الفصل الخامس

تعالَ إليَّ إذن

بعد الظهر وصَل جونزاليس إلى مطار بيركلي، وهو عبارة عن مجموعة من المنصات الأسمنتية المتشقِّقة الواقعة على حافة مياه الخليج. خرج من الطائرة تحت أشعة الشمس اللافحة. وعبر الخليج كانت أشعة الشمس تَنعكِس على جسر جولدن جيت وجزيرة ألكاتراز، والْتمعَت المياه بشدة لدرجة أن نظارته تحوَّل لونُها إلى الأسود.

كانت سيارة مستأجَرة تحمل لوحاتٍ من تروسديل تَنتظِره في ساحة الانتظار. أدخل البطاقة التي تَحمل رقاقة هويته لدى سينتراكس ورقاقة الائتمان في فتحة الباب، فتراجع الباب داخل الإطار بهسيس صامت. كانت نوافذ السيارة داكنة وتعكس أشعة الشمس، وكان مكيف الهواء بها يعمل، ومِن ثَمَّ كان المقعد المخْملي ذو اللون البني الداكن باردًا حين جلس جونزاليس عليه.

قالت السيارة: «هل ترغب في القيادة يا سيد جونزاليس؟»

أجاب قائلًا: «ليس حقًّا. هل تعرفين إلى أين سنَذهب؟»

«نعم، لديَّ العنوان.»

«إذن خذينا إليه.»

كانت ديانا هايوود تعيش في تلال بيركلي، في منزلٍ على طراز مايباك عمره أكثر من قرن. سارتِ السيارة عبْر شوارع مُتعرِّجة صاعدة جانب التل، ثم توقَّفت أمام منزلٍ مكسوٍّ بالخشب الأحمر كان يَلوح فوق رأس جونزاليس وهو واقف على الشرفة. وكانت الشمس تنعكس على الزجاج المربع للنافذة المطلة على الخليج.

أجاب الباب على طرقات جونزاليس بأن قال إنها على مسافة بضعة مربعات سكنية، في حدائق روز جاردنز. قال الباب: «إنه مشروع مدني؛ إذ يُعيد المتطوِّعون بناء الحديقة المهجورة. إن كثيرًا من اﻟ…»

قال جونزاليس: «أشكرك.»

ثم أخبر السيارة بالمكان الذي سيذهب إليه وشرع في السير في الاتجاه الذي أشار إليه جهاز «الميميكس». إلى يساره، كانت الشوارع والمنازل تَنحدِر نحو الخليج، وإلى يمينه، كانت ترتقي جانب التل الشديد الانحدار.

وصل جونزاليس إلى لافتةٍ مكتوبة باليد بطلاء أخضر على لوح أبيض تقول:

مشروع تجديد حدائق بيركلي روز جاردنز.

نظر إلى الأسفل نحو المواضع التي انتشرت بها سقائفُ الخشب الأحمر على امتدادِ طرقٍ ذات مصاطب تتخلَّلها مجموعاتٌ خرقاء من مواسير الري البلاستيكية. وفي منتصَف المسافة كانت توجد تعريشةٌ متشقِّقة ومتقشِّرة من الخشب المدهون باللون الأبيض تتدلَّى من فتحاتها الأغصان. وإلى جوار التعريشة كان ثَمَّة روبوت صغير للعناية بالحدائق، وكان عبارة عن كتلة خضراء مكسوَّة بالبلاستيك تتحرَّك على عجلات جرار صغيرة، وقد مدَّ ذراعًا رقيقة من الصلب الملفوف اللامع تنتهي بيدٍ ذات عشر أصابع. انغلقت اليد، وخرجت وردة حمراء قانية من الشجيرات. أمسك الروبوت بالوردة في يده ومضى على عجلاته بعيدًا.

سار جونزاليس نحو الطريق المنحدر، وقدماه تضغطان بقوة على الحصى، ومرَّ بالشجيرات ومُلصقاتها التي كثيرًا ما تعلن عن أسماء غير متوقَّعة: ورود دورتموند ذات البتلات الحمراء الشبيهة بملمس الورق، وزهور حفلات الحديقة المبهجة ذات اللونين الأبيض والأصفر، وزهور مونتيزوما، وزهور مارتن فروبيشرز، وزهور مايتي ماوسز. توقَّف واستنشق العطر القوي المنبعث من الزهور الأرجوانية. وفي القسم المعاد تجديده كانت زهور الهالة المتفتِّحة في شرائطَ بحيث تَعكس بحرصٍ ألوانَ قوس قُزَح قد نمَت وصار حجمها كبيرًا. كانت أشبه بشبكات عملاقة مخدِّرة، لها شكل الورود من بعيد، وتدفع كل شيء آخر جانبًا. وضع جونزاليس أنفه فوق زهرة وردية في شجيرة لا تحمل اسمًا، وبدت رائحة الوردة أشبه بحلوى النعناع.

تعرَّف على المرأة الواقفة في نهاية المسار من صورة الملف التي أراه إياها تراينور. كانت ديانا هايوود تَرتدي فستانًا من قطعتَين من القطن الأبيض، وكان يكشف عن كتفَيها ويلتف في إحكام حول خصرها، ثم ينقسم كي يغطيَ ساقيها. كانت ضئيلة الحجم ورشيقة، وكان لها شعر قصير أسود تتخلَّله بضع شعيرات رمادية. لم يكن سنُّها يظهر على ملامح وجهها، وكانت ملامحها صافية ودقيقة. كانت تَرتدي نظارة داكنة مماثلة لتلك التي يَرتديها جونزاليس.

كانت تُمسك الساق ذات الأشواك الخاصة بإحدى الورود الحمراء القانية، وسألته: «أتريد وردة؟» وقد جعلت أشعة الشمس من الصعب تبيُّن ملامح وجهها.

«أشكرك.» هكذا قال بينما يُمسك بالوردة في حرص، منتبهًا لأشواكها.

قالت: «مَن أنت، وماذا تريد؟»

«اسمي ميخائيل جونزاليس، وأريد التحدُّث إليك. سأعمل معك في هالو.»

قالت: «حقًّا؟» وأدارت ظهرها له وركعت كي تقطف كتلةً ضاربة إلى الخضرة من النباتات المعترشة والأشواك. علق مقصُّها في كتلة من العشب، وبعد أن حرَّرته ألقته على الأرض؛ حيث انغرس بنصله فيها، وأصدر أزيزًا للحظة، ثم توقَّف. نظرت من فوق كتفها إلى جونزاليس وقالت: «كنتُ أنتظر مجيء شخص مثلك، ممثل الشركة الذي سيُراقبني أنا وجيري المسكين، كي يتأكَّد من أننا لن نفعل شيئًا لسنا مخولَين بفعله.»

وقفت ومشت مُبتعِدة عنه، نحو أعلى التل، بينما خطواتها الغاضبة تُثير الغبار والحصى. توقفت واستدارت لمواجهته وقالت: «هيا يا سيد جونزاليس.»

سار خلفها وهو يُمسك الساق ذات الأشواك في حذر.

جلست ديانا هايوود وجونزاليس يَحتسيان الشاي. قال: «أنا مراقب خارجي، هذا صحيح — أو جاسوس لو شئت أن تُطلقي عليَّ هذا — غير أنني لا أظنُّ أننا على خلاف. إنهم يطلبون منك القيام بمهمَّة محدَّدة، ويطلبون مني القيام بمهمة مختلفة، ولا أرى إمكانية لحدوث تعارض بين مهمتينا.» أدارت وجهها كي تنظر إليه، وكانت إحدى عينيها زرقاء والأخرى خضراء.

قالت: «حين اتَّصلت بي سينتراكس الأسبوع الماضي كانت تلك أول مرة أتواصَل معهم منذ أن تخلَّصُوا مني منذ سنوات. لا أقصد بهذا أنهم أساءوا معاملتي، ليس وَفق معاييرهم؛ فحين فصلوني، منذ سنوات، لم يتخلَّوا عنِّي وحسب، بل دفعوا لي أموالًا طيبة … إنهم قوم حصيفون، لقد كان الأمر أشبه بتزييت إحدى الأدوات ولفِّها بحرص قبل تخزينها، لأنك قد تحتاجها مجددًا. والآن وجدوا استخدامًا لي وجاءوا بي من على الرف ووجَّهوني إلى العمل، لكنَّني أعلم أنهم لا يثقون بي. وبطبيعة الحال لا أثق أنا بهم.» ثم وقفت وقالت: «تعالَ، سأريك ما يعنيه الأمر كله لي.»

تقدَّمت جونزاليس إلى الغرفة المجاوِرة؛ حيث تسبب دخولهما في تشغيل نظام الإضاءة تلقائيًّا. كانت الجدران مكسوةً بورق حائط بلون الشمبانيا الباهت، تتخلَّله خِزاناتُ كُتبٍ من خشب الورد تمتد من الأرضية على السقف، وكراسي حبال وطاولات مماثلة موضوعة أسفل حامل مصباح متعدِّد الأذرع مصنوع من الكروم.

توقفت أمام صورة هولوجرامية مقياسها ١: ٦ لرجل نحيل، يبدو غير شاعر بالارتياح بسبب عرْض صورته الهولوجرامية، وكان يضع يديه في جيبيه ويحني كتفَيه ولا يركز عينيه على عدسة الكاميرا التي تلتقط الصورة الهولوجرامية.

قالت وهي تشير إلى الصورة الهولوجرامية: «هذا هو جيري، هذا هو الشخص الذي يتمحوَر حوله الأمر كله على حد اهتمامي. إنه مصاب إصابة خطيرة، وتَعتقِد ألِف أن بالإمكان فعْلَ شيء لمساعدته، ورغم أن هذا الأمر مُستبعَد بشدة بالنظر إلى فداحة إصابته، فإنني سأُساعِد بقدْر استطاعتي.» ثم نظرت إليه من دون أن يظهر على وجهها أي تعبير وقالت: «هل سنُغادر غدًا؟»

«نعم.»

«حسنًا إذن، حريٌّ بي أن أستعد، أليس كذلك؟ أين تقيم؟»

«فكرت في استئجار غرفة في فندق.»

«لا حاجة لهذا. يُمكنك النوم هنا. سأُنهي حزم الأمتعة وسنخرج لتناول الطعام.»

•••

جلست ديانا هايوود وجونزاليس في موقع مرتفِع من بريكلي هيلز، يطل على المباني السكنية الفسيحة المنتشِرة أدناهما. وإلى يمينهما امتد بساط من الأضواء على مرمى البصر، حتى مدينة فاليجو وما بعدها. أمامهما كانت تمتدُّ بيركلي، والكتلة المُظلمة للخليج، ثم الأضواء المتجمِّعة لمدينتي ساوساليتو وتيبورون قبالة التلال. كانت مدينة أوكلاند على يسارهما، تمتدُّ حتى جسر باي بريدج، وفيما وراء الجسر كانت توجد سان فرانسيسكو وشبه الجزيرة. وكانت تيارات من السيارات الذاتية القيادة المتحرِّكة تربط في تناغُم بين هذه المدن كلها.

كان فم جونزاليس لا يزال خدرًا بفعل الفلفل الحار الموجود في طعامه التايلاندي، وشعر بطنين خفيف في أذنه بسبب النبيذ. كانا قد تناولا الطعام في أحد المطاعم في الجانب الشمالي للمدينة، ثم أرشَدت ديانا هايوود السيارة عبْر الطريق المتعرِّج نحو مكان مرتفع بالقرب من تيلدن بارك.

ومع انقضاء الدقائق أخذت الشوارع والطرق السريعة والبلديات تَختفي في تجريدٍ ذي دلالة … هؤلاء الملايين من البشر المُجتمعين هنا لغرضٍ لا يُمكِن إلا تخمينه، بعضهم يَعيه ومعظمهم لا يعونه، شأنهم في هذا شأن مجموعة القنادس التي تشيد سدودها من الطمي والأخشاب.

مرَّ منطاد روبوتي قبالة أعينهما، وأدناه كان ثَمَّة قارب معلَّق بالمقلوب. كان يتأرجَح من الحبال التي كانت تَربط رافده المقلوب ببدن المنطاد العديم الملامح. كانت الأضواء على جانب المنطاد تكتب العبارة «توريد يخوت الخليج الشرقي».

قالت ديانا هايوود: «أعلم أن لديكم أجنداتكم الخاصة، لا بأس في هذا — فهذه هي طبيعة الوحش — لكن لو أنك زدتَ الأمور تعقيدًا بسبب سياسات الشركة، فسيَصير من الصعب كثيرًا التعامل معي.»

قال جونزاليس: «لا أنوي أن أسبِّب مشكلة ألبتة.»

قالت: «حسنًا، ربما لن تفعل.» ثم استدارت إليه وأضافت: «لكن تذكر هذا: أنت تؤدِّي وظيفتك وحسب، بيْد أن الأمر يعني لي الكثير. ألِف وجيري وأنا، نحن يعرف بعضُنا بعضًا منذ سنوات، ولديَّ عمل لم يكتمل هناك. وأريد أيضًا العودة إلى اللعبة.»

«لا أفهم.»

«بالتأكيد تفهمني يا سيد جونزاليس. أنت في اللعبة، ربما لسنوات حسب ظنِّي. وما لم أكن مخطئة بشدة فهذا هو ما تعيش من أجله.» ثم ضحكت حين لم يَرُدَّ بشيء وأضافت: «حسنًا، لقد فعلت أمورًا أخرى، ولوقت طويل بقيتُ خارج اللعبة، لكنَّني مستعدة للتغيير. تبًّا لهؤلاء الأوغاد السخفاء في سينتراكس، يَتلاعبون بي بمكالمتهم، ويُرسلونك … أجل، أنت جزء من اللعبة، أنت تذكرني بجيري منذ سنوات لو لم تكن تعلم هذا.»

«كلا، لم يكن لديَّ علم.»

«لا يُهم. لا تُهمُّني مكائدهم. أيُريدون إقناعي بالمجيء إلى هالو؟» ثم ضحكت وأضافت: «إن ماضيَّ هناك، حين كنتُ عمياء وكنتُ أنا وألِف مرتبطتَين إحدانا بالأخرى بطرقٍ لا يُمكنك تخيُّلها … ولقد وجدت محبوبًا أتمنَّى أن أجده مجدَّدًا. هل آتي إلى هالو؟ أنا مستعدَّة لتسلُّق حبل لو تطلَّب الأمر.»

•••

كان جونزاليس قد طار إلى محطة مكاليف مرةً واحدة من قبل، لكنه مع هذا لم يَقم بأي رحلة طيران مدارية. كانت المحطة الواقعة في صحراء نيفادا تعجُّ بالنشاط ليل نهار. كانت المكُّوكات الثقيلة تشكل السواد الأعظم من الحركة هناك: صُحون بيضاء عريضة كانت تُرفَع بواسطة صواريخ عادية، وبعد ذلك تشق طريقها إلى الأعلى بصوتٍ يشبه دوي القنابل حين تُشعل أشعة الليزر المدارية الهيدروجين الموجود في خزاناتها. كانت الرحلات العابرة إلى محطات قيادة الدفاع والمراقبة المدارية تُميِّزها أعلام أمريكية صغيرة وشعار وزارة الدفاع الذهبي. وكانت الشحنات المتَّجهة إليها يَجري تحميلها وهي موضوعة داخل صناديق مبطَّنة غير مميزة مخزَّنة خلف أسيجة معتمة تحرسُها الآلات، على بُعد نصف ميل من المبنى الرئيسي عبْر الصحراء الخاوية.

عرف جونزاليس عبْر الخلاصة التي منَحها إياه تراينور بضعة أمور أخرى. كانت الرحلات المدنية تُغذِّي المستوطنات الجائعة بالأعلى: محطة أثينا ومدينة هالو والقواعد القمرية. لقد تعلمت المستوطنات كلها الأساليب الصعبة الخاصة بإعادة التدوير والاكتشاف والاكتناز. ظل الماء والأكسجين شحيحَين، وعن طريق عمليات بطيئة ومكلِّفة وخطيرة كان من المُمكن استخراج كل أنواع المعادن من تربة قاحِلة للغاية، لدرجة أنه لا يُمكن تسميتُها بعروق الخام. ورغم العثور على الماء والمعادن في كُويكِبات نُقلَت إلى ما وراء مدار الأرض، فإن ما تُوفِّره الأرض ظل قريبًا وأكثر وفرة ومرغوبًا أكثر من أي شيء عُثر عليه في الكومات الضخمة للتربة القمرية المسحوقة أو الصخور المتجمِّدة الهائمة.

•••

وقف جونزاليس أمام كابينة هاتف في ردهة الفندق، وأجرى مكالَمات الوداع. كانت الرسالة الآتية من والدته والظاهرة على شاشة الهاتف تقول: «أنا سعيدة بمعرفة أنك عُدْت من ميانمار يا عزيزي، لكن سيَتعين عليَّ التحدُّث إليك بعد بضعة أيام. أنا أتلقَّى علاجي الآن. سأبدو جميلة في المرة التالية التي تتصل بي.»

قال جونزاليس: «إنهاء الاتصال.» ثم سحب الكارت الخاص به من الفتحة.

•••

فوق حصنٍ بلَونِ الرمال مُجاور لمنصة الإطلاق، كانت الحروف الساطعة الصفراء تكتب العبارتين التاليتين: «الوقت: ٢٣:٤٠:٠٠» و«وقت الإطلاق: ٣٥:٠٠»، حين انبعث صوتٌ يقول: «الرجاء الصعود. سيكون هناك إخطار إضافي بعد خمس دقائق. اصعدوا الآن.»

سار جونزاليس وديانا هايوود عبْر المنصة معًا، في منتصف ممشًى مضاء بأضواء حمراء وامضة. كانت الشاحنات الروبوتية تتحرك مسرعة، ومحركاتها الكهربائية تطن. كان ثَمَّة رجال ونساء يرتدون ملابسَ ذات لون برتقالي فاقع، تختفي وجوههم خلف كمامات تنفُّس، ويقفون فوق منصاتٍ حمراء ذات عَجل مصنوعة من عوارضَ وأسلاكٍ متشابكة، ويشرفون على أنشطة ما قبل الإطلاق الأخيرة.

كان المكُّوك الأبيض واقفًا على فتحة الإشعال التي تبدو ضعيفة، والتي تشبه شبكةً عنكبوتية من المعدن الأسود. كان سطح المكُّوك الأملس يقي من الحرارة والضغط الخاصين بالإفلات من الجاذبية ومعاودة الدخول عبْر الغلاف الجوي. وكانت تحيط به دفقات متقطعة من البخار المنبعث من المحرك.

وقف أحد ضباط «المفوضية العليا المتحدة» أمام مدخل منصة التوصيل، وتحقَّق من هويتيهما عن طريق تمرير عصًا ماسحة للهوية عبْر شارتيهما، ثم أجاز لهما المرور إلى جهاز المسح. رفعتهما منصةُ التوصيل في صمت إلى الجزء الداخلي من المكُّوك.

•••

كانت ردهة الفندق تقع في منتصف المسافة إلى أعلى الجرف، وكانت نافذتها البالغ عرضها خمسين مترًا من الزجاج السميك تبرز إلى الخارج والأعلى بحيث تتيح للمشاهدين إلقاء نظرة جيدة على عملية الإطلاق وما يعقبها من صعود.

قال صوتٌ منبعِث من السماعة: «دقيقة واحدة على الإطلاق.» كان الأشخاص الموجودون في الردهة، والبالغ عددهم مائة أو نحو ذلك، وأغلبهم من أصدقاء ركاب المكُّوك أو أقربائهم؛ قد اتخذوا مواقعهم بالفعل بجانب النافذة.

أظهرت شاشة معلقة على جدارٍ جانبي العدَّ التنازلي بأرقامٍ ذهبية كانت تُومض من حجمٍ صغير إلى كبير، وبدا الاحتفال التقليدي مفعمًا بالمشاعر ومثيرًا للسخرية في الوقت ذاته:

١٠،٩،٨،٧،٦،٥،٤،٣،٢،١.

صفر! وأخذ الجميع يُهلِّلون بينما أخذ المكُّوك يرتفع من مركز سحابة كثيفة من الدخان، وصعد ببطء مبتعدًا عن الضوء الغامر، وقد احتبست أنفاسهم من ضخامة حجمه وجماله، وهو يشقُّ طريقه في سماء الليل.

شاهَدوه وهو يرتفع أعلى وأعلى، إلى أن رأوا ومضةَ الاشتعال، ثم زلزل الدويُّ الذي أتاهم من على مسافة خمسة آلاف قدم الجرفَ كله وزلزلهم معه.

•••

قال كمبيوتر الرحلة الرئيسي: «نحن في المسار المحدَّد إلى المدار.» أجرت خمسة كمبيوترات أرى حساباتها وأكَّدت صحة سلاسل التوجيه الخاصة به. من المفترض نظريًّا أن تكون السيطرة للمراقبة الأرضية في مطار مكاليف أو لعمليات الطيران في محطة أثينا، لكن من الناحية العملية كانت القرارات وعمليات التوجيه تتمُّ في غضون أجزاء من الملِّي ثانية أو أقل من هذا، ومِن ثَمَّ تعين أن تكون كمبيوترات الرحلة جاهزة في كل الأحوال.

بل إنَّ كمبيوترات المكُّوك البالغ عددها ستة، والتي لا تُطفأ مطلقًا، كانت تعمل حين لا يَطير المكُّوك؛ إذ تَنشغِل بدراسة سيناريوهات مروِّعة وبعيدة الاحتمال متعلِّقة بفشل الآلات أو الجنون البشري أو «العوامل القدرية» التي يُضرَب فيها المكُّوك بصاعقة برق أو يدخل في قلب إعصار جامح أو زوبعة أو عاصفة ثلجية. كان كل كمبيوتر منها يرى نفسه الأفضل، لكن لم يكن ثَمَّة فارق كبير بينها.

قالت محطة أثينا: «تأكيد حالة الانطلاق. لقد تجاوَزتُم مرحلة إجهاض المهمة أو التراجع عنها.»

قال الكمبيوتر: «نحن مستعدُّون يا أثينا.»

قالت محطة أثينا: «تعالوا إلينا إذن.» ثم بدأ المكُّوك في ارتقاء شعاع الضوء المتصل الذي يمتدُّ إلى الأعلى لمسافة ثلاثين ألف ميل، نحو المحطة الأولى في الرحلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠