لا تلطموا الخدود!

كُنَّا مجموعة من الكُتَّاب والمثقفين في جلسة شبه خاصة مع أحد كبار الحُكَّام العرب، وفُوجِئنا بالرجل يقول بعد مقدمات التحايا والترحيب وبوادر طرق الموضوعات، فوجئنا به يقول: الحقيقة إن السياسة العربية وصلت إلى طريق مسدود، ولم يَعُد للسياسيين دور ملموس يستطيعون أن يلعبوه، ولم يَعُد لنا ثمة أملٌ إلا بأن يقوم المثقفون والكُتَّاب العرب، هم وليس غيرهم، بدورهم في توحيد كلمة العرب، وإعادة النبض إلى الجسد العربي الذي كاد يتوقَّف عن النبض.

والحقيقة أن كلامه كان مفاجأة، لكنه لم يكن مفاجأة كاملة، فالحقيقة الواضحة التي تُرَى لكل ذي عينين، وحتى للذي بلا عينين، أنْ لم يَعُدْ دورٌ واضح للسياسة العربية على خريطة السياسة العالمية؛ فهم على خريطة العالم موزَّعون بين الدولتين العظميين، وهم على خريطتهم الخاصة تكاد كل دولة تسلك سياستها الخاصة بها دون أي تنسيق أو تعاون بينها وبين أية دولة أخرى. وإذا كان في الشرق العربي قد تكوَّن مجلس التعاون الخليجي، وهو بالفعل في المجال الاقتصادي والثقافي والصحي واضحُ الدور، وإن كان قد تكوَّن ما يشبه التعاون بين دول المغرب العربي، رغم الخلافات الرهيبة بين ليبيا وتونس والجزائر والمغرب حول البوليزاريو والمغرب وموريتانيا، وإذا كان عزل مصر لم يُضعِف قوةَ التأثير العربية الجماعية فقط، وإنما — وهذا هو الأدهى — قد كوَّن ما يشبه الحائطَ العازل بين الشرق والغرب العربيَّيْن.

وإذا كان هذا كله قد حدث، فماذا يكون قد تبقى من القوة أو الفاعلية العربية، بل حتى داخل الدولة الواحدة، كما في لبنان واليمن الجنوبي والسودان، كما في داخل منظمة التحرير الفلسطينية يوجد هذا التمزُّق والتشرذم والانقسام الذي يمنع قوةَ القرار الواحد والإرادة الواحدة.

للرجل حقٌّ، كل الحق، في قوله إن السياسة العربية، بما فيها وعلى رأسها الجامعة العربية، قد أصبحت غير ذات فاعلية، تكاد تكون تامة.

أمَّا الجزء المضحك الآخر من الحديث، فهو الذي يتعلق بأن يقوم المثقفون العرب بقيادة الأمة العربية سياسيًّا بتوحيد كلمتها، ورأب الصدع بين أطرافها المتنازعة؛ فإنه لَشيء جميل جِدًّا أن يحدث وأن يكون، ولكنَّ المثقفين العرب، على مستوى الوطن العربي، وحتى داخل بلادهم يكاد نفوذهم وقدرتهم تنحصر في كتابة مقالة تذهب مع الريح في الغالب، أو تقديم نصيحة لا يأخذ بها أحد، أو يتقوقع داخل ذاته ويكتب قصة أو رواية يضمنها همومه، وكأن القرَّاء والمشاهدين سيتلقفون تلك القصة أو الرواية أو القصيدة، وتصبح بالنسبة إليهم رايةً يلتفُّ حولها الشعب العربي، وتُجبِر حكوماته على العمل بموجِبها.

ذلك هو الجانب المضحك في الموضوع؛ فالمثقفون في كل مكان من العالم لهم كلمتهم المسموعة والمُدَوِّيَة والمغيِّرة لكثيرٍ من أمور حياة ذلك البلد أو ذاك. أذكر أني كنت في إنجلترا مرة، وشاهدت لقاءً تليفزيونيًّا مع الكاتب الروسي المُنشَقِّ سولجنتسين، وفوجئت في اليوم التالي بنائب حزب العمال البريطاني يستقيل من منصبه في الحزب متأثِّرًا بأقوال سولجنتسين. أمَّا نحن هنا فإذا جئنا بالمتنبي وشكسبير معًا وفرضناهما فرضًا على مشاهدي التليفزيون ومستمعي الإذاعة وقارئي الجرائد، وكتبا ما شاءت لهما قرائحُهما أن يكتبا، ونقدَا الأوضاعَ العربية المتردية ما شاء لهما من نقد، فإني لا أعتقد أن هذا الجهد كله سينتج عنه أن يستقيل سياسي عربي واحد أو حتى موظف إداري من موظفي أي حزب أو دولة … لذلك أسباب كثيرة جِدًّا، أهمها في رأيي أن هناك في عالمنا العربي انفصالًا أو انفصامًا كاملًا بين الفعل والقول، فبينما في الغرب القول نوع فعال جِدًّا من الفعل، وليس أبدًا بديلًا عن فعل، القول عندنا هنا لا علاقة له بالفعل، بل يكاد يكون القول شيئًا والفعل شيئًا آخر؛ والثقافة عندنا بالتالي لا يوجد لها أي أثر سياسي أو اجتماعي، فما سمعنا عن ثورة قامت إثر كتابة رواية أو قصيدة مثلما فعلت قصة «كوخ العم توم» التي أشعلت ثورة الزنوج في أمريكا. وينضم محمود درويش أو أدونيس أو البياتي أو نزار قباني من أعمق أعماقه، ويكتب ما شاء من هوامش على دفاتر النكسة، أو استشارة للحَمِيَّة والحماسة، ولا حياة لمَن ينادون؛ فنحن نأخذ الشِّعرَ على أنه فنُّ القول الجميل، والكتابةَ على أنها حرفةُ صناعةِ القصة أو المسرحية الجيدة، نهتزُّ طربًا للبيت إذا أحببنا البيت، وإذا انتهى الشاعر من قراءة قصيدته ذهب كلٌّ إلى حاله وكأنه لم يسمع شيئًا.

•••

هذا عن وضع المثقفين كمبدعين، أمَّا وضعهم كتنظيمات واتحادات فهو أكثر إثارةً للضحك بكثير، فمؤتمرات الأدب العربي مهازل من النوع الثقيل الدم، ترسل كل حكومة عربية وفدًا يمثِّلها، ولا يفعل هذا الوفد إلا أن يردد كالمنوَّم مِغناطيسيًّا مونولوج حكومته أو نظامه، ثُمَّ تُكتَب التوصيات التي هي هي نفسها منذ حضرتُ أول مؤتمر للأدباء العرب عام ١٩٥٦م، وينفضُّ الجمع وكان الله يحب المحسنين. فكيف بمجموعةٍ هذه حالها، وبأفرادٍ مثقفين تلك هي قدرتهم وفاعليتهم، أن يقوموا نيابةً عن السياسيين بتوحيد العالم العربي وجمع شمل كلمته؟!

بالطبع هذا شيء يبدو كالمستحيل، والمستحيل الآخر أن تستطيع الحكومات العربية بوضعها الحالي أن تفعل شيئًا هي الأخرى؛ فهي في الحقيقة لم تَعُد فاعلًا وإن أصبحتْ مفعولًا بها، والفاعل ليس مجهولًا؛ الفاعل هو الغرب الأوروبي الإسرائيلي الأميركي، والهدف واضح وصريح؛ هو القضاء نهائيًّا على فكرة القومية العربية واجتثاثها من جذورها، وليس فقط على الشعب الفلسطيني أو العراقي.

ذلك أن أخطر فكرة أو دعوة تفتَّقت في العالم العربي بعد الحرب، فكرة القومية العربية التي أصبح عبد الناصر رمزًا لها وتجسيدًا لرسالتها؛ وهي أن تقوم أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج، تتكامل سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، وتصبح الدولةَ الكبرى الثالثة في العالَم. لم تكن أول مرة في التاريخ تنشأ هذه الفكرة؛ فمنذ أيام الحروب الصليبية وقيادة صلاح الدين التاريخية، ومنذ أيام محمد علي ومحاولته التي كادت أن تنجح، والغرب يُضمِر لما يسميه الشرق — ولما أصبح اسمه الحديث الأمة العربية — العداءَ الشديد؛ ذلك أنه يعلم تمام العلم أن أمة بهذا الحكم، وفي هذا الموقع، وبما تملك من ثروات طبيعية وبشرية، ومن طموحات؛ كفيلة بإنهاء نفوذه تمامًا في تلك المنطقة، ليس هذا فقط، بل هي كفيلة أيضًا بالوقوف حائلًا بينه وبين السيطرة على أجزاء كبيرة من آسيا وأفريقيا.

ولذلك كان لا بُدَّ أوَّلًا من اغتيال رمز الفكرة عبد الناصر؛ تبريرًا للهزيمة الساحقة للجيشين المصري والسوري في عام ٦٧، ثُمَّ كان لا بُدَّ من استقطاب بعض الدول العربية من هذه الناحية وبعضها في الناحية الأخرى، مع إشراك القوة العظمى الثانية — الاتحاد السوفياتي — في اللعبة، على شرط أن يقتصر نفوذه على بلاد متباعدة قليلة العدد، قليلة الكادر البشري، على درجات متفاوتة من التخلف. أمَّا البلاد الغنية بالموارد الطبيعية فقد وضعتها الولايات المتحدة تحت إبطها تمامًا، واعتبرتها من محمياتها الإستراتيجية، وأنشأتْ من أجلها قوة انتشار سريع وبطيء، وأسطولًا ضاربًا في البحرين الأبيض والأحمر والمحيط الهندي.

أمَّا العراق فقد كان على إيران أن تتكفل به، وأمَّا سورية فلتنغرز في لبنان إلى النخاع، ولتتشاجر مع الفلسطينيين والأردنيين أو تصطلح فهذا كله سيبعدها عن أن تكون ذات فاعلية فيما يُسَمَّى بالجبهة الشرقية المناوئة لإسرائيل. أمَّا مصر فقد كان لا بُدَّ من استئصالها من الجسد العربي بعملية جراحية قام بها «الصديقان» كيسنجر والسادات، والأدهى أنها لاقت — ولا تزال تلاقي — ترحيبًا من بعض القوى العربية التي تطمح إلى زعامة الأمة العربية والإسلامية بعد زوال مصر.

أمَّا المغرب العربي فقد كان لا بُدَّ من خلق عدة مشاكل تُلهيه، ليس فقط عن العروبة ولكن عن المشرق العربي نفسه، بتشاد والبوليزاريو، والصراعِ الحادِّ الوطيس بين المغرب والجزائر، أو تونس وليبيا، أو بين الجميع. وعلى أي شيء؟ لا أحد يدري! وكأن قطعة من الصحراء تستحق هذا العدد الرهيب من الشهداء المغاربة والجزائريين والبوليزاريين.

•••

هذا على مستوى الدول العربية.

أمَّا على المستوى العقائدي، فقد كان لا بُدَّ من اختلاق دعاوى إسلامية تُبعِد الإسلام عن رسالته الحقيقية في محاربة الكفرة والأعداء «واسمهم الحديث هو الاستعمار والصهيونية» وتحويله إلى طقوس ميكانيكية تُبعِده عن مضمونه الحقيقي؛ أي اختلاق إسلام يحارب الإسلام الحقيقي ورسالته، ويُشَرْذِم المسلمين إلى نِحَل ومِلَل شيعية وسُنِّيَّة وعَلَوِيَّة ودُرْزِيَّة وخُومينية وإخوان مسلمين وجماعات إسلامية، وتكفير وهجرة، وتنظيمات جهاد. وكل منها تعارض الأخرى وتسنُّ الحراب والسكاكين.

أمَّا العروبة فقد كان لا بُدَّ من محوها محوًا تامًّا أو بإظهار الفكرة الإسلامية وكأنها مضادة تمامًا للفكرة الوطنية والقومية والعربية، وبأُذُني سمعتُ — وكنتُ مارًّا أمام نقابة المهندسين في القاهرة يوم الانتخابات — شبابَ المهندسين وهم يهتفون: «لا قومية، ولا وطنية، إسلامية، إسلامية.» وتبدو هذه الدعوات مغرية وجذابة إلى حد لا يقبل النقاش، فالإسلام ديننا الحنيف جميعًا حقيقةٌ لا مراء فيها ولا شك، ولكن لكي تكون مسلمًا حقًّا فلا بُدَّ أن يكون لك اسم وأبوان، وبلدة، ووطن؛ فلا تعارض مطلقًا بين الدفاع عن الوطن والقومية والأهل والعرض وبين أن تكون مسلمًا حقًّا وصدقًا، بل إن الإسلام يدعو لهذا ويكرر في عشرات السور هذا المعنى. ولكن أعداء الإسلام اختلقوا هذه الدعوات اختلاقًا؛ لفكرة خبيثة تمامًا، وهي أن يكون الإسلام مجرد «دين» لا علاقة له بالأرض أو الحدود أو القومية؛ ولهذا فحين تحارب إسرائيلَ فأنت لا تحاربهم لأنهم اغتصبوا أرضًا، ولكن لأنهم غير مسلمين، فإذا اعترفوا بإسلامك وناصروه فالأرض حينئذٍ تصبح غير مهمة ما دام دينك سليمًا مُعافًى، كيف يكون دينك سليمًا معافًى وأنت يحتلك كفرة وأعداء ولصوص؟! ذلك هو الذي لا يجادل فيه هؤلاء الذين يهتفون: «لا قومية، لا وطنية، إسلامية، إسلامية.»

الأوضاع العربية وحتى الإسلامية الحقيقية متردية إذن، ليس بالصدفة، ولا للتشرذم أو الضعف العربي، ولا بسبب القذافي أو الأسد أو عَدَن أو الحرب العراقية الإيرانية؛ إنها متردية بناءً على خطة كبرى مدروسة بعناية، استولى فيها الأمريكان والإسرائيليون على وثائق الخارجية البريطانية ودرسوها جَيِّدًا، ورسموا خطتهم بِناءً على خبرة الإنجليز في تمزيق الفكرة العربية والأمة الواحدة، وإبقائها أسيرة أوضاع متردية قد تطول لعشرات السنين المقبلة.

فلنكفَّ إذن عن لطم الخدود وشق الأثواب وتعذيب أنفسنا ونقدها؛ فنحن ضحايا خطة علمية مدروسة جَيِّدًا، لا يمكن التغلب عليها إلا بخطة من عندنا، علمية أيضًا، مدروسة جَيِّدًا. ولا تستطيع دولة عربية واحدة أن تقبل هذا، ولا حتى مؤتمر قمة عربي تُطرقَع فيه القبلات تمهيدًا لاستلال الخناجر. ولكن المؤتمر التمهيدي لهذه الخطة قد ينجح إذا استطعنا أن نجمع الحكام العرب والمثقفين العرب والمعارضين العرب من كل الْمِلَل والنِّحَل، في مؤتمر دراسة متأنية هادئة نرى فيها إلى أي حد وصلت الأمور، وما هو الطريق لحلها. وقد وضعتُ المثقفين والمعارضين عن عمد في هذا المؤتمر ليكونوا أقوال الصراحة والحق بدل كلمات المجاملة التي تتم بين الرؤساء.

أجل أيها الناس، إن المأساة التي نحياها تمت بخطة، ولن نخرج منها إلا بخطة وإلا بإعمال لأقصى ما نستطيع من ذكاء وثورة وقوة وتفكير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠