خاتمة

كتب أرشيبالد مكليش، الذي أصبح فيما بعد رئيس مكتبة الكونجرس يقول:

الحقيقة أنه لا يوجد بديل لليوتوبيا، ولا يوجد بديل للأمل، وأن اللحظة التي يتخلى فيها الناس عن حقهم في رسم مستقبلهم — مهما غالوا في ذلك — ويستسلمون إلى قانون اقتصادي محتوم، وذلك كما يطلب منهم الشيوعيون والرأسماليون؛ تذهب الحياة عنهم.

وكتب ليشك كولاكفسكي يقول:

أنْ نذهب إلى تخيُّل أنه بإمكاننا وضع خطةٍ ما للمجتمع بأسره بواسطتها يحقق التخطيط البشري التناغم والعدل والوفرة؛ لَهُوَ دعوة للاستبداد.

في حين أن كلمة «يوتوبيا» نشأت في زمان ومكان معينين، ظهرت اليوتوبية في كل تقليد ثقافي؛ ففي كل مكان حملت اليوتوبيا الأمل في تحقيق حياة أفضل، وفي الوقت نفسه طُرحت أسئلة حول كلٍّ من التحسينات المحددة المقترحة وأيضًا — في بعض الحالات — إن كان التحسين ممكنًا. شجعت اليوتوبية الناس على بذل جهود جبارة لتحقيق تحسين حقيقي. وقد أساء آخرون استخدامها للوصول للسلطة، أو المكانة الاجتماعية، أو الحصول على المال، وغيرها. وقد تحوَّلت بعض اليوتوبيات إلى ديستوبيات، بينما استُخدمت يوتوبيات أخرى لهزيمة هذه اليوتوبيات ذاتها؛ ومن ثم فاليوتوبيات ضرورة، لكنها من الممكن أن تكون خطرة.

أدرك منظِّرو وكتَّاب اليوتوبيات قوة اليوتوبية وخطرها، وقدموا لنا يوتوبيات غامضة، وأقل تحديدًا، وأكثر تعقيدًا. الأمثلة على ذلك ما أطلق عليه ألبير كامو (١٩١٣–١٩٦٠)؛ الفرنسي الجزائري الأصل الحاصل على جائزة نوبل في الآداب، «اليوتوبيا النسبية»، وما أَطلق عليه جون رولز (١٩٢١–٢٠٠٢)؛ أحد كبار فلاسفة الليبرالية، «اليوتوبيا الواقعية». وهذا المنهج يتجنب أحد أشد أخطار اليوتوبيا؛ وهو المبالغة في أخذها على محمل الجد بصورة مبالغ فيها؛ إذ ينبغي للمرء أن يكون قادرًا على أن يؤمن إيمانًا قويًّا بمعتقداته، وفي الوقت نفسه قادرًا على رؤية أوجُه العبث بها والسخرية منها.

يمكن لليوتوبيا أن تكون مثل إحدى المآسي الإغريقية. تُقْدِم البشرية في غرورها على إقامة يوتوبيا، وهي بذلك تنتهك حدود الدائرة المخصصة لها؛ ومن ثَمَّ تواجه انتقام الآلهة، وتخفق في إقامة اليوتوبيا وتدفع ثمن تجرُّئها في محاولتها إقامتها. وكما يقول إم آي فينلي إن حركات الإصلاح الاجتماعي:

اتضح أنها لم تحقق اليوتوبيا حتى في أفضل حالاتها، وتكتنفها خيبة أمل محتومة. ارتفعت الأصوات المناهضة لكلٍّ من التغييرات الاجتماعية والأفكار اليوتوبية التي تقوم عليها، المناهضة لإمكانية تقدُّم البشر، المناهضة للقوة الكامنة في البشر من أجل التطوير.

يبدو أن هذه الجدلية المحتومة من الأمل والفشل، أو على الأقل الفشل الجزئي، والقنوط وفقدان الأمل، المتبوعة عاجلًا أو آجلًا بتجدُّد الأمل؛ تمثِّل النمط الأساسي للتغيُّر الاجتماعي، وربما تكون هي المنطق الفعلي لليوتوبيا، جامعة أجزاءً من كِلَا المنطقين السابقين. وهذه الجدلية هي جزء من إنسانيتنا. واليوتوبيا رؤية مأساوية لحياة من الأمل، دائمًا ما تتحقق ودائمًا ما تفشل. بإمكاننا أن نأمل، ونفشل، ونأمل مجددًا. يمكننا أن نتحمل إخفاقًا متكررًا ونستمر في تحسين المجتمعات التي نُنْشئها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢