تقديم ديوان البارودي

بقلم  محمد حسين هيكل

شِعر البارودي حياته؛ فكل قصيدة في ديوانه صورة لحالة نفسية من حالات هذا الشاعر الملهم، والديوان في مجموعه صورة للعصر الذي عاش فيه، وللبيئة التي أحاطت به، وللنهضة المتوثبة في الحياة حوله، وللثورة التي تمخضت عنها تلك النهضة، وللنكسة التي أصابت النهضة والثورة كلتيهما، والتي نقلت الشاعر من وطنه إلى منفاه ليقيم به سبعة عشر عامًا وبعض عامٍ، يستأثر الشعر بها جميعًا. وقد اختار البارودي أثناء نفيه أجود ما قيل من الشعر في العصر العباسي، وقال أجود مما اختار، فبعث الشعر العربي خلقًا جديدًا. وشعر المنفى كشعر الشباب وشعر الكهولة صورة صادقة لهذه الحياة التي أراد لها القدر أن تكون نغمًا من الأنغام؛ تسمو بها النشوة إلى ذروة السرور والطرب حينًا، ويدفعها الطموح إلى مضطرب الثورة والمثل الأعلى حينًا آخر، ثم تصقلها السن ويصقلها النفي، فإذا الحكمة والحنين والحب تبعث إلى هذا النغم سكينة تسمو به على المألوف من ألحان الحياة؛ لا يغير من ذلك ما يدفعه النفي إلى نفس الشاعر من ألم تترجم عنه صيحات ثائرة تعيد أمام أذهاننا صورة من نزوات شبابه وثورة كهولته.

أما وديوان البارودي حياته، فلا بد في تقديمه من وصف هذه الحياة، ومن تصوير البيئة التي عاش فيها. وليس يتسع التقديم للإضافة في الوصف والتصوير؛ فلنتناول من جوانب هذه الحياة، ومن نواحي هذه البيئة ما يُجلي أمامنا الحالات النفسية التي أملت على الشاعر شعره. وسنرى أن هذا الوصف كثيرًا ما يوضح أغراض الشاعر؛ فيعيننا على إدراكها كاملة، ويجلو لنا العمل العظيم الذي أتمه البارودي، فبعث به الشعر العربي واللغة العربية، ومهد لنا من ألوان المتاع بهما والانتفاع بتراثهما ما يرفع ذكره في الخالدين.

ولد محمود سامي البارودي بمصر لأبوين من الجراكسة في السابع والعشرين من شهر رجب سنة ١٢٥٥ هجرية/١٨٣٨ ميلادية. وكان أبوه «حسن حسني بك البارودي» من أمراء المدفعية، ثم صار مديرًا لبربر ودنقلة في عهد المغفور له «محمد علي باشا» والي مصر. وكان «عبد الله بك الجركسي» جده لأبيه. أما لقبه «البارودي» فنسبة إلى بلدة إيتاي البارود إحدى بلاد مديرية البحيرة. وذلك أن أحد أجداده الأمير مراد البارودي بن يوسف شاويش، كان ملتزمًا لها، وكان كل ملتزم ينسب في ذلك العهد إلى التزامه.

وكان أجداد البارودي يرقون بأنسابهم إلى حكام مصر المماليك. وكان الشاعر شديد الاعتداد بهذا النسب في شعره وفي كل أعماله، فكان له فيه أثر قوي في جميع أدوار حياته، وفي المصير الذي انتهى إليه.

ولقد حُرِم «البارودي» العطف الأبوي منذ نعومة أظافره. مات أبوه بدنقلة وهو في السابعة من عمره، فكفله بعض أهله وضموه إليهم. وقد تلقى في بيتهم دراسته الأولى من الثامنة إلى الثانية عشرة من عمره، ثم التحق بالمدرسة الحربية مع أمثاله من الجراكسة والترك وأبناء الطبقة الحاكمة. فقد كانت الجندية مظهر السيادة والعزة؛ ومن ثم كان لزامًا على أبناء هذه الطبقة أن يتعلموا فنونها لينهضوا بالمناصب الرئيسية للدولة؛ هذا إلى أن مصر كانت يومئذ في أوج النشاط الذي بثه فيها محمد علي، والذي كان الجيش أسه وقوامه.

وخرج البارودي من المدرسة الحربية في أخريات سنة ١٢٧١ هجرية/١٨٥٤ ميلادية، وهو في السادسة عشرة من عمره. ولسوء حظه وحسن حظ الأدب كانت ولاية مصر قد آلت حينئذ إلى «عباس الأول» ثم إلى «سعيد»، وكان «عباس» قد عدل عن الخطة التي بدأها محمد علي حين رأى الدولة العثمانية تنظر إلى جيش مصر بعين الريبة والقلق، لذا تعطلت النهضة التي كانت متصلة بالجيش في الصناعة والتعليم، وبدأ يخيم على مصر جو من الركود وإن دأبت الروح المصرية في توثبها بعد الذي رأته من قوتها على غزو الشعوب وغزو المملكة العثمانية نفسها.

وأظل عهد سعيد وخرج «الباشجاويش» «محمود سامي البارودي» من المدرسة الحربية في هذا الجو الراكد تستجن في حناياه أسباب اليقظة والقلق. ماذا تراه يصنع؟ لقد سرح الجيش، وأقفرت ميادين القتال من ألوية مصر، وقسر هو وأمثاله من رجال السيف على عيش الخمول والدعة، وكان أكثر هؤلاء رجالًا صغار الأحلام لم يلبثوا أن اطمأنوا إلى سكينتهم وسكنوا إلى خمولهم، ولعل كثيرًا منهم قد سرهم البعد عن مواطن القتال وخطره، وطاب لهم عيش الدعة والتنادر بفارغ القول وهُراء النميمة والنفاق. فأما هذا الشاب الذي لم يخض بعد غمار الحياة والذي يجري في عروقه دم الإمارة والمجد، فقد أحس ثورة الشباب تهزه هزًّا عنيفًا. تطلع إلى الماضي القريب وذكر مسيرة الأعلام المصرية إلى بلاد العرب وإلى سورية وإلى الأناضول، فتمنَّى لو أنه نعم بنعيم هؤلاء الغزاة وشاركهم في سراهم وضرائهم. وتطلَّع إلى ما قبل هذا الماضي، فارتسمت أمامه صورة أجداده المماليك يحكمون على ضفاف الوادي، فحنَّ إلى عهدهم، وتمنَّى لو كان معهم. والمنى حلم مسعد ما اتَّصل بمستقبل يرجو الإنسان فيه مجدًا وسلطانًا، لكنها ألم لاذع حين يطلب إلينا الماضي أن نحققها فإذا المستقبل أمامنا مظلم عبوس.

كيف يتسلى الشاب عن هذا الألم؟ ألا سبيل إلى ميادين يخلقها وحروب يخوض غمارها مع الخائضين؟ إن العرب أجدادنا الأولين — والعربي جد لكل من تكلم العربية — قد سجلوا في شعرهم وقائع الحرب، وصوروا ميادينها، وبلغوا من قوة تصويرهم أن أجروا فيها حياة لا تبلى، حياة لا تعرف الركود ولا الضعف ولا الاستكانة. فليرجع الشاب إلى ديوان الحماسة، وليقرأ الشعراء الذين يطوون الزمن أمام بصائرنا، ويجعلوننا — على بعد ما بيننا وبينهم — نسمع قعقعة السلاح، ونرى نزال الأبطال، ونشترك معهم في المعركة بقلوبنا وأرواحنا، وإن لم نشترك فيها بدروعنا وسيوفنا.

اندفع الشاب يقرأ الشعر العربي القديم، فتختزن ذاكرته القوية منه كل ما طاب لها ادكاره. وألفى البارودي في هذا الشعر روعة وجمالًا يأخذان باللب، ويحركان اللسان إلى القول. وهذا الشعر لا يقف عند الحروب والميادين وما تخلعه على الأبطال من مجد، بل يتناول الحياة كلها: جدها وهزلها، حلوها ومرها؛ ففيه الغزل والوصف والحكمة، وكل ما يطمع الإنسان أن يجده فيه. وأنت كلما ازددت إمعانًا في قراءته وتدقيقًا في معانيه، انفسحت لك آماده، فازددت به متاعًا، وبحفظه تعلقًا.

وتحركت نفس الشاب لقول الشعر بعد أن توفر على مطالعته واستظهاره. لكن! أي شعر يقول؟ وإلى أي الأغراض ينزع؟ أفيمدح؟ ولكن من؟ ولماذا؟ أفيدعو؟ ولكن من؟ وإلى أي شيء؟ وهل بين الأغراض أنبل مما يجول بنفسه من آمال وآلام! أليس هو البارودي؟ سليل المماليك، الطموح إلى المجد وإلى الفخر بماضٍ مؤثل! والدم الذي يجري في عروقه، وإن فقد أباه طفلًا وعاش يتيمًا، يسمو به على أمثاله من أرباب السيف جميعًا، بل يسمو به على كل من في المملكة، ويجعله وحده الجدير بأن يكون غرض شعره.

هذه النزعة في شعر البارودي بدت منذ شبابه، ومنذ بدأ قريضه يستقر لتحفظه الأجيال، والقصيدة التي رثى بها أباه وهو في العشرين من سنه تصرح بهذا المعنى واضحًا جليًّا، فهو يقول فيها إنه فرد بين أنداده لا نظير له فيهم. وهو يكرر هذا المعنى في كل شعره طول حياته. وإيمانه بتفوقه هو الذي سما به إلى الذروة من مناصب الدولة، كما أنه هو الذي انتهى به إلى النفي وبشعره إلى الخلود.

ولقد رضي البارودي عن شعره منذ قاله، إذ رآه صورة نفسه، وما تصبو إليه من مجد. لذلك لم ينصرف عنه حين عيَّره أبناء طائفته أنه يحاكي النظاميين الذين يلتمسون عطف حاكم، أو عطاء أمير. وكيف يسمع لهم أم كيف يطيعهم؟ وهو يقول الشعر سموًّا بأغراضه عن أن تصاغ إلا في أجمل اللفظ وأروع العبارة! ولقد سبقه من الأمراء في الدول العربية شعراء مجيدون خلد الدهر شعرهم وأثبت التاريخ في أمجد صفحة أسماءهم. وكان ابن المعتز شاعرًا، وكان الشريف الرضي شاعرًا، وكان أبو فراس شاعرًا، وكان امرؤ القيس قبل هؤلاء جميعًا شاعرًا. ولقد قرأ البارودي شعرهم جميعًا فطرب له واهتز لروعته. أفلم يقرأ من يعيرونه مثل ما قرأ؟ وما ذنبه إذ قعد بهم جهلهم عن المتاع بجمال الشعر، وقعدت بهم قراحهم عن صوغ مثله! وهو في هذا المعنى يقول:

تكلمت بالماضين قبلي بما جرت
به عادة الإنسان أن يتكلما
فلا يعتمدني بالإساءة غافل
فلا بد لابن الأيك أن يترنما

كانت دولة الشعر ناشئة إذ ذاك. فكان عبد الله فكري ومحمود صفوت الساعاتي وعبد الله النديم وقليلون غيرهم يقولونه في أغراض شتى. لكن البارودي الناشئ كان من طراز غير هؤلاء جميعًا. كان غيرهم بنسبه، وبتفكيره، وبمثله الأعلى في الحياة؛ ثم كان غيرهم بموهبته في الشعر. فهو لم يتعلم النحو والصرف والعروض والقوافي، وهو لم يقل الشعر يبتغي بقوله مأربًا، إنما سجع به لأنه في سليقته، ولا بد لأبن الأيك أن يترنم، وسجع به على عادة الأمراء الشعراء من قبله ليخلق من بحوره ميادين لمجد يعوضه مما فات سيفه في ميادين القتال، بعد أن ردَّت الأقدار سيف مصر إلى غمده.

على أنه رأى الجو المحيط به لا يتسع لتحليقه ولا لطموحه. ولعله رأى كذلك أن هذا الشعر العربي الذي اتصلت أنغامه بروحه قد يضيق على سعته عما تصبو إليه روحه. لذلك سافر إلى الأستانة عاصمة الدولة، والتحق بوزارة الخارجية، وتعلم اللغتين التركية والفارسية، وعكف على آدابهما، فاستظهر شعرهما وتغنى بأوزانه، ودعته سليقة الشاعر إلى القول فقال بالتركية والفارسية، كما قال من قبل بالعربية.

على أن السليقة العربية كانت أصيلة في نفسه، فلم يفتأ طوال السنين التي أقامها على ضفاف البسفور يقرأ دواوين الشعراء الأمويين والعباسيين ويدرسها ويستظهر منها ما يطيب له استظهاره. فلما كانت السنة ١٢٧٩ هجرية/١٨٦٣ ميلادية سافر «إسماعيل باشا» بعد أن تولى أريكة مصر يرفع إلى متبوعه الأعظم بالأستانة آي الشكر على ولايته، وألحق «سامي البارودي» بالحاشية التي صحبته أثناء مقامه بدار الخلافة، فتوسم إسماعيل فيه النجابة والطموح، فعاد به إلى مصر في شهر رمضان من تلك السنة.

عاد «البارودي» إلى مصر في الرابعة والعشرين من سنه يبدأ صفحة جديدة من حياته، فقد عقد إسماعيل العزم على أن يعيد مصر سيرتها في عهد جده، فيجب أن يكون لها جيش قوي وأعلام خفَّاقة، ويجب أن تعود إلى نهضتها في العلم والصناعة، بل يجب أن تتطلع إليها أنظار العالم كله إعجابًا بها وتقربًا إليها، ويجب لذلك أن تنقل كل ما في أوروبا من أسباب الحضارة، ولأن تسير في ذلك بخطى جبارة تجعل هذا العاهل المصلح يرى بعينيه ثمرة سياسته ومجهوده. وَرُقِّيَ البارودي في رتبته العسكرية أول ما نزل مصر، وعين على قيادة فرقتين من الفرسان Les Gardes ففتح رقيه آفاقًا من الحياة أمامه جعل عابسها يبسم له. وزاد في ابتسامها أنه لم يلبث في منصبه الجديد إلا قليلًا، ثم أوفد إلى فرنسا مع جماعة من ضباط العسكرية المصرية حيث شهدوا مناورات الجيش الفرنسي السنوية، ومن هناك سافروا إلى لندن، فشهدوا من الأعمال العسكرية ما زادهم بها علمًا.
وعادوا جميعًا إلى مصر، فإذا الحظ يلقى البارودي مفتوح الذراعين ليضمه إليه، فيرقى به في سنة إلى رتبة «القائمقام» في فرسان الحرس Les Gardes، ثم إلى رتبة «أميرالاي» ليتسلم قيادة الفيلق الرابع من عسكر الحرس الخاص. أي شيء هذا إلا أنه المجد الذي طمح إليه صبيًّا، فلما لم تتيسر له أسبابه هجر مصر إلى الأستانة. أما وقد بدأ الدهر يعرف له مكانه ويهيئ له أسباب العظمة طائعًا مختارًا، بل مغتبطًا مسرورًا، فقد بدأت الأمور تطمئن والعدل يعود إلى مصر، أفآن لهذا الشاب أن يستقر؟ كلا! فقد شبت الثورة في جزيرة أقريطش (كريت) على الدولة العثمانية بعد أربعة أشهر من تسلمه تلك القيادة. وكانت سياسة إسماعيل ترمي إلى مجاملة الخليفة ومعاونته ليبلغ الغاية من أغراضه. لذلك أرسل جندًا يعاون قوات جلالته على قمع تلك الثورة، ثم كان البارودي «رئيس ياور حرب» في هذا الجند، ما كان أسعده يوم عُيِّن، وما كان أشده سعادة يوم سافر! لقد شعر بسيفه يهتز في قرابه، وبيده تمسك مقبض هذا السيف لتضرب به الثائرين، ورأى مجد الجندي يتجلى أمامه وهو واقف على السفينة يلقي على الموج المصطخب نظراته الهادئة المطمئنة. فلما رست به السفينة على شاطئ الجزيرة الثائرة خف يتقدم رفاقه، مسرحًا بصره في الأودية والوهاد حوله، مشوقًا أي شوق للقاء الذين خرجوا على الولاء للدولة وتنكبوا عن طاعة السلطان.

وأحسن «البارودي» البلاء في الحرب، فأنعم عليه السلطان بالوسام العثماني من الدرجة الرابعة. لكن إنعام البارودي علينا وعلى نفسه كان أعظم من كل وسام. ففي الحرب قال نونيته التي مطلعها:

أخذ الكرى بمعاقد الأجفان
وهفا السرى بأعنة الفرسان

كما قال أبياته التي استهلها بقوله:

ولما تداعى القوم واشتبك القنا
ودارت كما تهوي على قطبها الحرب

من يومئذ بدأت الأنظار تتطلع إلى البارودي الشاعر تطلع إعجاب وإكبار. لقد ترنم هذا الشاب بأنغام في الشعر لم يألفها أهل زمانه. فهم إنما ألفوا الشعر تجارة ومرتزقًا؛ كان محمود صفوت الساعاتي، أسلم معاصريه ديباجة وأقومهم عبارة، لا يقول إلا ليمدح أمراء الحجاز أحيانًا، وولاة مصر وسادتها أحيانًا أخرى، يبتغي عطاءهم ويرجو إحسانهم. وكان ما يعرض في شعر هؤلاء المعاصرين من حكمة أو فخر قولًا معادًا. سبقهم إليه غيرهم في ديباجة أمتن ولفظ أكرم. وكانوا جميعًا متأثرين بشعر المتأخرين، فكانت المحسنات البديعية عندهم كل شيء، وكانت معانيهم في جملتها مطروقة متداولة. أما هذه القفزة التي قفزها «البارودي» فسما بها إلى مكان الفحول من الشعراء الأولين في الجاهلية والعصور الأولى من الإسلام، فقد أثارت عجب الناس واستثارت إعجابهم. وحق للناس أن يعجبوا. فهذا الشاب الشاعر الملهم هو الرسول الذي بعثته العناية لينفخ في الشعر العربي روحًا تنشره من الجدث الذي انطوى عليه القرون الطوال، وليمهد السبيل من بعده لأبناء مذهبه: شوقي، وحافظ، وإسماعيل صبري، ومن سار سيرتهم، ونسج نسجهم.

ما الجديد الذي استرعى الأسماع في شعر البارودي؟ أهو الأسلوب الجزل والديباجة البدوية اللذان تجليا في كثير منه؟ لكن أسلوب «الساعاتي» وديباجته كانا لا يخلوان من جزالة وبداوة، وقد نزع جميع الشعراء إبان هذه النهضة الأولى ذلك المنزع، فإن فاقهم «البارودي» وسما عليهم فلا جديد في تفوقه، إنما الجديد الذي استرعى الأسماع لشعره ودعا إلى الإعجاب به، هو نزوعه إلى تصوير الواقع كما هو في بساطة وسلاسة وقوة، دون اعتماد على محسنات اللفظ البديعية من جناس وطباق ونحوهما، ودون إغراب في الخيال، إن أثار العجب لم يثر الإعجاب.

وفي شعر «البارودي» ظاهرة لعله لم يفطن لها أول الأمر أحد. فهو قد اعتمد في تصويره الواقع على حاسة النظر أكثر من اعتماده على سواهما. وأنت إذ تقرأ قصيدتيه اللتين أثبتنا مطلعيهما عن حرب «أقريطش» ترى تصوير المرئيات واضحًا فيهما كل الوضوح، وترى هذا التصوير سهلًا لا تعمل فيه. فهو في القصيدة الأولى يصور الليل الضارب بجرانه فوق الربى والمتالع، لا تستبين العين في ظلمائه غير الضوء المنبعث من أسنة الحراب، وغير التماع سيوف الثائرين المختفين في جنح الظلام، فإذا أصبح الصبح رأيت هذه الجبال انقلبت أسنة وأعنة لكثرة العدو الجاثم فوقها، ورأيت الماء أحمر قانيًا لكثرة ما يختلط من دم القتلى به. وتستطيع أن ترجع إلى القصيدة الثانية في هذا الجزء من الديوان لترى صورة الحرب دائرة الرحى، والخيل مائجة من الكر والفر صدورها، والأرض دائرة بالأبطال كأنهم سكارى من وقع الهول، والشاعر يرى هذا كله ثم يقول:

صبري لها حَتَّى تجلَّت سماؤها
وإني صبورٌ إن ألمَّ بيَ الخطبُ

وتصوير المنظور صفة بارزة في شعر البارودي كله، وذلك شأنه بخاصة فيما لم ينزع فيه إلى تقليد المتقدمين. بل لقد كان هذا التصوير الروائي للمنظورات يغالبه وهو يقلد، وبائيته المشهورة التي قالها في صباه معارضًا قصيدة الشريف الرضي «لغير العلا مني القلى والتجنب» والتي مطلعها:

سواي بتحنان الأغاريد يطرب
وغيري باللذات يلهو ويعجب

فيها من هذا التصوير شيء غير قليل.

وأنت ترى التصوير واقعيًّا في غير تقليد في بائيته التي مطلعها:

أين أيام لذتي وشبابي
أتراها تعود بعد الذهاب

وهو يصف في هذه القصيدة مشهدا لمصر تراه أعيننا كما رآه هو، ويصفه وصفًا قويًّا يجعله حيًّا ناطقًا، كله النشاط والحركة. ولقد قال هذه القصيدة وهو منفي في سرنديب يأسف فيها لذهاب الشباب ويحن إلى وطنه، فإذا الوطن صورة منظورة أمامه يرسمها رسم مصور بارع.

ولقد قوت البيئة التي عاش فيها البارودي هذا الجانب التصويري من شاعريته. فهو مذ عاد من «أقريطش» بعد قمع ثورتها، قد أقام اثنتي عشرة سنة كاملة بعيدًا عن ميادين القتال، عين أثناءها ياورًا «بمعية» الخديو إسماعيل، ثم رئيس الياورية، ثم اصطفاه الخديو كاتم سره الخاص، ثم سافر في رحلتين قصيرتين إلى الأستانة في مهمة سياسية تتصل بفتنة «الهرسك»، ثم بفتنة «البلقان والجبل الأسود» في هذه السنوات الاثنتي عشرة سنة كانت مصر ميدان حياة ونشاط قل نظيرهما في أمة من الأمم. نهض بها إسماعيل بعد النكسة التي أصابتها في عهد سلفيه سعيد وعباس الأول، نهضة هي أدنى إلى الثورة منها إلى النشاط، أراد لها أن تقف مع الأمم الأوروبية في صف الحضارة وأن تكاتفها في الوجود الدولي. وهذه الأمم قد بلغت مكانتها في أجيال متعاقبة بذلت أثناءها جهودًا جبارة لتبلغ ما بلغته، فليضاعف أبو الأشبال الجهود، وليجعل الزمن رهن أمره، وليدفع مصر متضافرة معه، قوية بقوته، ليصل في سنوات إلى ما وصلت إليه أوروبا في تلك الأجيال، وماذا ينقصه أو ينقص مصر لتحقيق هذه المعجزة؟ العزم! الذكاء! الهمة! البأس! هذا كله موفور فيه وفي مصر، وكل ما عليه أن يتجنب ما وقع فيه جده الأكبر فلا يناصب الدولة العثمانية العداوة، فينجو من تألب أوروبا عليه. فأما المال فالحصول عليه يسير، فمصر غنية، وقناة السويس التي تشق خلالها ستزيدها ثراء وتجعلها مركز الحياة في العالم.

ذلك ما يؤكده دليسبس، وذلك ما لا سبيل إلى الريب فيه. فلتقترض مصر المال لتحقق بنهضتها المعجزة التي تبهر العالم. ومصر الناهضة الفتية القوية قديرة على أداء ديونها وعلى مضاعفة ثروتها.

وأول ما مرَّ بخاطر إسماعيل أن تضارع عاصمته عاصمة نابليون الثالث، وأن تكون القاهرة باريس الشرق، ولم تك إلا سنوات حتى قامت القصور شاهقة على شاطئ النيل بين الجزيرة والروضة: روضة المقياس. لكن إسماعيل كان أبعد نظرًا وأعمق ذكاء من أن يكتفي بهذه المظاهر. فلتفتح المدارس، ولتمد السكك الحديدية، وليعم النشاط المعمر أنحاء الدولة جميعًا، ولتضارع حكومة مصر شركة قناة السويس في الجد والمثابرة، وليكن افتتاح القناة بين البحرين الأبيض والأحمر مشهدًا فذًّا في تاريخ العالم كله، تقع فيه أعين الملوك والساسة على مصر المتحضرة الناهضة بعبء الحضارة كنهضة فرنسا وإنجلترا بعبئها، وعلى إسماعيل مليك مصر ذي الأيدي قائمًا في أبهة من السلطان تذوي أمامها أبهة أصحاب العروش في الدول الأوروبية كلها.

وقد رأيت البارودي في معية إسماعيل ورأيته أمين سره، والبارودي شاب شاعر قوي الحس طموح إلى العلا، ابتسم له الحظ فقربه من صاحب العرش، وجعل الحياة وسرها ونعمته في ملكه وطوع يده. ماذا يصنع؟ أقام بحلوان، وأرخى لشبابه ولهوى الشباب العنان؛ فعرف الشراب ومجالسه، والغواني وفتنتهن، والطرب بالموسيقى والغناء؛ وقال في هذه الأغراض جميعًا، فما تكاد قصيدة من قصائده تخلو منها، لكنك في حل من أن تسأل: أأمعن في الحب وخضع لسلطانه؟ أو بلغ من إدمان الشراب وحياة اللهو ما بلغ الماجنون؟ أم كان شعره في الغزل وفي الخمر شعر محاكاة أكثر من تحدثا عن غرام صادق آخذ بمجامع قلبه، وعن إغراق في اللهو والخمر وولع بهما؟ أحسبنا في حل من القول بأنه كان مقلدًا في عزلته وفي خمرياته، وأن هوى نفسه كان إلى شيء غير المرأة وغير الخمر، وأن حديثه عن الخمر وعن المرأة إنما كان تقدمة إلى الفخر والوصف والسياسة وغيرها من الأغراض التي يريد القول فيها، وأنه في هذه التقدمة كان ينسج على غرار الأقدمين.

وما أكثر ما نسج البارودي على غرارهم؛ فهو طالما راض القول معارضًا الفحول الأولين، محاولًا أن يبذهم في ديباجته وفي قوة معانيه، وقد وفق للتفوق عليهم في أحيان، وقصر عن مداهم في أحيان أخرى، وكثيرًا ما كان ينتقل في معارضاته من بيئته المصرية الحديثة إلى بيئة بدوية جاهلية أو بيئة إسلامية بالشام أو بالعراق في عهد بني أمية أو بني العباس، ثم كان يجعل الغزل واللهو بالخمر والنساء، والحماسة والفخر، أغراضًا له في القصيدة الواحدة على طراز من حمل نفسه على معارضتهم؛ وكانت ذاكرته القوية تواتيه فيما يعارضهم فيه حتى تخاله أحدهم، ويختلط عليك الأمر إذا أردت أن تميز بين شعره وشعرهم، ومن كانت هذه حاله لم يكن لهوه صادرين عن عاطفة ألهبها الحب أو حركتها الخمر بمقدار ما حركها الحرص على التفوق في حلبة الفحول الأولين. وأنت تراه يذكر في الحب ما تكاد تظنه حكاية حال، كقصيدته عن غرامه بغادة حلوان. وإنا لنميل إلى القول بأن هذا الغرام لا يزيد على صورة تخيلها الشاعر، وأقصى ما يذهب إليه الظن أنها صورة رآها في ليلة أنس فأعجبته فخلع عليها من شعره معاني الغرام، وإن لم يملكه حب ولم يقم بنفسه غرام. فالقصيدة التي تقص هذه الحكاية تبدأ بالخمر والحديث عنها، ثم تروي حديث هذا الغرام لتنتقل منه إلى الفخر بقومه الذين يدفعون عنهم مصارع هواه، فهم:

رجال أولو بأس شديد ونجدة
فقولهم قول وفعلهم فعل
إذا غضبوا ردوا إلى الأفق شمسه
وسال بدفاع القنا الحزن السهل

وأنت ترى تداول هذه الصور في الكثير من قصائد شبابه: خمر وغزل وفخر، ولا ريب في أنه كان يحس ما يقوله في هذه الأغراض جميعًا، لكن الذي لا ريب كذلك فيه أن الحب لم يفتن يومًا لبه، وأن الخمر لم تذهب يومًا بعقله، فأما الفخر فكان يعبر عن أمانيه الخفية وآماله المكظومة. أقبل يقول الشعر في هذه الأغراض وفيما يتصل بها، متنقلًا بين حلوان والجزيرة، سعيدًا بمقامه إلى جانب إسماعيل، مطمئنًا إلى حظه بمصر، اثنتي عشرة سنة كاملة، وكما اختزنت ذاكرته الشعر صدر شبابه فقد اختزنت في هذه السنوات المتعاقبه من صور مصر ما زاده حبًّا لها وتعلقًا بها، وما جعله يتحدث في شعره عنها ويصف بديع مناظرها وصفًا لم يسبقه إليه أحد. وصف نهرها الفياض أبا الخير والنعمة، ووصف مزارعها الفسيحة تترامى أمام النظر إلى حدود الأفق، ووصف آثارها الفرعونية على نحو لعله أحدث ما جدد الشعر في عهده، وصف هذا كله مستقلًا بوصفه حينًا، جاعلًا منه بعض موضوعه في قصيدة من القصائد حينًا آخر، مستمتعًا به في الحالين، مسبغًا عليه من روعة شعره ثوبًا يزيده جمالًا ويزيد المصري له حبًّا وبه تعلقًا.

فلما كانت سنة ١٢٩٤ هجرية/١٨٧٨ ميلادية أعلنت روسيا الحرب على تركيا، وأرسل إسماعيل جيشًا يعاون متبوعه الأعظم، وسافر البارودي مع الجيش، واشترك في الحرب وكوفئ عن مواقفه فيها بإنعام الخليفة عليه برتبة أمير اللواء وبنيشان الشرف (الميداليا) وبالوسام المجيدي من الدرجة الثالثة.

ولم تصرفه ميادين القتال عن قول الشعر، بل لقد بعث منها إلى مصر من عيون شعره ما جرى بعضه مجرى الأمثال. ومن الذي لا يحفظ قوله:

إذا نحن سرنا صرَّحَ الشرُّ باسمه
وصاح القنا بالموت واستقتل الجند

وفي هذه الفترة أضاف البارودي الحنين إلى الوطن إلى أغراض شعره، فهذا الحنين الذي لم يكن باديًا أيام «أقريطش» قد بدأ في حرب البلقان يظهر قويًّا، كما ترى في أبيات هذه القصيدة بل في مطلعها:

هو البينُ لا سلام ولا ردُّ
ولا نظرة يقضي بها حقَّه الوجدُ

وظل تصوير المنظور واضحًا في هذا الطور وضوحه في أطوار شعر البارودي جميعًا؛ بل ظل يزداد قوة ووضوحًا، وتزداد فيه الحركة والحياة بنوع خاص.

فالبارودي إذ كان يسجل الصور في شعره لم يكن يسجلها في صمتها وسكينتها على ما يولع به عشاق الطبيعة الصامتة، بل في نشاطها وتحركها، حتى يرسم أمامك فيض الحياة في كل ما تقع عليه وما تحيط به باصرته.

عاد البارودي من حرب البلقان وقد أدرك الأربعين، وبلغ من الرتب العسكرية أسماها، فعُيِّن مديرًا للشرقية، فمحافظًا للعاصمة. وبينما هو في هذا المنصب ترك إسماعيل حكم مصر بعد تدخل الدول الأجنبية في شئونها، فكان ذلك نذيرًا بتجهم الحظ لبلاده، وللشاعر الفحل الذي شدا بجمالها وتغنى بمجدها.

لكن النهضة التي بثها إسماعيل في مصر، تركت في نفس الشعب أثرًا لا يسهل التغافل عنه أو القضاء عليه، يستطيع السلطان العثماني أن يصدر فرمانًا بتوليه توفيق، ويستطيع إسماعيل أن يغادر بلاده إلى إيطاليا، ويستطيع توفيق أن يجلس على عرش أبيه؛ ذلك كله يسير؛ لأنه يصدر بأوامر رسمية، وينفذ طوعًا لهذه الأوامر، لكن النبات الذي وضعت بذرته في التربة المصرية في عهد محمد علي، والذي تعهده إسماعيل بعنايته، وبذل الجهد والمال لتقويته، لا يمكن أن تنزعه الأوامر، أو يذهب به تغير الجالس على العرش، فكان طبيعيًّا أن تثير هذه الأحداث عواطف الشعب المصري على التدخل الأجنبي، وأن تلهب في النفوس شرارة القومية، وأن تدفعه إلى التشبث بالشورى وبالحكم النيابي وسيلة لإقامة العدل ومتابعة الإصلاح.

وزاد ارتقاء توفيق عرش مصر رجاء الشعب في بلوغ هذه المطالب، فازداد بها تشبثًا، ذلك أن توفيقًا كان متصلًا بالسيد «جمال الدين الأفغاني» وبالشيخ «محمد عبده» وبالدعاة إلى الإصلاح وإلى الشورى، على أنه لم يلبث حين آل إليه الحكم النيابي، وأعاد السلطة المطلقة، وهو لم يفعل ذلك تمردًا منه على المبادئ التي قال من قبل بها، وإنما فعله ضعفًا إلى التدخل الأجنبي الذي ازداد في عهده على ما كان في عهد أبيه، فكان للأجانب في الواقع زمام الأمر، وإن أرادت المظاهر الرسمية أن يكون توفيق الممسك بهذا الزمام.

وكان «سامي البارودي» من أنصار الحركة القومية ومن المقربين لذلك إلى توفيق في الزمن الأخير من عهد أبيه والفترة الأولى من عهده، ولقربه منه عينه مديرًا للأوقاف، فأصلح فيها ما وسعه الإصلاح، على أن اطراد التدخل الأجنبي ومقاومته لفكرة الحكومة النيابية في مصر حال دون ما يحتاج إليه الإصلاح من هدوء واستقرار. وقد أحس المستنيرون من المصريين بأن عليهم واجبًا لأنفسهم ولبلادهم أن يقاوموا تيار هذا التدخل، وكان المستنيرون يومئذ هم رجال الجيش كما سبق القول. لذلك انتقلت حركة المطالبة بالشورى والإصلاح من أيدي المدنيين إلى أيدي العسكريين. آذن هذا الانتقال بإثارة مشكلة جديدة لم تكن بادية للعيان في عهد إسماعيل، على رغم ما كان من نشاطها أثناء استخفائها. تلك حركة المصريين في الجيش، فقد كان رؤساء الجيش من الجراكسة والترك، ولم يكن يرقى إلى الصفوف الأولى من المصريين أحد. وكان هؤلاء الرؤساء على جانب عظيم من الغطرسة والبطش، أما ومصر تريد أن يكون أمرها لبنيها ولا تريد للأجنبي سلطانًا، فمن الحق أن تكون سياسة الجيش للمصريين، وألا يكون لهؤلاء الرؤساء الأجانب ما لهم من سلطان.

لم تكن هذه الفكرة واضحة في النفس المصرية هذا الوضوح في عهد إسماعيل، ولا أول حكم «توفيق»، ولعل التدخل الأجنبي هو وحده صاحب الفضل في تحريكها وإظهارها من بعد بجلاء وقوة، وإنما كانت الشكوى قبل ظهورها مقصورة على طلب العدل ورفع الظلم، لذلك كان «محمود سامي البارودي»، وهو جركسي كغيره من الجراكسة، محبوبًا من المصريين محبًّا لهم، بل كان موضع رجاء العسكريين منهم في رفع الحيف النازل بهم، وكيف لا يحبه المصريون جميعًا وقد تغنى بحب مصر ما تغنى، وقد وصف من جمال مصر ما لم يسبقه أحد إليه، وقد صور هذا الجمال في دقة تدل على إخلاصه وصدق محبته!

فلما ثار العسكريون المصريون بناظر الحربية «عثمان رفقي» فاستقال، أسند «توفيق» هذه الوزارة إلى البارودي مع ديوان الأوقاف.

على أن إسراع توفيق إلى الاتعاظ بالحوادث وإذعانه للتدخل الأوروبي وظهوره بتأييد الحكم المطلق وقف البارودي موقف الحيرة: أيظل على ولائه لصاحب العرش، أم على وفائه للشعب الذي اختصه بمحبته، ورأى رياض باشا، رئيس الوزارة يومئذ، إيثار البارودي للشعب، فدسَّ عليه عند توفيق، فاضطره إلى الاستقالة من الأوقاف والحربية، ودفعه إلى اعتزال الحياة السياسية والعيش بعيدًا عن جو القلق والاضطراب.

رأى توفيق حركة الجيش تكبر، فنحى رياضًا وأسند الوزارة إلى شريف باشا، ولم يقبل البارودي العود إلى الحكم حتى ألح عليه توفيق وأقسم له أن ليس في نفسه منه شيء، واستقال «شريف» فاضطر «البارودي» أن يؤلف الوزارة، بعد أن أصبح زمام الأمر في مصر إلى الضباط الذين يعتبرون الجراكسة أجانب كغيرهم من الأجانب.

وكان البارودي يرجو أن يتلافى هذه الحركة، وأن يصل بحسن رأيه إلى إقامة العدل والإصلاح في مصر على أساس من مبادئ الثورة السليمة التي انتشرت دعايتها في البلاد؛ لكن الأمور سارت على غير هواه، واندفع الضباط يفكرون في خلع توفيق، وقد نازعته نفسه يومئذ إلى مكان المجد وتحركت فيها أسباب الاعتداد بمكان أجداده المماليك الذين حكموا مصر، وقصيدته التي مطلعها:

قلدت جيد المعاني حليةَ العَزَلِ
وقلت في الجِدِّ ما أغنى عن الهزل

لا تبرئه من هذا التفكير، وإن ذكر في الديوان أنها قيلت في عهد «إسماعيل»، لكنه رأى إنجلترا وفرنسا تتدخلان وتبعثان بمذكرتهما المشتركة إلى الحكومة المصرية، فأحس الخطر، ورأى أن لا طاقة لمصر بمواجهة هذا الموقف، ولقد حاول أن يتخلص منه بالاعتزال في مزارعه، وذلك بعد أن نصح للعرابيين وصارحهم برأيه، لكن اندفاعه في حركة الضباط من بدائتها حال بينه وبين التخلص منهم، فلم يكن له بد من أن يسير معهم، وأن يربط حظه بحظهم، وهذا الموقف الذي وقفه البارودي هو الذي جعله لا يبرز في الصف الأول من صفوف الثورة العرابية ولا يتولى زعامتها، ولو أنه كان مؤمنًا بها إيمان عرابي وأصحابه لكان من الطبيعي أن يتقدمهم وأن يدعو بدعايتهم، فهو قد اشترك في حروب «أقريطش والروسيا» وأبلى فيهما بلاء يجعله أقدر ضباط الثورة جميعًا على قيادتها.

وهو قد كان لا ريب أكثرهم ذكاء وأعلاهم ثقافة وأعرفهم بشئون الحياة الدولية.

أما وقد سايرهم إذعانًا لحكم الأحوال فقد رجع إلى الصف الثاني من صفوف الثورة، فلما أخفقت وحوكم زعماؤها حكم عليه معهم؛ لأنه شجَّعهم أول أمرهم، ولأنه لم يتنصل عنهم حين لجوا في عصيانهم.

ونفي مع زملائه زعماء الثورة إلى «سيلان»، فأقام بها سبعة عشر عامًا وبعض عام.

ولقد أقاموا جميعًا في كولومبو سبعة أعوام عاف البارودي خلالها بيئتهم إذ دبت الشحناء بينهم، وانقلب كل يلقي على زملائه تبعة ما حل به، ولم يكن ذلك ديدن البارودي ولا كان من خلاله، لذلك انتقل إلى «كندى» حيث قضى عشرة أعوام أخر تعلم خلالها الإنجليزية، وعلم بعض أهل «كندى» الدين الإسلامي واللغة العربية، واستطاع أن يتسلى، وإن لم يسل يومًا وطنه وأهله ومجده.

لمن يبث شكواه أو يعلن أساه؟! لا خير في اصطفاء زملائه وكلهم طائر اللب مروع القلب، ولا خير في التحدث إلى أهل البلاد، وقليل منهم من يفهم حديثه، وأقل من ذلك من يعرف قصته، لا معين له على شكوى إذن إلا ربة الشعر. فليشركها معه، وليترنم وإياها بهمومه، وليستعن بها على التصبر إن لم يجد إلى الصبر الوسيلة، وليتخذ منها رسوله إلى النائين عنه بمصر ممن يذكرونه ويتحسرون على مصابه حسرة على الشعر أن يقسو به القدر كل هذه القسوة، وكانت ربة الشعر نعم العزاء، مدت إليه قيثارتها، وألهمته أبلغ آياتها يوقعها عليها ليصعد في أنغامها كربة نفسه وهمة قلبه، يراجعه الحنين إلى الوطن فيشكو النوى، ويصور الوطن أروع صورة في أبرع عبارة؛ ويثور على الحنين وعلى الوطن فيعلن مصر ويهجو ناسها؛ ويحز الأسى في نفسه فيتوجع، وتراجعه جركسيته ويثور في عروقه دم المماليك فيعود إلى الفخر؛ وتبلغه الأنباء بوفاة الأهل والأصدقاء، فيرثي ويبكي ويسلم أمره إلى الله؛ وينخرط في الأسى وفي الألم، فيتخذ الزهد ملجأً من أساه ومن ألمه، ويقصر الزهد فلا يأسو جراح نفسه، فيثور، ويبلغ بالثورة أقصى الحدود؛ ويشعر بذهاب الشباب وبالأجل المكتوب في الغربة والنأي عن الإخوان والأهل فيستسلم للقضاء، وربة الشعر في هذه الحالات جميعًا مسلمة إليه نفسها، مسلمة له قيادها مادَّة إليه قيثارتها تلهمه وتقول معه وتعينه في هذا المنفى على أن يعيد إلى الشعر العربي جدة لا تبلى، ويجعل من آلامه وحسراته وثوراته وحنينه وضعفه وبكائه أداة هذه الجدة، ومصدر هذا البعث، بعد أن ظلت اللغة السليمة والأدب الرفيع ملتفين في أكفانهما قرابة ألف عام.

ونحن نحاول اليوم أن نلتمس الجديد في شعر البارودي، ونقصد بالجديد ما أبدع من أغراض لم تكن مطروقة في عهد الأولين ممن بعث لغتهم وشعرهم، وما كانت ذاتيته قوية واضحة فيه، وما يتصل بالحاضر مما جعله الشعر الأوروبي أغراضه، فليأخذ بألبابنا ما في ديوانه من الشعر السياسي، ومن وصف الطبيعة المصرية والآثار المصرية والحياة المصرية، أما ما خلا ذلك فلم يَعْدُ البارودي فيه مقاصد المتقدمين من شعراء العرب، ولم يَعْدُ أوزانهم وقوافيهم وأغراضهم. لم يفكر في الملاحم الكبرى كما فكر هوميروس في الإلياذة، ولا فكر في المسرحيات الشعرية كما فكر شكسبير في مسرحياته، وكما فكر دانتي في الكوميديا الإلهية، وهو في الحق لم يتجه بالشعر العربي غير وجهة الأقدمين الذين عارضهم وراض القول على مثالهم، وإن كان من الحق كذلك أنه لم يفن فيهم، ولم يقصر همه على النقل عنهم، بل بدت شخصيته بارزة في شعره، وبدا شعره مرآة بيئته وزمانه، فلو أنه عاصر الأقدمين وعاش بينهم لكان له ما للأخطل وللفرزدق ولأبي فراس ولبشار من ذاتية يمتاز بها عن غيره، ويقف بها في الصف الأول من هؤلاء الأقران المبرزين.

لكنا يجب أن نعدل هذا الرأي إذا أردنا أن نبلغ النصفة حين البحث عن الجديد في شعر البارودي، وأن نقول إن هذا الشعر كان في عصره جديدًا كله.

كانت محاكاته الأقدمين جديدة، وكانت معارضته إياهم جديدة، وكانت رياضته القول على مثالهم جديدة، فقد هوى الشعر العربي قبله إلى درك من الانحلال جعله بالنسبة إلينا نسيًا منسيًّا، وجعلنا نكاد نسقط من حسابنا هذا الألف الذي انقضى من السنين بين الشعر العربي منذ بدء انحلاله، وبين هذا الشاعر الذي بعث الشعر العربي إلى الحياة من جديد، ونحن جميعًا مقلدون في أكثر ما نعرض له من شئون الحياة: مقلدون في الفن والأدب والشعر والعلم لأنها من شئون الحياة، وإنما نجدد بقدر في حدود ما يصلح فساد الماضي ويضيف إلى الصالح منه ما يزيد حياته بريقًا وما يزيده على الحياة قوة، فإذا كان البارودي قد بعث الشعر العربي واللغة العربية من مرقدها ورَدَّ إليهما حياة ذوت وذبلت قرونًا متعاقبة، فعمله هذا خلق لا ريب، وهو في عصره جديد كله، وهو جدير لهذا أن يتسنم ذروة المجد وأن يجلس بين الخالدين.

وإذا كان لم يعرف وحدة الغرض في القصيدة الواحدة كما نفهمها اليوم، وكما يفهمها أهل الغرب وكان ينتقل من الغزل إلى المدح إلى الفخر إلى الحماسة إلى الحكمة، كما كان يفعل البحتري وأبو تمام والمتنبي وغيرهم من كبار الشعراء، فذلك لأن رسالته لم تكن تجديد للشعر العربي في حياته المتدفقة الفيَّاضة، بل كانت بعث الشعر العربي من مرقده وتمزيق الأكفان التي احتوته مئات السنين.

وما وفق له «البارودي» من هذا البعث لا يزال حتى اليوم أعظم تجديد تم في حياة الشعر العربي منذ نهض «البارودي» به، لا يقرن إليه إلا ما وفق له «شوقي» حين وضع مسرحياته الشعرية الخالدة: مجنون ليلى، ومصرع كليوباترا، وما إليهما.

ولعلك لا تعثر في شعر البارودي على فلسفة ظاهرة، ولقد تعثر فيه على زلات غير قليلة في اللغة كما يريدها المتزمتون، وقد يقع له أحيانًا أن يسيء الانتقال من غرض إلى غرض، أو أن تضم القصيدة الواحدة من قصائده أبياتًا بالغة غاية القوة والجزالة، وأخرى متخاذلة منحلة، أو ضعيفة النسج نابية في استعمال بعض المفردات، وقد تراه متناقضًا في القصيدة الواحدة: زاهدًا في أولها مسلِّمًا أمره للمقادير، ثائرًا في آخرها مالئًا ماضيه فخرًا بنسبه وفعاله وشجاعته وشعره، كما تراه يغرب في اللفظ حين يعارض الأقدمين، ثم لا يمنعه ذلك من أن يسيغ بعض الألفاظ العامية التي تأباها المعجمات ويثور بها رجالها؛ لكنك تجد له العذر عن ذلك حين ترجعه إلى أسبابه، وتجد له عذرًا أبلغ حين تذكر أن العبقرية التي تحلق بصاحبها في سموات تتعلق بها القلوب والعقول في إعجاب وتقدير، هي التي تستبيح ما يؤاخذ الناس المجيدين به، وما يحذر هؤلاء المجيدون الوقوع فيه، لأنهم لا يجدون عوضًا عنه في سمو صاحب الموهبة بعبقريته إلى حيث لا يلحقه أحد.

وللبارودي مع ذلك عذره عن كثير من المآخذ التي يتغاضى عنها كثيرون ويرون بعضها ضعيفًا وبعضها يشوبه الخطأ. فعذره عن أخطائه اللغوية هو عذر الفحول الأولين من كبار الشعراء الذين يستشهد بهم في كل خروج على قواعد اللغة، فهم لم يكونوا يتقيدون بها وقد كانت حديثة الوضع في عهدهم، وكانت أقوالهم حجة لذاتها، وهذا عذر ناهض البارودي، وهو كما رأيت لم يتعلم النحو والصرف والعروض والقوافي، وهو قد قال الشعر طوعًا لموهبته، بعد أن قرأ الشعراء الأولين وحفظ عنهم كل ما اطمأن إليه من أقوالهم؛ وأنت لذلك تستطيع أن تقول إنه عاصرهم وعاش معهم، فلم يكن أبناء زمانه من المصريين يعرفون اللغة العربية، وإنما كانوا يتحدثون بلغة أخرى هي العامية، فحياة «البارودي» المتصلة باللغة العربية كانت بين الشعراء الجاهليين وشعراء العصرين الأموي والعباسي. من ثم صارت لغتهم لغته، وصارت سليقة له كما كانت سليقة لهم؛ فكان يقولها ويتصرف فيها كما كانوا يقولونها ويتصرفون فيها. فإذا هو سما بسليقته في اللغة كما سَمَوْا، ولم يتقيد بما تقيد به غيره من قواعدها فلا تثريب عليه، ولا شيء في ذلك يؤاخذ به، إن وجب التنبيه إليه.

أما ما يقال عن سرقات «البارودي» فلا ينهض مأخذًا عليه. وهو قد أسلف العذر عن محاكاة الأقدمين، إذ نص في تقديم بعض قصائده على أنها معارضة لقصيدة قديمة معروفة، أو أنها رياضه للقول على طريقه العرب، هذا إلى أن رسالة «البارودي» في الشعر كانت رسالة بعث كما قدمنا، وقد اتهم الفحول من الشعراء الأقدمين قبله بالسرقة، فاعتذر رواتهم وأنصارهم عنهم بأن ما نسب إليهم من ذلك إنما هو توارد خواطر، «كما يقع الحافر على الحافر» على حد تعبيرهم.

و«البارودي» أبلغ عذرًا؛ فقد كان محفوظه من الشعر القديم ضخمًا، وكان شعره هو ضخمًا كذلك، وأنت تصادف في ديوانه أبياتًا له مذكورة في أكثر من قصيدة، فلا عجب إذا ظن بيتًا محفوظًا لغيره بعض ما قاله فأدمجه في قصيدة من القصائد على أنه له.

والحق أن البارودي ما كان بحاجة إلى السرقة وعبقريته الشعرية ما عَرَفْتَ، وديوانه تربو فيه القصائد على المئات، والأبيات على الألوف، وما ينسب إليه أنه نقله عن الأقدمين قليل، كقوله:

عليَّ طلابُ العزِّ من مستقرِّه
ولا ذنبَ لي إن حاربتني المقادرُ

وهو صورة في لفظه ومعناه من قول أبي فراس:

عَلَيَّ طِلابُ العزِّ من مستقرِّه
ولا ذنبَ لي إن حاربتني المطالب

وهذا التطابق البين على قلته في شعر البارودي قد أوخذ غيره من الفحول بمثله، وإنما يفسره أن روح «البارودي» متصلة بالأقدمين كل الاتصال. وما قاله في الحكمة وكثير مما قاله في الفخر ليس ترديدًا لما قالوا؛ لأنه لم تكن له فلسفة خاصة كما قدمنا، ولأنه كان يبعث معاني الأقدمين كما كان يبعث لغتهم.

وأنا لا أسيغ تسمية هذا البعث سرقة، والشعراء والكتاب في كل أمة وعصر يتداولون المعاني بينهم، ثم يمتاز المبرز منهم بسطوع معانيه وقوتها، وبوضوح شخصيته في أغراضه وأسلوبه، وللبارودي من هذا التبريز حظ قل نظيره، وأنت لا تجد هذا التبريز في قصائد المديح القليلة التي قالها؛ لأنه قال هذه القصائد مجاملة، أو نزولًا على حكم الأحوال، فلم تكن متصلة بنفسه ولا صادرة عن وجدانه الأبي المتعالي بفضله ومجده على كل من سواه. أما في الإباء، وفي الفخر، وفي الحنين، وفي الرثاء، وفي وصف الوقائع ووصف الطبيعة، فقد سما البارودي إلى حيث لا يلحقه إلا الأقلون من أكبر الشعراء فحولة وأكثرهم تبريزًا.

ويرجع تبريزه في هذه الأغراض إلى أنه كان يعبر بها تعبيرًا صادقًا عما تنطوي عليه جوانحه ويتردد في أعماق قلبه؛ أو عما شارك بنفسه فيه وكان له منه نصيب يرضاه. وهذا سر قوته في وصف الحرب ووقائعها، وسر دقَّته في التصوير السياسي لحال بلاده، وهو السر في عظمة ما قال في المنفى من مختلف ضروب الشعر في مختلف الأغراض، وفي تفرده بالقول في أغراض لم يعرفها معاصروه؛ لأنه لم يكن من طرازهم نسبًا ولا ثقافة ولا طموحًا في الحياة. فهو قد رأى من بهجة الدنيا ومن صروف الحدثان ومن عبرة المنفى ما لم يَرَوْ، وهو قد قال الشعر مخلصًا للشعر، محبًّا إياه، لا يبتغي به إلا رضا نفسه ورضا للفن، مؤمنًا بأنه وسيلته إلى الخلود في ضمير الأجيال.

وهذا الإيمان بالشعر هو الذي جعله يتوفر عليه في المنفى ويجعله بغية الحياة فيه، فلقد أيس من العود إلى الوطن، إذ أبت عليه نفسه أن يضعف فيسترحم كما فعل زملاؤه، بل إن له في هذه الفترة لأبياتًا ثائرة لا تقل عنفًا عن أشد الثورات المسلحة. وليس طبيعيًّا أن يكون هذا الشعر الثائر وسيلة للعفو عنه. من ذلك قوله:

فحتَّام نسري في دياجير محنة
يضيق بها عن صحبة السيف غمده
إذا المرء لم يدفع الجور إن سطت
عليه فلا يأنف إذا ضاع مجده
عفاء عَلَى الدُّنْيَا إذا المرء لم يعش
بها بطلًا يحمي الحقيقة شَدُّه
وإني امرؤ لا أستكين لصولة
وإن شدَّ ساقي دون مسعاي قِدُّه

بل لقد كانت هذه الأبيات وأمثالها أدنى إلى إثارة حفيظة الإنجليز وحفيظة صاحب العرش في مصر عليه. وما كان زهده وإسلامُهُ أمرَهُ لله ليمحُوَا أثرها، أو لينهضا حجة على أنه ضعف فتاب عما قدم وندم على ما انطوت عليه نفسه من حب المجد وطلابه.

وطال به النفي سبعة عشر عامًا كان قول الشعر كما كان اختيار أجود ما قاله الأقدمون سلوته فيها. فلما تقدَّمت به السن وطال به النوى وتخطَّف الموت أثناء ذلك ابنته وزوجه وأصحابه، بدأ بصره يضعف، وصحته تضمحل، ونذر الفناء تدب إليه. هنالك رأى أولو الأمر أن يعود المنفيون من سيلان إلى بلادهم. وعاد البارودي مهيض الجناح محطمًا ليس فيه «إلا أشلاء همة في ثياب». لكنه عاد يحمل معه كتاب الخلود الذي لا يبلى. ذلك هو ديوان شعره الذي نقدمه للقراء. وللأقدار سخرية يا لها من سخرية! فهذا الرجل الذي بعث العربية في أفصح لفظ وأمتن ديباجة، وخلع عليها من الجلال والجمال ما رد إليها كل قوتها وكل بلاغتها، وقد عفا عنه خديو مصر بأمر كريم هذا نصه:

بناء على الإنهاء المرفوع لنا من «محمود سامي» بالتماس الإحسان عليه بالتمتع بالحقوق الوطنية قد اقتضت مكارمنا منح المومى إليه التمتع بالحقوق الوطنية، وعلى ذلك فيجوز له من الآن امتلاك أي ملك من أي نوع كان في الأقطار المصرية بطريق الإرث أو الهبة أو البيع أو بأي طريقة كانت الذي كان محرومًا منه بمقتضى الأمر العالي الصادر في ١٤ ديسمبر سنة ١٨٨٢ / ٣٠ صفر سنة ١٣٠٠ وأصدرنا هذا لعطوفتكم لإجراء مقتضاه.

عباس حلمي

وتاريخ هذا الأمر ١٨ محرم سنة ١٣١٨ / ١٧ مايو سنة ١٩٠٠.

فلما صدر هذا الأمر وردته السفينة إلى وطنه، كان أول ما قاله إثر عودته قصيدته التي مطلعها:

أبابل مرأى العين أم هذه مصر
فإني أرى فيها عيونًا هي السحر

ونزل البارودي مصر، فكانت أوبته إليها عيدًا نشر البِشر في عالم الأدب كله.

أصبح منزله ندوة الأدباء والشعراء وذوي المكانة، يأنسون إليه ويأنس إليهم، ويستمتعون بحديثه، ويرى في مجالستهم ما يأسو الجراح التي أدمت قلبه سنوات النفي الطوال، فإذا خلا إلى نفسه رتب مختاراته وعني بتنقيح ديوانه يريد إعدادهما للطبع. ولقد بذل في ذلك مجهودًا يدل على حبه شعره وإيمانه به. وأصول الديوان تشهد بهذا المجهود، فأنت ترى الأبيات التي حذفها من بعض القصائد، والأبيات الأخرى التي غيرها كلها أو بعضها، شهيدة على صدق إيمانه بأن العبقرية مجهود متصل في سبيل الكمال.

وقضى في مصر أربع سنوات ذهب أثناءها ما بقي من بصره، فإذا ريح الوطن ووفاء بنيه يعزيانه عن نور البصر وعن كل ما في الحياة، فلما كانت الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر سنة ١٩٠٤/السادس من شوال ١٣٢٢ لبى داعي ربه تاركًا لمصر وللعالم العربي هذا التراث الذي لا يبلى، ولا يعدو عليه الموت ولا يجني عليه النسيان.

لبى نداء ربه ولم يكن قد طبع المختارات ولا الديوان، فتولت أرملته التي تزوجها بسرنديب طبع المختارات وطبع الجزأين الأول والثاني من الديوان «إلى آخر قافية اللام».

وحسب البارودي ديوانه آية لمجده وتراثًا للأجيال بعده، فهذا الديوان تمثال عبقرية خالدة، وهو باقٍ لذلك بقاء الأبد أيًّا كان الشاعر الذي ينسب إليه. فما بالك وهو صورة صادقة لحياة صاحبه؟! أَوَتستطيع الفنون مجتمعة أن تقيم تمثالًا يخلد من هذا الشاعر الملهم ما يخلده شعره النابض بالحياة وأنغامها، والذي بعث العربية خلقًا جديدًا؟

أدع الجواب لأرباب الفن ولقراء الديوان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠