مُلحق

كلمة في الطب وتسميته وتعريفه
إن اسم الطب عند اليونانيين «إيَّاتْرِيكْي»١ واسم الطبيب عندهم «إيَّاتْرُوس» واسم الطب عند اللاتينيين «مِيْدِيْكُو» أي: دواء، واسم الطبيب «دكتور»، إما من «دُوتشبُو» اللاتينية بمعنى أعلم، وإما من اليونانية «ذِي دَكْتُور» بمعنى المنتسب إلى التعليم أي: المعلم والعالم، وكلها من معاني المعرفة، ومما تتفق فيه اللغات في التسمية، ومن هذه اشتُقت الأسماء الإفرنجية.

واسمه عند العرب «الطُِبُّ» بتثليث الطاء، وهو بمعنى الحذق والمهارة، فيقولون: فلان «طِبٌّ بالأمور» أي: يسوسها بتلطف ورفق على حد قول الشاعر:

وإذا تغير من تميم أمرها
كنت الطبيب لها برأي حاذق

وكأني بتثليث طائه إشارة إلى التفنن المطلوب في العلاج؛ لأن الطبيب يتقلب مع المرض، ويعالجه بجميع أحواله، وفي هذا محاكاة (أرموني) لا تخفى على اللبيب.

ومن الأسماء العربية للطبيب: «الطَّبُّ» و«الآسي»، و«العرَّاف»، وعند العامة «الحكيم»، ولقد قلتُ فيه:

الطب أشرف خدمة لبني الورى
ولكم بها أضحى السقيم سليما
ليس العلاج سوى مظاهر حكمة
فلذاك قد دُعي الطبيب «حكيما»

ومن هذا إشارة إلى أن الأطباء كانوا حكماء (فلاسفة) في القديم.

وفي أسماء الطبيب «المتطبب»، وكثر استعمالها بمعنى المتكلف صناعة الطب، ومثلها «الدجَّال» بمعنى الكذاب.

و«النطاسي والنِّطس» بمعنى الطبيب الحاذق يونانيتها غنُوْسِطس بمعنى العارف والحاذق.

ومن الاصطلاحات الطبية «استطب لوجعه» إذا استوصف له، و«الطبابة» الصناعة، و«الصفة» هي تدوين طريقة تركيب الدواء وتجرعه، وتسميها العامة «الرُّوشتَّة»، وهي كلمة إيطالية Ricetta، وتلفظ ريشتَّا وسماها ابن سيناء «النسخة» أيضًا.

و«الصيدلية» محل تركيب الأدوية وبيعها، وصاحبها «صيدلي وصيدلاني»، وهي فارسية منسوبة إلى «الصندل» وهو شجر هندي طيب الرائحة اسمه بالسنسكريتية «تشَنْدَان»، فنقله الفرس «جندال» وعرَّبه العرب «صندل» وهو من الأدوية، والعامة تسميها «فرْمشية»، وهي يونانية بمعنى بيت العقاقير، وهي ما يُتداوى به من النباتات أو أصولها، (جمع عقَّار).

«والأقرابازين» أي: علم تركيب الأدوية يونانيتها «أَكْرُوْبِيْذِينُوْنْ» منحوتة من «أكرو» أي: أطراف و«بيذينون» أرضي، والمعنى المنفرشة على الأرض أي: النبات أو العقَّار؛ لأن الأدوية كانت في أول عهدها نباتية، والتشريح هو معرب كلمة «أَبْتُوْمِيَّا» اليونانية بمعنى التقطيع، و«التمريض» معرب «ترَابِيَّا» اليونانية، وهي الاعتناء بالمريض من خدمة ومعالجة، ومنها خدمة المرضى في أسرتهم ويونانيتها «كلِينِيك» أي: التمريض السريري، و«الطب الباطني» معرب «بِثُولُوجية» اليونانية، ومعناها الكلام عن الأمراض.

و«البيمارستان» فارسية من «بيمار» مريض، و«ستان» محل، فالمعنى محل المرضى، وعُرب الآن بالمستشفى، وسماه الأتراك «خسته خانه»، وغلب «البيمارستان» اليوم على محل تمريض المجانين، ولعل كلمة «مجنَّة»٢ تعريبه؛ لأن وزن مفعلة لما يكثر فيه الشيء كالمدرسة والمكتبة، وأما ما يُسمى عند الإفرنج باسم «السناتوريوم»، وعند الأتراك «نقاهتخانة» فعربيته «مصحَّة»؛ لأنها للاستشفاء الصحي، ووضع لها بعضهم المَصَحَّ.

و«المستوصف» المحل لمشاهدة المرضى وكتابة «الصفات» لهم لعلاجهم … إلى أمثال هذه الاصطلاحات.

أما حد الطب اصطلاحًا فهو: صناعة فاعلة عن مبادئ صادقة تُحفظ بها الصحة، وهو تعريف الفارابي إياه فهو أحسن حدوده لولا نقصان علته الغائية، ومن أدق حدوده ما أورده الشيخ داود البصير الأنطاكي في تذكرته «العجب العجاب»، وهو: علم بأحوال بدن الإنسان وجسمه يُحفظ به حاصل صحته ويُسترد زائلها.

و«موضوعه» بدن الإنسان في الخصوص، والجسم في الإطلاق؛ لأنه باحث عن أحوالهما الصحية والمرضية، و«مبادئه» تقسيم الأجسام والأسباب الكلية والجزئية، و«مسائله» العلاج وأحكامه، «وغايته» جلب الصحة وحفظها حالًا والثواب في دار الآخرة مآلًا.

هذا ما ذهب إليه خاتمة الأطباء النطاسيين الشيخ داود الآنف الذكر، وهو لا يكاد يخرج عن مصطلحات العصر الحاضر. وفي الحديث الشريف «العلم علمان: علم الأبدان، وعلم الأديان.» ومن أساليبهم «اعمل هذا عمل من طبَّ لمن حبَّ» … إلخ.

(١) الطب وأقسامه

يُقسم علم الطب إلى فرعين، هما: «الطب الإنساني»، و«الطب الحيواني»، والطب الإنساني يُقسم إلى تشريح وتشخيص وعلاج، والتشريح يدخل تحته التحنيط والجراحة. والتشخيص قسمان: الباطني والظاهري، والعلاج يقوم بصفة الدواء وتركيبه في الصيدلية وتجريعه للمريض إلى أشباه ذلك من الفحص المجهري والفني وغيرهما.

والطب الحيواني يقسم إلى تشريح وبيطرة، وهذه تحتاج إلى انتخاب البيطار وآلاته، وتأصيل الحيوانات ومعالجة أمراضها.

فالتشريح: هو علم طبيعي غايته معرفة جميع الأجزاء التي تركب منها الجسم الحيواني باعتبار بنائه ووضعه، ونسبته إلى الأجزاء المجاورة له من حيث المشابهة والمخالفة، وهو أنواع: «تشريح المقابلة» و«التشريح البشري»، «فتشريح المقابلة» يتعلق بالحيوانات ومقابلة أعضائها بما يشبهها أو يخالفها في الجسد البشري.

و«التشريح البشري» يُقتصر فيه على وصف الأعضاء، التي يتركب منها الجسد الإنساني، وإظهار علاقاتها ببعض العلوم الطبية.

وهذا التشريح بقسميه يتفرع إلى التشريح الوصفي، والتشريح الجراحي والتشريح العام، والتشريح المجهري (المكرسكوبي) ويمكن حصره بالتشريح الإجمالي، والتشريح التفصيلي.

والتشخيص هو معرفة المرض وأسبابه والاهتداء إلى علاجه، والعلاج هو السعي بإزالة المرض، و«التحنيط» هو معالجة استبقاء الأجسام بعد موتها بطرق تُحفظ فيها شكلها الطبيعي ما أمكن، و«الجراحة» هي إجراء العمليات من بقر بطن وشق عضو وبتر آخر، وجبر العظام المتكسرة ومعالجة الجراح ونحوها.

ولما كانت الجراحة قائمة بمعرفة الكسر والخلع والقروح، والجروح كانت متقدمة على الطب الباطني لعسره في أول الانتباه إلى التطبيب؛ لأن الجراحة صناعة والطب علم والصناعة متقدمة على العلم في التطور.

والقيام على المريض سُمي «التمريض»، وهو فن ذو شأن اليوم، وكذلك علم حفظ الصحة والترويض البدني.

ولقد قسَّم الشيخ داود البصير الآنف الذكر العلوم البدنية إلى: الطب والتشريح والصياغات والسباحة، وتركيب الآلات والكحل والجراحة والجبر والفراسة، والنبض والبحارين والأقاليم والتأثيرات الهوائية والملاعب والسياسة، وفصَّل مجمل كلٍّ منها.

ولما كان القدماء يميلون إلى المصارعة والقتال اتخذوا الرياضة البدنية من جملة أقسام الطب، وكتبوا فيها كما كتبوا فيه وفي فروعه الكثيرة، ولا تزال إلى اليوم الألعاب الأولمبية من فروع علم الصحة، التي تدرس في المدارس ولا سيما عند اليونانيين.

(٢) إلامَ يحتاج الطبيب؟

قال الإمام الشافعي: علمان شريفان وضعهما ضعة متعاطيهما، وهما الطب والنجوم. وقال الإمام الرازي (من كبار الأطباء): إذا كان الطبيب حاذقًا والمريض موافقًا، والصيدلي صادقًا فما أقل لبث العلة.

والطبيب يحتاج إلى آداب نفسية وآداب درسية، كما يحتاج إلى علوم وأدوات وتمرن وتجربة.

فمن آدابه النفسية التقوى والبشاشة ورقة الأخلاق، ولطف الحديث والمشاركة للمريض في آلامه؛ ليثق بعلاجه والاهتمام في إراحته والإجابة على أسئلته بما لا يزيده حدة ولا خوفًا، ولا سيما في الأمراض العصبية على حد قول بعضهم في طبيب جامع لأحسن الأخلاق ومحاسن البراعة:

لو غضبت روح على جسمها
أصلح بين الروح والجسم
كأنه من لطف أفكاره
يجول بين اللحم والعظم

وأن يكون ذا هيبة ووقار مع لطف وأنس على حد قول سويد بن رقيقة:

قالوا خليق بالطبيب بأن يرى
بالطبع يعدم رونقًا وجمالًا
صدقوا ولكن لا إلى حد به
يؤذي المريض ويفزع الأطفالا

ومن صفات الجراح أن يكون قوي القلب كثير الذكاء، وافر التدقيق شديد الانتباه، رشيق اليد سريع العمل مطلعًا على أسرار الطب الحديث معتنيًا بالنظافة الواجبة؛ لأن كلًّا من التطهير والتعقيم والتجريد لقتل الجراثيم ضروري، بل بمكان عظيم من الصناعة، فضلًا عما يجب أن يقتني من الآلات الحديثة والأدوات المختلفة لإجراء العمليات على اختلاف أنواعها إلى كثير من الآداب.

ومن «آدابه الدرسية» أن يُكثر من المطالعة ويقف على ما استحدث من المعالجات، وطرقها الفنية والتروي عند تدوين الصفة (الروشتة) للعلاج، واتخاذ أبسط العلاجات إذا لم يكن لمركباتها وأخلاطها شأن أهم، وأن يتمرن على ذلك بالمشاهدة والعمل.

وأن يوفق بين الإقليم والمزاج والعلة، وذلك باختبار البلاد وأمزجة سكانها ومعالجة أمراضهم على اختلافها بحسب الإقليم، فيستفرغ الدم حين الحاجة إلى استفراغه وإن لم تسمح له الكتب الحديثة بذلك؛ لأن لكل بلاد طبَّها ولكل داء دواءَه، وهكذا الحال في المعالجات الأخرى، وضروب التفنن فيها في كثير من الأمراض العصبية والشئون الغريبة.

وإلى هذا ألفت أنظاركم أيها الأطباء الكرام والطلبة الأدباء، أن توفقوا بين علم الطب وطبيعة البلاد وأمزجة السكان؛ لأن الطب المبني على شئون البلاد الباردة هو غيره في الحارة، وهكذا الحال في البلدان المعتدلة والأقاليم المتلونة، فكان المتعلم للطب الإنكليزي أو الإفرنسي أو الأميركي مثلًا يجد كل فن موافقًا لأمزجة السكان، وحالة الأقاليم وتجارب الأطباء، ولكنه قد يخالف ما عند غيره من الأمم الأخرى سكان البلدان المختلفة.

وإذا تقصينا في البحث قليلًا نجد أن الطب العربي يوافقنا من أكثر الوجوه؛ لأنه مبني على طبائع أمزجتنا وأقاليمنا، مفيد لنا في دفع الأمراض عنا، فيا ليت المجامع العلمية تعقد جلسات خاصة للأطباء؛ ليطالعوا قديم المؤلفات عندنا وكثير ما هي، ويستخرجوا من دفائنها ودقيق تجاربها ما يوافقنا مطبقًا على العلاج العصري والآراء الحديثة.

وعلى الجملة فإن الأطباء تتفاوت درجات معارفهم في أقسام الطب وفروعه التي يزاولونها، فمنهم من ينبغ في طب العيون، فيكون فيه أحذق من العلاج الباطني، والآخر يكون اختصاصيًّا في الجراحة ومتفوقًا في إجراء عملياتها، ولا بد له في معالجة الأمراض، فالاختصاص في هذه الصناعة جمُّ المذهب كبير الفائدة، وأفضل ما يأخذ الطبيب به نفسه ألا يغرَّر في تعاطي ما لا براعة له فيه مقتصرًا على الفرع الذي أتقنه، فلا يجني ضررًا على أحد ولا يفقد ثقة الناس به؛ لأن الطبيب هو المؤتمن على نفس المريض، فعليه أن يبذل ما في وسعه لشفائه ليقول له مع العتابي الشاعر:

ما زلت في غمرات الموت منطرحًا
يضيق عني وسيع الرأي من حيلي
فلم تزل دائبًا تسعى بلطفك لي
حتى اختلست حياتي من يدي أجلي

وأما العلوم التي يحتاج إليها الطبيب، فأهمها علم الطبيعيات والفلك والكيمياء والرياضيات، ولا سيما الجبر والهندسة وعلم النبات والحيوان، وعلم منافع الأعضاء وعلم النفس والتشريح والصيدلة والوقوف على أسرار العلم الحديثة، كالفحص المجهري والمعالجة بالمصل والتلقيح والتصوير بأشعة روتنجن، وأن يتقن لغته مع لغة أخرى عصرية على الأقل … إلخ.

وزبدة مخيض القول: أن أهم واجبات الطبيب تنحصر في قولنا: «يجب أن يكون عالمًا عاملًا»، فإذا لم يتقن علمه ويجتهد في ترقيته، وإذا لم يزاول العمل ويشهد الاختبارات والعلاجات، فلا يسوغ له أن يُسمى بالطبيب، ومن أفضل ما يزيده براعة شهود العمليات الجراحية في المستشفيات والتجارب الطبية في المختبرات الصحية، فهو يحتاج إلى رحلة في البلدان الراقية، كما كان يفعل قدماء الأطباء، وكما يجري عليه اليوم كبار أطباء العصر.

أما الصيدلي فآدابه أن يكون مدققًا في عمله صادقًا في مبادئه بارعًا بالتحليل والتركيب الكيماويين، مطلعًا على مركبات الأدوية ومقادير أجزائها ضابطًا للموازين الدقيقة ووزناتها، كثير الانتباه إلى الصفة (الروشتة) التي تُسلم إليه فإذا وجد فيها خطأ راجع الطبيب لإصلاحه، أو أصلحه هو بذاته إذا استطاع إلى ذلك سبيلًا، وكثيرًا ما يخسر الطبيب الحاذق مهارته بتشويش تركيب الدواء؛ فلهذا كان مشاهير الأطباء القدماء هم المعالجون والصيادلة والممرضون.

والممرض يجب أن يكون مترويًا حاذقًا صبورًا مدققًا في أعماله كثير الحرص على النظافة، رقيق العواطف نحو مريضه … إلخ.

(٣) ما الداعي إلى معرفة التشريح والطب؟

إن حرص الإنسان منذ القديم على استبقاء حياته، وطمعه في دنياه وزخارفها وتماديه في كسب لذاتها حدا به إلى مكافحة الأدواء التي تلم بجسمه، ورفع الآلام التي تقلق راحته وإقصاء عوادي الزمان التي تتخونه تمتعًا بطول العمر، وتوغلًا في اجتناء اللذات، كل ذلك كان الداعي إلى إيجاد «الطب».

ثم بعد أن يموت الإنسان يشتد حرص ذويه ومريديه على حفظ جثته بينهم سالمة؛ ليمتعوا أبصارهم بها ولو كانت هامدة جامدة، ولا سيما إذا كان عزيز قومه وموضع آمالهم، فعالجوا استبقاءها على حالتها الطبيعية، فعرفوا بذلك فن «التشريح»، ومنه تطرقوا إلى «التحنيط»، فأتقنوا لذلك «الجراحة» وعرفوا مضادات الفساد.

فهكذا وجد الطب وما يتعلق به مع الإنسان الأول، وما زال يرافقه فيزيده إتقانًا بمباحثه وكشوفه واختراعاته، متطورًا بحسب أهوائه ومعتقداته، مرتقيًا بالتجربة والاستقراء والاختبار، مكملًا بالعمل.

واتخذ الأدوية من المواليد الثلاثة الحيوانية والنباتية والجمادية، وبرع بالكيمياء تحليلًا وتركيبًا ومزجًا واستقطارًا، فتولَّد من ذلك علم تركيب الأدوية (الأقراباذين)، ثم الاستشفاء بالتمريض واختيار الأماكن الجيدة الهواء.

(٤) أصول الطب القديم

لما كان الإنسان في بداوته ساذجًا كانت أعماله أيضًا بسيطة، فكان الطب القديم مبنيًّا على الطبائع الأربع في عرفهم، وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والعناصر الأربعة في زعمهم أي: النار والماء والهواء والتراب٣ والأمزجة الأربعة أي: الصفراوي والبلغمي والسوداوي والدموي.

ولقد تولى كهنة الهياكل الدينية العلاجات، فبنوا الطب على أوهامهم وأهوائهم وخرافاتهم؛ فلذلك جعلوا العلاقة بين الإنسان والأجرام الفلكية والظواهر الجوية أساس طبهم؛ لتأثرهم بها، فشبهوا الإنسان بالفلك زاعمين أن مخارجه كالبروج تبلغ اثني عشر عدًّا، والحمل والعقرب للعينين، والثور والميزان للأذنين، والجوزاء والسنبلة للمنخرين، والسرطان للفم، والأسد للسرة، والقوس والحوت للثديين، والجدي والدلو للسبيلين.

وجعلوا حواسه الخمسة للمتحيرة الخمسة كقسمة البروج، ونفسه كالشمس بجامع عدم التغير، وعقله كالقمر في النقصان والزيادة والكمال، وعروقه كالدرج ومفاصله كالدقائق، وحالاته كالجهات.

وثبت في اعتقادهم أن البلغم كطعام لم ينضج، والدم كمعتدل النضج والصفراء، كمجاوز الاستواء ولم يحترق، والسوداء كمحترق.

وقال بعضهم في أخلاط الإنسان: الصفراء كالطفل يغضب من كل شيء ويرضى من لا شيء، والدم كالعبد وربما قتل العبد مولاه، والبلغم كالملك الجائر إذا غضب لا يرضى إلا بقتل عضو شريف، والسوداء كاللص الحاذق إذا دخل البيت لا يرضى إلا بسرقة أجلِّ شيء وهو العقل.

وعرفوا أن الدواء يكون إما بالإسهال وله زمن الربيع والخريف، أو باستفراغ الدم وله الربيع فقط، أو بالأشربة ولها الصيف، أو بالمعاجين ولها الشتاء؛ ولذلك كانوا يتحينون للعلاج الأوقات المناسبة المبنية على سعد الطالع للمعالجة، خاصين كل نوع من المرض بحالة تناسبه، وراصدين الكواكب وواضعين التقاويم، يتطيرون ويتفاءلون، وهم أسرى الطبيعة والظواهر الجوية، يؤثر فيهم أقل تغيير، ويخيفهم أدنى طارئ مثل اقتران وكسوف وخسوف ومذنب ونيزك وطالع.

ومن أنواع المعالجات في الطب القديم الكي والفصد والحجامة والإسهال، والمعرقات والمخدرات والمنبهات والمهيجات، والمسكنات من الزرائع البسيطة والتدابير البيتية والوسائط الطبية.

وكثيرًا ما كانت أدوية القدماء العوذ والأحجبة والتمائم، والرقي من أنواع السحر والطلاسم التي لا نزال نرى بعضها شائعًا إلى اليوم.

فللمصريين والآشوريين واليونان رقى وخرافات هي غريبة في بابها، واتصل كثير منها بالعرب،٤ وكانت عوذة الرومان ضربًا من الفطر يعلقونه على صغارهم وقاية لهم، ولقد قال الشاعر فيرجيل الروماني يصف نحول قطيع لبعض رعاة عصره أُصيب بالعين: «إن عينًا شريرة رمت خرافي بسهامها، فأصابتها وغادرتها قضافًا لم يبق منها غير جلد على عظم.»

وكان مشاهير أطبائهم الكاهن والمعزم والعراف والساحر والراقي والمنجم؛ فلذلك تُرك العليل أحقابًا لرحمة الطبيعة، ولطالع الحظ يتقلب على فراش الآلام، وليس له من منقذ إلا الأوهام، فكثيرًا ما مات الناس من الإهمال والإمهال.

(٥) تاريخ الطب في جميع أدواره

إن للطب أدوارًا مثل بقية الأشياء في الكون وهي: دور النشأة، ودور البلوغ ودور الهدم، فكان الطب في دوره الأول مبنيًّا على الخرافات وممتزجًا بالعقائد الدينية لشيوعها، فجُمعت التجارب الطبية أولًا في الذاكرة وبقيت أحقابًا تروى، ثم دُونت بالصحائف على اختلاف أنواعها، وعلقت في الهياكل ثم سجلت في كتب وتداولتها الأيدي تمحيصًا وتحقيقًا من أقدم عصورها إلى يومنا، فارتقت ارتقاءً مذكورًا مع بقاء كثير من المجربات الصحيحة دستورًا للعمل وحجرًا للزاوية.

ولما كان الإنسان في أول أدواره يغتذي بالنبات كانت صحته قوية وغذاؤه طبه، فلم تطرقه الأمراض بكثرة ولا احتاج إلى التطبب حتى إذا أكثر من تناول اللحوم طعامًا، وتأنق في إعداد ألوان الموائد والتوابل والبقول واكتظت معدته بأخلاطها، تناوبته الأمراض ولازمته العلل، فأودت بحياته وتسلسلت الأسقام موروثة، وأصبحت البنية عرضة لتأثيراتها حتى انقرضت بعض الأسر والقبائل؛ لتفشي الأمراض الوبيلة والأدواء العضالة في بينها، متوارثة من السلف إلى الخلف.

وكانت طريقة معالجتهم القديمة إلقاء العليل في قارعة الطريق، وحفظ ما يعالجه به الخبيريون أو كتابة ما يوصف له من الأدوية على الألواح، والإشارة إلى الأمراض، فتعلق الألواح في الهياكل وتشيع منافعها، وهذا الدور هو الذي يُسمى «بطب الهياكل».

ثم كثرت عناية الناس بالطب والعلاج، واخترعت بعض الآلات وكشفت بعض الأدوية، فانتبه الإنسان إلى أشياء جديدة غفل عنها من تقدمه، فعرفت الزرائع الحديثة في الطب، واهتدي إلى الطرق المفيدة إلى أن وصلت إلى مبادئ التلقيح والاختمار والاستنقاع، والحقن بالمصل والتطهير والتعقيم والتجريد … إلخ.

كل ذلك كان من دواعي ارتقاء الطب والجراحة والتشريح وما يتعلق بها.

ولكثرة مَن تداول الطب في القديم من الأمم لم يُجزم بموجِده، ولكنه ليس إلا نتيجة تجارب الأمم على اختلاف عصورهم، وأماكنهم وطرقهم وأسرار ميلهم إلى البقاء، والحاجة أم الاختراع.

فلهذا ندون الآن ملخص تاريخ الطب عند الأمم المترامية في القدم عصرًا فعصرًا وأمة فأمة، مشيرين إلى ما انتاب هذه الصناعة من التقدم والتقهقر والنهضة والانحطاط.

فنسرد تباعًا ما عرفه المصريون والعبرانيون والبابليون والآشوريون والكلدانيون والفرس والهنود والصينيون والأحباش والسكيتيون والتتر والترك واليونانيون والرومانيون والمسيحيون والعرب والأوروبيون إلى عصرنا الحاضر، كاشفين القناع عن حقائق غامضة، وأسرار مكتومة أظهرتها الأحافير وأيدتها الآثار، فدعمت التاريخ بدعامة منيعة، وأزالت ما اعترض المؤلفين من غريب المشاكل وعويص الألغاز، وعلى الله الاتكال.

الخلاصة

يُلخص من هذا المقال أن الطب انتقل تدريجيًّا من «طب الهياكل» أو «الطور الخرافي» أو «طور التجارب» المبني على الحدس والأوهام والنحوس، والسعود والتنجيم إلى «الطب العملي»، وهو الذي وضعه أبقراط الملقَّب بأبي الطب القائل في مقدمة كتابه الفصول: «العمر قصير، والصناعة طويلة، والوقت ضيق، والتجربة خطر، والقضاء عسير.» فجمع هذا النابغة من الألواح المعلقة في الهياكل ومن أفواه المجربين، ومن اختباراته وتحقيقاته ما دوَّنه في الصحف، وأنشأ مدرسة لتلقينه فجرده من الخرافات الدينية والأوهام الفلكية، وبناه على التحقيق.

ثم لما أُهمل أمره قيَّض الله له جالينوس الذي صنف نحو مائتي كتاب في العلوم ومعظمها في الطب، فأنعشه بفضل علاجاته الصحيحة وآرائه الصائبة وأبحاثه المفيدة.

فكان عصره الذهبي عند اليونان بعهد هذين الطبيبين الشهيرين، ثم انتقل من بلاد اليونان إلى البطالسة (أو البطالمة) في مدرسة الإسكندرية الشهيرة، التي كانت إذ ذاك أشبه بأكبر جامعة طبية في أوروبة وأميركة في هذا العصر.

ومن الإسكندرية انتقل إلى العجم بواسطة أطباء اليونان، وخدمة نصارى النساطرة الذين شيدوا له مدرسة جنديسابور، وأقاموا المستشفيات والملتجآت والمارستانات والمستوصفات والمصحات.

ثم انتقل من العجم إلى بغداد بفضل الدولة العباسية، فكان بهذا بدء تطوره العربي الذي سنتكلم عنه مطولًا بتفصيل كافٍ في المقال الثاني — إن شاء الله.

١  ولعل منها كلمة «ترياق» لدواء السم، وقيل: هي منحوتة من كلمات معناها «دواء ضد السبع»، أي: ضد عضته.
٢  هي من أوضاع كاتب هذه المقالة.
٣  ليس هذا يثبت الآن؛ لأن من هذه العناصر ما هو مركب، ومنها ما بلغ عدده أكثر من مائة.
٤  راجع مجلة الآثار لصاحب المقالة (٢ :  ٤٠٨)، وفيها مقالة «خرافات العرب قبل الإسلام».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠