خطاب من كاتب نجدي

بدوي بكل ما تحمل الكلمة من إيجابية وأَنَفة وتواضع وكرم وكبرياء … في السبعين، ولكنه سَمْهَرِيُّ القوام، وكأنه عُود من أعواد الْخَيْزُران الجبلية التي لم ينَلِ الزمن مِن استقامتها واعتدالها.

في الأسبوع الذي قضيتُه في المملكة العربية السعودية مدعوًّا لحضور مهرجان الثقافة والتراث الذي أقامه الحرس الوطني، كان هذا الرجل، الشيخ عبد العزيز التويجري الكاتب السعودي المشهور، ونائب قائد الحرس الوطني الأمير عبد الله عبد العزيز، هو العقل المدبر للمهرجان وللفكرة. ورغم أن دهشتي للدعوة كانت كبيرة؛ إذ تساءلتُ ما علاقة الحرس الوطني بالثقافة والفنون والتراث. وكان حب استطلاعي هو دافعي الأكبر للزيارة لأرى هذا الجهاز المسئول عن الأمن الداخلي كيف وأي ثقافة يتبنى؟ وسألت الشيخ التويجري المسئول فأجابني على البديهة قائلًا: إن الحرس الوطني إن لم ينبع من جذور تراثية يفخر بها لا يمكن أن يكون هو الأمين على البلاد بتراثها وثقافتها وكل ما وصلت إليه.

والحقيقة أني منذ قابلت الرجل، بهرني بشخصيته، الحياة العائلية التي يحياها، وكيف أقام لأولاده جميعًا منازل مجاورة تمامًا لبيته، بل إن العائلة التويجرية كلها تقطن متلاصقة الجدران مكونة ما يشبه العائلة الواحدة التي لا بُدَّ أن يجتمع أفرادها كلَّ يوم مرة على الأقل.

وحين دعانا، نحن وفودَ الدول العربية المشتركة في المهرجان، حوالي سبعين كاتبًا من الكويت ومصر وسورية والعراق واليمن ولبنان والسودان، تقريبًا كل بلاد الشرق العربي، هذا فوق الكُتَّاب السعوديين المساهمين، حين دعنا للعشاء حسبت أن الذين يقدمون لنا الطعام ويعزمون علينا به هم بعض حاشيته، فإذا بي أكتشف أنهم كلهم أبناؤه. لم تُتَح لنا فرصة الاجتماع به طويلًا؛ فمشاغله — والمهرجان — كانت تستحوذ على القدر الأكبر من وقته، ولكنه في كل اجتماع كان على السليقة هكذا يحدثنا بحديث، وكأنه كتبه في عقله سلفًا، حديثًا جادًّا عذبًا مليئًا بالحكمة وتجرِبة الحياة في مُرِّها وحُلْوها.

ولكن أعذب حديثه كان عن «نَجْد»، وكنت لأول مرة أزور «نَجْد» التي تقع في الرياض، عاصمة البلاد في قلبها، ولم نجد إنسانًا يعتز بموطنه وأصله مثلما وجدت الشيخ التويجري يعتز بنَجْدِيَّته وبداوته.

إلى أن كان ذات يوم ودعانا — نحن الوفدَ المصري — إلى بيته في جلسة خاصة، وفي حديقة منزله جلسنا ودار حديثنا معظم الوقت عن المتنبي الذي يعشقه الشيخ إلى درجة أن كتب عنه كتابًا ضخمًا اسمه: رسائل إلى المتنبي. وقال لنا إنه مع المتنبي في كل بيت قاله ولم يختلف معه إلا في أمر واحد هي قصيدته المشهورة في هجاء كافور الإخشيدي.

وحين سألناه لماذا، قال: لأنه في تلك القصيدة لم يَكْتفِ بهجاء كافور، ولكنه سب الشعب المصري سبابًا مفزعًا، وتلك كانت غلطة قاتلة، وأخذ يكيل المديح لهذا الشعب الذي عاش بينه ولمسه عن قُرب، ووجده أبعد ما يكون عن الألفاظ التي سبَّه بها المتنبي.

وسأله سائلٌ مِنَّا، وكنا كامل الزهيري ورجاء النقاش قد أُخِذنا بحديث الرجل، عن أية مؤلفات أخرى له، قال: عندي كتاب اسمه: «رسائل إلى ولدي». وطلبناه منه؛ فأمر ابنه، وكان واقفًا طوال الوقت لم يجلس أبدًا، مع أن الجلسة استغرقتْ ساعات لم يجلس أبدًا حتى يكون تحت أمر أبيه في أي أمر يطلبه، وبيني وبين نفسي سعدتُ بهذه الظاهرة سعادة لا يعرفها إلا من يعيش في مصر، وله أولاد في مثل سن ابنه «في العشرينيات» ولا يرى ابنه إلا في المناسبات، وإذا طَلب منه مطلبًا اعتذر بما يَعِنُّ له من أعذار.

طلب من ابنه أن يُحضِر سبعة كتب، وكُنَّا سبعة، من كتاب «رسائل إلى ولدي»، وجاءت الكتب، واختار الأخ عدنان، الذي يعمل في اليونسكو كمندوب لمنطقة الخليج، وأخذ يُملي عليه إهداءاته لنا.

وحسبتُ أن إهداءاته لن تخرج عن الإهداءات التقليدية التي تُذَيَّل بها كتبنا: إلى الأخ فلان مع خالص الود والتحية. وإذا به يُملي على عدنان لكل مِنَّا إهداء يستغرق صفحة، ويُعتبَر مقالة قصيدة أو قصيدة مقال، ويقولها هكذا على البديهة دون أن يبذل أي جهد في استخراج معنًى أو تعبير، وكأنه يغترف مباشرة من مياه الأرض العميقة.

سبعة إهداءات مختلفة، هكذا على السليقة، وبديهة حاضرة؛ حيث إنه كان إذا رَنَّ التليفون وقطع عليه إملاءه وانتهى من المحادثة، يعود للإملاء عند الكلمة التي توقف عندها.

معجزة بدوية حقيقية فسَّرتْ لي كثيرًا من أمور الشخصية العربية، والنجدية بشكل خاص؛ فأهل نجد شديدو الاعتزاز بأنفسهم، وحتى الإسلام العظيم لم يقبلوه إلا بعد صُراخ مخيف، اضْطُرَّ معه أمير المؤمنين أن يرسل لهم جيشًا بقيادة خالد بن الوليد يُخضعهم ويُعيدهم إلى حظيرة الإسلام.

وقد ذكر لي الشيخ عبد العزيز أن جيشين فقط هما اللذان نجحا في الوصول إلى نجد؛ جيش خالد بن الوليد رضي الله عنه، وجيش إبراهيم باشا حين عجزت الدولة العثمانية عن إخضاع الوهَّابيين؛ فأرسل لهم محمد علي باشا والي مصر جيشًا بقيادة ابنه طوسون، فشل في الوصول، ثُمَّ جيشًا ثانيًا، ثُمَّ أخيرًا جيش إبراهيم باشا الذي نجح في الوصول إلى نجد ودمر الدِّرْعة، التي كانت تعتبر العاصمة في ذلك الوقت. ولهذا فطوال التاريخ بقيت نجد بعيدة عن أي مستعمر أو غاصب، تحيا في منطقة من أوعر مناطق الجزيرة العربية، ومصرَّة على الحياة فيها والاستمساك بها.

•••

وكنتُ قد أهديتُ الشيخ عبد العزيز التويجري كتابي «فقر الفكر وفكر الفقر»، ولقد أعدَتني طريقته فأهديتُه إهداءً مُطوَّلًا تحدثتُ فيه عن تجرِبتي في العمرة، والنور الذي ملأ قلبي وأنا أصلي في الروضة الشريفة وأطوف بالكعبة، وحتى وأنا أسعى بين الصفا والمروة.

وفوجئتُ أمس بخطاب من الشيخ عبد العزيز موجَّه لي، ولكني حين قرأتُه وجدتُ أن من العبث أن أحتفظ بالخطاب لنفسي، ولا بُدَّ أن أُشرك معي قرائي. والآن إلى الخطاب، فلي بعده تعليق:

عزيزي الأخ الدكتور يوسف إدريس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

لا أدري كيف الطريق إليك في هذه الرسالة؛ فقصتك مع الحياة والطريق الذي مشيتَ عليه لا أعرف هل خُطاها خُطًى مستريحة أم مُثْقلة بهموم الحياة وعناء الطريق. وما لم أعرفه أتجاوزه ولا أخوض في مياهه، فما عودت قدميَّ خوض المياه التي لا أعرف من أين أتت وإلى أين هي ذاهبة، فيوم قابلتك قبل أيام في قلب الصحراء، وسمعتُ منك، ولاحظت عليك ملامح الحيرة والتساؤلات التي تُبعثرها هذه الحيرة على طريق الزمن الطويل، أخذني حب الاستطلاع إلى المحاولة المخلِصة في أن أتحسس نظرتك إلى الحياة؛ فهي التي — ولا شك — لها الدور معك ومع سواك من البشر. وقد تبينتُ أن بينك وبين قمر السماء وشمس الضحى ضبابًا كثيفًا، ولأنه ضباب ولم يكن غيومًا لا تحمل مياهًا أشعر أن نسمة تهب من داخلك فيها ريح الصَّبا تبدد هذا الضباب وينقشع، فإذا الحقيقة أمامك ناصعة لا غيوم عليها. وقد لمست هذا في الإهداء الذي صدر عنك لي وأنت في زيارتك لمسجد الرسول والكعبة المشرفة، رأيتك في كلمات مؤثِّرة تقول لي: لقد رأيتُ الحقيقة وأحسستها أمانًا في داخلي.

إذًا، ليت الإنسان لا تأخذه فيما يتصور أنه متناقضات في هذا العالم الداخلي منه والخارجي حيرةٌ والطُّرق مُعَبَّدة. علامات الطريق والهداية عليها واقفة مع الشموس والمجرات العظمى في هذا الكون الذي لا حدود له، تتقاصر دون أبعاده خُطى السرعة الصوتية، بل أهم من ذلك كله علامات الطريق في نفسه، في عقله وذهنه، في حركة الذات التي لا تهدأ لحظة واحدة. فمن تأمل الحركة الدءوب داخل نفسه ووجدانه وعقله يشعر أنه قد حمل المسئولية العظمى في هذه الحياة لحكمة قد لا يدركها كل الإدراك، ويكتشفها عقل الإنسان الذي أتصور أن له مملكة خاصة في هذا الكون وأسراره منحه الله إياها، هذه المنحة هي التي يسير فيها عقل الإنسان ويتحرك باكتشافاته وعلومه ومادياته، وإذا حاول أن يتجاوزها إلى ما لم يكن من حقه خارت قواه وصدمه العجز، وهنا يقع التناقض والامتحان للإنسان، فمن قال: لا شيء ألا تتصور أنه تجاوز قدره وعاب نفسه؟ فكل مُيَسَّر لما خُلِق له.

عزيزي الدكتور

لأنك فيما كتبتَه لي أكدتَ أن لقاءاتنا أعطتْك قناعات مشرقة في نفسك، وأن لهذه الزيارة تأثيرًا نفسيًّا وروحيًّا وعاطفيًّا تجاه الإسلام. ولا شك أن رجلًا مثقفًا مثلك لا يعصب عين عقله وذهنه ووجدانه عن التطلع إلى الحقيقة في آفاق واسعة من العبر والنظام الكوني والبشري الذي لا صُدفة فيه لخطأ أو خلل. لا أقول هذا تلقينًا أخذتُه من إمام مسجدي أو شيخي في حلقة الدرس؛ فقد وُلِدْتُ في صحراء معزولة عن العالم، لم نَدْر ما هو، ولا نحس بوجود عالم أوسع من عالم الصحراء، فلا مذاهب ونظريات ولا فلسفات ولا مدارس ولا علوم، مطايانا جمل أو حصان أو أقدام حافية. مرت بنا الحياة في هذه الصحراء في ظروف متباينة حتى وصلتْ بنا إلى أيامنا هذه، وحين تحطمت السدود في هذا العالم، وأصبح الإنسان يسمع همسات منادية في أقصى الأرض في أسرع من لمح البصر، وتزاحمت بالمناكب علينا نظرياتُ العالم الرأسمالي والمادي، إلى ما هنالك من نظريات وفلسفات أعطت لنفسها صورة قليلًا ما مشت خطوة أو خطوات في الطريق المزدحم، في هذه الحالة يرى الإنسان أنه لا أحد مسئول عنه ولا حامل مساوئه أو واهب له حسناته غير نفسه. وعلى مدرج الحياة الطويل حاولتُ شخصيًّا أن أُطلق لخيالي ولذهني ولتصوراتي جناحًا من الأمل في ألا يسقط أو ينكسر في أثناء الطريق فينكسر لانكساره إيماني، وأضيع في متاهاتٍ ركبها غيري؛ فأنزلته في منازل لا خيمة تظلله ولا علامة تهديه، ضياع في ضياع، وخُضت مياه الآخرين بما فيها من نجاسة وطهارة، بما فيها من مياه آسنة وأخرى عذبة، فإذا المادة لا تصمت ولا تسند العقل عن الدوار؛ إذ كانت المادة والماديون فقاعات على سطح الماء، واللآلئ في أعماقها. نعم ما ركبت خيالي ووجداني وعقلي دون أن أمنحهم الحرية المطلقة في البحث عن الحقيقة حتى لو تجاوزت مواريثي الخاصة وتجاوزت وصايا الآباء والأجداد البسطاء وحكاياتهم؛ ذلك أني لا أريد أن أكون إمَّعَة، أمَّا ماذا عُدت به من هذه الرحلة التي لا تقل عن عشرين عامًا وراء كل منادٍ وعلى أي طريق، فقد عُدت بما عاد به أحمد أمين — رحمه الله — حين قال لابنه: «آمِنْ ولَوْ أَلْحَدَ الناس، ووَثِّقْ صِلَتَكَ باللهِ وإنْ قَطَعها الناس.»

قد لا يرى الإنسان اليوم القدوة الصالحة في هذا العصر لعظمة الرسالة الإنسانية في عدلها ومساواتها في الحقوق والواجبات، فلا كسروية فيها ولا قيصرية، ولكنها الرحمة المهداة.

عزيزي

لعلك تعرف أنني بدوي، لم أدخل مدرسة، فلا تطالبني بما يُطالَب به الفقيه أو الكاتب أو المفكر، لكنني وبعد أن أتحتَ لي فرصة الحوار معك على جادَّة الحق، آمل من الله أن يوفقَك في آخر العمر إلى التحول المطلق نحو حرث أرضك الذاتية، وتنظيفها من كل نَبْتة طُفَيْلية عليها، وغرس أشجار الهداية الإنسانية فيها، وإذا قابلك على الطريق حَجَر عَثْرَة فحاولْ أن تَسْلَم مِن أذاه، وتتجاوز الطريق في رضًى وسماحة وتسامح. لا يأخذك الغضب على أحد؛ فالميزان العادل بيد الله، فإذا حكم عليك إنسان بحكم خاطئ دع الله يحاسبه، حاول أن ترد السيئة بالحسنة.

عزيزي

ألا يمكن أن نرُدَّ كل ما يعانيه إنسان هذا العصر من عذاب وألم وفقر ونزيف دماء وتجاوزات على القيم والمثل العليا سببه أن مِنبر الفُضَيْل بن عِيَاض والشيخ الجليل ابن الجوزي نزل عنه الواعظ التقِيُّ؛ فصارتْ قَفْرًا مُوحِشًا ذاتية الإنسان؟ لا أقول هذا متشائمًا أبدًا، ففي الأرض ولا شك أتقياء وصالحون، ولكنهم لا يستطيعون أن يحتلوا منابر الوعظ في حرية الخليفة الأول والخليفة الثاني التي قالت: إذا رأيتُمْ فيَّ اعوِجاجًا فقَوِّمُوني …

طبعًا هناك في علو الزمن للإسلام وللمسلمين شموس وأقمار، هم من يضيئون لنا الطريق بذكراهم كلما أظلمت الدنيا أمامَنا، فللإنسان الحائر عندهم الخلاص من حيرته. أقول هذا وكلي رعب حتى من نفسي. ألفاظ تقطر على القلم ثُمَّ على الأوراق، فإذا تجمَّعتْ وصارت إلى جمل مقروءة وراجعتُها في نفسي، وأردْتُ أن أقرأها كما أقرؤها على الورق تكورتْ على بعضها بعضًا حتى لا أقبض على شيء. وهنا يلحق السؤال والتساؤل فيما بين السريرة والعلانية من نسب، فلا ينسب هذه لتلك، وهنا فجيعة المتسائل الذي لا يأتيه جواب.

وختامًا تقبل تحياتي.

أخوكم

هذا كما نردف خطاب كاتب لم يدخل مدرسة، وعلَّم نفسه بنفسه، ووصل إلى تلك المرتبة العليا في القدرة على التعبير. هذا كاتب ابن البادية حقًّا، حين تقرؤه تحس أن هؤلاء العرب لم يقوِّضوا أعظم إمبراطوريتين في التاريخ القديم عبثًا، إنما بهذه القوة والصلابة والذكاء، وقد فجرها الإيمان بالدين الحنيف فعلوا هذا العلو.

أمَّا عن تساؤلاته الخاص بي، وعن إيماني، فإني أعتذر له؛ لأني لن أجيب، فأنا أعتبر أن إيمان الإنسان شيء مقدس، وسر إلهي لا يجوز البوح به؛ لأن في البوح به إهدارًا لقداسة السر. إني أفضِّل أن أعبد الله في صمت وبلا جَعْجَعة ولا إعلان، فإذا كان الإسلام الحنيف دينًا عامًّا للمسلمين قاطبة، بل للبشر أجمعين، فإن العلاقة بيني وبين الله سبحانه علاقة من العمق والاتصال بحيث أعتبر أن إخراجها وعرضها على الملأ — كما يفعل البعض — نوع من التفاخر، بل أكاد أقول الاتِّجار بالدين.

•••

شكرًا أيها الأخ على خطابك، وليت الحديث بيننا لا ينقطع، فمع مثلك ومن مثلك يتعلم المرءُ أضعافَ أضعاف ما يقرؤه في الكتب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠