الموهبة

عشرات الأسئلة التي طالما حيرتني، ساعات التأملات الطويلة والقراءات والمناقشات والاستفسارات عن كُنه ذلك الشيء المجهول الغامض الذي اسمه «الموهبة»، وجدتها تتفجر أمامي على الشاشة الصغيرة وأنا أرى فيلم «أماديوس».

فلتة من فلتات موهبة الكتابة والإخراج السينمائي جسدتْ موهبة الموسيقار؛ فالفيلم يتناول مقطعًا في متحف الموسيقار «وولفجانج» أماديوس من موتسارت أو كما يسميه الفرنسيون موزار. بدايات التدفق والوصول إلى القمة، ثُمَّ الموت المدبر من موسيقار معاصر له وكان يشغل وظيفة كبير موسيقيي البلاط النمساوي الشهير.

الفيلم كان يرويه هذا المنافس نصف الموهوب، ويعترف فيه أنه هو الذي كان وراء موت موزار في قمة شبابه وتألقه، يعترف بعد أن مات موزار باثنتين وثلاثين سنة، يعترف وهو مودَع في مستشفى للأمراض العقلية وقد جننه ما فعله بموزار، وجننه أكثر شحوب موهبته هو بجوار موهبة موزار الساطعة. إن هذا الموسيقار الفاشل «سيريللي» كان من أشهر موسيقيي عصره؛ مما دفع به إلى أن يعهد له إمبراطور النمسا بأن يكون رئيسًا للموسيقى الملكية في البلاط، بمعنى أنه لم يكن مغمورًا ولا فاشلًا، ولكنه كان عارفًا بأسرار الموسيقى في عمقها ورفعتها.

وهكذا حين قدم موزار إلى البلاط ليعمل ضمن موسيقييه، بهرته موهبة هذا الشاب إلى درجة كادت تعصف بعقله. وترينا القصة (التي كانت لا تزال مسرحية عظيمة لكاتب بريطاني معاصر) اللقاء الأول بين العبقري الطفلي الملامح والضحكات، الذي لا يحس بما يتدفق من قريحته من ألحان، وبين سيريللي منذ أن كان في الخامسة من عمره؛ إذ كان أبوه قد تولى رعايته موسيقيًّا حتى نظم أول قطعة موسيقية له وهو في الخامسة من عمره، وألف أول سيمفونية وهو في الثامنة، وغطت شهرته العواصم الأوروبية حتى استقدمه بابا روما وجعله أحد موسيقيي حاشيته. والآن سمع به البلاط النمساوي؛ جاء إلى فيينا عاصمة الموسيقى في العالم من ذلك الوقت، جاء تسبقه الضجة والشهرة وكلمة «الطفل المعجزة» الذي كان قد كبر وأصبح في العشرينات من عمره. كان سيريللي كما قلت قد قرر أن «يحتوي» هذا القادم الجديد ويُخضعه لنفوذه؛ ليبقى هو يحتل منصبه الرفيع؛ ولهذا جهز له «مارش» ألفه خصيصًا ليُعزَف أمام الإمبراطور ترحيبًا بموزار.

وطفلًا، صاخبًا، ضاحكًا، غير مقيم وزنًا للبروتوكلات ولا لمناصب، دخل موزار، وحيا الإمبراطور الذي قام بنفسه بعزف المارش أمام موزار، وحين انتهى سأله الإمبراطور: ما رأيك؟ فأجاب: جميل جِدًّا، وحينئذٍ سأله الإمبراطور: أتستطيع عزفه؟ قال: بالتأكيد، فقال الإمبراطور: إذن، خذ نسخة العزف واعزفه، فقال موزار: لا حاجة بي لنسخة العزف؛ فقد حفظتُه، هو موجود هنا الآن في رأسي.

وجلس موزار إلى البيانو ليعزف مارش سيريللي، نفس اللحن ولكن، أي فرق، إذا به وهو يعزف يقول للإمبراطور، لسيريللي: ولكني أعتقد أننا لو رفعنا هذا المقام قليلًا وجعلنا «الماجور» «مينور»، ومستمرًّا في العزف نطق اللحن بما لم يكن فيه، وقال سيريللي لنفسه: أحسست وكأن اللحن قادم لتوه من السماء، وأن الله هو الذي يعزف من خلال ذلك الشاب.

وهنا يبدأ الصراع؛ موهبة لا تعرف قدرها، تطلق الموسيقى كما تتنفس وتتنفس موسيقى، وبين البيروقراطية الموسيقية المحيطة بالإمبراطور، وعلى رأسها سيريللي.

سيحطم موزار فن قواعد الأوبرا فيُدخل الرقص؛ ويعترض البيروقراطية ويكادون ينجحون في إيقاف العرض لولا أن الإمبراطور رآه وتحمس له. يلحِّن «زواج فيجارو»؛ وهي مسرحية فرنسية كانت الأرستقراطية في كل أوروبا تنظر لها باشمئزاز باعتبار أن بطلها «حلاق» وليس أميرًا أو ملكًا، وتقول عنها إن لها معاني سياسية، وتُعرض أوبرا زواج فيجارو في فينسيا بنجاح ساحق، وطوال الوقت يتساءل سيريللي عن موهبة هذا الإنسان، من أين جاءت، إنه يحب الموسيقى أكثر منه، يتذوقها بعمق، ويعرف عن يقين ما يفعله هذا «المجنون» الذي لا يعرف ما يفعله، ويناجي الله قائلًا: كيف تعطي الموهبة له هو الذي لا يعبدك وتحرمني أنا منها الذي أعبدك وأومن بك. ويكفر بالله الذي حرمه الموهبة. ولكن موزار ماضٍ صاعد كالنجم الصاعق؛ فيبدأ يتدخل في حياته الشخصية، ويدس عليه خادمة تأتيه بأخباره، وتجعله يزور بيته خلسة، ويكشف أسرار أوبراته الممثلة للبلاط، ويضع المصاعب تلو المصاعب أمامه، ويفعل هذا كله وهو يعشق موسيقاه كما لا يعشقها أحد.

وأنا أشاهد تلك الأجزاء تذكرتُ كلمة قالها برنارد شو مرة: إن الناس العاديين لا يرعبهم وجودهم في حضرة إنسان ذكي؛ فهم متصورون أنهم بكثرة العمل والجد ممكن أن يعوضوا الذكاء، ولا يرعبهم أن يوجدوا في حضرة رجل غني؛ فكل إنسان يقول لنفسه إني أستطيع يومًا أن يكون غنيًّا، أمَّا الذي يرعبهم حقًّا فهو وجودهم في حضرة إنسان موهوب؛ ذلك أن الموهبة لا تُخلَق ولا تُكتسَب ولا تأتي بالجد والاجتهاد والعمل الشاق، إنها نفحة من عند الله، إمَّا أن تكون أو لا تكون، فإذا كانت فإنك لا تستطيع قهرها إلا بأن تقتل صاحبها، وهذا بالضبط ما فعله سيريللي بخبث شديد أيضًا. ولقد أعجبتني «التيمة» التي أثارها مؤلف المسرحية ليقتل بها موزار إعجابًا شديدًا؛ فقد تُوفِّيَ والد موزار بعد أن وجده قد استغنى عنه، وتزوج ولم يعد بحاجة إلى رعايته. وحزن موزار على والده حزنًا جعله يترنح، وهو يترنح كان سيريللي يرسل له بقنينات النبيذ الفاسدة يجرعها وتقتله ببطء ثقيل، ولكنه لكي يجهز عليه أرسل له رسولًا متنكرًا (ربما هو سيريللي نفسه) طلب منه لحنًا جنائزيًّا لشخص هام ووعده بأن يجزل له العطاء.

فانهمك موزار في العمل في اللحن الجنائزي، وكلما انهمك فيه وغاص كان يغوص أعمق وأعمق في فكرة الموت، وكأن الموت أصبح أباه الذي يناديه من القبر أو كأن أباه أصبح الموت يناديه، والإنسان لا يموت في شبابه هكذا إلا وقد استبدت به فكرة الموت حتى أصبحت أحب إليه من فكرة الحياة. وبانتهاء اللحن الجنائزي، كان موزار قد عشقه لدرجة أن مات بعد نهايته. قصة غريبة، ولكنها من كثرة ما رأيت في أوساطنا الأدبية والعربية لا أجدها غريبة أبدًا؛ فالحقد على صاحب الموهبة من أنصاف الموهوبين وأرباعهم حقد له لفح الجحيم وطعم العلقم، وهو شيء ليس موجودًا فقط في بلادنا العربية ولكنه موجود منذ أن وُجِد الفن والفنانون.

كل ما في الأمر أن عبقرية الكاتب المسرحي الإنجليزي بيتر شيفر استطاعت أن تلتقط هذه «التيمة» وتجسدها عملًا فنيًّا معجزًا لا غرابة أن حاز الجائزة الأولى في أكبر مهرجان عالمي أمريكي؛ أربع جوائز أوسكار، إحداها لمخرج الفيلم، مع أنه شيوعي يعيش في تشيكوسلوفاكيا.

ولكن الفن العظيم يهشمه في طريقه إلينا كل تحيز مذهبي أو طائفي، والموهبة العظيمة يقدِّرها حتى أعداؤها المذهبيون، حتى الحاقدون عليها، يتمنَّوْن لها الموت، وأحيانًا ينجحون في قتلها، ولكنهم يقدِّرونها إلى درجة التقديس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠