفطرية التي يتطلبها السعي للتعلُّم، وأكَّد على أن مَنْ يبحث عن الحكمة ينبغي أن يدرك «عدد المواد التي تَجِبُ دراستها وقدر العمل الشاق الذي تتطلبه وضرورة تبنِّي نظام معيشي منظم من أجل هذه الغاية.» وربما خضع بعض تلاميذ الأكاديمية لهذا النظام بمحض إرادتهم لمجرَّد أنهم تطلعوا للحكم وأرادوا أن يصلوا إليه بالطريق السليم، ولكنهم لم يشكلوا كثرة؛ فليس من الممكن أن كل الباحثين الذين تخرجوا في الأكاديمية كانوا من الساسة الطموحين أو المحبَطين. ومن المؤكَّد أن مفهوم أفلاطون عن الفلسفة بوصفها حب الحكمة بأنقى صوره قد جذب بعض الناس إلى ذلك الحب في حَدِّ ذاته، كما انجذب أفلاطون نفسه للحياة الفكرية بذاتها وليس لمجرد أنها تحضير للحياة السياسية، ولكن أسلوب الحياة الأكاديمية كان يزعجه، حيث يقول: «كنت أخشى أن أَجِدَ نفسي في النهاية مجرد كلمات؛ أي أن أكون رجلًا لم يشترك بإرادته قط في أي عمل أو مهمة فعلية.»

وفي عام ٣٦٧ قبل الميلاد عندما خلف ديونيسيوس الثاني أباه في حكم سيراقوسا جاءته هذه المهمة المادية من تلقاء نفسها؛ فقد أقنع ديون الملك الجديد الذي كان في الثلاثين من عمره أن يرسل في طلب أفلاطون ليعلمه ويقدم له المشورة. وكان ديونيسيوس الأب قد أبقى ابنه في عزلة وبلا تعليم خوفًا منه أن يحيك له المؤامرات وينقلب عليه؛ إذ كان ينظر إلى ولي عهده بوصفه خطرًا محتملًا. والآن أراد ديونيسيوس الابن أن يترك بصمته وأن يكسب بعض الاحترام، وهو ما رآه ديون فرصة للقضاء على الطغيان في سيراقوسا. وبدافع من هذا الطموح ومن صداقته لديون قرر أفلاطون أن «يهجر أنشطته الأكاديمية لمحاولة إصلاح نظام طاغية، وهو نظام الحكم الذي يبدو غير متوافق مع ما يؤمن به وغير متسق مع شخصيته.»

لقد كان إصلاح أسرة ديونيسيوس الحاكمة تحديًا لم ينجح فيه أفلاطون. ربما لم يكن ديونيسيوس الثاني مستبدًّا كما كان والده، ولكنه أيضًا لم يكن تلميذًا مثاليًّا؛ حيث جاء في إحدى الروايات أن «الملك الصغير ظل يحتسي الخمر لمدة تسعين يومًا متتالية دون انقطاع … وفي تلك المدة لم تسمح حاشيته لأحد من رعاياه بالدخول عليه ولا للأمور ذات الأهمية بالوصول إليه، بل هيمن السُّكر والهَزْل والموسيقى والرقص والمجون على بلاطه.» وقد حاول أفلاطون وديون برفق ولطف أن يُرْشِدَا الملك إلى الطريق الصحيح ولكن تأثيرهما لم يَزِدِ الأمر إلا سوءًا؛ ذلك أنه أثار الغيرة والشك بين خصوم ديون السياسيين الذين فضَّلوا أيام الفساد الماضية. وبعد وصول أفلاطون بأربعة أشهر فقط نُفِيَ ديون إلى خارج المدينة لأن الحرس القديم أقنع الملك بأن ديون يحيك مؤامرة للانقلاب عليه. وتحمل أفلاطون الوضع لحوالي ثمانية عشر شهرًا أخرى ثم عاد إلى أثينا.

والعجب كل العجب أن أفلاطون قد عاد مرة أخرى إلى سيراقوسا بعد حوالي أربعة أعوام، وهو ما قد يكون دليلًا على تفاؤله. كان الأمر مختلفًا هذه المرة أو هكذا أوهمه البعض؛ فقد نضج ديونيسيوس بما يكفي بحيث اتبع أكثر رغباته جدية وهي الرُّقِي بنفسه وإمبراطوريته عن طريق دراسة الفلسفة. وبصورةٍ ما نجح الملك في إقناع أرخيتاس التارانتومي وبعض المفكرين الآخرين الذين علم أن أفلاطون يُكِنُّ لهم احترامًا ليشهدوا على حسن نواياه. وربما صدَّقوا هذه القصة وربما صدقها ديونيسيوس نفسه، ولكن بدا بعد فوات الأوان أنه لم يُرِدْ إلا تزيين بلاطه ببعض الفلاسفة المشهورين.

وأثناء التماسه موافقة أفلاطون وعد ديونيسيوس أن يعيد ديون ثانية وأن يحسن معاملته. وكان أفلاطون يخشى أن يَمَسَّ ديون وأصدقاءه الآخرين المزيدُ من الأذى إن رفض الدعوة، فقرَّر قبولها. ولكن في الواقع كان الوضع أسوأ من جميع الجوانب هذه المرة؛ فقد وجد أفلاطون ديونيسيوس تلميذًا سيئًا مرة أخرى، فكان غبيًّا أو كسولًا أو كليهما. لقد ظن ديونيسيوس أنه تعلَّم كل شيء بالفعل من فلاسفة الدرجة الثالثة في بلاطه، وهذا تحديدًا هو ما أزعج أفلاطون. ونكث الطاغية كل وعوده بخصوص ديون، بل سرق كل ممتلكاته ووجد أفلاطون نفسه سجينًا من الناحية العملية؛ فهرب بطريقة ما إلى أثينا حيث أكاديميته ولم يكرِّر ذلك الخطأ بعدها.

•••

من السهل الافتراض أن المدينة الفاضلة التي تحدَّث عنها أفلاطون في «الجمهورية» كانت بالتأكيد الأساس لما حاول أفلاطون أن يحقِّقه في سيراقوسا. وفي الواقع لا يمكن الربط بين «الجمهورية» وخطط أفلاطون العملية. وقد قيل إن المدينة الفاضلة المذكورة في «الجمهورية» يحكمها «الملوك الفلاسفة» وكان من المفترض أن يصبح ديونيسيوس حاكمًا أفضل بتعلُّم بعض الفلسفة. ولقد كُتِبَ كتاب «الجمهورية» قبل محاولة أفلاطون إصلاح ديونيسيوس، ولكن ذلك الكتاب لا يُعَدُّ أساسًا لأيَّة مدينة حقيقية. فمن جانب لا يشير مصطلح «الملك الفيلسوف» في «الجمهورية» — كما يُعْتَقَدُ أحيانًا — إلى مجرد ملك يعرف شيئًا من الفلسفة، أو فيلسوف محترف وجد نفسه بشكلٍ ما في سدَّة الحكم. أما الوصف الأدق لما قصده أفلاطون بذلك المصطلح فهو رجل حكيم وقدير يتميز بالتوازن والفضيلة، ورجل عسكري درس العلوم لمدة طويلة ولديه خبرة عملية كبيرة في السياسة والإدارة. ورغم أنه كان متفائلًا بشكل زائد في بعض الأحيان، فإن أفلاطون لم يكن على هذا القدر من الحُمق بحيث يعتقد أن أي ملك حقيقي قد يتحقق فيه هذا الوصف وخاصة ديونيسيوس الثاني المراوغ.

وقد ذكرت شخصية سقراط في كتاب «الجمهورية» الهدف الحقيقي من مدينة أفلاطون الفاضلة حيث يقول: «ليس من المهم ما إذا كانت المدينة موجودة الآن أو لن ترى الوجود أبدًا.» فالمدينة المثالية هي مادة للتأمُّل والمناقشة. وبالنظر إلى المناقشة الواردة في كتاب «الجمهورية» عنها يمكن للإنسان أن يتعلَّم حقيقة العدالة وكيفية الحياة السليمة، وسيتعلَّم على وجه الخصوص الحقيقة التي نادى بها سقراط، وهي أنه من مصلحة الإنسان أن يتحلى بالعدل؛ وبهذا سيعيش في هذه المدينة القائمة في عقله، حيث يقول: «وربما هناك نموذج لها في السماء لمن أراد أن يَذَّكَّرَ وأراد أن يكون مواطنًا فيها.»

ويبدأ الجدل الأساسي في المحاورة بمواجهة مع رجل مشاكس فاسدٍ أخلاقيًّا يُدعى ثراسيماخوس. ويتحدث ثراسيماخوس عن المصلحة الشخصية المجردة مردِّدًا بعض أفكار الكلبيين التي ناقشها السفسطائيون مثل أنتيفون، فيقول إن الفضيلة هي مجموعة من القواعد يفرضها القوي على الضعيف، فإن استطعت أن تُفلِت من عقاب الخروج على القانون، فلا بأس من خرق القانون. والأفضل من كل ذلك أن تضع القواعد بنفسك وتُلزِم الآخرين باتِّباعها. سَمِّ هذا «ظلمًا» إن شئت ولكن «عليك أن تنظر إلى الأمور — أيها المغفل سقراط — بهذه الطريقة؛ فالعادل دائمًا لا يحظى بأية أفضلية على الظالم.» وبصيغة أخرى فإن العدالة والفضيلة لا تُجديان، وسقراط أحمق لاعتقاده العكس.

ويحاول سقراط أن يزعزع فكرة ثراسيماخوس عن الأخلاق ولكنه يفشل في التخلُّص منها. ويظهر ثراسيماخوس بصورة الطالح الكريه في موضع آخر. وفي سبيل إجراء مجادلة جيدة يغير جلوكون وأديمانتوس — وهما صديقان لسقراط — موضوع المناقشة إلى فساد الأخلاق؛ رغبةً منهما في أن يعرفا ما إذا كان بإمكان سقراط أن يُعطي جوابًا أَتَمَّ ويَحُلَّ تلك المسألة أم لا. وأثناء لَعِبِهِ دور محامي الشيطان يتحدَّث جلوكون عن راعي غنم أسطوري يُدعى جيجيس عَثَرَ على خاتم يُمَكِّنُهُ من إخفاء نفسه. ويقول جلوكون إنه بهذا الخاتم:

يبدو أنه لا يوجد أيُّ رجل بهذا السلوك الصارم؛ بحيث يحافظ على العدالة ويكف يديه عن ممتلكات الآخرين، رغم أنه قد يتحصل — بموجب ما يتمتع به من حصانة — على ما يريد من السوق، وينتهك حرمة البيوت، ويمارس الفاحشة مع من أراد، ويذبح من أراد ويفلت من العقاب، ويرتكب أشياء أخرى معتبرًا نفسه نِدًّا للرب من دون الناس. ويمكن القول إن هذا دليل كبير على أنه ما من أحد يسلك مسلك العدل بمحض إرادته ولكن نتيجة قيود؛ ذلك أن مَنْ يملك رخصة ويرفض أن يرتكب أيَّة جريمة فإنه حَرِيٌّ بالشفقة شديد الحماقة.

ويضيف أديمانتوس أنه في رَدِّهِ على هذه الأفكار لا ينبغي لسقراط أن يدافع عن العدالة بمجرد بيان أنها تؤدي إلى نيل صاحبها الشرف واحترام الآخرين؛ فلن يؤدي هذا إلا إلى إثبات أن من مصلحة المتَّصف بالعدل أن يشتهر بين الناس بالعدل لا أن يكون عادلًا فعلًا. وإن كان الاشتهار بالعدل بين الناس هو المكسب الوحيد الذي يحققه الإنسان العادل؛ فإنه يمكن للإنسان أن يكون شريرًا ما دام يستطيع أن يحفظ ماء وجهه. ولذلك يطلب أديمانتوس من سقراط أن يوضح «ما الذي يقدمه العدل والظلم بطبيعتيهما لأصحابهما … ليكون الأول رجلًا صالحًا والآخر طالحًا.»

هذه مهمة شاقة، ويتعهدها سقراط بطريقة غير مباشرة، فيحول تركيزه من الإنسان العادل أو الرُّوح العادلة إلى المدينة العادلة. ويرى أنه من الأفضل النظر أولًا إلى المدينة ككل؛ حيث يَسْهُلُ فَهْمُ العدالة في هذا السياق الأكبر. وبعد تعريفه مفهوم المدينة العادلة بمحاولة تقديم صورة للمدينة المثالية، يشرع سقراط في الرَّدِّ على مسألة العدالة الفردية. فإذا اتَّفق الأمران بحيث يكون الرجل العادل والمدينة العادلة متشابهين فسيتأكد سقراط أنه وجد العدالة الحقيقية. وهو يَثِقُ تمام الثقة أنه إن وجدها فسيتضح كيف أن الرجل العادل هو الأسعد وسيتضح سبب ذلك، وسيكون قد رَدَّ على ثراسيماخوس وأمثاله.

علينا إذن أن نَصِفَ حال المدينة الفاضلة أولًا. يقول سقراط (أو ربما أفلاطون) إنها تحتاج إلى نوع من الحرس المجنَّدين لحمايتها من الحروب الأهلية والغزاة. وتحقيقُ شرط الأمن هو أول شرط لقيام أيَّة دولة مزدهرة، وسيكون هؤلاء الحراس خبراء متفرغين في أمور الدفاع والقانون والنظام؛ حيث إن أفضل المدن هي تلك التي تقدِّر التخصص. وسيؤدي كل المواطنين العمل الذي يتمتعون بالأهلية الطبيعية له بِغَضِّ النظر عن المولد والنَّسَب، كما يمكن للمرأة أن تصل إلى أعلى المراتب بسهولة كالمؤهَّلين من الرجال. وقد كانت هذه فكرة ثورية آنذاك؛ ففي أثينا في زمن أفلاطون كان يُنْظَرُ للنساء كمربِّيَات ومديرات منزل غير متعلِّمات يخضعن عمليًّا لملكية آبائهم أو أزواجهم. لم يكن أفلاطون مناصرًا مستنيرًا لحقوق المرأة بالمعايير الحديثة؛ حيث آمن بالمعتقَد السائد آنذاك الذي يقول إن المرأة عامة أسوأ من الرجل في كل شيء، ولكنه يقول في «الجمهورية» إن المرأة يجب أن تحصل على الفرص نفسها التي يحصل عليها الرجل، وإن أيما امرأة أثبتت كفاءتها فيجب أن يُسْمَحَ لها بالترقي في مراتب المجتمع.

وينقسم المجتمع في المدينة المثالية إلى ثلاث طبقات: يأتي المنتجون (مثل الحرفيين والفلاحين والتجار) في الطبقة الأدنى، يليهم الحراس، ثم الحكام الذين يجري اختيارهم من بين أفضل الحراس. وإن أظهر ابن أحد المنتجين أو ابنته الكفاءة المطلوبة ينتقل إلى طبقة الحراس، وبالمِثل إن لم يكن ابن أحد الحراس بالكفاءة المطلوبة فإنه يُكلَّف بالأعمال الدنيا. وحيث إن الحراس والحكام سيكون لهم قدر كبير من السلطة على الجميع فمن الضروري أن يتجرَّدوا من الأنانية، وأن يسدوا النفع للغير بشكل لا التباس فيه. ويرجع السبب فيما آل إليه العديد من المجتمعات الأخرى من نهايات غير سعيدة إلى عدم تحلي الحكام بالفضيلة. ويحمل سقراط على عاتقه مهمة تحديد نوعية التعليم الذي ينبغي للحراس أن يحصلوا عليه، والبيئة التي يتعيَّن عليهم أن يعيشوا فيها؛ حيث يعيشون حياة جماعية لا يَحِقُّ لهم فيها الاستئثار بشيء، حتى أزواجهم وأطفالهم سيكونون ملكية عامة. ويُحْظَرُ عليهم لَمس الذهب أو الفضة ناهيك عن امتلاكهما. وستضمن هذه الإجراءات ألَّا يستخدم أيٌّ منهم نفوذه في تحقيق الثراء لنفسه أو تقديم أية مصلحة شخصية على مصالح المجتمع بشكل عام.

ومن الضروري أن تُبْنَى شخصياتهم وهيئاتهم البدنية بطريقة صحيحة، ولن يَنْصَبَّ الاهتمام الدقيق على نظام التغذية والتدريب فحسب، بل على المواد التي يدرسونها والقصص التي تُروَى لهم والموسيقى التي يستمعون إليها. لقد اعتقد الإغريق أن للموسيقى تحديدًا كبيرَ الأثر على الشخصية والمجتمع؛ ولذلك يجب متابعتها باهتمام بالغ. ويشدد سقراط على وجوب «الحذر من … تغيير نوع الموسيقى لأن تغيير أنواع الموسيقى لا يحدث إلا بتغيير التقاليد السياسية والاجتماعية الأساسية.» (يبدو أن بعض السوداويين من المحافظين المعاصرين مثل آلان بلوم في كتابه «انغلاق العقل الأمريكي» قد رَأَوْا في ظهور موسيقى الروك في خمسينيات القرن العشرين دليلًا واضحًا على صحة ذلك). وبالنسبة للقصص التي سيستمع إليها الحراس الصغار، فمن الضروري أن تتناول الأبطال الذين يمثِّلون قدوة حسنة. وقد ذهب سقراط إلى أبعدَ من ذلك بتحديده بحور الشعر الأكثر إلهامًا. وبشكل عامٍّ فقد صُمِّمَ المنهج التعليمي بحيث يزرع الوسطية والفضيلة بإخضاع الحراس المستقبليين الصغار لأكثر الموادِّ رُقِيًّا.

ويجب على كل الحرفيين من الشعراء وحتى مصمِّمي الأثاث المنزلي الذين سيرى هؤلاء الصغار منتجاتهم أن يخضعوا لقواعد صارمة. فلا يسمح لهم:

بإظهار الرغبات الشريرة وكل ما يوصف بالفجور والتعصب والرذيلة سواء فيما يخص الكائنات الحية أو المباني أو أي منتج آخر؛ حتى لا ينشأ حراسنا بين رموز الشر كمن يترعرع في مراعي الأعشاب السامة. فليس لهم أن يقرَبُوا تلك الشرور فيتراكم … في أرواحهم قَدْرٌ كبير من الرذائل وهم لا يعلمون. ولكن علينا أن نبحث عن الحرفيين الذين مكَّنتهم هِبَة الطبيعة من الوصول إلى الجمال والفضيلة الحقيقيَّيْن؛ حتى ينشأ شبابنا في بيئة صحية ويستفيدوا من كل ما حولهم، حيث يفوح أثر الجمال وينطبع على العين أو الأذن مثل النسيم النقي الذي يحفظ الصحة، فنرشدهم منذ نعومة أظفارهم إلى التشابه وإلى الصداقة وإلى التناغم مع المنطق السليم.

إن هذا الاهتمام الصارم والراقي بالتفاصيل التربوية هو بلا شك إفراط لا معنى له في أي نظام تعليمي حقيقي، ولكنه يوضح أن أفلاطون لم يرتكِب الخطأ الذي وقع فيه سقراط ووجَّه بسببه أرسطو وآخرون اللوم إليه، ألا وهو تجاهُلُه دور الشخصية في تحديد السلوك الأخلاقي؛ فالحراس المذكورون في «الجمهورية» يتصفون بالفضيلة والعقلانية وكرم الأخلاق عامةً لأن كل شيء في حياتهم الأُولى صُمِّمَ ليشكل شخصياتهم بغية تحقيق ذلك الهدف.

ولنتصور مدينة يحكمها هؤلاء القديسون، هل ستسودها الفضيلة والشجاعة والحكمة والوسطية والعدالة كما يجب أن تكون المدينة المثالية؟ يجيب سقراط عن هذا السؤال بالإيجاب؛ فالشجاعة ستسود بفضل هؤلاء الحراس الذين اصطفُّوا وتدربوا على التفوق العسكري، وستسود فيها الوسطية أو ضبط النفس لأنها ستخضع للتنظيم، فكما يقول سقراط سَتُحْكِمُ «الرغبات السامية والحكمة الناشئة المغروسة في الأقلية الراقية» قبضتها على رغبات «الجموع والرعاع» كي تسيطر عليها، وستسود الحكمة بفضل حكامها الذين يُختارُون من بين أفضل الحراس ويحصلون على أعلى مستويات التعليم لتعزيز ملكاتهم العقلية. أما بالنسبة للعدالة فيبدو في هذه المرحلة من المناقشة أن سقراط يؤمن أن الأساس يَكْمُنُ في أن يتفرغ كل مواطن إلى نمط العمل والحياة الذي يناسبه؛ فهذا سيؤدي إلى مجتمع متناغم ومتكافئ وسعيد، ممَّا سيؤدي في النهاية إلى مجتمع عادل.

وهكذا يقول سقراط إن المدينة المفترضة في «الجمهورية» سوف تجسِّد جميع الفضائل، وقد أوحت فكرة المدينة العادلة التي يعمل كل عنصر فيها بتناغُم مع الأجزاء الأخرى — مثل الإنسان المتَّزن السعيد — لسقراط بإمكانية توسيع المقارنة بين المدينة والروح واستخدام ذلك في دعم صورته عن العدالة. وكما تنقسم المدينة لديه إلى ثلاث طبقات (المنتجين أو الحرفيين أو الحراس والحكام)، ألا يمكن اعتبار أن النفس البشرية تنقسم إلى ثلاثة مكونات؟ يعتقد سقراط أن الروح تتكون من ثلاثة أجزاء هي: النفس الشهوانية والنفس الغاضبة والنفس العاقلة، وهي توازي أنواع الرغبات. فالنفس الشهوانية تحركها الغرائز الدنيا نحو الطعام والجنس والمال. أما النفس الغاضبة فتسعى نحو الشرف (كالشرف العسكري). أما النفس العاقلة فتحرِّكها الرغبة في المعرفة. وليس من الغريب أن تتماشى أنواع الرغبات الثلاثة بدقة مع طبقات المجتمع الثلاث؛ فالحكام يحكمهم العقل والحراس تحكُمهم الرغبة في الشرف والمجد، أما البقية من الحمقى والفقراء فتحكمهم شهواتهم الأولية. وكما أن الإنسان المتوازن لا يدع بطنه أو فرجه يتحكم في عقله، فالدولة القوية يديرها أولئك الذين يسيطر عليهم العقل وعندها يصبح كل شيء منضبطًا.

وبعد أن عقد سقراط هذه المقارنة وغيرها بين ما ينفع المدينة وما ينفع الفرد، تتحول المناقشة إلى الإجابة عن التساؤل المرتبط بكيفية بناء مدينة كالتي وصفها على أرض الواقع. (ويُسْتَكْمَلُ الدفاع عن العدالة لاحقًا بينما تستمر مناقشة المدينة الفاضلة وحكامها.)

ولقد وقع جلوكون وأديمانتوس على عناصرَ بعيدة كل البُعد عن الواقعية في مدينة سقراط الخيالية، ألا وهي المساواة في التعليم بين الرجل والمرأة، والفرص التي تُتَاحُ لكُلٍّ منهما. وقد نَجَحَ سقراط في إقناعهما أنه من الممكن جدًّا تنفيذ ذلك. كما نجح في إقناعهما بالاتفاق معه في هذه الجزئية على الأقل، حيث قال إن تشريعه المقترح للمدينة «ليس خياليًّا أو غير قابل للتطبيق لأن القانون المقترح يتماشى مع الطبيعة، بل إن ما دونه ممَّا هو سائد الآن يُعَدُّ … تعارضًا مع الطبيعة.» ولكن هذا النقاش حول المرأة أفضى إلى اقتراح آخر بخصوص الجنسين سبَّب الكثير من المشكلات؛ مما يجعل من الصعب معرفة كيف يمكن لمدينة سقراط أن ترى النور. كان من شأن هذا الاقتراح أن يُقَابَلَ بالإدانة في عصرنا هذا على الأقل بنفس حرارة ترحيبنا بالمساواة بين الرجل والمرأة. كان مشروعه المقترح سيُلغي الزواج التقليدي بين الحراس وتربية الأطفال، ليس هذا وحسب بل ستكون هناك محاولات للتحكُّم في تناسلهم بحيث لا يمارس الأفضل من بينهم الجنس إلا مع الأفضل من أمثاله، وأي ذرية رديئة سيكون مصيرها القتل، والهدف من ذلك كله هو إعداد أفضل الحراس للمستقبل.

ولتمكين هذا التناسل الانتقائي من الاستمرار بسلاسة سيتاح للحكام أن يُخفوا ما يحدث عن بقية الحراس للحفاظ على نقائهم، وسيقيم الحكام احتفالات تتضمن «مراسم أشبه بقرعة محكَمة النتائج … تُعَدُّ لجعل الطبقات الدنيا من الناس في كل قطاع من قطاعات المجتمع يُلقون باللائمة على الصدفة وليس على الحكام» فيما يتعلق بما اختاره لهم الحظ من شركاء أو شريكات في التناسل. وعندما تضع كل امرأة حملها، تؤخذ «ذرية الطبقة الراقية» إلى «حضَّانات خاصة ليعيشوا فرادى في أحد ربوع المدينة، أما ذرية الطبقة الدنيا وأي ممن يولَدون بعيوب خلقية يجري التخلُّص منهم سرًّا حتى لا يعلم أحد ما حاق بهم.»

ولا يشعر سقراط بالرضا عن هذا اللجوء إلى الكذب، ويدعو لاعتباره نوعًا من العلاج، حيث يجب تحمل النتائج السيئة لهذا الخداع من أجل الصالح العام. ويعترف سقراط أنه يعتبر هذه المسألة «أمرًا مقززًا». وحتى نفهم كيف راق لشخصية سقراط — التي قدمها أفلاطون — هذا المشروع المروِّع يجب ملاحظة أمرين؛ أولهما: أن الحراس الذين سيعيشون الحياة الفضلى، والأطفال الذين ستختطفهم الدولة بهذه الطريقة هم مَنْ سيخولون سلطات ومسئوليات غير تقليدية. كما أنه نظرًا للسلطة التي ستكون في حوزة هؤلاء الحراس والتي يجب فرضُها على العامة، لن يكون هناك محاكم مستقلة يحتكم إليها الناس في مظالمهم، وقد بدا من الحكمة أن تتخذ كل الخطوات الممكنة لضمان كفاءة هؤلاء الحراس للمهمة الموكلة إليهم؛ فالهدف من خطة التناسل في النهاية هو الهدف المعلَن فقط وهو إخراج «أبناء من نسل الآباء النافعين للدولة ليكونوا أكثر نفعًا.» والأمر الآخر هو أن الحكام الذين يُختارون من بين الحراس والمسموح لهم بالكذِب حتى يتمكَّنوا من تنظيم التناسل الانتقائي البغيض يختلفون تمامًا عن أي حكام حقيقيين يمكننا تصوُّرهم؛ فهم يشبهون الآلهة تقريبًا. ويستبعد أفلاطون فكرة أنهم قد يسيئون استخدام نفوذهم أو ينحرفون عن وظيفتهم. أما بالنسبة لقتل الأطفال المشوَّهين سرًّا فهذا لا يبدو أنه قد أثار في عهد أفلاطون أي جدل يُذكَر.

وعند احتدام المناقشة حول إمكانية تطبيق تلك الخطة ككلٍّ يتملص سقراط من ذلك الجدال، حيث يذكر رفاقه أن «هدفنا لم يكن بيان إمكانية تحقيق هذه الأفكار المثالية» بكل تفاصيلها. ويسأل: «هل تعتقد أنه لا يمكن لرسام بارع أبدع صورة لإنسان في غاية الجمال دونما حذف لأيٍّ من التفاصيل اللازمة لتصل هذه الصورة إلى حدِّ الكمال أن يثبت أن مثل هذا الرجل قد يوجد في الواقع؟» فسقراط مستعدٌّ لإثبات أن أهم التفاصيل في مدينته الفاضلة مرغوبة من الناحية النظرية، ولكن الهدف الحقيقي هو رسم صورة تستثير الفكر يمكن للناس أن يختاروا منها الأجزاء التي يرونها نافعة؛ فهو لا يحاول أن يشعل شرارة ثورة. ولإرضاء فضول مستمعيه فإن سقراط مستعدٌّ للإفصاح عمَّا يراه مجرد «تغيير بسيط لتحويل أية دولة إلى نظام الحكم ذاك»، فيقول إنه لكي تصبح المدينة المثالية واقعًا فليس إلا أن يصبح الفلاسفة ملوكًا أو أن «يسعى مَنْ نُطلِق عليهم الآن ملوكنا وحكامنا إلى تعلُّم الفلسفة بحقٍّ وعلى نحو كافٍ.» ويبدو هذا «التغيير البسيط» في الأوضاع القائمة تغييرًا جذريًّا، ولكن لو أتيحت لسقراط الفرصة لبناء مدينته الفاضلة في الواقع بتنفيذ أمنية واحدة له لكان هذا التغيير هو الأقرب لتحقيق ذلك.

لقد تجنب سقراط عرض فكرة الملوك الفلاسفة قبل ذلك خشية التعرُّض للسخرية؛ فهو يقول إنه مدرك تمامًا أن معظم الفلاسفة الحقيقيين إما أنهم لا يتحلَّوْن بالفضيلة أو أنهم بلا فائدة على الإطلاق، وسيكون من السخف التفكيرُ في توليتهم مسئولية أي شيء. ولكن تصوُّره للملك الفيلسوف يختلف عن هذه الشخصيات تمامًا، وسيكون التدريب والانتقاء الضروريان لإعداد الفرد ضمانةً بأن أفضل الناس هم مَنْ يبلغون هذه المرتبة، وسيوضح بعد ذلك في كتابه «الجمهورية» ما يدور في ذهنه بشأن هذا الموضوع؛ فبعد تلقي التعليم الإغريقي التقليدي في الموسيقى والشعر ومبادئ الرياضيات واللياقة البدنية، يتلقى التلاميذ الأفضل تدريبًا عسكريًّا لمدة عامين أو ثلاثة بشرط أن يتحلَّوْا بالفضيلة والرزانة والمهارة الاستثنائية. ويتابع المتفوقون من بينهم تعليمهم ليقضي كلٌّ منهم مدة لا تقل عن عشرة أعوام في دراسة العلوم التي شملت — وقتها بشكل أساسي — الهندسة والحساب والفلك والتوافقيات. ثم يتلقى أفضل هؤلاء تدريبًا لمدة خمسة أعوام على الحِجاج أو الجدل الفلسفي، وهذه مرحلة دقيقة جدًّا لأن قدرات التلميذ الجدلية يمكن أن تنحرف إلى المراوغة غير الهادفة أو المضلِّلة. ولهذا السبب تحرص خطة أفلاطون التعليمية الصارمة على أن يتعلم التلميذ أولًا أشياءَ أخرى كثيرة. وبعد ذلك يتلقى الذين تجاوزوا هذه المرحلة تدريبًا عمليًّا في السياسة والإدارة لمدة خمسة عشر عامًا. وفي النهاية يكون المتدربون قد وصلوا إلى سِنِّ الخمسين وأصبحوا أخيرًا مستعدِّين لإدارة الأمور طالمًا ثبت أنهم «الأفضل في كل المَهام وجميع صور المعرفة ولا يتفوق عليهم الآخرون في الخبرة أو الفضيلة.» وهؤلاء الذين يتفوَّقون في برنامج الملك الفيلسوف سيقضون معظم حياتهم في البحث في الفلسفة وتطبيقها من ثَمَّ في الحكم.

ويقول سقراط إنه بتولية هؤلاء مقاليد الأمور ستتحول المدينة التي يتحدث عنها إلى واقع. فسيكونون في موقع يسمح لهم برؤية ما هو أفضل للإنسان فعلًا ومن ثَمَّ تطبيقه. ورغم أن هؤلاء الناس — كما رأينا — سيكونون أكثر من مجرد فلاسفة بالمعنى التقليدي فإن سقراط يؤكِّد على مواهبهم الفلسفية. فهذه المواهب هي آخر ما يُتوقَّع أن يحتاجه أي حاكم صالح، ولكن أفلاطون يرى أنها جوهرية؛ لذا يحاول أن يوضح بشكل أكبر ما المقصود بالمعرفة الفلسفية وما أهميتها وما أثرها على حكم البشر. وهذا ما أدى إلى تعريف الفلسفة المقترَح الذي كان في بداية هذا الفصل وإلى توظيف أفلاطون لقصة سجناء الكهف الرمزية الشهيرة.

فالفيلسوف المثالي — في نظر أفلاطون — هو من يتجاوز الأمور الدنيوية ليرى الطبيعة المجرَّدة وغير المتغيرة للأشياء؛ أي المُثُل. وأمثال هؤلاء من محبِّي المعرفة بحَقٍّ لا يصبحون إلا رجالًا صالحين بقدر ما توصَّلوا إليه من معارفَ؛ لأن جميع الفوائد الناتجة عن المعرفة تتراكم في «عقل معتاد على التفكير في العظمة والزمن والوجود.» فعلى سبيل المثال «ليس لأي نفس وضيعة متعصبة نصيب في الفلسفة الحقيقية»؛ لأن العقل الفلسفي أسمى من تلك النواقص. وعلاوة على أن الفلسفة الحقيقية تشترط الفضيلة وتشجع عليها بطبيعتها فهي تؤدِّي إلى الخير كذلك بطريقة أخرى أكثر تجرُّدًا. فالثابت أن الفلاسفة يتعلمون «الجهاد في سبيل الحقيقة بكل صورها.» وإذا أكملوا رحلتهم المقدسة، فجزاؤهم رؤية قمة الحقيقة الأسمى من المثل وهي صورة الخير أو الجمال ذاته.

بل إن سقراط ذاته لا يمكنه تحديد ما هي تلك الحقيقة بالضبط ولكن يمكنه ذكر بعض معالمها. لقد كان مفهوم «الخير» في لغة ذلك العصر مرتبطًا بمدى توافق العمل مع الوظيفة أو الغرض أو الهدف منه. وبشكل عامٍّ فإن الشيء يُعَدُّ صالحًا إن أدى دوره المناسب أو حقق الهدف المنشود أو بلغ حَدَّ الكمال (أي وصل إلى أقصاه). ومن منظور أفلاطون، يجب أن تكون هناك صورة تقابل الفكرة الكلية للملاءمة، وهذه الصورة هي جوهر «الخير». وبناءً عليه سيعرف مَن رأى هذه الصورة كل ما هو نافع حقًّا، بمعنى أن من يرى هذه الصورة سيميز الصالح من الخبيث. وبطبيعة الحال سيكون الملوك الفلاسفة الذين تحدَّث عنهم سقراط نموذجًا لمن بلغوا تلك المرتبة. فدراستهم — وبخاصة في الحجاج — ستجعلهم متخصِّصين في المثل؛ حيث تعتاد أذهانهم على تمييز المثل الأكثر أهمية. «وعندما يَرَوْنَ مثال الخير ذاته فسيتبعونه بوصفه التنظيم السليم للدولة.»

ويتطلع جلوكون وأديمانتوس بشكل منطقي لمزيد من الملاحظات عن هذه الصورة التنويرية، فيضغطون على سقراط ليذكر المزيد من خصائصها. ولكن أفضل ما وضعه بين أيديهم — لسوء الحظ — كان مقارنة غامضة. فقد قال إن صورة «الخير» شأنها شأن الشمس، فأهمية الشمس لحاسة البصر تماثل أهمية صورة «الخير» لمَلَكة العقل. بمعنى أنه مثلما تنير الشمس الأشياء وتجعلها مرئية فصورة «الخير» تجعلها مفهومة.

هناك عدة أسئلة تطرح نفسها بخصوص مقارنة أفلاطون بين الشمس والخير، ولكن الأهم الآن في هذا التشبيه هو أنه يجعل من إدراك النموذج الأفضل مماثلًا لإدراكنا الحسي لشيء مادي. وفي نهاية دراستهم للحِجاج — البحث، الجدال، التساؤل، التعريف — سيرى الملوك الفلاسفة «نموذج الخير» مباشرة، تمامًا مثلما يرى بقية البشر الأقل شأنًا الشمس مباشرة. فهذه الصورة — كالشمس — موجودة بشكل مستقل عنا وعن آرائنا. كما أنه لا يوجد ما هو ذاتي أو قابل للخطأ في أفكار الملوك الفلاسفة بشأن النموذج الأفضل لمدينتهم؛ فهم يرون الصواب ولا شيء غيره. وبالطبع لا يوجد أحد على هذا القدر من الحكمة وربما لن يتواجد هذا النموذج أبدًا، لكن مفهوم نموذج «الخير» الذي يشبه الشمس يقدم لنا صورة تحفزنا على التطلع إليها.

ويقدم سقراط قصة أخرى في هذا الصَّدَدِ من أجل عقد مقارنة بين المعرفة لدى أولئك الفلاسفة المفتَرَضين وبين آراء عامة الناس (جدير بالذكر أن سقراط اعتبر نفسه واحدًا من العامة). وتتناول هذه القصة — واسمها سجناء الكهف — مجموعة من السجناء في غرفة تحت الأرض مقيَّدين بإحكام بحيث لا يمكنهم إلا النظر إلى صخرة صماءَ أمامهم، وبعيدًا — من خلفهم — تلوح ألسنة نيران تمثل مصدر الضوء الوحيد في الكهف، ويمر أمام تلك النيران الناس حاملين أشياءَ مختلفة غير مرئية، وهو الأمر الذي يُلقي بظلال مضطربة على الجدار أمام السجناء. وقد ظل هؤلاء السجناء مكبَّلين بالقيود في هذا الوضع طوال حياتهم، وكل ما رأوه مجرد ظلال، فلم يَرَوْا قَطُّ شيئًا حقيقيًّا بل لم يتصوروا وجوده. يقول سقراط إن هذه الحالة المحزنة هي حال البشر أجمعين، وتمثل الأشياء الحقيقية غير المرئية في هذه القصة المُثُل التي لا نرى منها إلا ظلالها ونعتبرها الحقيقة. ونحن قد تعوَّدْنا على هذه الحال لدرجة أننا إن تحررنا من قيودنا لن ندرك في البداية ما حدث. ويفترض سقراط أن أحد السجناء قد تحرَّر من أغلاله وأُخرِج من هذا المكان، عندئذٍ سيؤذيه الضوء المتوهج ويرغب في بادئ الأمر في العودة إلى الضوء الخافت الذي أَلِفَه، وسوف يكون الضوء باهرًا فلا يستطيع تمييز الأشياء. ويقول سقراط: «وإذا سئل ذلك الشخص عن الأشياء المارة أمامه، ألا تعتقد أنه سيشعر بحَيرة ويعتقد أن ما رآه في السابق حقيقي قياسًا بما يراه الآن؟» والأمر نفسه يسري على البشر في الواقع؛ حيث يريهم نموذج سقراط الأفلاطوني المثل ولكن أعينهم تطرف في ارتباك.

سيكون على السجين المحرَّر أن يعتاد البيئة المحيطة بالتدريج. في البداية، سيتمكن من تمييز الظلال الناتجة عن الشمس ثم الانعكاسات على سطح المياه، وبعدها يبدأ في تمييز الأجسام الصُّلبة في العالم الحقيقي. وفي الليل يُحدِّق في الأنوار الخافتة للنجوم والقمر. وقد يصبح نظره بعدها قويًّا فيتمكن من النظر إلى الشمس، وسيمكنه ذلك من فهم النظام الكلي للأشياء: «عند تلك النقطة سيستنتج أن الشمس … هي السبب في تنوُّع فصول السنة وأنها تشرف على كل الأشياء في مجال الرؤية.» وقتها سيدرك أن ما اعتاد على رؤيته سابقًا في الكهف مجرد ظلال، وسيشعر بالأسف على رفاقه السابقين في الكهف «وعلى ما فاته من الحكمة هناك.»

وماذا سيحدث إن عاد إلى الكهف راغبًا في تحرير زملائه؟ مرة أخرى سيعاني في البداية كثيرًا. فهو لم يعد معتادًا على رؤية الظلام ولن يتمكن من رؤية ظلال الكهف الباهتة. ومن شأن ظهوره داخل الكهف:

أن يثير ضَحِكَ رفاقه وسخريتهم، وقد يقال إنه عاد من رحلته بالأعلى وقد فقد بصره وإنه لا قيمة لمجرد محاولة الصعود، وإن سنحت الفرصة لرفاقه للنَّيْلِ منه وقتله بعد أن حاول تحريرهم والصعود بهم للأعلى ألن يقتلوه؟

ولكن قد تبدو فكرة قتله متطرِّفة وغير معقولة حتى بالنسبة للسجناء المضلَّلين الذين لا يعلمون شيئًا عن العالم الحقيقي. ولكن علينا تذكُّر أن شيئًا كهذا قد حدث تاريخيًّا بالفعل لسقراط نفسه كما يرى أفلاطون. فقد حاول سقراط أن يبث التنوير في نفوس أصحاب الكهف في أثينا فقتلوه. إن صورة الرجل العائد الذي يريد أن يرشد ذويه إلى النور ولكنه يقابَل بالعداء وعدم التفهم هي كناية عن الاحتقار الذي يُستقبل به أحيانًا من عاد من رحلة في دروب المعرفة:

ألا تعتقد أنه من الغريب أن يقابَل من عاد من التأملات السامية إلى الشقاء الإنساني بالسخرية والازدراء، وأن يرغم — بينما ما زالت عيناه تطرف في الظلام قبل أن يعتاد عليه بشكل كافٍ — على مواجهة ظلال العدالة في المحكمة أو غيرها ومجادلة عقول لم تَرَ العدالة ذاتها قط؟

ليس هذا بغريب إطلاقًا.

إن مصير السجين العائد في هذه القصة الرمزية الواردة في «الجمهورية» هو تخليد بسيط لذكرى سقراط الذي وقع حديثه عن العدالة على آذان صُمٍّ.

إن على السجناء المحرَّرين من الأغلال أن يعودوا دائمًا إلى كهف البشرية؛ ولذلك يستمر الجدل في «الجمهورية» حول هذه النقطة. فكما أن «غير المتعلمين وغير الخبراء بالحقيقة» لا يمكن الوثوق بهم في حكم الآخرين؛ فإن من وصلوا إلى «المعرفة التي قلنا إنها الأسمى» لا ينبغي السماحُ لهم بالتخلِّي عن مسئولية نشرِها وتطبيقها. فبعد وصولهم إلى القمم المرموقة التي مكَّنَتْهُم من رؤية الأصوب والأفضل، يجب ألَّا يُسمح للملوك الفلاسفة بأن «يمكثوا فيها رافضين النزول مرة أخرى إلى المقيَّدين في الأغلال ومشاركتهم كدحهم.» قد يبدو من القسوة إعادة الملوك الفلاسفة إلى الظلام بعد أن أبصروا نور المعرفة، ولكن «القانون لا يرمي إلى استئثار طبقة معينة في الدولة بالسعادة، بل يحاول تعميم هذه الحالة على المدينة ككل»:

يجب أن تشرعوا إذن — كلٌّ في موقعه — في توطين الآخرين وتوطين النفس على تأمُّل الأشياء الغامضة البعيدة. فإن تهيئة النفس لذلك تساعد على التمييز السليم للأشياء دون لَبس لأنكم قد رأيتم حقائق الجمال والعدل والخير، وبذلك تُحكَم مدينتنا بعقول يقظة، وبآليات ليست كبقية المدن التي يسكُنها ويحكمها في ظلمة دامسة رجالٌ يتنافسون على المناصب وكأنها غنيمة عظيمة، بينما الحقيقة أن المدينة التي لا يتمسك حكامُها بالمناصب تُدار حتمًا أفضل إدارة وتكون أبعد ما تكون عن الشقاق.

ولكن كيف لتلك المدينة الفضلى — بقادتها الحكماء والمترفِّعين عن المناصب — أن تختلف عن جميع الأنظمة الأخرى القائمة؟ هناك أنظمة حكم كثيرة على مستوى العالم؛ فهناك النظام الكريتي أو الإسبارطي الذي يهيمن عليه العسكريون، وهناك حكم الأقلية؛ أي حكم الصفوة من الأغنياء، وهناك النظام الديمقراطي الذي تحكمه الجماهير، وأخيرًا يأتي الطغيان «وهو النظام الرابع والأخير، وهو بمثابة علة تصيب الأمم.» هذه هي الأنظمة الأربعة الرئيسة ولكن هناك أيضًا «الولايات المورثة والممالك المبيعة» وغيرها من الأنظمة الوسيطة. ويقول سقراط إن أنظمة الحكم تتعدد في الواقع كما تتعدد أنواع البشر، وهو يعتقِد أن الدول المختلفة تشكِّل بصورة ما انعكاسًا للشخصيات المختلفة لحكامها. وبعد أن ذكر سقراط الكثير عن الحكام العارفين بالفلسفة في مدينته الفاضلة، فهو مهيَّأٌ الآن للعودة إلى مهمته الرئيسة وهي: تحليل أنظمة الحكم والنفسيات المختلفة التي تتماشى معها ليكتشف المزيد عن العدالة وكيفية تحقيقها للسعادة.

يرتِّب سقراط الأنواع الأربعة الرئيسة للحكومات — بالإضافة إلى نموذجه المثالي — في تسلسل هَرَمِيٍّ من خمس مراتب، وهو ما يعني أن حكم الملوك الفلاسفة يمثِّل أعلى المراتب، بينما يأتي الطغيان في أدناها. كما يتبين لنا أن أفلاطون قد وضع الديمقراطية في المرتبة الثانية من حيث السُّوء بعد الطغيان. فالديكتاتورية العسكرية أو حكم الأقلية من الأثرياء أفضل من حكم الرعاع. ولكن قبل إطلاق أَيَّةِ أحكام حول غرابة الآراء السياسية لأفلاطون، ينبغي أن ندرك أن الأمور ليست كما تبدو في ظاهرها، حيث نميل للاعتقاد بأن الحكم العسكري أو حكم الصفوة هما من أشكال الحكم الطغياني في الوقت الذي يصف فيه أفلاطون الطغيان أنه أسوأ من كليهما. فأي من هذه المصطلحات السياسية لا يتفق مع المعنى الحديث بصورة كاملة — وبخاصة الديمقراطية — رغم أن هناك الكثير من التشابُه بين ديمقراطية الأنظمة الليبرالية الحديثة وديمقراطية أفلاطون، وهو ما يجعل تناوُلَه لها مشوِّقًا. بالنسبة للأرستقراطية، فهي تعني في لغة أفلاطون أن يتولَّى مقاليد الحكم أفضلُ الناس وأعدلهم؛ فالأمر إذن لا علاقة له بانحدار المرء من نسل أجداد كان لهم حظ من الثراء أو حظوة لدى الملوك، فهذا هو المعنى الدارج للأرستقراطية في أيامنا هذه.

إن الملوك الفلاسفة — أي الأرستقراطيون الأفلاطونيون — هم رجال يحكمهم العقل؛ لذا فالدولة الأرستقراطية هي تلك الدولة التي تخضع لأكثر المبادئ حكمة. ويأتي نظام الحكم العسكري في المرتبة الثانية من حيث الأفضلية (ويطلق عليه التيموقراطية): وتتحكم في التيموقراطيين العاطفة النبيلة — أي الرغبة في نيل الشرف — ولكن تلك العاطفة ليست في مثل سُمُوِّ العقل؛ لذا فالدولة التي يحكمونها ليست في مثل منزلة دولة الأرستقراطية. ويأتي في المرتبة الثالثة حكم الصفوة حيث يتحكم في الصفوة الحاكمة من الأثرياء عاطفة دنيئة هي الطمع في الثروة، ولكن لديهم بعض الفضائل. وهم مقتصدون ومنضبطون — إلى حَدٍّ ما — بدافع ادِّخار الأموال. ولا يمكن القول بكفاءة نظام كهذا، ولكنه على الأقل أفضل قليلًا ممَّا يليه — النظام الديمقراطي — الذي يعوزه الانضباط على المستوى العملي؛ حيث تحكمهم الشهوات الدُّنْيا كالطعام والشراب والجنس والإشباع الفوري للغرائز. فالدولة التي يديرها هؤلاء الديمقراطيون ما هي إلا كِيَان فوضوي وغير منضبِط. أما بالنسبة للطغاة فهم في أدنى الهرم، حيث لا يُظهرون أي التزام بالقانون. وهم قد جاوزوا رذائل الديمقراطيين بإقدامهم على فعل ما يحلو لهم أيًّا كان، كما أنهم مولَعون بالقتل بصفة خاصة. ويبدو جليًّا أن الدولة التي يحكمها الطغاة هي الأسوأ على الإطلاق (حتى وإن كنت منهم كما سنرى).

يشرح سقراط كيف يشرع كلٌّ من أنظمة الحكم الأربعة الأولى في التدنِّي حتى يتحول إلى الذي يليه. فكل نظام به عوامل تدميرِه الذاتية. فحتى النظام الأرستقراطي سينهار في النهاية. فسوف يقوم القادة — عاجلًا أو آجلًا — بخرق قواعد عملية التكاثر — ربما دون قصد — فيزيد عدد القادة غير الأكْفَاء؛ مما سيخلف مشكلات عندما يحاول القادة الأكفاء أن يتوافقوا معهم بحيث تنحرف المدينة عن التناغُم المثالي. وسيقوم أنشطهم في النهاية — عن طريق السعي الدءوب والتطلُّع إلى نَيْلِ الشرف — بإزاحة أهل الفضل والفلسفة من المسئولية. وستقع الدولة العسكرية الناشئة في حرب أهلية عاجلًا أو آجلًا، ربما حين ينتهي قادتها من غزو جميع الدول الأخرى. وسيطمع من يتطلع إلى الشرف في زيادة أملاكه؛ ممَّا يغذي أصول حكم الصفوة من الأثرياء حيث «يتحولون من محبين للمجد والشرف إلى محبين للمال، ويعجبون بالأثرياء ويولونهم المناصب ويحتقرون الفقراء.» ومن الواضح أن الثروة ليست دليلًا حقيقيًّا على الكفاءة السياسية. «فإذا كان ربان السفينة يُعَيَّنُ وفقًا لدرجة ثرائه، ولا يُسمح للفقير بتولي الملاحة حتى وإن كان ربانًا أفضل … فستكون النتيجة رحلة مأساوية.» وسيكون سقوط حكم هؤلاء الأثرياء مرهونًا بالصراع بين الفقراء والأغنياء؛ أي صراع طبقي. وسيعم السخط بين الناس في ظل ظروف عصيبة نتيجة لجشع طالِبِي المال، وهو ما يؤدِّي إلى تفشِّي الحقد في نفوس الفقراء، فيندفعون للثورة وتأسيس نظام ديمقراطي. وهكذا يكون حب المال قد أتى على حكم الأغنياء من الداخل، كما ستؤدي الرغبة العارمة في الحرية إلى إسقاط النظام الديمقراطي فيما بعدُ.

ولا شك أن جموع الفقراء سيحتفلون بانتصار الديمقراطية التي حررتهم من الأقلِّيَّات المختلفة التي حكمتهم من قبلُ وسيعدون ذلك انتصارًا للحرية. ولكن سقراط يقول إن الأمر لا يُعَدُّ نصرًا للحرية على الإطلاق. فالرغبات التي أُطلق لها العِنان دون ضابط في مثل هذا المجتمع سوف تؤدِّي حتمًا إلى العبودية المطلقة لا الحرية المطلقة. فهكذا تبدأ الأمور: «ستسيطر الحرية بمختلف أشكالها — لا سيما حرية التعبير — على المدينة الديمقراطية» و«سيعمل الجميع على قضاء حياته كيفما شاء.» فالمشهد في هذه المدينة أشبه «بالثوب المطرَّز بجميع الألوان، حيث ستبدو أجمل المدن في ظل هذا التنوع والاختلاف بين الشخصيات.» ولن يكون هناك — بلا شك — مكان للحكام الفلاسفة في هذا النسيج المختلط:

إن سماحة الديمقراطية وازدراءها لقراراتنا المقدسة التي صدرت عند تأسيس مدينتنا … تدوس بأقدامها كل هذه المُثُل، غير عابئة بالممارسات وأساليب العيش التي تتبناها السياسة، ولكن تحفل بالإنسان فقط إن أعرب عن حُبِّهِ للشعب!

إن الديمقراطية التي يتحدث عنها سقراط هي شكل أكثر ديمقراطيةً من الأنظمة التي نعرفها؛ فهي الديمقراطية المطلقة. ولا توزع فيها السلطة بالانتخابات — التي تعد اليوم جوهر الديمقراطية — بل بالاقتراع العشوائي. قد يبدو هذا الكلام مبالَغًا فيه ولكنه يقارب واقع الديمقراطية في زمن أفلاطون. فكثير من شئون الدولة والعديد من المحاكمات كانت في يد وُلاة أمور وقضاة يُختارون بعشوائية لمدة عام واحد. وكانت القرارات الأهم تُتَّخَذُ من خلال تصويت يجري بين من يتصادف وجودُهم في الاجتماع ذي الصلة. كان هناك بالفعل ضمانات دُستورية من المفترض أنها تكفل كفاءة الحكم في أثينا (فالقضاة — على سبيل المثال — عليهم اجتياز اختبار بسيط ويمكن التصويت على عزلهم). ولكن أفلاطون يرى أن الضعف المتأصل في هذا النظام يتضح بشكل أفضل عند تصور ما يمكن أن يؤدي إليه حكم الشعب.

ولفهم الأفكار الديمقراطية يقترح سقراط أن نتأمل شخصية من يعتنقون الديمقراطية النموذجية؛ فهذا سيوضح المحاسن والمساوئ المقترنة بالديمقراطية. وكما أن الديمقراطية المطلقة تقبل أي شيء وأي شخص، فإن الشخصية الديمقراطية عشوائية كذلك:

ستضع ملذَّاتها جميعًا على قدم المساواة وتعمل على إشباعها … وتُسخِّر رُوحها لإشباع تلك الرغبات واحدة تلو الأخرى، فلا تترفَّع عن أيٍّ منها بل تتمسك بها جميعًا … ولا تقبل هذه الشخصية أو تسمح بأن تخترقها الحقيقة، حينما يخبرها أحدهم أن بعض الملذَّات ينبع من رغبات سامية صالحة والبعض الآخر ينبع من أخرى دنيئة، وأن الواجب هو إشباع بعض الرغبات وكبح الأخرى. فمن يؤمنون بالديمقراطية يرفضون هذا الوعظ ويؤكدون على تساوي كل الرغبات.

إن الشخص المؤمن بالديمقراطية — مثل الديمقراطية ذاتها — يؤمن «بالمساواة بلا تمييز بين الأشياء المتكافئة وغير المتكافئة على حَدٍّ سواء.» فتبدو كل الأشياء في نظره متساوية في القيمة، ويتحوَّل تفتُّحه العقلي إلى فراغ ذهني. وفي ظل افتتانِه بشعارات الحرية والمساواة، يسيطر العشق الأعمى لكل رغبة عابرة على أنصار الديمقراطية:

فينغمس ذلك الشخص المؤمن بالديمقراطية كل يوم في نزوة آنيَّة، فتجده يحتسي النبيذ ويتمايل مع نغمات الناي ثم يعود لشرب الماء والتهام الطعام. وأحيانًا تجده نشطًا، وأحيانًا أخرى يتكاسل ويتجاهل كل شيء. ينشغل في بعض الأحايين بالفلسفة. وكثيرًا ما يتدخل في السياسة، ثم يخرج بأي رأي يخطر بباله ويفعل ما تراءى له. فإن أبهره العسكريون اندفع لهم، وإن أغواه أهل المال تحول إليهم، ولا ضبط أو ربط في حياته. ولكنه يزعم أن حياته تلك هي حياة المتعة والحرية والسعادة ويتمسك بها حتى النهاية.

وهكذا يُصبِح الديمقراطي عبدًا لرغباته، لكن النهاية قد تكون أدنى ممَّا يتصور؛ لأن افتتانه بالحرية سيتضخم. فإذا كانت الحرية — في نظره — خيرًا كلها، فإن الإجبار شر كله؛ عندئذٍ يصبح المواطنون «شديدي الحساسية والسخط إزاء أي ملمح من ملامح الاستعباد، وهو ما لن يتحملوه إطلاقًا» حيث:

يحاول الأبُ باستمرار أن يجاري أبناءه مع أبنائه … ويهاب المعلم التلاميذ ويتملَّقهم، ولكن التلاميذ — في المقابل — لا يعبَئُون بالمعلم … ويحاول الكبار التأقلُم مع الصغار ويقلِّدونهم في المزاح واللطف خوفًا من ترسُّخ اعتقاد لدى الصغار بأن الكبار منفرون أو مستبدون.

ويقول سقراط مازحًا إن رُوح التحرر والاستقلال ستتفشى إلى أن تصيب الحيوانات. فحتى «الخيول والحمير ستمضي في سبيلها بكل حرية وتزيح من طريقها من لم يُفسِح لها.» وهنا يقول جلوكون إن هذا ما يلحظه بالفعل عندما يذهب إلى الريف.

وهنا يجدر القول إن حديث سقراط عن الحمير لم يعُد مزحة. فالدفاع عن حقوق الحيوان قد شاع في البلدان الديمقراطية، رغم أن الحيوانات نفسها — في خيال سقراط — لا تسعى بفاعلية إلى تلك الحقوق (يقول أحد المعاصرين — من مناصري حقوق الحيوان — حول المظالم التي تتعرض لها الحيوانات في زمننا الراهن: إن جماعة الحيوان التي تتعرض للاستغلال لا تستطيع تنظيم احتجاج ضد المعاملة التي تلقاها). وإنه لمن المثير اكتشاف أصداء معاصرة لملامح المجتمع الليبرالي التي تحدَّث عنها سقراط، سواء في سيادة أنماط معينة من السلوك لفترات زمنية وجيزة، أو في الحساسية المفرطة المقترنة بالخطابات السياسية المتزنة، أو السخط «عند أبسط تلميح للاستعباد». ولكن بخصوص ما تنبَّأ به أفلاطون من رفض لمظاهر الحياة المعاصرة المذكورة آنفًا، ففي هذا قول آخر.

هناك جزء في نبوءة أفلاطون يأمل الجميع أن يكون مخطئًا، وهو أن الديمقراطية تؤدِّي إلى الفوضى المدمِّرة. يقول سقراط إن هذا ما سيحدث منطقيًّا في النهاية لأن الرغبة في الحرية بكل صورها لا يمكن إشباعها دائمًا في إطار القانون (وقد يصلح مثالًا عصريًّا على ذلك ما يذهب إليه بعض المتطرفين ممَّن لا يمانعون المخاطرة بالحياة البشرية من أجل حرية فئران المعامل). كما يقول إن الشخصية المؤمنة بالديمقراطية «لن تلتفت في النهاية إلى القوانين المكتوبة والأعراف غير المكتوبة؛ حيث إنه من الوارد ألَّا تخضع لسلطان تلك القوانين في مختلف المواقف.» إن عدم احترام القانون — إلى جانب بعض الخصائص الأخرى للحياة الديمقراطية — هو ما سيسمح للطغيان بالوصول إلى السلطة. حيث يرى سقراط أن الانتهازيين الفاسدين من أعضاء المجتمع سيقومون بتسلُّق المشهد ويَشُقُّونَ طريقهُم إلى مواقع النفوذ؛ فلا شيء يمنعهم من ذلك في ظل ديمقراطية مكفولة للجميع. ثم يلبَسُون عباءة خادمي الأمة المخلِصين كي يصادروا أموال الأثرياء ويحتفظوا بقسط منها لأنفسهم. عندئذٍ يعارض الأثرياء هذه المصادرات ويحاولون مواجهتها، ولكنهم يُتَّهَمُونَ بمحاولة قلب نظام الحكم. عندئذٍ يظهر قائد ذو شخصية مؤثِّرة بوصفه الدرعَ الواقية لعامة الشعب ضد الأغنياء المتآمرين، ثم تتسارع وتيرةُ الأحداث. وهنا يتقدم هذا (الحارس) «بالعريضة الشهيرة للطغيان التي يطلب فيها من الجماهير إمداده بالغطاء اللازم لتأمين المدينة دفاعًا عن الديمقراطية.» ثم تتلوث يداه — بمعاونة جيشه — بدماء من أعلنهم أعداءً للدولة. وهنا يصبح التحول الخطير إلى الحكم الطغياني السفاح حتميًّا. وفي النهاية «سيخضع من يقاومون الاستسلام … إلى قيود الطغيان والعبودية.»

ويُفرد أفلاطون مساحة للحديث عن شخصية الطاغية أكثر من أي شخصية أخرى. فالطاغية يعيش الحياة التي نعتها ثراسيماخوس بالحياة المفضلة إبان حربه على الفضيلة. فما نوع السعادة التي يُحِسُّها مثل هذا الإنسان؟ يقول سقراط إن حياته العقلية كابوس بالمعنى الحرفي. وفيما يعد تنبؤًا بنظرية فرويد، يتحدث سقراط عن نوعٍ من الرغبات المكبوتة التي تثور ليلًا في نفس الطاغية. «تبين أحلامنا أن هناك نوعًا خطيرًا ووحشيًّا من الرغبات بداخل كل فرد، وهو نوع لا يخضع لأي قانون»:

تنتاب هذه الرغبات الجميع حتى مَن يبدو معتدلًا أو منضبطًا تمامًا مثلنا. هذه الرغبات تنشط أثناء النوم عندما تغفُل الروح — أي الجزء العاقل المعتدل الذي ينبغي أن يسيطر علينا — ولكن الجزء الوحشي البربري — الذي يغذيه الطعام والخمر — ينهض مقاومًا النومَ ويسعى لإشباع غرائزه الخاصة … وفي هذه الحالة سيُقدِم على فعل أي شيء بعد أن تحرر من أي شعور بالخجل، بل من العقل برُمَّته. فلا يتوانى عن ممارسة الرذيلة مع أمٍّ يتخيلها أو أي شخص آخر سواء أكان من البشر أو الآلهة أو البهائم، فهو مستعد لأي عمل قذر.

وبينما يسيطر الإنسان المتَّزن على هذه الرغبات في معظم الأحيان، يقع الطاغية تحت تأثيرها ليلًا ونهارًا؛ «فيصير سكِّيرًا مختلًّا تملؤه الرغبة العارمة إما بسبب طبيعته الشخصية أو ظروف حياته أو كلتيهما.» كما يقوده حب المال إلى الجريمة، ويحاط بالمداهِنِين الذين يخشَوْن سلطته. ويخالط الناس فقط ليحصل على ما يريد منهم؛ فالصداقة إحدى المتع التي لن يدركها. كما لن يدرك السكينة الحقيقية أو الحرية لأنه عندما يتعثر سينقلب عليه أصدقاؤه الزائفون. ومثل المدينة التي يحكمها، تمتلئ روح الطاغية «بالعبودية حيث تخضع الأجزاء الدنيا من نفسه لسيادة جزء صغير هو الأكثر جنونًا وشرًّا.» ويستمر سقراط في طرح التشبيهات المفعمة بالإيحاءات والأمثلة المقبولة على نطاق واسع؛ فيصور رُوح الطاغية على أنها بالضرورة فقيرة خائفة مضطربة بائسة. حيث يقول سقراط:

إن الطاغية بعيد عن تحقيق أدنى إشباع لرغباته؛ فهو فقير بحَقٍّ لأنه في حاجة مستمرَّة لمعظم اللَّذَّات. وذلك يتَّضِح من مراقبة رُوح الطاغية من جوانبها كافة. وطَوَال حياته سيملؤه الرُّعب والاضطراب والألمُ، ما دام حالُه في الحقيقة يشبه حال المدينة التي يحكمها.

إن مشكلة الطاغية الأساسية أنَّ «فسادَه في صميم روحه»؛ فهو يخضع لحكم أسوأ جزء من نفسه، ومن ثَمَّ يصبح تعيسًا تمامًا. أما الفئة الأسعد من البشر فهم على النقيض من ذلك تمامًا؛ حيث يحكمهم الجزء الأفضل في أنفسهم وهو العقل. وهكذا نَصِلُ إلى المفهوم الكامل للعدالة أو الصواب وهو الإجابة عن التساؤلات المطروحة حول الحياة السليمة. فبالنسبة للأفراد يكمُن الحل في تناغم أجزاء الروح؛ أي أنواع الرغبات. فالحرص على إخضاع الرغبة في الشرف والمال والجنس وغيرها لسيطرة العقل يمنَحُ الإنسان حياةً سعيدة وسليمة (على الأقل بالنسبة لمن تتوافر لديه شروط السعادة). وعلى صعيد المدن، تكمُن العدالة والسعادة في التنظيم المتناغم بين قطاعات المجتمع الذي يحكمه العقل أيضًا — وتتمثل تلك القطاعات في طالبي المال وطالبي الشرف وطالبي المعرفة وغيرهم — وهي قطاعات تقابل بدورها أجزاء الروح. ويمكننا الآن أن نقع على العيب في فساد ثراسيماخوس الأخلاقي وعدم التزامه بالقوانين عندما ننظر للأمر برُمَّته. فنحن نرى ما يؤدي إليه سلوكُه في النهاية وكيف أن أسلوب حياته أو نظام الحكم الذي يدافع عنه بعيد تمامًا عن أن يكون الأكثر تحقيقًا للسعادة. لذا يحقق سقراط في النهاية انتصارًا لم يحالِفْه في بداية «الجمهورية» عندما حاول الرد على أفكار ثراسيماخوس مباشرة.

ولكي يَصِلَ بفكرته الرئيسة إلى ذلك الانتصار، يضيف سقراط نقطتين أخريين في صالح أطروحته؛ أولًا: ماذا يقال لطالب المال أو طالب الشرف أو حتى الطاغية الفاسد المنغمس في الملذَّات الذي ينكر وجود أي حياة أفضل من حياته؟ سيصر أرباب كل لذة على أنها الأكثر إشباعًا لرغباتهم. وهنا يوضح سقراط أن الوحيد الذي يُمكِنُه الحكم على المتع المختلفة هو من جرَّبها كلها. وهذا الشخص — وفقًا لسقراط — هو الملك الفيلسوف الذي خاض كل هذه الأمور ليصل إلى ما وصل إليه؛ فسيتذكر مثلًا من طفولته الخضوع للرغبات الدنيا. كما أن تجربته في الحياة ستصقُلها ملَكة العقل. وستمنحه دراسة الحِجاج أفضل موضع لتقييم البراهين. لذا فعندما يخبرنا الملك الفيلسوف أن المتع العقلية هي الفضلى، فعلينا أن نُسَلِّمَ بذلك.

أما النقطة الثانية فهي مسألة يؤسس بها سقراط حجته. فالمتع المستمَدة من الأمور الدنيا لا يمكن أن تحقق الإشباع في النهاية لأنها غير ثابتة في جوهرها ومن ثَمَّ فهي وهمية. فهي «متع ممزوجة بالألم، وهي مجرد صور غير أصيلة وظلال للمتع الحقيقية»:

إن من تنقصهم الخبرة بالعقل والفضيلة، من ينشغلون بالولائم وغيرها لا يتذوَّقون أبدًا أي متعة ثابتة أو نقية. فهم يحنون رءوسهم كالأنعام وينكبُّون على موائد الطعام ويسمنون ويزنون. ولكي يتفوقوا على الآخرين في تلك الأشياء فإنهم يناطحونهم ويركلونهم فيقتلون بعضهم البعض لأن رغباتهم لا يمكن إشباعها؛ فالأمر أشبه بمَلءِ وعاء مثقوب.

ولكن الإنسان الذي يحكمه العقل يحصل على وجبة أكثر إشباعًا؛ لأن رغبته في المعرفة تأخُذُه إلى مجال أهم وأقيم. وبالعودة إلى مثال الكهف، فقد وجد هذا الإنسان طريقه إلى النور حتى رأى حقيقة الأشياء؛ لذا فهو يعرف حق المعرفة ما يعود عليه بالنفع، فالإنسان ليس كالبهائم، حيث إن لديه جانبًا أسمى يحقق الفضيلة التي تجلب بدورها السعادة الدائمة.

بعد ذلك يقوم أفلاطون بإدخال سقراط في رحلة خيالية مع الرياضيات يسعى فيها بغرابة إلى إثبات أن الملك الفيلسوف أسعد من الطاغية بسبعمائة وتسع وعشرين مرة. ويفضل عدم التعرُّض بكثير من القول لهذه الفرضية (حيث إن الحساب الرياضي في حَدِّ ذاته غير دقيق، فمن المفترض أن تكون نتيجة تلك الحسابات الرياضية هي أن الملك الفيلسوف يفوق في سعادته الطاغية باثنتي عشرة مرةً ونصف). وتختتم «الجمهورية» بهبوط في وتيرة الأحداث يتمثل في مناقشة لمصير الرُّوح البشرية، علاوة على التحول إلى موقف عدائي غريب تجاه بعض أنواع الشعر. وعند هذه المرحلة يكون الجزء المهم في «الجمهورية» قد انتهى.

•••

إن ما يمكن أن نستفيده من قراءة «الجمهورية» هو اكتشاف المدينة الاستثنائية وملوكها الفلاسفة المثاليين. ويستخدم أفلاطون هاتين النقطتين وسيلةً لنقل فكرته. ويقول بعض نقاد القرن العشرين — الذين كتبوا في ضوء ما عاصروه من فاشية هتلر وشيوعية ستالين — إن دولة أفلاطون تتَّسِم بالشمولية البغيضة؛ فهي الأُولى من نوعها الفاسد.

ولكن أفلاطون يستحق تقييمًا أفضل من ذلك. أولًا يجِب الأخذ في الاعتبار أن هدفه الأساسي لم يكن وضع تصوُّر لدولة على الإطلاق، بل كان توظيفًا للمقارنة بين المدينة والروح من أجل تكوين صورة متكاملة عن العلاقة بين العدالة والسعادة. فتحليله للطغيان على سبيل المثال كان بهدف إلقاء الضوء على نفسية الإنسان الفاسد، كما أن الملوك الفلاسفة هم نماذج مثالية تناقض نفسية الطاغية تمامًا. إن الدرس الحاضر دائمًا في أُطروحته هو أن العدالة والسعادة في أفضل صورهما موجودتان معًا في مملكة العقل، أما ما دون ذلك في الكتاب فهو ذو قيمة هامشية بشكلٍ أو بآخر. ومع اقتراب الكتاب من خاتمته، يعلن سقراط صراحةً أن أفضل حال هو أن يخضع الجميع لحكم العقل «النابع من النفس لا المفروض من قبل الغير.» وبعبارة أخرى، فالنظام المدني للمدينة الفاضلة بحكامها المنضبطين المدرَّبين بعناية هو في الواقع ثاني أفضل خيار، وهو يُنفذ فقط حال فشل الناس في السيطرة على نفوسهم بشكل سليم. ومن المهم التأكيد على أن «المدينة الفاضلة» الواردة في «الجمهورية» ليست بالنموذج المثالي لأفلاطون على الإطلاق. فهو يقول إن ما يحث عليه في الواقع لا يزيد عمَّا يمكن أن ينتهجه أَبٌ حكيم في تربية أبنائه:

إننا لا نمنح الحرية للأطفال إلا بعد زرع قِيَمٍ فيهم — تمامًا مثل وضع الدستور في مدينة ما — عن طريق ربط أفضل ما فيهم بأفضل ما فينا حتى نمدهم بحارس وحاكم بداخلهم ليحل محلَّنا، وعندها فقط نمنحهم الحرية.

في ضوء مبادئه، فإن من المفترض أن يشعر أفلاطون — لو كان بيننا اليوم — بالرضا الكامل عن الترتيبات الدُّستورية للديمقراطية الحديثة — أي تحرير الشعب — بشرط أن تكُون تلك الترتيبات قادرة على تحقيق العدالة والسعادة.

ومن الواضح أن موقف أفلاطون من الديمقراطية في عصره يختلف عن الموقف التاريخي الأصلي لسقراط. ورغم أن سقراط لم يتكبَّد عناء تقييم أنواع الدساتير المختلفة بشكل صريح؛ فقد علمنا أنه كان مخلصًا لديمقراطية أثينا، بينما رأى أفلاطون من خلال شخصية سقراط — التي تُعَدُّ لسان حاله — في تلك الديمقراطية مجرد فوضى غير هادفة وبذور لطغيان في غاية السوء. وبالنسبة للفكر المعاصر فقد أخطأ أفلاطون في تصوُّره للحرية الدستورية. فحتى إن لم يكن أفلاطون يدافع عن أي نظام سياسي محدَّد، وحتى إن كانت المدينة التي يتحدَّث عنها ثاني أفضل خيار بالنسبة إليه وحسب، فمن الواضح أنه لم يقدر مخاطر منح إحدى النُّخَب ذلك القدر الكبير من السلطات. كما يبدو أنه لم يُقَدِّر فكرة أن الناس قد يرغبون في البحث عن السعادة بأنفسهم بدلًا من توجيههم إليها من خلال «حراس» يرعونهم، شأنهم في ذلك شأن البالغين الذين لا يرضَوْن بأن يعاملوا كأطفال. باختصار، يبدو أن أفلاطون لم ينتبه إلى قيم الاختلاف والفردية التي تثمنها النُّظُم الديمقراطية الغربية المعاصرة.

ولا يقِف الأمر بأفلاطون عند تجاهُل هذه التعددية بل يهدف تناوله للديمقراطية إلى الحكم عليها بشكل مباشر من خلال تصويرها على أنها بلا نظام أو تمييز، وأنها مُرْضية من الناحية الشكلية فقط. فإذا تركت الحرية للناس كي يسعوا خلف أي هدف تَصادَفَ اختيارُهم له فسينتهي بهم الأمر عبيدًا لكل نزوة عابرة. وبغَضِّ النظر عن كونهم متحكِّمين في مصائرهم من عدمه، فسوف يقعون — حسب اعتقاده — تحت رحمة جميع أنواع التأثيرات غير الملائمة والأيديولوجيات المضلِّلة. وبالنسبة للحراس الذين يتحدث عنهم، يذكر أفلاطون منتقديه أن تدريبهم سيجعلهم «خبراء محنَّكِين في الحرية المدنية». لذا فلا داعي للقلق من احتمال إساءة استخدامهم النفوذ. كما يرد على الاتهام بأنه لا يوجد أناس على قدر كافٍ من الحكمة والثقة للقيام بهذا الدور قائلًا إنه يعلم ذلك جيدًا وإنه قد أوضح بالفعل أن هذه الطبقة الأرستقراطية الحكيمة هي عُرضة للانهيار عاجلًا أو آجلًا. ومن خلال لفت انتباهنا إلى أنها مجرد نظريات عن بعض المثل يستطيع أفلاطون أن يُفلِت من بعض الاتهامات العملية الموجَّهة إليه، على الأقل إلى حين.

ولكنَّ المُثُلَ ذاتها محلُّ شك. فعندما يعلن أفلاطون أن «الوحدة هي أعظم نعمة تنعم بها الدولة»، يصبح من الصعب التغاضي عن الدفع بأنه قد بالَغ في إبراز الجانب الجَيِّدِ وضحَّى بالتعدُّدية في مقابل النظام. وكما يقول أرسطو: «سيصل الأمر إلى مدًى تنشأ عنده نتيجة لذلك التوحُّد خلفَ شخص بعينه دولةٌ أسوأ بكثير؛ فالأمر يشبه اختزال التناغم في التوحد، واختزال الإيقاع في وحدة إيقاعية واحدة.» فالاعتماد على الملوك الفلاسفة لضبط الإيقاع العام — مهما بلغت درجة إتقانهم — قد يشكل خطرًا على المدينة. وكما يوضح أرسطو، فإنه حتى وإن كان الملوك الفلاسفة أكثر حكمةً من الجماهير، فقد يصبح الشعب «عند توافقه خيرًا من القلة الصالحة إذا نظرنا للأمر في مجمله وليس على المستوى الفردي، تمامًا مثلما أن الوليمة التي يشترك فيها عدة أشخاص خير من العشاء الذي يقدمه فرد واحد.» وقد يقع المواطنون في كبوة (رغم اتحاد خطاهم) كان من الممكن تفاديها إن أُخِذَتْ مشورتهم بعين الاعتبار بين الحين والآخر. ألا يمكن أن يكون اختلاف رؤية الملوك الفلاسفة — بوصفهم مصممين للمدينة — عن رؤية أهلها هو عين المشكلة؟ يوضح أرسطو أن «هناك بعض الفنون التي لا يمكن الحكم على منتجاتها بشكل فردي أو من قِبَلِ الفنانين أنفسهم … فساكن البيت يحكم عليه بشكل أفضل من بانيه.» وربما يكون فن السياسة من ضمن هذه الفنون.

قد يَرُدُّ أفلاطون مرة أخرى بالدفع بأننا نتصور أن الملوك الفلاسفة المفترَضين قد وصلوا إلى حَدِّ المثالية في حكمتهم وصلاحهم؛ لذا ينتفي النقد الموجَّه إليهم. ولكن هل الخير المُطلَق والحكمة الكاملة مفهومان حقيقيَّان؟ يرجع جزء من المشكلة إلى تصوُّر أفلاطون وجودَ نموذج «للخير» وإلى استخدامه مِثَالَيِ الشمس والكهف، بما يوحي بأن هذا النموذج يتيح في النهاية للملك الفيلسوف أن يرى الحقيقة واضحة كضوء النهار. ربما يكون تشبيه الخير بالشمس في غير محله، وربما يكون من غير الممكن إدراك الخير بمجرد اتخاذ الموقع الصحيح منه. ماذا إذا لم تكُن هناك حقيقة واحدة شاملة بشأن ما هو أفضل للإنسان؟ وحتى إن كانت موجودة، كيف لنا أن نتأكد من وصول أي شخص أو شريحة من الناس إليها؟ إن أيَّ شكوك حول هذه التساؤلات سيؤدي من ثَمَّ إلى تشكيك في إمكانية اعتبار مدينة أفلاطون ثاني أفضل خيار. فهي تُعطي الكثير من السلطات إلى قلة من الناس الذين قد لا يتمكَّنون من إدراك الأفضل بالشكل الذي يظنه أفلاطون. ربما توجد الحكمة ولكن لا توجد حكمة مطلقة، وربما يوجد الخير ولكن لا يوجد «نموذج محدَّد للخير».

من حسن حَظِّنَا وأفلاطون أن الكثير من خواطره وأفكاره عن العدالة والسعادة يتجاوز هذه التشكُّك. ومع ذلك تَظَلُّ شوارع مدينته في «الجمهورية» مهجورة ومظلمة؛ لأن صيغة «الخير» التي يتحدث عنها قد تلاشت للأبد من منظورنا.

•••

إن أحد الأشياء التي حاول أفلاطون أن يعرِض لها في «الجمهورية» هو أن صراع السفسطائيين بين الفضيلة والمصلحة الشخصية هو وَهْمٌ في حقيقته. فهو مبني على صورة بُدائية وغير مكتملة عن المصلحة الشخصية؛ فقد بات واضحًا أن روح الإنسان قد طُبِعَتْ على قضاء أسعد أوقاتها حين يحكمها العقل والفضائل الأخرى. فالنظر إلى الحياة الفاضلة من منظور سليم يُثبت أنها تحقق صالح الإنسان. لذا يمكن القول إن الطبيعة ذاتها تؤيِّد الفضيلة والعقل لأنها تعاقب الإنسان الفاسد واللاعقلاني بالتعاسة والشقاء. وقد ورد في محاورة «طيمايوس» — التي أنتقل إليها الآن — قصة ذات صلة ولكن على مستوًى أكبر. فهي تصور عالم الجماد الطبيعي سعيدًا في ظل حكم العقل لأنه صُنِعَ من قبل كائن عاقل («الصانع الأكبر» أو الرب)، حيث تظهر عليه علامات تصميمه المنطقي. وقد حاول أفلاطون أن يضع بين أيدينا بيانًا كاملًا بكل هذه العلامات، من حركة النجوم إلى حركة الأمعاء.

طوال القرون الاثني عشر الأولى في العهد المسيحي كانت محاورة «طيمايوس» هي الأساس الذي قام عليه جُلُّ ما كُتِبَ في علم الكونيات في الغرب. ففي القرن الخامس الميلادي وما بعده كانت الترجمات اللاتينية لتلك المحاورة هي المصدر المنهجي الوحيد المتاح لشرح الطبيعة حتى ترجمت أعمال أرسطو العلمية — إضافة إلى أعمال أخرى — في القرن الثاني عشر. وتعود الشهرة التي تتمتع بها المحاورة إلى أن رَبَّ «طيمايوس» يمكن تفسيره على أنه الرب في سِفر التكوين. وبقراءة أعمال أفلاطون بمعزِل عن الإشارات الإنجيلية نرى أنها تحتاج إلى قدر كبير من التفسير التخيُّلي، وهذا ما أتى به المسيحيون. ويختلف الرب عند أفلاطون عن الرب في الإنجيل فيما يلي: لا يُعتَبَر الرب عند أفلاطون أهم شيء في الكون (بل المثل التي يستمد الرَّبُّ تعاليمه منها)، وهو ليس الرب الوحيد ولكن لديه مساعدون عدة، كما أنه ليس مطلَق القدرة بل عليه التعاون مع القوى المختلفة في الطبيعة. ولم يخلق الصانع الأكبر الكونَ من العدم ولكنه استخدم موادَّ كانت موجودة بالفعل، وهو لا يهتم بالإنسان على نحو خاص ولكنه كلف مساعديه بمهمة صنعه كي يبقيَه على مسافة لا يتخطاها.

وبالنظر إلى هذا، لا يسع المرء إلا أن يتساءل عن السبب في تنصير المسيحيين في القرون الوسطى لأفلاطون بعد وفاته. ولكن من الواضح أن السطو على الوصف العلمي الوحيد المفصل للعالم إغراء لا يقاوم، هذا بالإضافة إلى أشياء أخرى في «طيمايوس» تروق معتنقي الدين المسيحي. وفي إشارة إلى «الصانع الأكبر» يقول أفلاطون: «إن العالم هو أفضل ما خلقه ذلك الصانع الأكبر.» وتؤكد محاورة «طيمايوس» على أن تنظيم الكون والتخطيط المُحكَم الذي يبدو عليه يدل على هدفٍ ما أسمى وأكثر حكمة. وكل التفسيرات الواردة في المحاورة تشير إلى مفهوم الهدف الأسمى؛ لذا فقد توافقت أفكار طيمايوس مع الأفكار اللاهوتية بشكل أفضل من العالم الآلي الذي تحدَّث عنه ديموقريطس وأبيقور ولوكريتيوس. وتحاكي النظرية النموذجية التالية في علم اللاهوت من القرن الثامن عشر محاورة «طيمايوس» في النتائج التي تستنبطها من حركة الكواكب ومسارات المذنَّبات، وقد وضعها إسحاق نيوتن كما يلي:

لا يمكن تصوُّر أن الأسباب الآلية وحدَها قد تؤدي إلى هذا الكم الكبير من الحركات المنتظمة … فهذا النظام البديع الذي يحتوي الشمس والكواكب والمذنَّبات لا يمكن أن ينشأ إلا بواسطة توجيه وسيادة كائنٍ بارع قوي.

في الواقع لقد أغفل نيوتن — بسبب إيمانه — قوانين الحركة التي اكتشفها. وهذه القوانين تفسِّر بدقة كيف «تتسبب العوامل الآلية وحدها في هذا الكم الكبير من الحركات المنتظمة.» وقد استوعب إيمانويل كانط (١٧٢٤–١٨٠٤م) — الذي يُعَدُّ فيلسوفًا ولكنه من أكثر مَن كانوا على دراية بالفيزياء الرياضية والفلك في عصره — هذه الحقيقة أكثر من نيوتن نفسه. وقد رصد كانط ثلاثة عيوب في تلك المحاولات لاستخراج معجزة مسيحية من القوانين الفلكية؛ أولًا: يرجع كثير من التناغم الظاهر في الطبيعة بالضرورة إلى قوانين المادة؛ لذا فإن أي كائن يضطلع بدور «الإرشاد والسيادة» سيكون معرضًا دائمًا لأنْ يتحول دوره إلى دور اعتباطي في الوقت الذي يجري فيه فَهم مزيد من القوانين. ثانيًا: قد يعرقل النظر إلى الطبيعة في ضوء أهداف الكائن البارع من عملية البحث العلمي لأن الباحث سيميل إلى التوقُّف عن طرح الأسئلة عندما يظن أنه اكتشف الحكمة السماوية وراء شيءٍ ما. وأخيرًا قد تشير تلك المناقشات التي على غِرار ما تناوله نيوتن أو أفلاطون إلى خِيار واحد لا غير؛ فهي قد تدل على وجود صانع رئيس نظَّم الأمور قبل الوجود، ولكنها لا تصِل إلى الخالق الأول الذي ورَد في سِفر التكوين. وقد وجَّه الفيلسوف الشكوكي ديفيد هيوم (١٧١١–١٧٧٦م) انتقاداتٍ مماثلة «للاهوت الفيزيائي» — كما يسميه كانط — في نفس الحقبة تقريبًا.

لم تكُن هذه الانتقادات لِتُمثِّلَ أية مشكلات لأفلاطون الذي لم يكُن هدفُه الأساسي في محاورة «طيمايوس» دينيًّا بالمعنى الحديث. فقد كان هدفه تحسين التفسيرات البُدائية لأصحاب المذهب الطبيعي الأوائل، وليس تمهيد الطريق للمسيحيين من بعده. لقد كان يشعر أن أسلافه من طاليس وحتى ديموقريطس قد ارتكبوا أخطاء بتركيزهم المُفرِط على مسألة ماهية المادة التي خُلِقَتْ منها الأشياء. فبينما ركَّز هؤلاء على العناصر والذَّرَّات في بحثهم عن الأسباب، فقد أغفلوا سببًا مختلفًا أكثر أهمية. لقد كان لدى أتباع مذهب فيثاغورس علمٌ محدود بهذا السبب الخَفِيِّ خلال حديثهم عن القوانين الرياضية في الطبيعة، وقد ألقى أناكساجوراس نظرةً سريعة عليه في حديثه العابر عن العقل أو الفهم أو المنطق؛ «نيوس» باليونانية. كان أفلاطون قد حدد ملامح خُطته العلمية الجديدة في حديث له على لسان سقراط عن أناكساجوراس. وكان محور الحديث هو استخدام خطة منطقية أو نموذج عقلي تتضح في ضوئه وظائف الأشياء. ويوضح هذه الفكرة مثال الإنسان؛ فبينما تؤدي الفسيولوجيا والميكانيكا نصف المهمة — في أحسن الأحوال — عند محاولة تفسير أفعال الإنسان؛ فإن التفسير الجيد ينبغي أن يضع في الحِسبان أهداف المرء من أفعاله؛ أي الغرض الذي كان يحاول تحقيقه. وينطبق الأمر ذاته على الجماد، وهو ما عجز أصحاب المذهب الطبيعي عن إدراكه.

لقد رأينا أن فكر أناكساجوراس — الذي قَلَّمَا وظف مفهومه عن العقل في السياقات العلمية — تميَّز بمعاداة الخرافات. فحينما عُرِضَ عليه رأس حيوان مشوَّه رفض الاعتراف بأي سبب خارق وراء ذلك، بل اكتفى بتفسير الأمر بأنه مجرد تأثير فسيولوجي. والسؤال الذي قد يُثار هنا: ألم يرجع أفلاطون إذن إلى خرافات اللاهوت ومؤلفي الأساطير في بحثه عن الهدف والحكمة الإلهية خلف الحوادث الطبيعية؟ لا، ليس صحيحًا، فقد كانت الأهداف التي أراد أفلاطون عرضها على النقيض تمامًا ممَّا تَحَدَّثَ عنه مؤلفو الأساطير. كانت مشكلة التفسيرات الزائفة في اللاهوت هي أن الآلهة التي تحدثت عنها كانت متقلِّبة المزاج. كان بوسيدون يُسَبِّبُ الزلازل لأنه شعر برغبة في ذلك، فكان من المستحيل التنبؤ بتلك الحوادث أو وضعها في إطار عام. لذا فقد كان العلم مستحيلًا. ولكن الأهداف التي وجدها أفلاطون في الطبيعة أكثر منطقية من نزوات بوسيدون، وقد كان الهدف من البحث عنها هو وضع نموذج عام بغية الوصول إلى عِلم حقيقي، حيث لم يتناول أفلاطون فن التفسير المنطقي من خلال استحضار الآلهة لتفسير الأحداث اليومية.

لقد حاول أفلاطون تفسير نظريته الجديدة مستخدمًا لغة الأساطير، ولكن ليس واضحًا ما يمكننا قبوله منها حرفيًّا. لقد وصف الراوي الرئيس في محاورة «طيمايوس» كبير الصانعين بأنه يستخدم إناءً لتحضير ما يشبه رُوح العالَم، ثم سرت هذه الروح في كل مكان. ولكن باستخدامه فكرة الروح والإناء، يتضح أن أفلاطون لم يقصد التسليم ببعض هذه التفاصيل الأسطورية. لقد أثير كَثِيرٌ من الجدل حول ما إذا كان رب أفلاطون أو الصانع الأكبر مقصودًا بمعناه الحرفي، أم أنه بمثابة قياس بين عمل الإنسان وعمل الطبيعة. أحيانًا يبدو الرب الأفلاطوني مجردًا من الهُوِيَّةِ — تمامًا كنموذج «الخير» — وليس كائنًا له ذاته المميزة. وحتى تلاميذ أفلاطون لم يتمكَّنوا من الفصل في هذا الجدل؛ لذلك ليس هناك أمل في حسمه بطريقة مباشرة الآن. ولكن يمكننا تسوية المسألة — إلى حَدٍّ ما — بأن نذكر أن هناك اختلافًا بين أفكار الإغريق عن العقلانية والعقل والهدف واللاهوت من ناحية وأفكارنا عن تلك الأشياء من ناحية أخرى.

كانت الرسالة المقصودة في محاورة «طيمايوس» هي أن المنطق هو سيد عالم أفلاطون. ولكن ما الذي كان يقصده أفلاطون بالمنطق؟ من المفيد الرجوع إلى ما قاله عن المنطق البَشري في «الجمهورية» وغيرها. لم تَعْنِ العقلانية بالنسبة لأفلاطون السكون والحرص والذكاء فقط. فالمنطق الإغريقي نشِط وليس خاملًا. وقد وُضع له تعريف ملائم تمامًا هو «ذلك الشيء الذي يُمَكِّنُ الإنسان من العيش لهدف ما.» فهو ما يُمَكِّنُهُ من تحديد الأهداف المناسبة وتكريس حياته لتحقيقها، كما أنه لا يكمُن في غياب الرغبات أو كبتها، بل هو الملَكة التي تروض تلك الرغبات بحيث تعمل معًا بأفضل صورة ممكنة وتضع أمامها حافز «الخير». لذا ورد في «الجمهورية» أن الإنسان الأسعد هو من يحكمه العقل، بمعنى أنه ينظم حياته في سبيل الهدف الذي ينفعه في النهاية ولا يسمح لأي شهوات متهورة منحرفة بأن تُخرِجه عن هذا المسار. وكذلك يسود العقل المجتمع حينما يدار من قِبَلِ الأفراد الأفضل تنظيمًا. ولكن كيف لمفهوم المنطق الموجَّه النشط هذا أن يظهر في الجماد؟ في عصر المعلومات عبَّر بعض الفيزيائيين المعاصرين عن الكون كما لو كان حاسبًا عملاقًا يقوم بمعالجة البيانات (أي الأحداث) تبعًا للأوامر الواردة في نظام تشغيله (أي قوانين الطبيعة). وفي عصر الآلات — بدءًا من القرن الثامن عشر — كانت حوادث الطبيعة توصَف في سياق آلي كالتالي: إن إبداع الطبيعة يكمُن في التَّكرار الدقيق لحركاتها وفي حسن التناغم بين أجزائها. ولم يكُن الإغريقيون صانعي آلات ولم يتداولوا المعلومات بل كانوا حرفيين. وقد كان الإبداع بالنسبة لهم يبدو جليًّا عند صنع شيء ما من المواد الأولية:

إن الحرفيين لا يقومون بانتقاء المواد الأولية ثم استخدامها عبثًا، وإنما يستغلونها بالطريقة التي تُكسِب منتجاتهم صورة معينة. فلو نظرت مثلًا … إلى المصور والبَنَّاء وصانع السفن وغيرهم من الحرفيين … لرأيت كيف يوظِّف كلٌّ منهم كل عنصر في نسق معين ويوفقه ليتناغم مع غيره؛ حتى يجمع المكونات في منتج منظم ومحكم.

ولكي يصبح الشيء منظمًا ومحكمًا — بما يجسد المنطق في العمل — يجب أن تنظم مكوناته وَفقًا لنسق أو نموذج واضح. إن جوهر المنطق الأفلاطوني — سواء وُجِدَ في الإنسان أو السفن أو المدن أو الكون ككل — يكمن في استغلال الوسائل بحرفية لتحقيق النتائج. فالأشياء الجامدة يمكن القول إنها منتظمة بوصفها وسائل أُحسِن استغلالُها، وهذا هو جوهر ما يقصده أفلاطون حينما يتحدَّث عن الهدف المنطقي في العالم الطبيعي. فالهدف المنطقي يتسم بتناغم أجزائه معًا كما يتجلَّى في نوعه. وهذا هو المنطق والهدف من منظور الحرفي.

ولكن ما هي وظيفة الرب في مثل هذه الصورة؟ يظهر الرب في الإنجيل بوصفه صاحب المُثُل الأولى — أو النماذج التي تتبع — الذي يشرع في بناء العالم. ولكن هذه الوظيفة ليست موجودة في عالم أفلاطون. فالمُثُل أو النماذج الأولى للعالم الطبيعي موجودة بالفعل. وقد رأينا سابقًا في المناقشة التي عرضها بين سقراط ويوثيفرو أن القيم الأخلاقية — وليس ما يختاره الرب — هي أهم المُثُل التي ينبغي أن يقوم عليها العالم. وبطرحه السؤال المحوري: «هل ما يُعَدُّ مقدسًا هو مقدَّس لأن الآلهة أحلَّته أم أنها أحلَّته لأنه مقدس بالأساس؟» يبين أفلاطون أن الرب بالنسبة له ذو صلاحيات محدودة، فكل شيء يجب الفصل فيه بعيدًا عنه. وينطبق نفس الأمر على كل الصور، من صورة «الدودة» إلى صورة «الخير». فلكل شيء وَضْعٌ مثالي — بشكل مستقل تمامًا حتى قبل وجود الرب — يُمَكِّنُهُ من أداء وظيفته الطبيعية. ووظيفة الرب عند أفلاطون شكلية حيث يجمع المادة والمثل وفقًا للتعليمات الواردة في النماذج الأوَّلية الموجودة سابقًا. ومع ذلك فتلك وظيفة حيوية إن افترضت أن العالم بدونها قد لا يتطور أبدًا وَفقًا لتلك المُثُل، لكن المعضلة أن آلهة أخرى قد يُعرضون عن الأمر إن لم يتدخلوا لفرض صورهم وأفكارهم الخاصة عند التطبيق.

لقد اتَّفق جميع الفلاسفة الإغريق القدامى — أيًّا كانت آراؤهم الفلسفية — على تصوُّر مشترك بشأن اللاهوت يتَّصل بمفهوم أفلاطون عن الرب وبخاصة مدى الحَرْفية والأصولية التي يمكن في ظلها فَهم تفسير أفعاله الواردة في محاورة «طيمايوس» بوصفها قصة إنجيلية. لقد تقبَّل الإغريق فكرة اللاهوت — بوصفها مجموعة من الصفات الموجودة في الطبيعة — أكثر من فكرة الرب بوصفه كائنًا مستقلًّا تمامًا عن الطبيعة. ولقد عرَفنا أن الأشياء كانت توصف بالمقدسة بناءً على دوامها وقُوَّتِهَا وسُمُوِّها عما هو بشري بالأساس. وكانت كلمة «مقدس» بين الإغريق تُستخدم بشكل أساسي للحديث عن مثل هذه الأشياء، أما فكرة وجود كائن مقدس منفصل فتنبُع من هذا الاستخدام، وليس العكس. وهنا يوضح أحد المعقِّبين على أفلاطون قائلًا:

حينما يقول مسيحي إن الرب محبة أو إنه الخير فهو يؤكد — أو يُسلِّم — أولًا بوجود كائن غامض وهو الرب، ثم يطلق حكمًا نوعيًّا بشأنه؛ فهو يخبرنا شيئًا عن الرب. أما الإغريق فالأمر عندهم معكوس. فهم يقولون إن المحبة إله أو إن الجمال إله ولا يفترضون وجود أي كيان غامض، بل يذكرون شيئًا عن المحبة والجمال اللذَيْن لا يُنكِر حقيقة وجودهما أحد. فالشيء الذي يتحدث عنه ويصدر حكمًا بشأنه موجود بالفعل في العالم الذي نعرفه.

يرى أفلاطون أن الملحد — من ينكر وجود الإله — هو إنسان قد أخطأ في اعتقاده بعدم وجود نظام أو هدف في الكون أعظم من الإنسان نفسه. فالصانع الأكبر أو الرب الأقدم عند أفلاطون قد يكون هو نفسه في جماله وكفاءته الوظيفية تجسيد لهذا النظام أو ذلك الهدف، ولكن أيًّا ما يكون فهو شيء موجود في الكون وليس خالقًا خارج إطاره. فكما يرِث هذا الرب المادة التي يستخدمها، عليه أن يخضع للمُثُل الأفلاطونية؛ أي لقِيَم النظام والجمال والخير. وهذه هي الأسرار المقدَّسة للديانة الأفلاطونية. وبإثبات هذه النقطة يمكننا أن ننتقل إلى الأساطير المؤثِّرة التي وردت في «طيمايوس» لنرى أن الأمر لا يختلف كثيرًا عن أصول فلسفة أفلاطون، سواءٌ أَعْتَقَدَ حرفيًّا في وجود هذا الصانع الأكبر أم لا.

لقد كتبت محاورة «طيمايوس» لتكون في مستهَل ملحق يضم ثلاثة أجزاء تكمل الأفكار الواردة سلفًا في «الجمهورية». كان من المفترض أن تتمم تلك الثلاثية مناقشة المدينة الفاضلة في «الجمهورية» بعرض قصة حول كيفية تحقيق هذه المدينة، وكيف أنها ستنجح في معاملاتها مع المدن الأخرى. وتتناول القصة تحديدًا معركة للعمالقة في الماضي السحيق مع إمبراطورية تُدعى أطلانتيس هُزِمَتْ في الحرب وغرقت في البحر. وقد كان ابتكار أفلاطون لمدينة أطلانتيس ذا صدًى قوي لدرجة أن الباحثين والمهاويس أخذوا يبحثون عنها منذ ذلك الحين. وقد حوَّلها العديد منهم بشكل غريب إلى مدينة فاضلة بينما يصِفها أفلاطون بأنها إمبراطورية شريرة من المستبدِّين الطغاة. ولكن الثلاثية التي كانت قيد التخطيط لم تخرُج إلى النور. ومعظم ما نجده في محاورة «طيمايوس» هو وصف مفصل لأقدم العصور في التاريخ. وهذا الوصف مقدَّم في صورة سلسلة من المناجات الفردية الطويلة لشخصية تُدعى طيمايوس من لوكري (في إيطاليا)، شبَّهها كثيرون بصاحب المذهب الفيثاغوري أرخيتاس التارانتومي.

يؤكد طيمايوس في مقدمة محاضراته أنه لا توجد معرفة مؤكَّدة بالمسائل التي سيناقشها فيقول: «من الكافي أن نبرهن على كل الاحتمالات كغيرها لأننا مجرد بشر فانِين، وعلينا أن نتقبل الرواية المحتملة دون طرح مزيد من التساؤلات.» وينشغل طيمايوس بتقديم رصد محدَّد ودقيق للكون. فالرب — أو الصانع الأكبر — قد صنع العالم المحكَم لأنه كان ماهرًا فأراد أن يكون كل شيء جيدًا قدر الإمكان أيضًا. ويفهم ضمنًا أنه كان هناك عالم بُدائي قبل ذلك ولكنه كان نموذجًا رديئًا. وحيث إن طبيعة هذا الرب كانت من منظور فيثاغوري بحت؛ فقد كان الأساس الذي اعتمد عليه الصانع الأكبر في خلق العالم كتابًا في الهندسة يبدو أن حواشيه كانت تعج بملاحظات لإمبيدوكليس وديموقريطس.

كان الهدف الرئيس هو ضمان الانتظام؛ لأن الانتظام أمر جيد ومنطقي. لقد علِم أفلاطون أن هناك خمسة أجسام منتظِمة في علم الهندسة؛ أي خمسة أشكال متناظِرة يمكن بناؤها من أشكال مسطَّحة متماثلة، وهي: رباعي الأسطح المنتظم (هرم مكون من أربعة مثلثات متساوية الأضلاع) والمكعب (مكون من ستة مربعات) والمجسم الثماني المنتظم (ثمانية مثلثات متساوية الأضلاع) والمجسم العشروني (عشرون مثلثًا متساوي الأضلاع) والمجسم الاثنا عشري الأوجه الذي يشبه كرة القدم (اثنا عشر مضلعًا خماسيًّا). هذه النماذج المثالية المنتظمة كانت جيدة إلى درجة لا يمكن معها إغفالها؛ لذا استخدم الرب هذه المجسمات الهندسية قوالبَ لجميع أشكال المادة. فاستعملت الأربعة الأولى منها لصنع عناصر إمبيدوكليس الأوَّلية: النار والتراب والهواء والماء على الترتيب. فالتراب مثلًا كان مكعبًا لأن المكعَّب أكثر المجسمات المنتظمة استقرارًا، حيث احتاج الرب إلى قاعدة ثابتة يعتمد عليها. أما الجسم الخامس فقد ربط بالكون كله لأن المجسم الاثنا عشري الأوجه كان أقرب الخمسة إلى الكرة (وهي الجسم الأقرب إلى التمام والانتظام).

كان كوكب الأرض عالَمًا غير متحرك في مركز الكون يدور حوله الشمس والقمر والكواكب الأخرى بسرعات وميول مختلفة، وتدخُل حركتهم في كرة أكبر تدور أيضًا وتشكل الحَدَّ الخارجي للكون حيث تبدو النجوم كجواهرَ في قبة. ويبدو أن أفلاطون قد أدرك — ربما عن طريق يوديكسوس زميله في الأكاديمية — أن الشذوذ الملحوظ في حركة الكواكب يمكن من حيث المبدأ تفسيرُه في إطار الآثار المركَّبة للعديد من الحركات المنتظمة. ويُعتَبَر الدوران المنتظم الحركة الأفضل والأتم؛ لذا اختير ليكون أساسًا للمخطَّط الفلكي. ويقول طيمايوس إن رؤية هذه الحركات المنتظِمة العظيمة تُعطي الناس فكرتهم عن الزمن (صورة متحركة للأبدية) وعن الرياضيات، وقد يكون هذا هو السبب في صُنع الرب لها.

إن كل الحوادث الدنيوية تكمُن في التفاعل بين العناصر الأربعة، وكل المواد في العالم تتركَّب منها كما قال إمبيدوكليس. وعلى المستوى الأدنى اقتبس أفلاطون بعضًا ممَّا عند أصحاب المذهب الذَّرِّي ورصد خصائص كل عنصر ومادة في ضوء أشكال الجسيمات المكوِّنة لها. لذلك فالنار مؤلِمة عند اللمس بسبب الرءوس الحادة في رُباعي الأسطح المنتظم المكوِّن لها. ولكن جسيمات أفلاطون أقرب إلى الرياضيات من ذَرَّات ديموقريطس؛ لأن الأخيرة جاءت في صورة مجموعة من الأشكال غير المنتظِمة على عكس أشكال أفلاطون الخمسة المنتظمة. ويوجد اختلاف آخر يكمُن في أن جسيمات أفلاطون ليست أوَّليَّة وغير قابلة للانقسام؛ فهي بدورها تتكون من مثلثات، حيث تعزى التغيُّرات في العناصر إلى إعادة الدمج بين هذه القطع الفيثاغورية. ويبدو أن المثلثات ذاتها يمكن بدورها أن تتحلل إلى أرقام على طريقة فيثاغورس.

إن هذا الخيال الرياضي الغريب يُبَيِّنُ الاختلاف الجوهري بين فكرة ديموقريطس وفكرة أفلاطون، على الأقل فيما يخص بنية المادة. فالوحدات البنائية في نظام أفلاطون لا توظَّف بالمعنى الحرفي لها على الإطلاق؛ فهي ليست مجسمات ولكنها أشكال رياضية مثالية. وهذا يعكس أن وظيفة الرب عند أفلاطون ليست خلق مادة جديدة من العدم — فلا يمكن لصانع أن يفعل ذلك — بل وظيفته تطبيق المثال وتنفيذه بشكل عقلاني مناسب. فهو يستخدم موادَّ أولية بلا شكل (وغير واضحة المعالم) ويُكسبها شكلًا رياضيًّا بطريقة ما لتصبح أشياءَ معقَّدة ومنتظمة. فالمثلثات والأجسام المنتظِمة التي تَحَدَّثَ عنها طيمايوس ليست موادَّ البناء التي يستخدمها الرب ولكنها النماذج التي تتصورها خططه المعمارية.

إن عمل الرب من هذا المنظور عسير للغاية، وحتى بعد خلقه للعناصر، فهو لا يقدر على الخلط بينها حسب إرادته؛ فهو ليس مطلق القدرة، وعليه أن يواجه قوانين الطبيعة الثابتة والخصائص الجوهرية للأشياء. فيمكنه مثلًا أن يخلُق الهواء ولكنه لا يقدر على جعله يذيب التراب. يصف طيمايوس الرب — مجسدًا للمنطق في الحوادث — بأن عليه ترويض القوى الطبيعية والقوانين الثابتة، والموازنة بينها. ويشار إلى هذا الجزء المتمرِّد من الطبيعة «بالضرورة» (أو أنانكي) وهي الكلمة التي استخدمها ديموقريطس ليعني الحتمية الآلية للأسباب الطبيعية التي تعمل بلا هدف. لقد أَقَرَّ طيمايوس بوجود هذه الأسباب ولكنه اعتقد أن هذا ليس كل شيء: «فالعقل — أي القوة الحاكمة — يروض الضرورة ليصل الجزء الأكبر من المخلوقات إلى حَدِّ الكمال، وهكذا فقد خلق هذا العالم عن طريق إخضاع الضرورة لسيطرة العقل.» ونتيجة لنجاح العقل في ترويض الضرورة، فهي تستجيب — حينما تكون المرونة ممكنة — وتعمل بشكل يحقق النفع.

إن الصانع الأكبر ليس الكائن المقدَّس الوحيد في الكون، فالأجرام السماوية تُعَدُّ مقدَّسة لأنها قائمة بذاتها لا تموت. وهناك أيضًا الآلهة المساعدة التي خلقها هذا الصانع ويطلق عليها طيمايوس — بغير جدية وبنوع من الشك — أسماء زيوس وكرونوس وهيرا وغيرها. وتنحسر وظيفتهم في أخذ بعض الجرعات المخففة من «روح العالم» (التي بثَّها الصانع الأكبر ليمكن الأجرام السماوية من الحركة وصبغ العالم بالمنطق) وخلق الناس منها، وذلك عن طريق مزج الجوهر السماوي بالأجسام المادية التي يشكِّلونها وَفقًا لمواصفات الصانع الأكبر. ويخبر الصانع الأكبر وزراءه من الآلهة أنه يفضل ألَّا يقوم بمهمة الخلق بنفسه:

إن خلقتُهم وأعطيتُهم الحياة بيدي فسيكونون على قدَم المساواة مع الآلهة. ولكن كي يكون مصيرُهم الفناء عليكم أن تتحولوا — كُلٌّ حسب طبيعته — إلى هيئة الحيوانات وأن تُحاكُوا قدرتي التي ظهرت في خلقي لكم. أما الجزء الذي يستحقُّ الخلود والقدسية — ويكون بمثابة مرشد لهؤلاء الراغبين في اتباع العدالة واتباعكم — فسوف أغرِسه بنفسي، وبعد أن أبدأ خلق ذلك الجزء المخلد، سأكلفكم باستكماله. عندئذٍ عليكم أن تمزجوا الخالد مع الفاني كي تقوموا بخلق الكائنات الحية ورزقها وإنشائها ثم قبضها إليكم بعد الموت.

في هذه الحالة يكون هناك ثلاثة «أنواع» لهذه الكائنات الحية: الرجال والنساء والحيوانات. ويدور كل نوع في عجلة التناسُخ. ويكون الجيل الأول كله من الرجال، وهؤلاء الذين يعيشون حياة تشوبها الضِّعَة الروحية مقارنة بأقرانهم يعودون ليصبحوا نساءً أو طيورًا أو وحوشًا أو أسماكًا (في أسوأ الأحوال). وبهذا يحظى الجانب ذا الصبغة الرياضية الأقل من التقليد الفيثاغوري بدور هو الآخر.

ولكل دورة في عجلة التناسخ سببُها، فهؤلاء الذين كانوا رجالًا في الجيل الأول «وكانوا جبناءَ أو عاشوا حياة فاسدة، من المنطقي افتراض أنهم قد تحولوا إلى طبيعة المرأة في الجيل الثاني.» هكذا يفسر التناسخ «الحقيقة» المفترضة أن النساء أقل شجاعة واستقامة من الرجال. وهناك تفسير مشابه لوجود الطيور، حيث «خلقت من أصل رجال سُذَّج تخيلوا ببساطتهم — رغم أرواحهم الوثابة — أن أقوى الدلائل نتوصل إليها بحاسة البصر؛ حتى نما لهم ريش.» وبعبارة أخرى، فالطيور كانوا أناسًا لم يتفهَّموا الإدراك المنطقي واعتقدوا أن أفضل طريقة لفَهم الأشياء هي الصعود للنظر إليها. لذا فقد أُرسِل هؤلاء للتحليق في الفضاء بحيث يقتربون ماديًّا من العالم الخالد ولكنهم في حقيقة الأمر بعيدون تمامًا عن فهمه. أما الحيوانات فظهرت لأن هناك بعض الناس كانوا أبعد ما يكونون عن المعرفة، لدرجة أنهم «لم يفكِّروا إطلاقًا في طبيعة السموات» و«نتيجة لهذا أصبحت أطرافهم الأمامية ورءوسهم مرتكزة على الأرض حيث تجذبهم إليها ميولهم الطبيعية.» وبالنسبة للأسماك يقول طيمايوس:

لقد خُلِقت من الناس الأكثر حُمقًا وجهلًا الذين رأى المحوِّلون (الآلهة المساعدون) أنهم لا يستحقون تنفُّس الهواء النقي لأن لديهم أرواحًا لوَّثتها جميع الآثام، فبدلًا من إعطائهم بيئة الهواء النقية، خَلَقوا لهم البحر العميق المُوحِل … وهكذا نشأت الأسماك والمحار والحيوانات البحرية الأخرى التي تعيش في أبعد الأماكن عقابًا على جهلهم وحمقهم.

تأتي ملاحظات علم الحيوان الأخلاقية هذه في نهاية المحاورة عندما يفرغ طيمايوس من حديثه (يلاحظ أن ما قاله عن المرأة لا يتماشى مع المساواة التي منحتها إياها المناقشات الأكثر جِدية الواردة في الجمهورية). ويسبق هذه القصة الخيالية تفسير أكثر تفصيلًا لنفسية الإنسان ووظائف الأعضاء لديه حيث استعرض أفلاطون آخر اكتشافات مدارس الطب في عصره وأشهر الملاحظات والاستنتاجات التي توصَّلت إليها، مضيفًا إليها نظرته العقلانية للأشياء. يوضح أفلاطون أوجُه الاستفادة من كل عضو في جسم الإنسان. فعلى سبيل المثال، يقول طيمايوس في معرض تناوُله للعظام والنخاع والأوتار واللحم: «إن ثَمَّ غطاءً رقيقًا من اللحم يغطي جسم الإنسان. فقد اقتضى العقل ذلك حتى لا يعيق حركة الجسم وانثناءه.» أيضًا من بين ما تناوله طيمايوس بالذِّكر تفاصيل حركة الأمعاء وما تُحدِثه أعضاؤها ووظائفها من تناغُم بين التفكير والانفعالات والشهية. فالأمعاء الدقيقة تعمل على الاحتفاظ بالطعام لمدة معقولة من الزمن حتى لا يأكل الإنسان على الدوام دون انقطاع؛ «فالشراهة تُوقِع العداوة بينه وبين الفلسفة والحضارة.»

على خُطَى نظيره ديموقريطس، يشرح أفلاطون الأحاسيس الإنسانية في ضوء المذهب الذَّرِّي. فعلى سبيل المثال، يأتي الشعور بالبرد نتيجة لمحاولة العديد من جسيمات الرطوبة المحلِّقة في الهواء الوصول إلى جسيمات الرطوبة داخل جسم الإنسان مسبِّبة بذلك الإحساس بالرعشة. وكما هو الحال في جميع الروايات المماثلة التي سردها أسلاف أفلاطون، تتشكل العلاقة الكاملة بين الظواهر النفسية والجسدية في صورة مفهوم مادي بُدائي يتناول الروح والعقل؛ فالروح هي مادة معينة تتحرك في فلك الجسم. صحيحٌ أن الرُّوح غير مرئية وأنها أنقى من الجسم كله، ولكنها تتمتع ببعض الخصائص المادية التي تدل عليها مثل «خروج البخار». وهنا يشار إلى العيوب الأخلاقية والأحاسيس غير السَّارَّة في ضوء المبدأ المادي (وبطريقة تهدف إلى إيجاد بعض الحقائق في نظرية سقراط غير القابلة للتصديق التي تشير إلى أنه لا يوجد إنسان يفعل الخطأ عن عمد):

لا يوجد إنسان طالح بمحض إرادته، ولكنه يصبح كذلك بسبب علة في جسده وسوء تعليمه … حيث تعاني الروح من شر الجسد. وتتجمع الأحماض والسوائل اللَّزِجة والأخلاط الأخرى في الجسم ولا تَجِدُ مخرجًا أو مهربًا إلا أن تكون مكبوتة داخله وأن تمتزج أبخرتها مع الرُّوح التي تسري في الجسم، هنا تنشأ كل أنواع الأمراض … مسبِّبة عددًا لا حصر له من سوء الطباع والكآبة والتهور والجبن وكذلك النسيان والغباء.

تعد نظرية «الأخلاط شبه السائلة» هذه — كما نشرها أفلاطون — واحدة من العناصر العديدة في فكر طيمايوس التي حفرت نقشها في وعي العالم في وقتٍ كان الحوار فيه هو مصدر التعلُّم الأساسي. إن التأثير واسع النطاق الذي أحدثته محاورة طيمايوس قد ضيَّق الخناق على سمعة أفلاطون حينما جاء الوقت الذي مُحِيَتْ فيه صورة العالم القديم والعصور الوسطى من أذهان الناس. فأيًّا كانت المعتقدات التي آمن بها الناس، فإن سببها هو أفلاطون. ولذا حينما يُخطئ الناس، يتحمل أفلاطون الخطأ وحده. كتب جورج سارتون أحد مؤرخي العلوم المعاصرين قائلًا: «إن تأثير طيمايوس كان عظيمًا وضارًّا في آن واحد» وإنه يظل إلى يومنا هذا — كان ذلك عام ١٩٥٢م — «مصدرًا للغموض والخرافة.» ويقصد هذا الكاتب من لفظ «الخرافة» علم التنجيم الذي اكتسب شعبيته بسبب أفلاطون؛ الأمر الذي يلومه عليه الكاتب كل اللوم. هناك بالتأكيد قدر كبير ممَّا قد يُعتبر هراءً خياليًّا في محاورة طيمايوس، ولكن لا دهشة في ذلك لأنه كُتِبَ منذ حوالي ٢٤٠٠ سنة. إن محاورة طيمايوس حوارٌ أدبي مكتوبٌ معظمُه بلغة الأساطير، ويمكن قبول العديد من التفسيرات له، كما أنه يحتوي على الكثير من الأفكار الثانوية المثيرة للجدل التي تتحرك بكثافة في فلك الموضوع الرئيس، والتي قد تُشتِّت الانتباه عنه وتصل بفهم القارئ إلى طرق مسدودة، ومع ذلك يمكن رد العديد من أوجه القصور في محاورة طيمايوس إلى إصرار أفلاطون على إيجاد الهدف من الطبيعة ونظامها ووظيفتها. وقد جاءت في وقت لاحق نسخة أرسطو من هذا المشروع محسنة وخالية من الرموز الأسطورية إلى حَدٍّ ما لتصحيح مسار كل ما هو خاطئ في مرحلة ما قبل العلم الحديث.

وهنا يبرُز سؤال: ما كَمُّ المضار التي يُعَدُّ الصانع الأكبر مسئولًا عنها؟ الشيء الذي يمكن أن يُقال في صالحه — أو بالأحرى في صالح مفهوم الطبيعة الذي يمثله — هو سعيه الدءوب نحو اكتشاف تفاصيل العالم الدقيقة والمترامية. وليس من محض الصدفة أن يكون أرسطو، الذي حاول إيجاد الغاية من وجود العالم الحي (على الرغم من كون هذه الغاية غير سماوية)، أكثر المحققين التجريبيين نجاحًا في عصره. لقد أطلق عليه «داروين» لقب «أبو علم الأحياء» وقارنه بغيره من العلماء قائلًا: «إن لينيوس وكوفييه بمثابة إلهين بالنسبة لي … ولكنهما مجرد تلامذة مقارنة بأرسطو.» كما أنه من الصعب تصديق أن أرسطو كان ليتحمَّل عناء استكشاف أمعاء بعض الكائنات — مثلًا — لو لم يعتقد أن هناك آليات معقَّدة وهادفة تقِف خلف عملها. وعلى النقيض تمامًا نجد موقف الذين أصرُّوا على أن الطبيعة تسير مندفعة دون بصيرة أو غاية. كثيرًا ما هاجم لوكريتيوس (حوالي ٩٩–٥٥ق.م.) من يعتنقون آراء طيمايوس اعتقادًا منهم أنه يجب فهم الظواهر الطبيعية من حيث هدفها وغايتها، حيث قال:

هناك خطأ في هذا الصدد نَوَدُّ لو تتفاداه … لا تفترض أن نور العينين — أي البصر — مخلوق لإدراك ما يُعرض أمامنا، أو أن نهايات الساقين والفخِذين متصلة ببعضها البعض ومرتكزة على أساس القدمين حتى نستطيع أن نخطو بهما إلى الأمام فقط، أو أن الساعدين المثبتين بقوة في الذراعين واليدين المثبتتين في نهاية الساعدين مصنوعان لقضاء ما هو ضروري من حوائج الدنيا فقط. إن هذه التفسيرات وما يشابهها مبنية على أسس منطقية مغلوطة.

ربما يكون هذا التوقع لطرق التفكير الحديثة صحيحًا من الناحية الفلسفية، ولكن الجدير بالذكر أن لوكريتيوس لم يَرَ أي ضرورة لاستكشاف مزيد من الحقائق حول العينين والساقين والفخِذين والساعدين. فإذا كنت مثل أرسطو تؤمن بما آمن به أفلاطون أن الطبيعة يجب أن تتجزَّأ إلى أجزاءٍ صغيرة لمعرفة الغاية منها، فسيكون لديك الحافز الفلسفي لفحص هذه الأجزاء فحصًا مفصلًا بهدف الوصول إلى الغاية من وظائفها المعقدة. وإذا كنت مثل لوكريتيوس تبغي في المقام الأول دحض أية خرافات وأفكار لاهوتية؛ فليس هناك جدوى من تحمُّل مشقة طريق البحث؛ إذ إنك ستجد في نهايته مجموعة هائلة من الظواهر الفلسفية المعقَّدة التي لا يمكن تفسيرها. وفي الوقت الذي لم تكُن فيه النظريات الجدية التي تشرح عمليات الطبيعة المعقَّدة (مثل نظرية داروين) قائمة، وجدت فرضية «الصانع الأكبر» سواء أَتُّخِذَتْ على نحو حرفي أو مجازي أرضًا خصبة لتشجيع البحث العلمي.

ظل الوضع على هو عليه — إلى حَدٍّ ما — خلال العصور المسيحية؛ حيث كانت البحوث التجريبية تعمل على إثبات — ومن ثَمَّ تمجيد — ما جاءت به الكتب السماوية. فعلى سبيل المثال، ساهم اكتشاف ويليام هارفي للدورة الدموية في القرن السابع عشر في تأكيد فرضية التصميم الإلهي الذكي لجسم الإنسان. كما ذكر روبرت بويل الكيميائي العظيم أنه سأل هارفي عما دفعه لتقديم هذه الفكرة الاستثنائية:

أجابني أنه عندما لاحظ أن الصمامات الوريدية … في معظم أجزاء الجسم صُمِّمَتْ خصوصًا لتسمح بحرية مرور الدم نحو القلب وتمنع تدفُّقه في الاتجاه العكسي، كان هذا بمنزلة دعوة ليتصور أن الطبيعة لم تُوجِد هذا الكَمَّ من الصِّمَامات دونما قصد أو غاية، ولم تكن هناك غاية أنسب من «الدورة الدموية».

صَدَقَ حدس هارفي؛ فقد نجحت فكرة الصانع الأكبر وتصميماته العقلانية وكانت لها استخداماتُها، حتى لو لم يكُن لهذا الصانع وجود.

كما ألهمت محاورة «طيمايوس» بعض الفيزيائيين في القرن العشرين، ليس فيما يتعلق بفكرة التصميم أو الغاية وحسب، بل في جعلها الرياضيات في مركز الكون. قال فيرنر هايزنبرج (١٩٠١–١٩٧٦م) إن نظرية الجسيمات الهندسية التي وضعها طيمايوس لعبت دورًا مهمًّا في تطويره لأفكار نظرية الكم، كما أنه لم يكُن وحده الذي وقع على أوجه تشابه بين نظرية أفلاطون للحساب الرياضي للمادة ونظرية ميكانيكا الكَمِّ الحالية. كما أضاف السير كارل بوبر (١٩٠٢–١٩٩٤م) أن أعظم إنجازات أفلاطون الفلسفية تتمثل في النظرية الهندسية للعالم التي يعتبرها القاعدة العامة التي قامت عليها أعمال كوبرنيكوس وجاليليو وكبلر ونيوتن وماكسويل وأينشتاين. ربما نكون قد أطلنا البحث في هذا الصدد؛ ذلك لأن العديد قد أوجزوا البحث فيه أكثر مما ينبغي. لقد اعتمد كثيرون على بعض الحكم التقليدية المتوارثة عن أفلاطون — التي تبدو غير مبنية على قراءة أعماله — في دفعهم بأن أفلاطون رفض قضية المعرفة العلمية للكون باعتبارها قضية ثانوية قياسًا بمعرفة الأشكال الثابتة. اعتقد أفلاطون أن الأشكال هي أهم النظريات على الإطلاق — بوصفها مركز كونه العقلي — تمامًا مثلما رأى نيوتن ذو الصبغة الدينية لاحقًا أن الرَّبَّ هو الأهم في نظرته للكون. ومع ذلك لم يَرِدْ أن أحدهما قد أهمل قضية العلم. وتؤكد محاورة «طيمايوس» على أن «الإنسان يمكنه أحيانًا أن يضع تأملاته حول الأشياء الخالدة جانبًا وأن يحاول الإبداع من خلال النظر في الحقائق القائمة في عصره … عندئذٍ سيجد متعة لن يندم عليها … وتسلية هادئة تتخللها الحكمة.» كما أن أفلاطون كان سيجد في نفسه حرجًا من كتابة «طيمايوس» إذا لم يكن قد اتفق بينه وبين نفسه سابقًا حول آرائه فيها.

•••

وبتسليط الضوء على ما يبدو أنها الاستنتاجات الرئيسة التي خرج بها أفلاطون من أهم محاوراته (الجمهورية وطيمايوس)، يمكننا أن نتعرف على القناعات الأكثر عمقًا التي كانت لدى أفلاطون. ولكننا في الوقت ذاته قد نرتكب خطأ طمس الجزء السقراطي في شخصية أفلاطون التي طالما جعلت له مكانة خاصة دون بقية المفكرين. فعلى طريقة معلِّمِه سقراط، اعتقد أفلاطون أن الحقائق تظهر من خلال التحاور فقط؛ فالظاهر أمامنا أن كل أعماله كانت في صورة محاورات فيما عدا عملين اثنين — من بينهما محاورة «طيمايوس» — جاءَا في صورة مناقشات استكشافية في الأساس. كما عمل أفلاطون عند اتباعه للنهج السقراطي على ألَّا يحط من شأن القانون وألَّا يكون دوجمائيًّا.

ومع ذلك، فإنه لم يستطِعْ أحيانًا أن يُجَنِّبَ نفسه النقد. لقد كان لديه الكثير ليقوله لا سيَّما لفلاسفة المذهب الطبيعي، بدءًا من طاليس إلى ديموقريطس الذين ظنوا أن الطبيعة تفتقر إلى المنطق أو أنه لا يوجد غرض منها، بالإضافة إلى أرباب المنهج النسبي والسفسطائيين. فمن وجهة نظر أفلاطون، تسببت أخطاء السابقين في أخطاء اللاحقين. كان ذلك بسبب عدم إدراك خصومه المتعدِّدين أن الطبيعة نفسها تتبع — إلى حَدٍّ ما — نسقًا منطقيًّا، حيث دفعوا بوجود تعارُض بين القانون أو الأخلاق من جهة، والطبيعة الموضوعية من جهة أخرى، كما لو كانت أشياءَ مختلفة تمام الاختلاف. ويرى أفلاطون أنها في الأساس متشابهة لأنها تنتج عن إعمال المنطق. وكما ورد في آخر أعمال أفلاطون «القوانين»؛ فإن القانون والأخلاق مجالان «طبيعيَّان» أو بتعبير أدق: لا يقلان عن الطبيعة في حقيقة وجودهما باعتبارهما نتاجًا «للعقل». ويقصد ﺑ «العقل» هنا عقل الطبيعة وليس العقل البشري بالتأكيد. وتهدف محاورة «طيمايوس» إلى إظهار أن الطبيعة هي من إنتاج العقل (أو على الأقل هكذا تبدو لنا) ما دامت تُبرز التكييف العقلي لأهدافها ووظائفها. ومن المفترض أن يبين كتاب «الجمهورية» أن رفاهية الإنسان تعتمد على مدى اكتشافه واتباعه الطريق الذي رسمَه البنيان العقلي للطبيعة من أجل تحقيق أقصى درجات مصلحته. ويوضِّح مشروع أفلاطون بالأمثلة أن مثل هذا الاكتشاف يمكن أن يكون في وسع الإنسان إذا سار على خطى سقراط متبعًا الأسئلة الصحيحة بالطريقة المُثْلَى.

عقب وفاة أفلاطون، تباينت آراء رواد أكاديميته بين قطبي شخصيته الفلسفية. فتارة يدافع رواد هذه الأكاديمية عمَّا اعتبروه تعاليمه الإيجابية قبل أن يشرعوا في تطويرها، وتارة أخرى يتبعون الجانب السقراطي من تفكيره الذي يعتمد على التجريب وطرح الأسئلة؛ وذلك خلال ما يسمى بالمراحل «الشكوكية» للأكاديمية تحت قيادة أركسيلاوس (حوالي ٣١٨–٢٤٣ق.م.)، وكارنيادس (حوالي ٢١٩–١٢٩ق.م.) وقبل ذلك الوقت، كان أرسطو — أفضل تلاميذ أفلاطون — قد أسس مذهبه الفلسفي الخاص الذي تجاوز في آفاقه جميع أعمال أستاذه أفلاطون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١