الفصل الأول

احتراق، احتراق

ذات صباحٍ مُمطرٍ في سياتل، كان جونزاليس مستعدًّا لدخول البيضة. قبل هذا اليوم بأسبوعٍ كان قد عاد من ميانمار، الدولة المعروفة سابقًا باسم بورما، والآن، بعد يومين من تعاطي العقاقير والصوم، كان مستعدًّا: لقد صار غريبًا، يشعر بالأُلفة في مكانٍ بعيد.

كان دماغه مليئًا ببراعمَ نارية، وقد أضاءت أوراقها البيضاء المتفتِّحة بلون أصفر، مركزًا لعالَم يحترق. وعلى الباب ذي اللطخات السوداء المصنوع من خشب البلوط تراقصَت أجنحةٌ ملائكية في لهبٍ أزرق، وقد ارتسمَت على وجوهها البهجة وسط النار الباردة. وبينما كان جونزاليس يُحدِّق في الأشكال المحفورة المتحرِّكة فكَّر في نفسه قائلًا: «إن النار في عقلي، في دماغي.»

دفع إلى الأسفل مِقْبضًا مقوَّسًا على شكل حرف S من النحاس الأصفر، ثم دلف عبْره إلى الرواق، دون أن يُصدِر حذاؤه — المشقوقُ من عند إبهام القدم والمصنوع من القطن الناعم — وطرف ثوبه صوتًا عند احتكاكهما بالأرضية المصنوعة من البلوط المُبيَّض. وعبْر الباب المفتوح في نهاية الرواق رسم ضوءُ الصباح المارُّ عبْر الزجاج الملوَّن أنماطًا تجريديةً من اللونين القرمزي والأصفر الزبدي. وداخل الغرفة، كانت شاشة عرض زرقاء معلَّقة على الجدار البعيد، وقد توهَّج عليها شعار شركة سينتراكس، بينما كانت البيضة الموضوعة في منتصَف الغرفة، بنصفيها المشطورين المصنوعين من الصلبِ المكسوِّ بالكروم، مشقَّقة وفي حالة انتظار. كان نصف البيضة مليئًا بأنابيبَ لونها بيج وعددٍ من الكابلات البصرية، بينما كان النصف الآخر مليئًا ببلاستيكٍ قويٍّ أسودِ اللونِ يتدلَّى على القِشرة الخارجية.

فرك جونزاليس عينيه ثم سَحَب شعره إلى الوراء وجمَعه في لفةٍ واحدةٍ أحاطها بحلْقة مطاطية. مدَّ يده إلى وسطه، ثم أمسك بالحاشية السُّفلية للتي-شيرت الأزرق الداكن الذي يَرتديه، ثم جذبه من فوق رأسه. وبعد أن ألقاه على الأرضية خلع حذاءه وبنطاله الواسع القمحي اللون، ثم خلَعَ سرواله الداخلي القطني ووقف عاريًا، وقد التمع جلْدُه الشاحب بفعلِ طبقةٍ رقيقة من العَرَق. شعرَ بسخونةٍ في جلْده، وبأن ثَمَّة غبارًا في عينيه، وبحرقة في معدته.

خطا داخل نصف البيضة المكسوِّ بالكروم، ثم ارتعد واستلقَى بينما تدفَّق سائلٌ في درجة حرارة الجسد داخل البلاستيك المتدلِّي، والذي بدأ يَنتفخ من تحته. أمسك بكابلات في سُمك الإصبع وأدخل أطرافها في تجاويفَ موجودةٍ في مؤخِّرة عُنقِه. وبينما واصلت البيضة الامتلاء ثبَّتَ قناعًا على وجهه، وشعر بالحواف تَنغلِق بإحكام، ثم تنفَّس. تحرَّكت قسطرتان نحو مُنفرجِ ساقيه، وانغرست إبرٌ وريدية في عروق ذراعيه. انغلقَت البيضة وملأ السائل حيِّزَها الداخلي.

طفا في صمت، مُنتظرًا، وهو يتنفَّس ببطءٍ وبعمقٍ بينما أخذ شعورُ النشوة يشقُّ طريقه بين خليطِ المشاعر العشوائي الذي ولَّدته العقاقيرُ والتأمُّلُ والبيضة. لا يهمُّ أنه كان على وشْك أن يُعيد معايشةَ مخاوفه الخاصة؛ فقد كان هذا هو ما يُحرِّكه: الدخول إلى عوالمَ متعدِّدةٍ من الخبرات البشرية؛ السفر عبْر المكان والزمن والاحتمالات، كل ذلك في آنٍ واحد.

كانت ماكينات الواقع الافتراضي مُنتشرةً في كل مكان — فكانت هناك إجازاتٌ افتراضية، وعلاقاتٌ جنسية افتراضية، وشهرة افتراضية، كلُّ ما تَشتهيه النفس — غير أنها مقارنةً بالبيضة لم تكن تعدو محضَ ألعابِ فيديو عاليةِ الدِّقة أو عُروضًا سحرية. كانت ماكينات الواقع الافتراضي تستخدم مجموعةً متنوعةً من الحِيَل كي تُحاكي الحضور البدني، غير أن مركز الإحساس بالذات داخل الدماغ لا يُمكن خداعُه إلا بدرجة محدودة، وحين تَدخُل إحدى ماكينات الواقع الافتراضي فأنت تكون واعيًا بذلك، ومِن ثَمَّ فإن استدامة الوهم تَعتمِد على توقُّفك المتعمَّد عن إنكاره. لكن في حالة البيضة أنت تَنخرِط انخراطًا تامًّا عبْر كلِّ الأطراف الحسية؛ وقد كانت العوالم التي دخلها الناس شديدةَ الإقناع لدرجةِ أنهم حين كانوا يستيقظون كانوا يَبدون تائهِين في عالم الواقع، وكأنهم في حُلم.

اخترقت إبرةٌ غشاءً يقع في أحد الكابلات العصبية، وحقنَت خليطًا من الببتيدات العصبية. وهكذا نُقِلَ جونزاليس.

•••

كان ذلك هو اليوم الأخير في إقامة جونزاليس التي امتدَّت لثلاثة أسابيع في باجان، المدينة الواقعة في وسط ميانمار، والتي نَقلَت إليها الحكومة سجلاتها منذ عقودٍ خلَت، في أعقاب أعمال الشَّغَب العِرقية التي نشبَت في يانجون. جلس جونزاليس مع جروسباك، رئيس فرع شركة سينتراكس في ميانمار، إلى طاولةٍ مركزية مصنوعة من خشب الورد في قاعة الاجتماعات الرئيسية. كانت الحاسبات التي صُمِّمت باستخدام ألواح من الزجاج مُستطيلة الشكل مثبَتة في الطاولة، يكتنفها الظلام والصمت أمامهما.

كان جونزاليس قد أتى إلى ميانمار بغرضِ إجراءِ مراجعةٍ وتدقيقٍ للمعلومات. وقد زوَّدت مجموعة سينتراكس المحلية دولةَ ميانمار الاتحادية بكلِّ مُنشآت المعلومات الأساسية الخاصة بها: كل سجلات العاملين والمعدَّات والأجهزة وكل المعاملات التي جرَت بينهم. قبل هذا التاريخ بشهر واحد كانت تقارير فرع شركة سينتراكس في ميانمار قد دفعَت برامجَ تدقيقِ الحسابات في مقرِّ الشركة الأم إلى إطلاق إنذاراتٍ تدعو إلى «تفقُّد الأمر»، وتعيَّن إرسال جونزاليس ومعه أحد أجهزة التدقيق المعروفة باسم «ميميكس»، إلى هناك من أجل فحص البيانات الأولية عن كَثَب.

وهكذا على مدار عشرين يومًا متتالية، استكشف جونزاليس وجهاز «الميميكس» هياكلَ البيانات ومُحتوياتها، واختبرا العلاقات الوظيفية الاسمية في مقابل التطبيق الواقعي؛ فأينما وُجدت حركة للمعلومات أو الأموال أو المعدات أو الأفراد، وُجدَت سجلات، ثم كان يأتي بعد ذلك دورهما. كانا يَبحثان عن آثار المعاملات النقدية، وطابقَا أوامرَ الشراء مع الخدمات والمعدات، وتحقَّقا من مطابقة توقيعات الإيصالات مع سجلات الموظَّفين، وطابقَا سجلات الموظَّفين مع قواعد البيانات الحكومية، وتتبَّعا خلفيات الموظفين الذين تُمثِّلهم هذه السجلات وتحرُّكاتهم، وقرآ العقود وتتبَّعاها وصولًا إلى المناقَصات وعمليات الاستحواذ، كما تحقَّقا من صحَّة سجلات المعاملات اليومية.

كان عملًا شاقًّا مُضنيًا، يتطلب الصبر والانتباه إلى التفاصيل، وإلى الآن لم يُكشَف عن وجود أي مخالفات عدا تلك المعتادة المتعلقة بقلَّة الكفاءة؛ فلم يكن جروسباك يدير عملياته بتنظيمٍ مُحكَم، لكن حتى تلك اللحظة لم يكن يبدو أن ثَمَّة شبهة فسادٍ في الأمر. ومع ذلك لم تكُن ساحتُه أو ساحة فرع شركة سينتراكس في ميانمار قد أُبرئَت بعدُ، فسوف يصدر تقرير جونزاليس النهائي في وقتٍ لاحق، بعد أن يُحلِّل هو و«الميميكس» السجلات في روية.

بسط جونزاليس ذراعَيه وفركَ عينيه. وكما هو مُعتادٌ في نهاية المهام الشاقة القصيرة الأمد كهذه المهمَّة، كان يشعر بالتعب والإنهاك والرغبة في الانصراف. قال لجروسباك: «يجب أن أَلحق بطائرة الشركة المتجهة عصرًا إلى بانكوك، وبعد ذلك سأُكمِل رحلتي في أيِّ طائرة تجارية مُتاحة هناك.»

ابتسمَ جروسباك، وكان واضحًا أنه مسرور لمغادرة جونزاليس. كان جروسباك رجلًا نحيلًا، من أصول ألمانية وتايلاندية، ذا بشرةٍ بنية فاتحة وشعر أسود وملامحَ رقيقة. كان يَرتدي ملابسَ ملائمةً لسياق العمل على الطريقة البورمية القديمة؛ تنورة سوداء تُسمَّى لونجي وقميصًا قطنيًّا أبيض.

خلال الوقت الذي قضاه جونزاليس هناك تَعامَل معه جروسباك ببرودٍ وكِياسة من وراء قناع البروتوكول المؤسَّسي والسيطرة على النفس. فكَّر جونزاليس: لا بأس بهذا؛ فقد كانت مهمَّته موضعَ تشكُّك، وكذلك كان هو نفسه. وعلى أيِّ حال يَبغض الناسُ هذه التدخُّلات الخارجية في كل مرة تقريبًا، وكان جونزاليس، الذي يُمثِّل إدارة الشئون الداخلية، مسئولًا فقط أمام رئيس القسم الذي يعمل به، إف إل تراينور، ومجلس إدارة سينتراكس، وهذا جعل الجميع تقريبًا يَشعرون بالتوتُّر.

سأله جروسباك: «هل ستُغادر من مطار مياونج يو؟»

«كلا، لقد طلبت أن تُقلَّني طائرة إلى جنوب المدينة.» شأن أي شخص آخر كان سيُرتِّب الأمر، لم يكن جونزاليس ينوي السفر من مطار باجان الرسمي؛ حيث أقدمت جماعات المقاتِلين على إسقاط الطائرات في أكثر من مناسبة. بالتأكيد كان جروسباك يعلم ذلك.

سأله جروسباك: «ماذا ستذكر في تقريرك؟»

أجاب جونزاليس مدهوشًا: «أنت تعلم أنني لا أستطيع أن أخبرك شيئًا عن هذا الأمر.» بل إنَّ ذِكر الموضوع نفسه كان مصدر إحراج؛ فضلًا عن كونه انتهاكًا لبرتوكول الشركة يَستدعي الإبلاغ عنه. كان هذا الرجل إما غبيًّا أو يائسًا.

قال جروسباك: «لم تَعثر على شيء.»

ما خطب هذا الشخص؟! قال جونزاليس: «لديَّ بيانات تحتاج عامًا لفحصها قبْل أن أتمكَّن من إصدار أي تقييم.»

قال جروسباك وقد اكتَسى وجهه بتعبيرٍ بارد: «وأنت لن تُخبرَني بما سيبدو عليه تقريرُك المبدئي.»

«كلا.» هكذا أجاب جونزاليس، ثم وقف وقال: «عليَّ الانتهاء من حزْم الأمتعة.» كان يُريد وقتها الخروج قبل أن يفعل جروسباك شيئًا لا رجعةَ فيه، كأن يُهدِّده أو يَعرض عليه رشوة. قال جونزاليس: «وداعًا.» ولم يَنبِس الرجل الآخر ببنت شفة، بينما كان جونزاليس يُغادر القاعة.

•••

عاد جونزاليس إلى فندق تريبيتسايا، وهو عبارة عن مجموعة من الأكواخ الخفيضة المنفصلة المبنية من البامبو والخرسانة المسلحة، وكانت تُطلُّ على نهر إيراوادي. كانت الغرف مزيَّنة على نحوٍ بائس بنسخة ميانمارية بالية من الديكور السياحي الآسيوي؛ بامبو مدهون بالورنيش على الجدران، إلى جانب مجسَّمات هولوجرامية لتنانينَ قافِزة، ومزينة وطاولات ومقاعد وفراش كلها مصنوعة من خشب الساج الأسود، ومروحة سقف ضلَّت طريقها إلى هنا من القرن العشرين، وفكَّر جونزاليس أن الهدف من كل هذا هو منْح المُواطن العادي شعور الإثارة المرتبط بالشرق الساحر. ومع ذلك فقد أُعيدَ بناء الفندق منذ أقل من عقدٍ مضى؛ ومِن ثَمَّ فقد كان جونزاليس، وَفْق المعايير المحلية، يتمتَّع بوسائلِ ترف؛ مكيِّف هواء وميكروويف وثلاجة.

بطبيعة الحال لم يكن مُكيِّف الهواء يعمل في ليالٍ كثيرة، وكان جونزاليس يَستلقي في حالةٍ أقربَ إلى فقدان الوعي، والعَرَق يغمرُه طوال ليالٍ حارَّةٍ رطْبة ثم تُحييه بعد الفجر بقليلٍ السحالي التي تُحرِّك طياتها الجلدية العُنقية كالمروحة وترفع أجسادها وتخفضها وكأنها تُمارِس تمارين الضغط.

في أيامٍ عديدة كهذه كان يَستيقِظ ثم يسير عبْر مسارات العربات التي كانت تَخترِق السهول المحيطة بباجان، مارًّا بالمعابد وهياكل باجودا البوذية المقدَّسة بينما كانت الشمس تُشرق وتُحوِّل شبُّورة الصباح إلى غِلالة ضخمة من اللَّون الوردي الساطع، تبرز خلالها الأبراجُ وكأنها قلاعٌ خرافية. كانت المعابد مُنتشِرة في كل مكان في باجان؛ إذ كان يوجد آلافٌ منها، وكانت حديثة ومُزدهِرة وقتَ أن كان ويليام الفاتح مَلِكًا. أما الآن فقد ملأتِ المباني السكنية السريعة التجهيز التي تضمُّ هيئاتٍ حكوميةً المساحات الواقعةَ بين معابد الباجودا التي يبلغ عمرها ألف عام، والتي لا يزال بعضُها في حالةٍ شبه مثالية، مثل معبد تاتبيينو، بينما لم يتبقَّ من كثير غيرها سوى أطلال وأسماء منسية. كان المرء يكسب المكانة عن طريق بناء معبد باجودا، وليس عبْر الاعتناء بالمعابد التي بناها شخصٌ آخرُ مات منذ زمن بعيد.

كانت ميانمار، شأن غيرها من دول جنوب شرق آسيا، لا تزال تُحاوِل التعافي من الأوضاع السياسية التي سادَت في أواخر القرن العشرين، وفي حالة ميانمار تَمثَّل هذا في العقود الطويلة التي حكمت فيها الديكتاتوريات العسكرية بصورة دورية والفوضى التي كانت تُعقِّب حُكمَها. وكما هو الحال دائمًا في الدول غير المستقرَّة سياسيًّا، ظلَّت الدولة تُقيِّد الدخول إلى الشبكة العالمية، على مدار مختلف أنواع الحكومات؛ إذ وجد قادتُها أن فكرة التدفُّق الحر للمعلومات غير مقبولة. كانت هوائيات كا-باند باهظة الثمن، وكانت لا تُستَخدَم إلا بترخيصٍ يكاد يستحيل الحصول عليه. ونتيجةً لذلك كان جونزاليس وجهاز «الميميكس» أشبه باثنين من آكلي اللحوم تقطَّعت بهما السبُل في بلدٍ من النباتيِّين؛ إذ عجزا عن الحصول على ما يسُدُّ رمقَهما.

كان قد فصل جهاز «الميميكس» هذا الصباح، وبقيَ الجهاز خامدًا، داخل واحدةٍ من حاويتَيه المقاومتَين للصدمات والمصنوعتَين من الألياف والألومنيوم، جاهزًا للنَّقل. أما الصندوق الآخر فاحتوى على صناديق الذاكرة التي تضمُّ سجلات فرع شركة سينتراكس في ميانمار.

حين يعودان إلى الوطن، سيُعلِم جونزاليس جهاز «الميميكس» بآخرِ الأخبار عن جروسباك، وكيف أنه فقَد السيطرة على نفسه في اللحظة الأخيرة. كان جونزاليس واثقًا من أن جهاز «الميميكس» سيُشاركه الرأي حول فساد جروسباك حتى النخاع وهلعه الشديد من أن يكتشفا ذلك.

•••

عند حافة حقلٍ رمليٍّ جنوب باجان، انتظر جونزاليس طائرتَه. كان يرتدي زيَّ السَّفر الدولي المعتاد لديه؛ بذلةً سمراء من قطعتَين من القماش الجبردين، وتحتها قميص كتَّاني أبيض ذو ياقة مفتوحة، وحذاءً بُنيًّا من النوع الذي لا يحتاج إلى ارتداء جورب تحته. كان قد جمع شَعره على هيئة ذيل حصان وربطه بحلْقة فضية مصنوعة من حليٍّ على شكل سحالي يتصل رأسُ كلٍّ منها بذيل الحلية التالية لها. وإلى جواره استقرت حقيبةٌ جلدية بُنيَّة لينة وحاويتان مقاومتان للصدمات.

أمامه ظهَرَ معبدُ باجودا ذو أبراج مُتدرِّجة تعلوها قمَّة مستدقَّة مُذهَّبة ومزيَّنة بالأحجار الكريمة تشير إلى السماء. جلس على درجاته، وإلى جوارِ كفٍّ ضخمٍ لأسدٍ حجري، راهبٌ في وضعية اللوتس، وكان وجهه يُغطيه ظل تمثال الحيوان الضخم المكتنز الذي تُظهِر ملامحُ وجهه تعبيراتِ غضبٍ ضارٍ. كان جانِبا الحيوان مصبوغَين بلونٍ برتقالي بفعل غروب الشمس، بينما كانت شفتاه ملطختَين بلون الدم الجاف. مرَّت دقائق، وسَمِع دمدمةَ الراهب، بينما كان وجهه غارقًا في الظلال.

ثم سمع صوتًا يقول: «تعالَ في جولة بين معابد مدينة باجان العتيقة. شويزيجون، أناندا، تاتبيينو …»

«فلتَحلِّي عني.» هكذا قال جونزاليس مخاطبًا عربة الجولات السياحية التي جاءت من خلْفه. كانت هذه العربات تحمل نحو اثني عشر سائحًا في ثمانية صفوف من المقاعد الخشبية الضيقة، لكنها كانت الآن خالية؛ إذ كان جميع السياح تقريبًا قد لحقوا بالجمهور المحتشِد على مصاطب معبد تاتبيينو؛ حيث يُمكنهم مشاهدة غروب الشمس فوق سطح المعبد.

قالت العربة: «إنها آخر جولة اليوم. وهي رخيصة للغاية، كما أننا نُقدِّم أسعار تحويل عملات جيدة للغاية إكرامًا منَّا للزائرين.»

كانت تُريد استبدال عملات الدولار أو الين بالكيات؛ ففي ميانمار حتى الآلات كانت تعمل في السوق السوداء. ردَّ قائلًا: «كلا، أشكرك.»

«أسعار جيدة للغاية يا سيدي.»

قال جونزاليس: «اغربي عني! وإلا سأُبلغ بأنك معطوبة.» تحرَّكت الآلة مبتعدة وهي تصدر أزيزًا.

شاهد جونزاليس راهبًا شابًّا يُراقبه على الجانب الآخر من الطريق، ويتأهَّب للقدوم نحوه كي يتسوَّل بعض الأقلام أو المال. نظر جونزاليس في عينَي الراهب وهزَّ رأسه نفيًا. هزَّ الراهب كتفَيه وواصل المشي، ورداؤه البرتقالي يتموَّج.

أين الطائرة بحقِّ الجحيم؟ بعد وقتٍ قصيرٍ ستشقُّ شعلات الصيادين السماء المُظلمة ذات الهلال الوليد، وستَندفع الدرونات الحكومية حول حواف الظلال وكأنها وطاويط عملاقة طافرة. كان الجزء الأوسط من ميانمار على شفير الوقوع في الفوضى؛ إذ يُحيط به خليطٌ عِرقي من أبناء مناطق كارين وكاشين وشان ذات الاتجاهات السياسية المتعدِّدة، وكلها شرسة وتزدري الحكومة المركزية. كان هؤلاء يُقاتلون باستخدام أي سلاح يَجدونه، من العصيِّ المدبَّبة إلى الصواريخ المحمولة على الظهر، وكانوا لا يَستسلمون حتى الموت.

تعالى سريعًا صوتُ عويلٍ حادٍّ إلى أنْ ملأ الهواء. وفي غضون دقائق ظهرت طائرة فضية ذات أجنحة متعدِّدة الأوضاع، ثقيلة الحركة، وكل جناح مُستطيل ضخم من أجنحتها مزوَّد بمحرِّك ضخمٍ بصليِّ الشكل، على ارتفاع مُنخفِض فوق الكتلة الداكنة للغابة. كانت تُومض على نحوٍ مُتواصِل بالضوءين الأحمر والأصفر، وتوقَّفت فوق الحقل، وقد مالت أجنحتها حتى اتخذت وضعًا عموديًّا وانخفض صوت المحرِّك حتى بات يصدر هديرًا منخفضًا. أحدثت كشافاتها دائرةً من الضوء قطرُها عشرة أمتار أخذت الطائرة تنخفِض نحوها، مثيرةً سُحبًا من الرمال أحاطت كالزوبعة بجونزاليس. انخفض هدير المراوح المقلوبة إلى درجة الهمس، وركعت الطائرة مُصدرةً صريرًا على عجلات الهبوط، بحيث صارت مقصورة القيادة في مُستوى الأرض تقريبًا. أمسك جونزاليس بأمتعته وسار نحو الطائرة. تدلَّى من الطائرة سُلَّمٌ مُصدِرًا هسيسًا هيدروليكيًّا، وارتقى جونزاليس درجاته إلى داخل تجويف الطائرة.

سأله الطيار: «ميخائيل جونزاليس؟» كان الطيار قد رفع نظارة الطيران متعدِّدة الوظائف إلى جبهته؛ حيث بدت عدساتها البيضاوية العاكسة وكأنها زوجٌ ثانٍ من العيون الخالية من أي تعبير، وقد تدلَّى خيطٌ رفيع من الألياف الضوئية من إطارها. وأسفل النظارة كان وجه الطيار بنيًّا ومليئًا بالندبات؛ فكَّر جونزاليس في نفسه قائلًا: «لن تُجدي أي مساحيق تجميل مع هذا الرجل.» كان الطيار يَرتدي قميصًا «استوائيًّا» باليًا تتراقص فيه طيور بشروش وردية اللون على خلفية زرقاء داكنة.

قال جونزاليس: «هذا أنا.» ثم لوَّح بالحاوية المقاومة للصدمات التي يحملها في يده اليمنى فضغط الطيار على مفتاحٍ يفتح قمرة الأمتعة. وضع جونزاليس الحقائب في القمرة المعدنية وشاهد شبكة الأمان وهي تُشَد بإحكامٍ حول الحقائب والباب وهو يَنغلِق. جلس على مقعدٍ خلف الطيار في أول صف من صفوف المقاعد الثمانية. انضغطت حاشية المقعد عند جلوسه عليها، ومن ظهر المقعد المواجه له انبعث صوتٌ نسائي يقول: «ينبغي أن تربط حزام الأمان. لو كنت تريد أي تعليماتٍ فقُل هذا الآن من فضلك.»

أغلق جونزاليس القفل ذا الشكل شبه المُنحرِف في الموضع الذي يلتقي فيه حزام الكتف مع حزام الحِجر، ثم فرد ذراعَيه وشَعَر بالعَرَق يجف على جِلده داخل الحيِّز الداخلي البارد للطائرة. قال الصوت: «أشكرك.»

•••

كان الطيار يتحدَّث مع المراقَبة الجوية بمطار مياونج يو بينما أخذت الطائرة تَرتفِع في الشَّفق الذي يعلو المدينة. اختفى الوهج الأبيض المريح الآتي عبْر النافذة الزجاجية العُلوية ولم يتبقَّ إلا البقايا الأخيرة من ضوء الشمس البرتقالي المار عبْرها.

كان سطح المعبد ممتدًّا تحتنا، تغمره الظلال والظُّلْمة، وقد امتدت أبراجُ المعبد والباجودا نحو الضوء، بكسوتها الجصية البيضاء والذهبية المخضَّبة باللونين الأحمر والبرتقالي.

قال الطيار: «هذا منظر جميل يا رجل.»

قال جونزاليس: «أنت مُحق.» كان المنظر جميلًا بالفعل، لكنه شاهَدَه من قبْل، علاوة على ذلك فقد قضى بالفعل يومًا طويلًا.

أنزل الطيار نظارته على عينَيه، ومالت الطائرة إلى اليسار واتجهت صوب الجنوب على امتداد النهر. رجع جونزاليس بظهره إلى الوراء في مقعده وحاوَلَ الاسترخاء.

حلَّقا فوق مياهٍ سوداء، على امتداد نهر إيراوادي، إلى أن عبرا مسار طيران دولي إلى بانكوك. كاد النُّعاس يُغالب جونزاليس وهو في جوف الطائرة المظلم حين سمع الطيار يقول: «اللعنة، ثَمَّة شخص هنا. إحدى الجماعات المتمرِّدة المقاتلة على الأرجح، لا توجد شفراتُ تعرُّف. لا بد أنهم يستخدمون طائراتٍ فائقة الخفة؛ فراداراتنا لم تتمكَّن من رصدهم. لكن لدينا الآن صورة.»

سأله جونزاليس: «هل من مشكلة؟»

«إنهم آتون لإلقاء نظرة وحسب؛ فهم لا يكترثون بالطائرات الأجنبية.» ثم أشار إلى الرسالة التي يَعرضها جهاز الإرسال/الاستقبال على الشاشات الرئيسية:
هذه رحلة طيران دولية غير عسكرية.
لديها الحق في العبور بموجب قرار الأمم المتحدة لعام ٢٠٢٠.

كان من شأن الجهاز أن يُكرِّر إرسال الرسالة إلى أن يدخلا المجال الجوي التايلاندي.

أضاءت شاشة كمبيوتر الرحلة بضوءٍ أحمرَ وظهرت عليها الكلمات التالية: «تحذير من الاصطدام.» ودوَّى صوتُ بوقٍ مرتفع ملأ الحيِّز الداخلي للطائرة. قال الطيار: «اللعنة، لقد أطلقُوا صواريخهم!» أصدرت محرِّكات الطائرة صوتًا مرتفعًا بينما تولَّى كمبيوتر الطائرة السيطرة، وأمسك الطيار مقود الطائرة بإحكام، ليس بغرض التوجيه وإنما كان متشبثًا به وحسب.

شَعَر جونزاليس بحزام الأمان يضغط على جسده بينما أخذت الطائرة تدور حول نفسها وتنخفِض وتلتف في حركة لولبية ثم ترتفع مجددًا، وكأنها سمكة معدنية ذكية تحاول الإفلات من حرابٍ نارية. دوَّت انفجارات في الظلام، وظهرت دفقات سريعة فوضوية من ألسنة اللهب متبوعة على الفور بأصوات مُدوية وموجات صدمة زلزلت الطائرة وهي تسلك مسارها الفوضوي خلال عتَمَة الليل.

بعد ذلك ظهرت طائرة، تشتعل بفعل النيران التي تغمرها، وقد بدت قائدتها وكأنها رسمٌ تخطيطي مشتعل يرفع يديه إلى السماء في اللحظة التي سبقت انفجار الطائرة وقائدتها بفعل ألسنة اللهب.

مضت رحلتُهما هادئة وسلسة، وعاد التحكم إلى مقود الطيار. التمعت عينا جونزاليس بينما عادت ظلمة الليل من جديد. سَمِع صوت كمبيوتر الطائرة يقول: «تم تجنُّب الاصطدام. الوقت المنقضي في منطقة الخطر ستُّ ثوانٍ وتسعة وثمانون جزءًا من الثانية.»

قال جونزاليس: «ما هذا بحق الجحيم؟ ما الذي حدث؟»

قال الطيار: «ذلك اللعين.»

جلس جونزاليس متشبِّثًا بمقعده، وهو يرتجف بفعل ارتطام دفعة الهواء البارد المنبعثة من مكيف الطائرة بقميصه الذي يغمره العَرَق. نظر إلى حِجره، كلا، لم يَبُلْ على نفسه. في الواقع لقد حدث كل شيء بسرعة كبيرة لم تسمَح له بأن يصل إلى تلك الدرجة من الذعر.

ظهرت طائرة حربية من طراز «لوب جارو» التي تصنعها شركة ميتسوبيشي-ماكدونيل أمامهما ودارت حولهما بحركة بطيئة. كانت مطلية بلونٍ أسودَ قاتمٍ شأنها شأن الطائرة الخفيفة، لكن كان بدنها ضخمًا. أخذت تعلو وتنخفِض بينما تدور حولهما، وكأنها طائرٌ مُفترِس كسول يُحلِّق حول طريدة سمينة بطيئة، ثم أشعلت أضواء ساطعة غمرت النافذة الزجاجية العُليا لطائرتهما.

تجمَّد جونزاليس والطيار في ذلك الضوء المبهر.

بعد ذلك تراجعت مقصورة الطائرة اللوب جارو، وخلْف الزجاج الشفاف رأى جونزاليس الطيار ذا الخوذة العاكسة، ويمتدُّ من أسفل رقبته كابلان ملتصِقان. انزلقت أجنحة الطائرة اللوب جارو إلى الأمام في حركة عكسية، ثم أخذت الطائرة وضعًا رأسيًّا، ثم غابت عن الأنظار.

شد جونزاليس جسدَه في مقابل الحزام الضاغط عليه.

صاح الطيار: «ذلك الوغد!»

سأله جونزاليس بصوت خفيض مرتعش: «مَن هو؟ وماذا تقصد؟»

قال الطيار بصوتٍ متوتِّرٍ وقد ظهر وجهه محمرًّا أسفل زجاج النظارة العاكس: «القوات الجوية لميانمار. لقد نصبوا لنا فخًّا، واستخدمونا كطعم أمام طائرة المتمرِّدين.» رفع الطيار نظَّارته وأخذ يُحدق بحدة عديمة الجدوى من زجاج قمرته، كما لو كان بإمكانه اختراق الظلام بنظره، بعدها قال: «ثم انتظروا، انتظروا حتى هاجمونا.» استدار الطيار بغتةً وواجه جونزاليس وقد صارت ملامحه وكأنها رسم كاريكاتيري مجنون وغاضب للرجل الذي رحَّب بجونزاليس منذ تسعين دقيقة وقال: «هل تعلم إلى أيِّ مدًى اقتربنا من الموت؟»

هزَّ جونزاليس رأسه نفيًا.

قال الطيار: «أجزاء قليلة من الثانية يا رجل، أجزاء قليلة لعينة من الثانية. لقد أوشكنا على الموت.» ثم أدار مقعده وسمع جونزاليس صوتَ آليةِ الإغلاق الخاصة به بينما استقرَّ في مقعده، في الوقت الذي غمر فيه الخوف والخزي دماغه بمزيجٍ جامحٍ من المواد الكيميائية العصبية.

لم يَسبق أن انتاب جونزاليس شعورٌ كهذا؛ كان يشعر بالموت يتسلل إلى عموده الفقري وأحشائه وحلقه وأنفه، وكأنه يمس جِلده، إنه الموت المصحوب برائحه كريهة … احتراق، احتراق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠