جولة في عقول القراء

جولة خطيرة داخل العقل المصري، وفي أحيانٍ كثيرة العربي، وجدتُني غارقًا فيها. جاءت الخطابات ردًّا على محاورتي التي بدأتُها مع الأستاذ خالد محمد خالد حول مفهومه الأخير عن الحكم الإسلامي وتطبيق الشريعة، والتي أجابني عنها، وتدخل الدكتور فرج فودة مشكورًا، ثُمَّ أخيرًا الأستاذ الكبير الدكتور فؤاد زكريا.

جولة خطيرة لأنني لأول مرة أتلقى هذا العدد الرهيب من الخطابات حول موضوع واحد، وتجيئني خطابات من مختلف قطاعات الشعب، بدءًا من كبار رجال القضاء والسياسيين والقادة، إلى تلامذة المدارس الثانوية وحتى الإعدادية، إلى العمال والحرفيين وبعض الفلاحين والمزارعين. وكم كان بودِّي — ولا يزال هذا قصدي — أن أُهدي تلك الرسائل إلى قادة الأحزاب السياسية، وبالذات إلى مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام والجامعات؛ لأنها بمثابة كشف بالأشعة على الوجدان والعقل المصريَّيْن، وأخذ فكرة مهمة عن محتوياته ومكوناته؛ تلك التي لا يُتاح لنا رؤيتها في معظم الأحيان. ولندع الموضوع جانبًا، فسنأتي له حالًا، ونتعرف أوَّلًا على شكل تلك الخطابات؛ فقد لاحظت ارتقاءً غريبًا في أسلوب الحوار، سواء معي أو ضدي، ومنطقًا هادئًا في أحيان، مشتعل الجذوة في أحيانٍ أخرى، ولكن دائمًا هناك «منطق» ما وأساس حوار، وهذا شيء مفرح حقًّا؛ فقد كانت المعارضة للرأي تتخذ شكل السباب والاتهامات في معظم الأحيان، أمَّا هذه المرة فشيء غريب ألَّا أجدَ خطابَ سبابٍ واحدًا، ليس هذا فقط، بل إن الجميع، حتى مَن يعارضون، يفترضون حسن النية في الكاتب وصدقه في الإيمان بما يقول، وأقصى تأنيب يَرِد هو دعوة الله سبحانه «لهدايته».

نحن فعلًا — مهما نقدنا أنفسنا — شعب متحضر حقًّا؛ ولهذا فإني أعتقد أن كل الدعاوى الداعية إلى التطرف دعاوى تُزرَع أو تُستزرَع في أرض مصر، ولكنها دائمًا وأبدًا تبقى بلا جذور؛ فإن طبيعة شعبنا تكره من أعماق قلبها التعصب الأعمى الْمَقِيت، فما بالك بالعنف المتعصب أو التعصب العنيف! إنها موجات، تثور أحيانًا ربما لأسباب لا علاقة لها البتة بالقضية أو العقيدة أو الدين، ولكن سرعان ما يئوب الشعب أو طائفته إلى الحكمة وتَغْلِب عليه طبيعتُه المتحضرة؛ ليس عبثًا إذن أننا أقدم أو من أقدم الشعوب الموجودة على سطح الأرض. والقِدَم هنا هو العراقة البشرية وتراكم الخبرات والمعارف والثقافات؛ بحيث تترسب طبقات التحضر بعضها فوق بعض، وتؤدي في النهاية إلى إنساننا اليوم. ذلك الإنسان الذي ما ذهبْتَ إلى بلد أوروبي أو غير أوروبي وسألتَ الشخص أو الأشخاص الذين زاروا مصر عن أحسن ما أعجبهم فيها، ولدهشتي كنتُ لا أسمع كلمة الأهرام أو أبي الهول أو المتحف أو أسوان الجميلة، ولكن الإجماع على أن الشعب المصري ودماثة طبعه وحلو معشره ورغبته المستمرة في محاولة مساعدة الغير، والشهامة في معاملة الغريب؛ الإجماع على أن الشعب المصري هو أجمل ما في مصر. وحتى حين حاولت مرة أن أختبر حماس كاتب سويسري زار القاهرة ومكث فيها شهرًا، وقلت له: إن النظافة في القاهرة سيئة كما لا بُدَّ أن لاحظت. أجابني إجابة غريبة قائلًا: إن القذارة في القاهرة موجودة في الشارع والحارة، ولكن الشوارع هنا (يقصد سويسرا) نظيفة جِدًّا كما ترى، في حين أن القذارة موجودة داخل العقول، أمَّا شعبكم فعقوله من الداخل أنظف بكثير من أية سويسرا.

وأستطيع أن أقسم تلك الخطابات تقسيمًا رئيسيًّا وأقول: إن ستين في المائة منها تَصوَّر أني ضد تطبيق الشرع الإلهي، وأخذ يسوق حُججه «لإقناعي» على هذا الأساس، بالتفصيل والتحديد، وأحيانًا في خطابات من خمسين صفحة.

أمَّا الذي دهشتُ له حقًّا فهو أن هناك نسبة كبيرة جِدًّا فهمت تمامًا ما أعنيه، وأيَّدتني فيما ذهبتُ إليه، وراحتْ بدورها تسوق حُججها للدولة على رأيها، وكأن كلًّا منهم يكتب مقالة أو يتصور أن خطابه سيُنشَر! وكم كان بودي أن أفعل مع هؤلاء وهؤلاء، ولكن العملية مستحيلة تمامًا، فالكم هائل والاستحالة مؤكدة. أجل أدهشني أن عددًا كبيرًا جِدًّا من الناس أَفرجَ هذا الحوار — والذي دار بين الأستاذ خالد محمد خالد وبيني — قد أفرجَ عن آرائهم التي كانوا يحبسونها إمَّا خوفًا وإمَّا تردُّدًا ولا مبالاة، وإمَّا عدم إدراك لخطورة المشكلة وأبعادها. هؤلاء أسعدهم كسر هذا «التابو» أو الْمُحَرَّم الذي كان يَحُول بين الإنسان وبين مناقشة — مجرد مناقشة — قضية تتعلق، ليس فقط بمجتمع الحاضر وحياته، بل به هو شخصيًّا وبعائلته وأولاده ومستقبل بلادنا القادم كله. كيف يمكن لقضية كهذه أن توضع موضع التحريم بحيث يُعتبر أي متصدٍّ لها كافرًا أو ملحدًا أو زنديقًا، وكأن بعض الناس قد أقاموا من أنفسهم أوصياء على المصريين يفكرون لهم ويُشَرِّعون ويفرضون الرأي بالقوة أو بالكثرة، غير عابئين مُطلَقًا بأن هناك مواطنين آخرين، مخلصين مثلهم تمامًا، ومؤمنين مثلهم تمامًا، ولهم نفس الحق في قول الرأي أو مناقشة الرأي إذا قيل، بل مناقشة حق هؤلاء الناس في «فرض» الرأي، واتهام مَن يعارضه بالخروج من جنة الدين وسماحة الإسلام.

وبالمناسبة أقول: إن هذا التطرف في فرض الوصاية والتعصب على المسلمين يقابله في الناحية الأخرى تعصُّب من بعض المتطرفين الأقباط. وهذا وإن بدا طبيعيًّا إلا أنه في النهاية لا يقلُّ سوءًا عن التطرف في الناحية الإسلامية.

•••

أمَّا الذي لفت نظري حقًّا فهو أن معظم الخطابات التي شابها التشنُّج والعصبية جاءت من بعض المصريين الذين يعملون في دولة بترولية عربية، وبعض مواطني تلك الدولة. وهذا شيء في نظري لا غرابة فيه بالمرة؛ فإن الطريقة التي يُطبَّق بها الإسلام، ويُنادَى بتطبيقه في تلك الدولة، طريقةٌ متشنجة متعصبة، لا تأخذ من الإسلام سوى قشرته الظاهرية من لباس أو قناع، وتترك روحه ورسالته الإنسانية الحضارية الكبرى جانبًا؛ لأن الإسلام لو طُبِّق تطبيقًا حقيقيًّا سليمًا لتَقوَّضتْ أنظمةٌ كثيرة ترفع راية القشرة الإسلامية وتتجاهل عن عمد جوهره العظيم.

ومن «أمثلة» تلك الخطابات عددٌ منها يُسائِلني باستنكار كبير: كيف أجادل في تطبيق شريعة الله وأنادي بتطبيق تلك القوانين الوضعية التي يضعها البشر؟

وهذا هو لب الموضوع، فإن أحدًا لا ينادي أبدًا بعدم تطبيق الشريعة الإلهية الإسلامية؛ إنه يكون مجنونًا لو فعل؛ فالشرائع السماوية كلها — وعلى رأسها الإسلام — فوق أنها أمرُ الله سبحانه وتعالى إلا أنها لم تأتِ إلا لتقيم العدل بين البشر؛ العدل السياسي بمبدأ الشورى، والعدل الاقتصادي بمبدأ الزكاة، والعدل الاجتماعي بالمساواة التامة بين البشر. مَن هو المجنون الذي يعترض على شريعة الله، مَعاذ الله؟! إنما المشكلة أيها الإخوان العاملون هناك أن الشريعة حقًّا وصدقًا شريعةُ الله، ولكن مَن يطبق تلك الشريعة؟! مرة أخرى أتساءل: مَنْ سيُطبِّق أو يُطبِّق تلك الشريعة؟ أليسوا هم البشر؟ أليس هم أناس مثلي ومثلك حتى لو كانوا من فطاحل الفقهاء؟ إذن الشريعة شريعة الله، ولكن التطبيق يبقى دائمًا وأبدًا من صنع البشر ومن أفعالهم ومن آرائهم؛ وبهذا لا يكون للمطبِّق نفس قداسة الشريعة؛ فالشريعة سماوية والمطبِّق بشر، عُرْضة لأخطاء البشر وأهواء البشر.

ودعونا نأخذ مثلًا طازجًا وأخيرًا: الأستاذ الكبير خالد محمد خالد، وهو مَنْ هو؛ ممن لا نشك لحظة في صدق دعواه واجتهاداته، يقول: إن تطبيق الشريعة لا بُدَّ أن يحتوي على أن تكون الأمة مصدر السلطات، وأن المسلمين يختارون ممثِّليهم وحاكمَهم بالانتخاب الحر المباشر، وأن الحقوق الديمقراطية الكاملة مشروعة وواجبة للمواطن المسلم وغير المسلم؛ مثل حق إبداء الرأي وحرية العقيدة إلى آخِر ما يغطي ما يُسَمَّى بالحقوق الديمقراطية للمواطنين كافة في العالم المتحضر الآن. ويجيء شيخنا الكبير الأستاذ عمر التلمساني ليعطي تفسيرًا مختلفًا تمامًا لتطبيق الشريعة باعتبار أن فكرة الديمقراطية نفسها فكرة غير إسلامية، وله مقال في جريدة الشعب حول هذا الموضوع، لا يتناقض فقط مع آراء الأستاذ خالد محمد خالد، ولكنه يكاد يعارضها تمامًا جُملةً وتفصيلًا. ثُمَّ تقرأ للأستاذ الدكتور عمر عبد الرحمن كتابًا يقول شيئًا ثالثًا مختلفًا تمامًا مع الأستاذين الجليلين.

وعِماد هذا القول أن الأمة ليست مصدر السلطات، ولكن الله سبحانه وتعالى هو مصدر السلطات؛ بمعنى أن القرآن الكريم هو مصدر السلطات، ولكن الدكتور عمر لم يخبرنا عمَّنْ سيفسر لنا ما ورد في القرآن الكريم من أحكام. حتى لو كان هو المفسر، أليس هو بشرًا؟ أليس هو مواطنًا مصريًّا؟ أليس هو واحدًا من شعب كبير له نفس الحق أن يختار مَن يحكمه وأن يُلزِم الحاكم بالشورى ويحاسبه؟ أم أن الحاكم سيكتسب — في رأي الدكتور عبد الرحمن — سلطات إلهية بحيث لا يمكن محاسبته؛ وهو الأمر الذي لم يزعمه أبدًا خلفاء النبي الذين قالوا، وهم أحِبَّاء النبي وأصدقاؤه، والأعمدة التي قام عليها الإسلام نفسه: إن رأيتم فينا اعوجاجًا فقَوِّمونا. إذن هم لم يأتوا باسم حق إلهي أن يحكموا المسلمين، وإنما جاءوا نتيجة ترشيح من الأمة أو من أمير المؤمنين الأسبق، ولم يصبحوا خلفاء وأمراء للمؤمنين إلا ببيعة (أو انتخاب حر مباشر) قام بها كل مسلم في المدينة آنذاك.

من هذا الاختلاف ترَوْن أيها الإخوة أن القضية ليست شريعة الله؛ فهذا أمر لا خلاف عليه، إنما القضية الحقيقية هي التفسير البشري والتطبيق البشري لتلك الشريعة السمحاء، واختلاف البشر لأنهم بشر، ولكونهم بشرًا في اجتهاداتهم لتطبيق تلك الشريعة.

وهذا هو عين ما تساءلت عنه في مقالي الأول للأستاذ خالد محمد خالد: شريعةُ مَنْ نُطَبِّقها؟ لم يكن تساؤلًا حول المبدأ الإلهي الذي لا نقاش فيه، وإنما عن الاجتهادات والأهواء البشرية في تطبيق تلك الشريعة؛ فجعفر نُميري «طَبَّق» الشريعة وأرغم السودانيين — أو بعضهم على الأقل — بأن يبايعوه «إمامًا» لمسلمي السودان مدى الحياة. وفَرِح كثيرٌ من الدعاة المصريين أن نميري قد هداه الله وطبَّقَ شريعته، ولكن تقويض حكم نميري لم يوقفه هذا التمسُّح والتسَرْبُل بالدِّين؛ ذلك أن الدين ليس تُكَأَة للطُّغاة الحاكمين يَتستَّرون وراءه، ويَعِيثُون بعدَ هذا في الأرض فسادًا. الدين، العقيدة هو أسمى ما يفعله الناس بحياتهم، ولا يمكن أن يكون وسيلةَ طاغٍ أو ديكتاتور.

في سياحتي تلك داخلَ عُقولِ كثيرٍ من القُرَّاء أدركتُ واكتشفتُ أنَّ ثَمَّة غَسْلَ مُخٍّ خطيرًا قد حَدث ويحدث للإنسان المصري والعربي، وأن هذا الغَسل قد قام به بعض الدعاة الذين تربعوا على عرش وسائل الإعلام. ورغم استنكارهم للحضارة الغربية ومساوئها فإن نفس وسائل تلك الحضارة، وعلى رأسها التليفزيون، هي التي اتخذوها وسيلةً لغَسل مُخ المواطنين الطيبين البسطاء الذين يعبدون الله عن حب وليس عن رهبة، وعن رغبة في طاعته وليس خوفًا من داعية أو تنظيم.

إن التليفزيون في عصرنا الحاضر قد أصبح هو صانع عقل المواطن وتفكيره؛ فالخطابات التي جاءتني كان معظمها يردِّد كالبَبَّغاء ما أُلقيَ في عقله من مفهومات من خلال التليفزيون. والمشكلة هي أن تليفزيوننا مثله مثل بقية التليفزيونات العربية لا يتيح الفرصة للرأي الآخر، أو حتى للمناقشة أو حتى الاستفسار؛ إنه يجعل الناسَ تجلس هكذا كالمسلوبة العقل والإرادة تستمع لِمَا يُلْقَى عليها ويُحفَّظ لها (بتشديد الفاء) وكأنهم أطفال في كُتَّاب. وهكذا يتعوَّد عقل المواطن على أن يستقبل فقط، ويُردِّد فقط، ويكُفَّ عن التفكير تمامًا؛ انتظارًا للداعية أن يفكر له وأن يعطيَه الأوامر. إنها مأساة حقيقية صَنعتْها وسائل الإعلام والنقود المُنصَبَّة على الألسنةِ والأقلام، والهدفُ في النهاية؛ أقولها لكم وأهتف بها: تقويضُ مصر؛ مصر الإيمان، ومصر العقل، مصر العلم، ومصر الثقافة؛ ليتيح لهذه الدولة أو تلك أن تحتل مكانتها في قيادة العالم العربي والإسلامي. ولكن، عبثًا ما يحاولون؛ فالزَّبَد سيَذْهب جُفَاءً وما ينفع الناسَ سيَبْقَى — إن شاء الله — في الأرض؛ أرض مصر العامرة، يا تابعي وزارات الإعلام في بعض الدول التي تهبُّ رياحها الشرقية تحمل لنا التخلف والجمود، وتريد أن ترجع بنا القَهْقَرَى؛ عَسانا نتأخر وتتقدم هي. فانتبه إلى ما يُراد بنا، وللأسف، على أيدي بعض المصريين. مرةً أخرى أكتفي بالإشارة هنا؛ فالمسألة قد زادت على حَدِّها، وتدخُّل تلك الدولة للعبث بالإيمان المسلم المصري والعقل المصري قد زاد على حَدِّه، ولا بُدَّ معه من وقفة صريحة واضحة نضع فيها النقَط فوق الحروف، ونُخرج النقود من الجيوب ونتفحصها لنعرف في أي بلد صُكَّت.

إننا مسلمون أبًا عن جد؛ مسلمون بالميلاد، ومسلمون بالاختيار، ولا نريد العبث بإيماننا هذا، ونرفض هذا العبث ونُدينه، والمسألة في حاجةٍ إلى صرامة مطلقة نعالج بها هذا الخطر القادم من الشرق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠