عَمَّان – دمشق – القاهرة

لنقفز قفزة واسعة جِدًّا، من أقصى الشرق الآسيوي البعيد في اليابان والفلبين وتايلاند والهند، إلى أقصى الغرب من آسيا، إلى مشرقنا العربي التليد؛ فقد جدَّت مسائل تستحق أن أقطع من أجلها الكتابة عن رحلة اليابان، لأعود لها مرة أخرى، مسائل ليس أقلها أني حضرت خلال أسبوع واحد مهرجانين مسرحيين، أولهما عالمي فوقع في سماء العالم كله، والآخر محلي عربي.

كنت في الأسبوع قبل الماضي مدعوًّا لافتتاح الموسم الثقافي لنادي خريجات الجامعة في عَمَّان وإلقاء محاضرة، اخترتُ لها اسمًا «نكون أو لا نكون». والحقيقة أني أحسست خلال الأسبوع الذي قضيته في عَمَّان بمدى الجناية التي جنتها السياسة على الثقافة، ففي عَمَّان قابلتُ نخبة من الكتاب والشعراء والمثقفات والمثقفين، يتابعون الحركة الثقافية المصرية والعربية بشكل عام متابعة منتبهة واعية دقيقة. وكذلك الحال في كل عاصمة عربية زرتُها في بغداد والكويت والإمارات والسعودية. العلاقات الثقافية العربية هي التي تربط أمتنا العربية برِباط لم تنفصم عُراه بعد، بينما العلاقات السياسية هي التي تمزقه وتهدم كل ما تحاول الكباري الثقافية أن تبنيه. وصحيح في أعقاب المقاطعة السياسية التي قوطعت بها القاهرة تقريبًا من كل الدول العربية، بدأ بعض الكتاب المراهقين هنا وهناك بقولهم إن الكتابة المصرية قد انتهت، وإن فلانًا أصبح صهيونيًّا، وفلانًا من مؤيدي كامب ديفيد، وفلانًا قد كف عن العطاء، يقولون هذا كخطوة حتمية قبل إعلان أنهم قد استقلوا ثقافيًّا، وأصبحوا ليس فقط يناطحون القاهرة ولكنهم يتفوقون عليها. وكنت أقرأ بعض هذا وأبتسم في رثاء، نفس ابتسامتي لبعض ما كنت أقرؤه لكُتَّاب — أو المفروض أنهم كُتَّاب — مصريين هنا، ينظرون بتعالٍ شديد، مع أنهم أقزام، إلى كل ما يحدث خارج القاهرة من نشاط ثقافي أو فني.

أجل، في الوقت الذي عُزلت فيه القاهرة تمامًا عن أمتها العربية، وسقطت الحركة الثقافية الرسمية في القاهرة خلال السبعينيات — وربما إلى الآن — في أيدي الموظفين وأرباع الموهوبين الذين يعيشون على محاولاتهم اللحوحة لضرب مراكز الثقافة الجادة وإزجاء النفاق للسلطة في نفس الوقت، حتى يضربوا وهم آمنون ألَّا تمتدَّ إليهم يدٌ أو قلم، بالمعنى الحقيقي والمجازي للكلمة. في هذ الوقت اشتعل الحماس في كل العواصم العربية الأخرى للاستقلال تمامًا عن ثقافة القاهرة. وصحيح أن معظم هذا الحماس كان أجوف، ولكنه استطاع أن يفرز عددًا لا بأس به البتة من المواهب الخلاقة حقًّا في كافة أرجاء الوطن العربي. إنه الجانب الحسن في مأساة القطيعة.

ولكن السبعينيات ما كادت تمضي ويجيء عهد مصر الجديدة في أوائل الثمانينيات، بعد رحيل أنور السادات، حتى بدأت الأصوات الضفدعية هنا وهناك تهجع، وبدأ الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الليل يتضح. ونظر الجميع فإذا القاهرة لا تزال هناك، لم ينتهِ فيها أحد ذو شأن ولم يذهب إلى إسرائيل إلا كل مَن يستحق الذهاب إلى إسرائيل. وأبدًا لم تمت القاهرة، ولن تموت. أيضًا في ذهابنا نحن إلى العواصم العربية لمحنا أن ثمة نهضةً عظيمة في السبعينيات قد حدثتْ، وأن وجوهًا مشرقة للثقافة العربية قد ظهرت، أو أُزِيح عنها الغمام.

ورغم أن المسائل السياسية لا تزال حَيْصَ بَيْص، إلا أننا ثقافيًّا على الأقل بدأنا نعود نتعانق إخوة، فينا الكبير والصغير، ولكنَّا إخوة، تحامسنا، وتشاتمنا، ولكن شتائمنا والحمد لله من نوع سحابات الصيف لا يعقبها أبدًا تحريكُ طابور دبابات — كشتائم السياسيين — ولا سَحْب المسدسات والضرب في المليان، كما يحدث في أحيان.

هكذا كان لقائي بإخواننا كتَّابِ ومثقفي وصحفيِّي وتليفزيونيِّي الأردن.

•••

وكنتُ قد قرأتُ أوائل المسرحية وأنا في القاهرة قبل ذهابي إلى عَمَّان؛ مسرحية منذر هنداوي ومسز تاتشر والموساد. ولا أقول مسرحية كنوع من التريقة، إنما هي حقيقة مسرحية، أنا متأكد أنهم لجئوا إلى كاتب مسرح ليؤلفها، وإلى ضابط مسرحي من الموساد ليُخرِجها.

زمان، كان عمل المخابرات التجسس على ما حدث أو ما يحدث. الموساد، باعتبارها طليعة وضليعة في أعمال التخابر، بدأت لا تكتفي بهذا، وإنما بدأت تأخذ خطوة أكثر تقدُّمية و«تضع» هي الأحداث وتلفِّقها. طبعًا لم تأتِ تلك الخطوة من فراغ، لقد تدرَّبت عليها التنظيمات الإرهابية الإسرائيلية منذ عصر أرجون تسفاي ليومي وشركاها، من أيام فضيحة لافون حين أرسلت شابين يهوديين للقيام بنسف بعض المنشآت الأمريكية في مصر؛ لإحداث أزمة شديدة في العلاقات المصرية الأمريكية آنذاك.

هذه المرة ظللتُ — ككاتب مسرحي — أتأمَّل كيف ألَّفت الموساد هذه القصة بطريقة تبدو محبوكة أو كالمحبوكة تمامًا؛ شاب من أصل عربي ضائع في لندن تُعَرِّفُهُ «الظروف» بفتاة يهودية، ويصاحبها لعدة شهور؛ فتحمل منه، وهنا يوسوس له «شخص» بأنه يستطيع أن يكسب كذا ألف دولار إذا هو أرسل صاحبته الحامل تلك إلى القدس على طائرة العال، ووضع لها في حقيبتها قنبلة زمنية، وكيف أكسب؟ إن السوريين مستعدون أن يدفعوا إذا تقدَّمت إليهم بتلك القصة التي لا يتسلل إليها أي شك.

وهكذا يذهب الشاب لوداع الفتاة بنفسه عند شركة خطوط العال في مطار لندن، والفتاة، تعرف أو لا تعرف هذا، غير مهم، المهم أن الحقيبة دون بقية الحقائب هي التي تؤخذ إلى الداخل، وتُفتَّش أو تُوضَع فيها القنبلة سِيَّان.

المهم أنهم يتركون الشاب ولا يقبضون عليه في المطار، وإنما يتركونه حتى يذهب إلى السفارة السورية ليثبتوا هذا؛ فالشاب بذاته ليس مطلوبًا ولا يساوي عندهم أو عندنا شيئًا، المطلوب جرُّ رِجْل سوريا لكي تبدو أمام العالم إرهابيةً مقبوضًا عليها والدم على يدها ساخن، كما يقولون بالإنجليزية.

وأيضًا لم يكن المطلوب سوريا وحدَها، فبعد دمغ ليبيا بالإرهاب وضربها بالقنابل، ثُمَّ تراجُع الاتهامات الأمريكية عنها — وهذا شيء مضحك تمامًا — جاء الدور على سوريا.

والمشكلة التي لا نعرفها نحن كمصريين أو كعرب، أن المسألة ليست ليبيا أو سوريا، المسألة هي العرب، ونحن المصريين شئنا أم أَبَيْنا عرب في نظر العالم كله، بل نحن نِصْف الأمة العربية بأسرها. تلك هي المسرحية التي ألَّفتها الموساد ومَثَّلها فتًى عربي ضائع وفتاة يهودية خرجتْ من الرواية حاملًا، ورُزقت بمولود حقيقي وليس من شدة الحبكة مسرحيًّا أبدًا، وأنتجتها وأخذت تسوِّقها المرأة التي ليست حديدية إلا بمقدار ما يقف الرئيس ريغان يحتضنها ويصنع لها ظهرًا.

ولأن هناك في هذا الكون إلهًا عادلًا، ولأننا — نحن العربَ — نُضْرَب من أعدائنا ضرب غرائب الإبل، ولأننا كلنا عندهم أولاد «…» عرب، سواء مِنَّا المعتدل أو المتطرف، الرافض أو القابل، أو العلاقات الخاصة بأمريكا أو بالسوفيت، فنحن كلنا نتلقى الضرب بطريقة أو بأخرى، من الباخرة أكيلي لاورو أو خطف الطائرة المصرية، أو من تلك المسرحية الفاشلة مع سوريا، أو تزويد إيران بالسلاح عن طريق إسرائيل لضرب العراق.

ضرب، ضرب، ضرب. ضرب تحت الحزام وفوق الحزام، سرًّا وعلى الملأ، مِن رَفْع سعر الفائدة إلى الصواريخ فوق بغداد، من تسليط «أمل» على المقاومة إلى تحريض المقاومة — بضرب معسكراتها — على «أمل»، الضرب نازل فينا كلنا، ونحن مخدَّرون أو نِيام.

•••

مسرحية هنداوي-تاتشر-موساد، كانت مسرحية فاشلة، بدلًا من أن يبكي الناس على مأساتها، ضحكوا، ولم يصدق معظم العالم إلا أنها من نوع مسرح البوليفار.

ولأن ألمانيا الغربية لم تصدِّق، ولم تنضم لتاتشر في اتهاماتها، فقد كان لا بُدَّ أن تكتشف المخابرات الألمانية (المخترَقة تمامًا والمتعاونة مع الموساد تعاون الشقيق مع الشقيق) أن اثنين أردنيَّيْنِ هما الآخران قد أخذا نقودًا لكي يضعا قنبلتين في طائرتين من طائرات العال بتحريض من سوريا، وتكرار الكذبة قد يدفع في النهاية للتصديق. ولكنها على أية حال نوع جديد من نشاط المخابرات؛ ذلك النشاط المسرحي المكثف، وربما مشكلة المخابرات العربية أنها لا تستعمل خيالها المسرحي أبدًا، وتكتفي بالتخابر على الغلابة من مواطنيها، وكان الله يحب المحسنين.

وما دمت لم أستمتع بمسرحية مسز تاتشر ولا بالعرض القادم في ألمانيا «كول»، فقد قررتُ أن ألبي الدعوة التي وجهتْها لي الدكتورة نجاح العطار وزيرة الثقافة في سوريا والأستاذ أسعد فضة مدير مهرجان دمشق المسرحي. وقد كنتُ في عَمَّان على مَرْمَى حَجَر من دمشق.

حتى عقلي يموج بمشاعرَ مختلفة، وأنا في الطائرة التي ستأخذ أربعين دقيقة فقط للذهاب إلى دمشق. أنا لم أزر دمشق منذ عام ١٩٧٢م، مع أني كنت متعودًا أن أزورها هي وبيروت كل عام مرة قبل هذا. الآن ضاعت؛ علينا على الأقل نحن زوارَها، بيروت، ولم يبقَ من الشام الكبير غير دمشق، فكيف هي دمشق الآن، وماذا جرى لنا ولها؟

•••

الحقيقة لا أستطيع أن أصف بالتفصيل كل ما حدث، فمن لحظة أن وضعتُ قدمي في مطار دمشق وثمة بحر من الحب الخالص قد ابتلعني، وبالكاد وصلت إلى الفندق لأجده يضجُّ بالمصريين المسرحيين الذين جاءوا لأول مرة منذ عام ١٩٧٧م يشاركون في أهم مهرجان مسرحي في الوطن العربي؛ مهرجان دمشق الذي يُقام كلَّ عامين مرة. وجدتهم هم الآخرين سُكارَى بالاستقبال الحار، وما هم بسُكارَى، ولكن هذا الشعب السوري يملك قدرة وطاقة على الحب؛ وحب المصريين بشكل خاص، إلى درجة أن كُلًّا مِنَّا فقد وزنه حقًّا؛ مآدب وحفلات واحتفالات، ترحيب وتكريم حتى من أصحاب المحلات وباعة الملابس. بحر فياض من الحب جعلني أحدِّق في وجه فنانتنا الكبيرة سميحة أيوب بعد عرض مسرحية «الوزير العاشق» لبطلها العملاق عبد الله غيث وشاعرنا الشاب فاروق جيدة وإخراج الفذ فهمي الخولي. حدَّقت في وجهها ولم أصدق نفسي، كانت قد صغرت خمسة عشر عامًا على الأقل، وقلت لها هذا فقالت: ألم ترَ كل ما أحاطوني به، أترى كل هذا الحب، من سنين كثيرة لم أحظَ به وبكل هذا الدفء، حب جعل التزاحم على رؤية العروض المصرية من الشدة بحيث استُدْعِيَتْ قوات «حامية دمشق» لتنظيم الدخول إلى المسرح. في غمار هذا الحب المتدفق العظيم وُلِد أحسن حدث؛ فقد أُعلن قيام اتحاد الفنانين العرب، ووقعتْ على الإعلان أربع عشرة دولة عربية، واختيرت القاهرة من كل هذه الوفود، وبعضها لا يزال يقاطع القاهرة سياسيًّا وتمثيلًا دبلوماسيًّا، اختيرت القاهرة مقرًّا للاتحاد. والحقيقة أن الصديق الكبير سعد الدين وهبة رئيس اتحاد الفنانين المصريين قد لعب دورًا عظيمًا، ليس فقط في قيام اتحاد الفنانين العرب، ولكن أيضًا اختيار القاهرة عاصمة له. ومن أجل هذا قابله الرئيس حافظ الأسد، ولولا أن دمشق كانت هي الأخرى تريد أن ترسل مكتوب حب للقاهرة لَمَا كان هذا الاختيار، ولما كان الرئيس الأسد قد قابلني أنا الآخر ومنحني من وقته الكثير، ولما كان قد اختص بلقائه الكُتَّاب والفنانين المصريين وحدَهم. والحقيقة أنني من فَرْط ما رأيتُ من علامات عشق طال كَبْتُه تصورت أن أكثر شعبين من الشعوب العربية يحبان بعضهما البعض هما السوريون والمصريون. وقد دفعنا هذا الحب للزواج ذات مرة، زواجًا لم يَدُم كثيرًا؛ فعند أول خناقة زوجية حكمت محكمة قهرية ظالمة على الحبيبين بالفراق الأبدي، ولكن الحب الكبير لا يزال هناك.

ما أبأسها من محكمة! وما أباسها من ظروف سياسية فرَّقتنا! ورحم الله من كان ومن كانوا السبب.

•••

حسنٌ جِدًّا.

إن قيام اتحاد الفنانين العرب بداية لأن ندرك أن الروابط الثقافية العربية لا يصح أن تنقطع لأي سبب من الأسباب وتحت أي ظروف سياسية عابرة.

فإذا كان السياسيون العرب قد فشلوا في توحيد كلمتهم، ألا يمنحوننا — نحن الكُتَّابَ والمثقفين والفنانين — فرصة للالتفاف حول كلمة ثقافية فنية واحدة.

إن الثقافة والكتابة والفن هي أهم إنتاج عربي على الأقل.

وهي بطبيعتها مجمِّعة لا تفرِّق، متآلفة لا تشتبك، واشتباكاتها إذا حدثت محمودة؛ فهي تكون من أجل مزيد من التجمع والتبلور والاتفاق.

والثقافة المصرية بالذات، ومنذ السبعينيات، قد وصلت على أيدي المسئولين عنها والأجهزة التي تقوم عليها إلى مستويات من الإهمال والإجرام والخنق إلى درجة أن يبدو الأمر وكأنها مؤامرة على أهم إبداعاتنا وصادراتنا قاطبةً؛ الأدب والسينما والمسرح والتلفزيون.

وقد شاهدت بعيني في عَمَّان وبغداد ودمشق وتونس والمغرب والكويت والإمارات والسعودية واليمن، وحتى البلاد التي فيها قتال كلبنان؛ فالفِرَق اللبنانية تتقاتل ولكن الثقافة اللبنانية واحدة متحدة، وكعادتها خلَّاقة واعية. شاهدت بعيني كيف أن الثقافة ممكن أن تجمعنا وتجعلنا نُجمع على كلمتنا.

وإذا تجمعنا ثقافيًّا فمن الممكن — بعد هذا وليس قبله أبدًا — أن نتجمع اقتصاديًّا، ثُمَّ ليس مهمًّا بعد هذا أن نتجمع أو نتفرق سياسيًّا؛ فالشعوب ليس مسئولة عن السياسات التي تحكمها، والتي تختلف باسمها أو تتفق، إنما الشعوب هي التي تفرز الثقافة المتفقة وتقوم بالاقتصاد المتفق.

•••

نكون أو لا نكون.

كان هذا عنوان محاضرتي.

والإجابة التي عُدتُ بها: إذا لم نقُم ثقافيًّا أوَّلًا فلن نكون؛ فالثقافة هي روحنا والسياسة هي أجسادنا، فإن تنافرت الأجساد فلا كيان لنا إلا بلقاء الأرواح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠