لماذا لم يفعلوا هذا؟

بعض الناس فَهِم خطأ أن الكُتَّاب وهم يكتبون عن مؤتمر القمة الإسلامي، ويحللون ويَرْجُون ويبتهلون إلى الملوك والرؤساء والقادة العرب أن يصنعوا شيئًا من أجل هذا الوضع الإسلامي العربي المتهرئ والمتهاوي، بعض الناس فهم أننا نبني آمالًا كبارًا جِدًّا على ما سوف يدور في أرض الكويت الحبيبة، ولعلي كنت واحدًا ممن علق الآمال على هذا اللقاء، ولكني كنت متأكدًا تمامًا أنه لن يسفر عن أشياء كثيرة؛ لن يغير، بعصا ساحر، في بعض ساعات وبضعة لقاءات واقعًا رهيبًا تجمدت طبقاته واحدة إثر الأخرى حتى صنع ما يشبه الهضبة الصخرية التي يحتاج زوالها إلى جُهد جادٍّ ومستمر ودائب؛ من أجل تفتيت تلك الصخور المتكلسة، والوصول إلى الحد الأدنى من الأوضاع المعقولة أو شبه المعقولة لهذا الواقع الإسلامي العربي.

نعم، لقد التقى الرؤساء والملوك وتزاوروا، وألقَوْا خُطَبهم الحافلة بالأماني الطيبة والحماس الزائد، وصدرت التصريحات من هنا وهناك تبشر بتقدم أكيد، وتحقق آمالًا كبارًا.

ثُمَّ انقسم المؤتمر كالعادة إلى لجان، ودارت الحوارات والاجتهادات، تحت المعانقات الإسلامية العربية المشهورة، ثُمَّ انفض المولد، وآب كل رئيس أو ملك إلى بلده، وآب كل حال إلى حاله، واستأنفنا من جديد حالتنا الإسلامية العربية المعتادة.

ومن كان يتوقع أكثر من هذا لا بُدَّ أنه كان يعيش حالة أحلام يقظة وحالة جري وراء الأماني!

ولكن هناك بالتأكيد أشياء إيجابية وقعت وحدثت، وهناك بالفعل تغيرات جرت، فأن يمضي الملوك والرؤساء قدمًا، وأن يتم عقد المؤتمر رغم التهديدات والتلميحات والعقبات، على أرض الكويت الشقيقة، ودون أن يحدث والحمد لله حادث، أو يُجَن مجنون ويرتكب جريمة؛ هذا في حد ذاته نجاح، وأي نجاح.

أجلْ، مجرد أن يلتقي ٤٤ رئيسًا وملكًا إسلاميًّا كان قد أصبح أمرًا يكاد حدوثه يقترب من منطقة المعجزات.

ثُمَّ أن يجتمع هذا العدد الكبير، ويجمع على حتمية وضرورة إنهاء الحرب العراقية الإيرانية وإيقاف حرب المخيمات، وأن يقف صفًّا واحدًا إلى جوار العديد من الأهداف الأقل ضخامة وأهمية؛ فالحال كانت قد وصلت بنا إلى الحد الذي فقدنا فيه الأمل في كل شيء، وهذا في حد ذاته أعتبره شخصيًّا نجاحًا وأي نجاح، بعد أن كُنَّا قد وصلنا إلى استحالة اتخاذ أية خطوة.

ولكن مثل تلك الخطوات التي ذكرتُها، حدثتْ وجرتْ، والتقى حسين مع عرفات بالمصادفة، و«بالمصادفة» التقى مبارك مع الأسد، ولم يحدث أن قام القذافي وأدان المؤتمر والمؤتمِرين جميعًا.

أمَّا كون أن تدور بعض المهاترات والاتهامات، وأن تظل سوريا تُصر على موقفها الرافض لمصر والكامبديفيدية، فهذا أيضًا شيء كان متوقعًا، وكان لا بُدَّ أن يحدث؛ فالسياسات وإن كُنَّا لم نعد نفاجأ أن تتغير في عالمنا العربي والإسلامي بين يوم وليلة، وبزاوية قدرها ١٨٠ درجة، إلا أن المرض الذي استفحل لمدة عشرة أعوام لا يمكن أن يشفى في بضع ساعات أو بضعة أيام، والعداء الذي استحكم سنين لا يمكن أن يحل محله الوئام والحب، في تبادل بعض السلامات والقبلات.

كل هذه المعارك الجانبية كانت أشياء طبيعية ومتوقعة، وحدوثها لا يُعَد في رأيي كارثة، كبرت أو صغرت، إنما كان أمرًا تحتمه طبيعة الأمور، خاصة إذا تعلق الأمر بتنفيذ المقررات وتحويل الأماني الطيبات والأحلام إلى واقع عملي ملموس.

فصحيح أننا كمسلمين وكعرب أجمعنا، ولا نزال نُجمِع، على ضرورة إنهاء الحرب العراقية الإيرانية.

بل حتى وصلنا في تواضع أمانينا إلى ضرورة وأهمية أن يحضر رئيس الدولة الإيرانية أو مسئولوها الكبار مؤتمرًا يُعقَد لقمة وزعماء وحكام المسلمين في العالم. أليس الإيرانيون مسلمين أو على الأقل يزعمون هذا؟ إن هذا المؤتمر قد جمع المختلفين حول الحرب في لبنان وتشاد وأماكن أخرى كثيرة من العالم الإسلامي فلماذا لا تحضره إيران المختلفة إلى حد القتال مع العراق؟

أم أن الخلافات والتنافرات بين المسلمين على اختلاف مِلَلهم ونِحَلهم شيء والخلاف بين إيران وبقية البلاد الإسلامية شيء آخر مختلف تمامًا، وكأنه الخلاف بين الكفرة والمؤمنين أو بين عَبَدة الله سبحانه وتعالى وعَبَدة الشيطان؟

الغريب في الأمر أن أحدًا لم يتعرض لهذه النقطة في الاجتماعات العلنية، وربما أيضًا في الاجتماعات المغلقة، وكأن عدم حضور إيران وموقفها هذا مسألة طبيعية تمامًا لا تُثير استنكارًا أو غضب أحد، وكأن المجتمعين يقررون أيضًا أن الخلاف الإيراني — الإسلامي — العربي خلاف ذو طبيعة خاصة ووحيد في ذاته.

وكنت عند هذه النقطة بالذات أرقب — مثل غيري من ملايين المسلمين — ماذا سيفعل المؤتمر قبل الحرب الإيرانية العراقية؟

ومن الواضح بعد اجتماع المؤتمر وانفضاضه، أن شيئًا جديدًا لم يحدث وأن خطوة واحدة إلى الأمام لم تتم.

وهذا في رأيي هو الشيء غير الطبيعي؛ الشيء الذي يجعل أي إنسان محدود الفهم يعتقد أن كل هؤلاء الملوك والرؤساء أعجز من أن يقوموا بعمل تجاه إيران، أو أن إيران وحدَها أقوى في موقفها وفي قدراتها من كل الدول الإسلامية مجتمعة.

وهذا في رأي الحقيقة والواقع شيء ليس صحيحًا بالمرة؛ فليس صحيحًا أن قوة إيران تعادل قوة مسلمي الأرض وقادتهم وحكامهم مجتمعين، وليس كل هؤلاء الحكام والقادة عاجزين عن القيام تمامًا بأي عمل ضد إيران أو من أجل إحلال السلام.

ولقد كنت أتصور أن يكون هذا هو الشغل الشاغل لكل المجتمِعين في الكويت، ولقد كنت أتصور أنهم لا بُدَّ أن يصلوا بتبادل آرائهم وإصرارهم إلى قرارٍ ما أو عملٍ ما يوقِف هذه الحرب، أو على الأقل يوقف إطلاق النار وإهدار دماء الشباب المسلم على الجانبين، ولو إلى حين يصبح من الممكن أن تصل النفوس إلى حدٍّ أدنى من الحل وطريقة للسلام.

•••

كنت أنتظر هذا …

وكأني كنت أحد هؤلاء المجتمعين.

فصحيح أننا كلنا لم نجتمع أو نشترك في هذا المؤتمر،

ولكن هذا المؤتمر كان — في جوانب كثيرة منه — يُعَد ممثِّلًا ومفكرًا باسم كل المسلمين، باسم كل المواطنين في أي دولة من دول الإسلام؛ ولهذا فإني أطرح هذا الافتراض، وأفكر ويغلي صدري بالغيظ لأن أحدًا لم يفكر فيه أو يتصوره.

فقد تصورت أن الدول الإسلامية، خمس وأربعون دولة، منها أربع وأربعون دولة في ناحية ودولة واحدة في ناحية أخرى، ودولة واقفة كابن نوح الذي قال له أبوه: يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ. الكافرين المستورِدين لأسلحة إسرائيل وأمريكا لإبادة شعب مسلم مجاور.

كان طبيعيًّا إذن ألَّا يقتصرَ عمل تلك الدول الأربع والأربعين على اتخاذ مجرد قرار أو توصية أو استنكار.

كان مفروضًا أن يحدث شيء حاسم آخر.

لماذا — والوضع هكذا — لم يأخذ هؤلاء الملوك والرؤساء والحكام الأربعة والأربعون طائراتهم ووسائل تنقلاتهم الفاخرة ويذهبوا جميعًا إلى طهران؟

فالذي يريد أن يفض «خناقة» — مجرد خناقة ولا أقول حربًا — لا يكتفي بمجرد الجلوس حول اجتماعات أو مشاورات بعيدًا عن الحدث وعن ساحة الشر، ويكتفي بإرسال الأماني تلو الأماني والمناشدات تلو المناشدات.

كان مفروضًا أن يذهبوا جميعًا إلى طهران على مرأًى ومَسمَع من العالم كله، بإسلامه وبغير إسلامه، ويقولوا للحاكمين هناك لقد جئنا لنُوقِف نزيف دم المسلمين.

فماذا أنتم فاعلون بنا؟

لا أعتقد أن حكام إيران كانوا في هذه الحالة سيصُفُّون الملوك والرؤساء الأربعة والأربعين بجوار حائط أو يربطونهم على أعمدة كهرباء وينفذون فيهم حكم الإعدام.

ولن يجرءوا حتى على اعتقالهم أو حبسهم أو المساس بشعرة واحدة بهم.

كان — هؤلاء الحكام الإيرانيون — سيواجهون موقفًا عمليًّا واقعيًّا حاسمًا؛ إمَّا أن يكشفهم أمام جموع المسلمين وأمام الجنس البشري كله كراغبين في إهدار الدماء من أجل إهدار الدماء، وإمَّا سيكتشفون أن المسألة ليست كما يزعمون هي تحرير للقدس مارِّين ببغداد، وأن المشكلة ليست في إقامة صدام حسين أو تغيير نظام الحكم في العراق، وإنما سوف تتكشف المشكلة عن أن إيران تريد أن تبتلع أرض العراق العربية نفسها وبلاد الخليج العربي الإسلامية نفسها، وأن الأمر ليس نزاعًا عمَّن بدأ الحرب أو عمَّن هو مسئول عن إشعالها، وإنما الأمر أمر أُناس يريدون الحرب من أجل الحرب وإهدار دماء العراقيين والإيرانيين من أجل إهدار تلك الدماء نفسها، ومن أجل الاستيلاء على أرض المهدرة دماؤهم.

سوف يتكشف للعالم أجمع أن عداء حكام إيران للعراق وللعرب ليس عداءً بين مسلمين ومسلمين، وإنما هو عداء أعداء المسلمين للمسلمين، مثله مثل عداء الصهيونية للعرب وللمسلمين وللعالم الثالث كله.

•••

أمَّا إذا لم يحدث هذا،

وإذا قوبل هذا الوفد الذي يجمع كل حكام ورؤساء المسلمين بما يليق به من مكانة وترحيب،

وتولى الحكام الإيرانيون عرض قضيتهم أو قضية حقهم أمام هذه المحكمة الإسلامية العليا ورَضُوا بحكمها؛

فإن الملوك والرؤساء المسلمين سيكونون حينئذٍ قد قاموا بأبسط ما يمليه واجبهم كحكام مسئولين عن أمة الإسلام، قاموا بواجبهم وقاموا «بفعل» إسلامي حقيقي. صحيح يحمل في ثناياه بعض الخطورة، ولكنه يحمل أيضًا — وهذا هو المهم — الطريقة الوحيدة لإيقاف هذه الحرب الضَّرُوس التي يستنكرها العالم أجمع بمسلميه ومسيحييه ويهوده وحتى بوثنييه.

لو كان المجتمِعون في الكويت قاموا بعملٍ كهذا؛

إذن لشهدنا بمثل هذا العمل حقبة إسلامية عربية جديدة.

إذن لبدأنا نضع أقدامنا على أول الطريق لحل مشاكلنا المكدسة بين عربنا وعربنا ومسلمينا ومسلمينا وعربنا ومسلمينا.

•••

ولكن شيئًا من هذا لم يحدث.

ولأن شيئًا من هذا لم يحدث،

فقد كان لا بُدَّ أن يحدث النقيض،

وأن يخرج المسلمون والعرب من المؤتمر وهم — في الظاهر — أقل خلافًا وأكثر اتفاقًا، ولكنهم في الحقيقة أكثر خلافًا وأبعد شيء عن الاتفاق حول شيء … أي شيء.

•••

شكرًا للكويت الشقيقة التي نجحت في إقامة مؤتمر ما كان أحد يتصور أنه سيقوم أو سيكون.

شكرًا للملوك والرؤساء العرب الذين لبوا الدعوة للاجتماع أو احتملوا ساعات من الجدل وتحملوا نوبات كثيرة من سوء الهضم والحموضة نتيجة المآدب الحافلة التي التهموا طعامها وشرابها.

شكرًا للرؤساء الذين قابلوا الرؤساء، والملوك الذين قابلوا الملوك، والرؤساء الذين التقَوْا مصادفة أو التقَوْا عن عمد.

شكرًا لهم جميعًا، فقد أثبتوا لنا بما لا يدع أي مجال للشك أنهم قادرون أن يجتمعوا إذا أرادوا.

وقادرون أن يتفقوا إذا حسُنَت نياتهم، ولكنهم، وهذه هي الكارثة الحقيقية، قد أثبتوا لنا أيضًا وبما لا يدع مجالًا لأي شك أنهم حتى لو فعلوا واستطاعوا كل هذا فهم غير قادرين على اتخاذ قرار جريء واحد، يُنهي مشكلة، ولو مشكلة واحدة من مشاكل المسلمين والعرب السلفية.

فالمشاكل لا تُحَل بالبيانات تُتلى في الاجتماعات، ولا بالقرارات تعقبها القرارات،

ولا بالدار البيضاء مقررات تعقبها قمة الكويت بقرارات،

إنما المشاكل تُحَل بعمل و«بإجراء وبقدرة على الفعل» و«الحركة» و«التطبيق»،

وليس بأي شيء آخر سواها تُحَل المشاكل أو تُوقَف الحروب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠