الفصل الرابع

مقهًى افتراضي

جلس جونزاليس وديانا في ساحة هالو المركزية برفقة ليزي. كانت أضواء — حمراء وزرقاء وخضراء — متجمعة في فروع أشجار القيقب كثيفة الأوراق التي كانت تحيط بالساحة. كان دخان شوايات البائعين يملأ الهواء برائحة اللحم والسمك المشوَّيين. وعلى مقربة، كانت مصاعد يغمرها ضوء أصفر تصعد الشعاع السادس. كان بعض الناس يتمشُّون في أرجاء الساحة، بينما جلس البعض الآخر في مجموعات صغيرة، وقد أحدثَت أصواتُهم ضجيجًا خافتًا من الهمهمة في الخلفية.

قالت ليزي: «أيها النادل.» فجاء إليها أحد الروبوتات يتهادَى على عجلاته، ثم توقَّف عند طاولتهم ووقف في صمت. سألته: «ماذا لديكم اليوم؟»

قال: «لدينا كيفيش مصنوع منذ ساعات قلائل، يقول الجميع إنه طيب المذاق للغاية، وهو مصنوع من سمك تونا مأخوذ من المُربى المائي، يُمكنكم أيضًا تناوله مشويًّا. أما لمُحبِّي تناول اللحوم فلدينا لحم ماعز مشوي على السفُّود. وغير ذلك هناك أطباق السوشي، والسلاطة، والسوكياكيس.»

تساءلت ليزي: «كيفيش للجميع، ما رأيكم؟»

قالت ديانا: «لا مانع.» وأومأ جونزاليس موافِقًا.

قالت ليزي: «وأحضر لنا طبقَين كبيرين من السلاطة، وسوشي للجميع، وعددًا من الأطباق الفارغة. ما رأيكما ببعض الجِعَة المحلية؟» أومأ الاثنان موافقَين.

قال الروبوت: «نعم آنسة جوردان. وكثير من الخبز كالمعتاد؟»

قالت: «بالتأكيد، أشكرك.»

كانت خيوط من الضوء تُميِّز حدود المنطقة التي كانوا يَجلسون فيها. وفوق بوابة شبكية بيضاء كانت ثَمَّة حروف حمراء من النيون تقول «المقهى الافتراضي». كان هناك نحو عشرين طاولة موزَّعة في الأرجاء، ومزهريتان خزفيتان بيضاويان بارتفاع مترَين تنبثق منهما زهور برية. كان نحو نصف الطاولات يجلس إليها أشخاص، وأخذت روبوتات الخدمة تَتنقِل في صمت بينها، بعضها يَحمل صوانيَ فضية كبيرة من الطعام. كان البعض الآخر يقطع الخضراوات بسرعة أو يقطع شرائح حمراء سميكة من التونة، بينما وقف البعض الآخر عند أواني الطَّهي؛ حيث كان يطهو الخضراوات بالزيت الساخن باستخدام بعض الأذرع العنكبوتية. ومن وقت إلى آخر كان أحد الروبوتات يمدُّ مجسًّا ويلصقه في جسد الماعز الذي يدور على السفُّود.

رفع الروبوت صينية كبيرة على أذرعه الرفيعة، وعلى الصينية كانت توجد أطباق من الخبز الفرنسي وسلطانية من الزبد، وزجاجات داكنة من جِعَة الملائكة، على ملصقاتها الفضية كان يوجد شكل خُنثوي باللون الأبيض عاقدًا ذراعيه وله جناحان مريشان مبسوطان فوق رأسه.

رفعت ليزي كأسها وقالت: «مرحبًا بكما في هالو.» وقرع الثلاثة كئوسهم معًا، باسطين يدهم عبْر الطاولة بتلك الحركات الخرقاء المعتادة.

•••

بعد تناول العشاء وجد ثلاثتهم بعض المقاعد الخاوية في مساحات الميدان المفتوحة، وجلسُوا يَنظُرون إلى السماء المعلَّقة القريبة.

نظرت ليزي إليهما، كما لو كانت تُقيِّمهما، ثم قالت: «ما كنت أسأل بشأنه من قبل هو … هل لدى أيكما أي أهداف خفية؟ لو كان الأمر كذلك فأخبراني به الآن، وسنرى ما يُمكن عمله، لكن لو تسبَّبتما في أي مفاجآت بغيضة لاحقًا، فسنَجعلُكما عِبرةً لمن يَعتبر.»

قالت ديانا: «أعلم ما تقولين. لكنَّني لا أظن أن عليكِ القلق بشأننا. إن جونزاليس له اتصالات بأوَّلَي الحَل والربط، لكنَّني أظن أنه ليس مَصدرًا للأذى، وأنا بعيدة عن أجواء العمل تمامًا، وجئت إلى هنا لأسباب شخصية بالكامل.»

أومأت ليزي إلى جونزاليس وقالت: «أنت مُمثِّل الشركة، أليس كذلك؟» وكانت تَنظُر إليه في جدية لكنها بدت غير متحفِّزة.

قال: «بلى!»

سألته ليزي: «ألديك خطط لإفساد أيِّ أمر؟»

قال جونزاليس: «كيف لي أن أعلم؟» فضحكَت ليزي. أضاف: «أنتم لدَيكُم مُشكلاتكم، ولديَّ مشكلاتي. لا أرى كيف يُمكن أن يحدث صراع، لكن ما لم تكونوا مُستعدِّين لإخباري بكل أسراركم الخفية، فلن أستطيع إلا التخمين.»

قالت ليزي: «سأُخبرك بحقيقةٍ أساسية: إن جمعية الاتصال تُولِي اهتمامها بعضها لبعض، ولألِف، ثم لسينتراكس، ثم هالو … وهذا كل ما في الأمر. أما ما يحدث على الأرض فلا نَكترث به البتة. خصوصًا أولئك الذين كانوا هناك منذ وقتٍ بعيد. مثلي.»

أومأ جونزاليس وقال: «هذا ما ظننتُه. ويبدو أن لديكم صراعًا حول السيطرة على ألِف مع شوالتر وهورن.»

قالت ليزي: «بالفعل. وكذلك مع أيِّ شخصٍ يُسيطر على ألِف.»

سألتها ديانا: «منذ متى وأنتِ هنا؟»

قالت ليزي: «منذ أن أحكموا إغلاق المكان بحيث يُمكنك التنفُّس. من البداية.» ثم أشارت إلى الجهة المقابلة من الميدان وقالت: «سيَعزِفون بعض الموسيقى. لنُلقِ نظرة.»

تحت رذاذ من الضوء المنبعث من سارية عند حافة الميدان، جلست امرأة شابة عند طاقم عازفي الطبول. كانت تَرتدي كنزة مصبوغة تتناثَر عليها خيوطٌ باللونين الأرجواني والأزرق السماوي، وكان شعرها منتصبًا على شكلِ شوكةٍ ارتفاعُها ست بوصات. وضعت صندوق إيقاع فوق حامل معدني، وفتحت لوحة التحكُّم الخاصة به، ونقرت على لوحته بضع نقرات تمهيدية. وقف رجلان إلى جوار عازفة الإيقاع. كان أحدهما شخصًا عاديَّ المظهر يَرتدي بنطالًا من الجينز القطني وتي-شيرتًا، وكان معه العصا المعتادة تتدلَّى من حزامٍ أسود، وكانت أجهزة تحكُّم وترية وإلكترونية طويلة موضوعة داخل جزء ناتئ في الطرف الخلفي. أما الآخر فكان يَبلغ طوله ستَّ أقدام ونصف القدم، وكان شديد النحول حتى لتخال أنه يَتمايل، وكانت بشرته أبنوسية تقريبًا وبدا رأسه الحليق تمامًا مستطيل الشكل على نحو مثالي. كان يرتدي قميصًا أسود ذا كُمَّين طويلين أزراره معقودة حتى العنق، وبنطالًا أسود. وفي يدِه الضخمة كان ثَمَّة بُوق ذهبي يبدو ضئيلَ الحجم بالمقارنة.

نقَرَت عازفة الإيقاع على مفاتيحها، وتدفَّق صوتُ دقَّاتٍ مختلطة بطيئة، وصدر صوت ميكانيكي يتحدَّث بالعبارة التالية على خلفية ضربات الإيقاع: «بام! راتا بام! بام! راتا بام!» انضمَّ العازف الوتري إلى عازفة الإيقاع مُصدِرًا نغماته؛ الصوت الجهير العابر، ونغمات البيانو المتقطعة، البطيئة والموجزة. أما عازف البوق فوقف مُغمضًا عينيه، كما لو كان يفكر. وبعد عدة نغمات جماعية بدأ العزف.

بدأ ببعض نغمات الساكسفون الحادة، وتحوَّل إلى البوق ثم إلى الساكسفون مجددًا، وكان يعزف على كليهما في تناغم، بحيث يتنقل بين الاثنين ويضرب على الجيتار الكهربائي أمام نغمات البُوق. انبعثت أصواتٌ متصاعِدة بين النغمات، ولم يَستطِع جونزاليس أن يتبين مَن منهم كان يصدرها. كانت يدا عازفة الإيقاع على لوحتها، وقدماها تضربان عددًا من ألواح الركل أسفلها، وتسارَعَ إيقاع الأغنية، وصارت إيقاعاتها متعدِّدة، أفريقية.

وقفت المرأة وأخذَت ترقص؛ إذ صار جسدُها الآن هو آلتها الموسيقية؛ حيث إن قدمَيها ويديها وجذعها جميعها متصلٌ بأجهزة الإيقاع، وأخذت تطوف بين الجمهور، وحركتها تزداد في الحدة والسرعة. صارت نغمات الأغنية متنافِرة، شمال أفريقية وآسيوية في الوقت ذاته، وأخذ العازف الوتري وعازف البوق يَتنقَّلان بين المزامير والأجراس والأبواق، وصارت أصوات الغناء الشبحية خنفاء، وأخذت الراقصة عازفة الإيقاع تصدر أصوات قرقعة فجَّة وأصواتًا جوفاء وأصوات أزيز، علاوةً على صوت ألف طبلة.

أخذ الجمهور يُصفِّق ويُصفِّر ويَهتف، باستثناء المجموعة الآتية من جمعية الاتصال؛ إذ أخذت تَهتف بصوت واحد قائلة: «هووت.» مكرِّرة هتافها بصوت مرتفع. كانت ليزي تَبتسم، بينما جلسَت ديانا في حالة نشوة، مُحدِّثة في الفضاء، وانتابت جونزاليس رجفة باردة قائلة في نفسها: «كان هذا ما تراه حين كانت عمياء.»

واصل أفراد الجمعية هتافهم، وشكلت المجموعة كلها حلقة متصلة، بحيث كان كل شخص يدع يديه على خصر الشخص الذي أمامه. اندفعوا إلى الأمام إلى أن اكتملت الدائرة، ثم أحاطوا بالعازفة، والخط كله لا يزال يتحرَّك، وأغلبهم لا يزال يصدر صيحات الهتاف. تمايلوا إلى الأمام والخلف، واليمين واليسار، بينما اندفع الخط إلى الأمام، وواصلت العازفة رقصتها الصوفية.

وحين امتلأ الليل بكل الأصوات، كسرت العازفة ذلك الخط، ثم اختتمَت أغنيتها بسلسلة من اللفات والشقلبات إلى أن صارَت بجوار العازفين الآخرين، وهناك وقفَت على قدمَيها ورفعت ذراعيها عاليًا مع صوت النغمات الأوركسترالية، ثمَّ إلى الأسفل كي تقطع الصوت، لأعلى ولأسفل، مرارًا وتكرارًا، إلى نهاية الأغنية.

صعدت العازفة على ظهر الرجلَين، اللذَين وقفا عاقدَين ذراعَيهما، ووضعت قدمًا على كتف كلٍّ منهما، وضمَّت راحتَيها معًا أسفل ذقنها وانحنت نحو الجمهور، ثم رفعت ذراعيها لأعلى رأسها وتشقلبَت إلى الأمام وهبَطَت أمام زميليها.

واصل أفراد الجمعية هتافهم، وقد انكسر الخط الذي شكَّلُوه.

تقدَّم العازفون الثلاثة خطوةً إلى الأمام وانحنَوا في الوقت نفسه.

لمح جونزاليس ليزي وهي تنظر إليه، وتلاقت نظرتاهما وامتدت للحظة إضافية يكاد يتعذَّر قياسها، ثم ابتسمت.

انحنى العازفون للمرة الأخيرة موجِّهِين التحية لأفراد الجمعية الذين يهتفون لهم. فكَّر جونزاليس في نفسه قائلًا: «حسنًا، يُعجبني هذا، هووت.»

•••

استلقَت ليزي في فراشها، تتقلَّب من جانب إلى آخر، ثم استلقَت على ظهرها وفردَت ذراعَيها.

بدا أن الشخصَين الآتيَين من الأرض لا غبار عليهما. كانت تعلم أن عليها الحذر من جونزاليس بطبيعة الحال — فحسب ما قالته شوالتر فإن الرجل يعمل لصالح إدارة الشئون الداخلية وله علاقات بأحد اللاعبين الكبار في سينتراكس، تراينور المرشَّح لشغلِ عُضوية مجلس الإدارة — ولا يعلم أحد ما السيناريو الذي يُنفِّذه. أما ديانا هايوود فلا قلق بشأنها؛ فقد كانت المرأة بصدد شيء أغرب مما كانت تُدركه على الأرجح، لكن كانت هذه مُشكلتها هي، مشكلتها ومشكلة ألِف.

أما عن شوالتر وهورن فقد كانا مشكلتها هي؛ فهما مستعدان لإنهاء الأمر كله لو بدا أن ثَمَّة خطأ ما. في الحقيقة، لم يكونا ليسمحا به لولا إصرار ألِف. كانت ألِف والجمعية تريان أن حالة جيري تشابمان تُعَدُّ فرصة للتوسُّع في قدرات ألِف، غير أن الأمر كله كان يثير حفيظة شوالتر وهورن.

كانت ألِف نفسها تثير قلقها؛ إذ لم تكن واضحة بشأن المشروع وأولئك المشاركين فيه، كما لو كانت تُخفي شيئًا عنها … لكن لماذا؟ وفي مشروع صغير كهذا، يبدو غير ذي أهمية مقارنةً باهتِمامات ألِف الأكبر؟ ما الذي يَدُور في خَلَد هذه الآلة المخادعة؟

وهكذا استلقت ليزي، والأفكار تدور في رأسها دون جواب، ثم استسلمَت ونادَت حبيبها الصيني.

كان يَرتدي رداءً حريريًّا أسود اللون، يُزيِّنه من الأمام صورة بارزة لتنِّين قرمزي، وقد انسدلَ شعره الأبنوسي على كتفَيه. وحين ترك الرداء يسقط عنه بدا جِلدُه لامعًا بلونٍ يشبه الذهب تحت ضوء المصباح، وبرَزَت عضلاته في إظهارٍ واضح للشباب والفحولة.

انزلقت الملاءات البيضاء الخشنة عن كتفيها وصدرها بينما نهضت لتحييه، ثم شعرت بالرغبة تتصاعد في جسدها وتحتشد في صدرها كما لو كانت تحت تأثير مخدِّر حُقنَت به.

ضغطت جسدها إلى جسدِه، وشعرت بيديه القويتين الخشنتين تتحسَّسان جسدها. استلقَت على ظهرها بينما أخفضَ رأسه بين ساقيها، ثم باعدت بين ساقيها.

بعد أن وصلت إلى هزة الجماع للمرة الأولى، تحرَّكت واعتلته وهي تفتح ساقيها، ولوقتٍ بدا كالدهر أخذ الاثنان يتحركان وفق الإيقاع الذي يناسب احتياجها تمامًا؛ بينما شفتاه ولسانُه وأصابعه تعبث بجسدها.

بعد أن شعرَت بالإشباع الجسدي صرفتْه، ذلك الشبح نتاج ماكينة الجنس، ثم جذبت المقبسين من التجويفَين الموجودين في رقبتها. بعد ذلك استلقت وحيدة، صامتة في فراشها في مدينة هالو؛ مُنعزلة بسبب وظيفتها وكذلك، كما ظنَّت، بسبب طبْعها، واعتمادها على الماكينات في نيل الحب.

ربما حان وقت العثور على حبيبٍ بشري.

سرعان ما خلد جونزاليس إلى النوم؛ إذ كان يشعر بالإنهاك بسبب السفر وكل ما رآه من جديد، وبالخدر نتيجةَ ما تناوله من طعام وشراب، وبعدها بقليل أتاه الحلم التالي:

كان برفقةِ حبيبةٍ لم يرَها منذ أعوام. في الخلفية كان ثَمَّة عزف موسيقي لآلتي البيانو والكمان، وكان الليل دافئًا، وفي كل مكان حولهما كان ثَمَّة طيور اصطناعية ذات أجسام ذهبية متلألئة تُغنِّي على أفرع الأشجار. كانا يَجلسان أحدهما قبالة الآخر على طاولة، يحدق كلٌّ منهما في وجهِ الآخَر، وفكَّر جونزاليس كم يحب كل علامة من علامات مرور الزمن على وجهها؛ والتي نقلتْها من حُسن الفتاة الشابة إلى جمال المرأة الناضِجة. تحدَّث هو وهي بالعبارات التي يقولها المرء بعد غيابه عن محبوبه لفترة طويلة: «كم فكَّرت فيك كثيرًا، وافتقدتك كثيرًا، وكم لا تزال تعني الكثير بالنسبة إليَّ.» تدفَّق حديثُهما مُتماسكًا ومن دون هدف، إلى أن استأذنته في المغادَرة، قائلة إنها ستعود في غضون بضع دقائق، ثم غادَرت. جلس جونزاليس منتظرًا، يشاهد الطاولات الأخرى، كلها عامرة بأزواج المحبِّين الذين يَضحكون ويتبادَلُون القبلات. ومع انقضاء الساعات بدأ الآخَرُون في تبادل الهمسات وهم ينظرُون نحوه، ثم بدأت الطيور في الشدو قائلة إنها لن تعود، وعلم أن هذا حقيقي، علم هذا بشكل مُفاجئ، مؤلم، يتعذَّر اجتنابه، كانت حقيقة الأمر أشبه بإحساس عظمة مكسورة …

توقَّف الحُلم كما لو كان فيلمًا انقطع بغتة، وحل محله فراغ عديم الألوان والملامح. تخيَّل مكافئًا بصريًّا للضجيج الأبيض … وفي هذا الفضاء انتظر جونزاليس، وهو يعلم بصورةٍ ما أن حُلمًا آخر سيبدأ …

أخذت أضواء نيون حمراء تتلوَّى في محاكاةٍ سخيفة وقابلة للإدراك لأحرف صينية تكتب كلمة «الباجودا». وكانت تعلو رأس تنين أحمر من النيون، ساكن الآن تحت ضوء الشمس، لكن يصير قافزًا بشراسة متى حلَّ الظلام.

في صبيحة يوم السبت الدافئ ذاك، كان رجال يَرتدُون قبَّعات من اللباد وقمصانًا مخصَّصة للعطلات وبناطيل مَكوية يحملون أكياسًا ورقية بُنية ويخرجونها من معبد الباجودا، ويضعونها على أرضيات شاحنات نقل أو حقائب سيارات. كانوا يتبادَلُون التحية بأن يبصقوا قطعًا من التبغ ماركة لاكي سترايكس وكاميلز وتشسترفيلدز. وكانت نساء يَرتدين أردية قطنية باهتة، وأذرعهن نحيلة كالخيوط وقوية، ينتظرن ويُشاهدن عبْر زجاج السيارات الذي ينعكس عليه ضوء الشمس.

شق جونزاليس طريقه بينهم. كان لضوء الشمس سمة خاصة … وكأنه ضوء مسروق، مأخوذ من زمن آخر. وكانت رائحة دخان السجائر قويةً وعجيبة. أخذت محركات السيارات تَهدِر بصوت مرتفع أجش، ويخرج منها سُحُب من العادم الأزرق الزيتي. وقف جونزاليس في نشوة وسط الروائح والمشاهد في هذا الصباح الذي من الواضح أنه يَنتمي إلى زمنٍ بعيد. كان يعلم (لكن دون أن يدري كيف) أنه كان في بلدة صغيرة في كاليفورنيا في منتصَف القرن العشرين.

دخل جونزاليس إلى القاعة الرئيسية للباجودا؛ حيث امتدت مماشٍ ضيقة بين عرباتٍ مكتظة بألعاب أطفال وسلع منزلية وأدوات. كانت ثَمَّة عربات أطفال معلقة بالمقلوب من خطاطيف مثبتة في السقف المرتفع، وقد تراقصَت ذرات الغبار في الظلام الداخلي البارد. سار بين براميلَ صغيرة مكسوة بالحديد والمسامير وأكوام من أحواض الغسيل المجلفَنة، ثم عبر مدخلًا واسعًا إلى قسم البقالة. اختلطت رائحة الفاكهة والخضراوات بروائح الأرضيات الخشبية المزيتة ورائحة الشحم الساخن المُنبعِثة من نضد الغداء في مقدمة المتجَر.

دلف رجل وامرأة في أواخر مرحلة الكهولة من الباب الأمامي، وكان الرجل ضئيل الحَجم وله شعر أحمر ومزهوًّا بنفسِه، وكان يضع قبَّعة اللباد على مؤخِّرة عنقه، وكانت المرأة بدينة وقصيرة قليلًا، لكن كانت مهندمة جيدًا؛ فكان ثوبها القُطني الأزرق نظيفًا ومكويًّا، وشعرها مموجًا ومُمشَّطًا، وكانت تضع أحمر شفاه وطلاء أظافر أحمر لامعًا. شاهد جونزاليس الرجل وهو يَشتري علبة من تبغ لاكي سترايكس وعلبة من أكياس التبغ المخصَّص للمضغ من نوع بيتش نات.

قال الرجل شيئًا للمرأة الشابة الواقفة خلف النضد جعلها تقهقه، ورغم أن جونزاليس مال إلى الأمام فلم يَستطِع سماع ما كان يُقال …

سار خلف الاثنين بمحاذاة حامل مجلات من الخشب الرقائقي المطلي بالورنيش، وهناك كانت فتاة نحيلة عمرها ثمانية أو تسعة أعوام ترتدي ثوبًا قطنيًّا باهتًا تجلس أمام نسخٍ من مجلات «لايف» و«لوك»، وهي تقرأ قصة مصورة. نظرت إليه وقالت: «توبي ولولو ضائعَين في الغابة السحرية …»

شرع جونزاليس في قول شيءٍ ما ليُطمئنها، لكنه تجمَّد بينما ابتسمَت الفتاة، كاشفةً عن أسنانها، وكل سنٍّ منها مدبَّب، وأسقطت القصة المصورة وبدأت في الزَّحف نحوه على الأرضية الخشبية، وعيناها مُثبَّتتان عليه في تَوق وحشي …

وهنا لاحظ للمرة الأولى أنه لم يكن رجلًا، بل امرأة، وحين نظَر إلى الأسفل نحو جسدِه رأى أنه يَرتدي بلوزة بيضاء بسيطة، وعند شقِّ صدره كان يستطيع أن يرى وشمَ الساقَين الملتفَّتين …

قال جونزاليس: «يا إلهي!» وهو يَعتدِل جالسًا في فراشه ويتساءل عما يدور حوله كل هذا؛ ففي هذا الحلم كان هو ليزي، بدا هذا واضحًا رغم أن ما سواه لم يكن كذلك.

عاود الاستلقاء شاعرًا بنذير سوء، وبعد بعض الوقت غطَّ في النوم مجدَّدًا، ولم يعرف بعد ذلك ما إذا كان قد حلُم بشيء أم لا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠