لغز العِقد المفقود

كان السيد برادلي كانينجهام ليتون بارعًا، وقد اعترف ألَدُّ أعدائه بذلك، فلم تعترف شرطة سكوتلانديارد، مثلًا، بذلك وحَسب، بل أصرَّت عليه أيضًا. ولم يكن إصرارًا فاترًا، وإنَّما حسب كلمات هربرت كونواي، أحد كبار ضباط سكوتلانديارد، كان ليتون ذا أسلوبٍ ناعم؛ «ناعم للغاية، لدرجة أن الجليدَ يبدو مقارنةً به كأنه ورقة صنفرة.» ولا يبدو ما إذا كان السيد ليتون مُدركًا لهذا المَديح الرقيق أم غافلًا عنه، ولكن من المرجَّح تمامًا أنه كان مُدركًا لهذا الأمر، على الرَّغم من أنه لم يذكره قط. كان رجلًا نبيلًا مهذَّبًا ومدرِكًا لأمور كثيرة، لم يأتِ على ذِكرها مطلقًا.

على المستوى الشخصي، كان السيد ليتون يتمتع بشرَف التشابُهِ الوثيق بأشرار الميلودراما الخُلَّص، لكن فيما يتعلَّق بقدراته العقلية، أثنَتْ شرطةُ سكوتلانديارد عليه باعتباره عَبقريًّا، يفُوق في عبقريتِه الصورةَ النمطيَّة للمُجرم الصامتِ المدخِّن، الذي يسهلُ دومًا رصدُه وإلقاء القبض عليه لا محالةَ. أما السيد ليتون، فلم يُلقَ القبضُ عليه مُطلقًا. ولعلَّ هذا كان السببَ في تأكيد شرطة سكوتلانديارد على براعته، واستعدادِها لتبرير هذه النقطة بعَينها.

كان السيد ليتون موجودًا في كلِّ المحافل؛ ففي تلك المناسبات الرَّسمية، حيث تلتقِي أرقَى الطبَقات الاجتماعية، كان السيد ليتون حاضِرًا. كان على قوائم الضيوف المُختارة لجميع سيدات المجتمع؛ فهو إضافةٌ ساحرة لأيِّ تجمُّع. كانت شرطة سكوتلانديارد تعلَم ذلك. بالتأكيد، ربَّما كان من قبيل الصدفة المحضة أنه كان حاضرًا دومًا في تلك الحفلات التي «تُفقد» أو «تَضيع» فيها المُجوهرات الثمينة، إلا أنَّ شرطة سكوتلانديارد، لم تعُدَّ هذا من قبيل الصدفة على الإطلاق. وهذا مديحٌ آخر في حق السيد ليتون.

كانت شرطة سكوتلانديارد تتطلع، في قرارة نفسها، إلى السيد ليتون باعتباره العقلَ المدبر، إن لم يكن الأداةَ الحقيقية والحيوية، في سلسلة طويلة من عمليَّات سرِقة المجوهرات المحيرة. كانت هذه السرقات تتسم بعنصرَي البراعةِ والدقة — فضلًا عن إحكام التَّنظيم — وهو ما أزعج سلطات سكوتلانديارد، وبرغم الاعتقاد بكل هذا، فلم تجازف شرطة سكوتلانديارد مطلقًا بذكر الأمر أمام السيد ليتون. في الواقع، لم ترَ شرطة سكوتلانديارد سبيلًا واضحًا لذكر الأمر، أمام أيِّ شخص أيًّا ما كان.

كان لدى كونواي بعضُ الأفكار الخاصَّة به عن السيد ليتون، وكان يضعُه في مكانةٍ كانت ستفاجئه، إن لم تُشعره بالزهو. ولعل كونواي قد عبَّر عن رأي شرطة سكوتلانديارد، في بضعِ ملاحظات موجزة، على نحوٍ أوفَى من تعبيري عنه في عِبارات أطول.

إذ قال عن السيد ليتون، فيما يكَاد يكون حماسًا: «إنه محتال، وهو الأذكى على مستوى العالم. لا شكَّ أنه سرَق مجوهرات هيمنجواي، وسوار تشتلنام وجواهر كويز. أعرِف أنه سرَقها، ولكن لا فائدة من ذلك؛ لا فائدة من مجرد المعرفة. لا أستطيع أن أوجه إليه أصابع الاتهام لأنه ذو أسلوب ماكر للغاية. أظن أنني أمسكت به ثم … أكتشف أنني لم أفعل.»

كان هذا قبلَ وقوع حادثة عِقْد فارون. وحين تناهَت إلى علم شرطة سكوتلانديارد هذه الحادثة اللافتة للأنظارِ، زاد إعجاب كونواي بالسيد ليتون إلى أبعد حد؛ إذ عرَف أن ليتون هو المسئول — عرَف ذلك بعَقله وقلبه — ولكن كان هذا كل ما في الأمر. برم شاربَه الأشعث بعنف، وانكبَّ على العمل لإثباتِ التُّهمة عليه، وهو يراودُه شعور مسبق بأنها مهمَّةٌ لا طائل من ورائها.

كانت سِمة البَساطة المطلقة التي تميَّزت بها القضيَّة — وهي عنصُر مشترَك بينها وبين باقي القضايا — هي أشد سماتها إثارةً للحَيرة. أقامت السيدة فارون حفلَ استقبال لسفير الولايات المتحدة في منزلها بلندن، وأحاطَت نفسها بصحبةٍ مرموقة للغاية؛ كانوا ممثلين من إنجلترا، وفرنسا، وروسيا. وحضر بعضٌ من أجمَل نساء القارة ودوقتان أمريكيتان، كما حضرت ثُلةٌ من الضيوف المختارين من المستعمرة الأمريكية، والسيد ليتون. ولعله يجدُر تكرار الإشارة إلى أنه يكون حاضرًا في كل المحافل.

ارتدت السيدةُ فارون في هذه المناسبة عِقْدَ فارون الشهير. يُقال إن قيمته الحقيقية تبلغ ٤٠ ألف جنيه إسترليني؛ على الرَّغم من أنَّ المحافل الاجتماعية تراه لا يُقدَّر بثمن. كانت السيدة فارون ترقص مع السفير الأمريكي حين انزلقت فوقَ الأرضية الناعمة وسقطَت لتسحَبه معها إلى أسفل. كان الموقف مخجلًا وغيرَ رومانسي بالمرَّة؛ ولكنه حدَث على أية حال. تصادَف أن السيد ليتون كان بين أقرب الحاضرين إليها، وهُرع إلى مساعدتها. وفي لحظة، كانت السيدة فارون والسفير الأمريكي وسط مجموعة صغيرةٍ من الناس. كان السيد ليتون هو من ساعد السيدة فارون على النُّهوض.

طمأنَته، وهي تبتسم ابتسامةً مترددة: «لم يحدُث شيء. تعثَّرَت خطواتي قليلًا، هذا كلُّ ما في الأمر.»

التفتَ السيد ليتون؛ ليساعد السفير، ولكنه وجدَه يقف على قدميه مرة أخرى، وقد تسارعت أنفاسه، ثم التفت ثانيةً إلى السيدة فارون.

علق قائلًا بلطف: «أسقطتِ عِقْدَكِ.»

«عِقْدي؟»

تحركت يدُ السيدة فارون البيضاء سريعًا إلى رقبتها المكشوفة، فشحَب وجهها قليلًا، بينما تراجع السيد ليتون والآخرون؛ ليبحثوا عن العقد، ولكن لم يرَه أحد. سيطرَت السيدة فارون على أعصابِها على نحوٍ مثير للإعجاب.

وأخيرًا قالت: «لا بدَّ أنه سقَط في مكان ما.»

تساءل ضيف آخر، باهتمام: «هل أنتِ واثقة أنكِ كنتِ ترتدِينه؟»

أجابت مؤكدة: «أوه، أجل، ولكن لعلِّي أسقطتُه في مكانٍ آخر.»

علَّق السفير: «لقد لاحظتُ وجوده قبل أن ﺗﺴﻘ… نسقط. لا بدَّ أنه هنا.»

لكنه لم يكُن موجودًا. كان الأمر أشبهَ في هذا الجانب — جانب الاختفاء الواضح — بسرقةِ سوار تشتلنام. في تلك الحادثة، كان السيد ليتون يتمشَّى على العشب مساءً مع الآنسة المصون تشتلنام، حين أسقطَت سوارها. كان هذا كل شيء، ولم يُعثَر عليه قَط.

وفي حادثة فارون هذه، لن يُجديَ الدخول في تفاصيل ما تلا اختفاءَ العقد مباشرة؛ ولكن يكفي القول إنه لم يُعثَر عليه، وإن الرجال والنساء حدَّق بعضهم في بعضٍ في شكٍّ متبادل وحرج مُربِك، وإن السيد ليتون، الذي كان لا يزال يقف إلى جوار السيدة فارون، ألمح بلباقة ولطف إلى أنَّ إجراء تفتيش شخصي للضيوف لن يضُر. لم يُعبِّر عن هذا بكلمات كثيرة، إلا أن الآخرين فهِموا المقصود.

لاقى اقتراح السيد ليتون تأييدًا كاملًا من جانب السفير الأمريكي، وهو شخصٌ ديمقراطي ذو أفكار نزيهة، تتجلَّى عندما يتعلَّق الأمر بالنزَاهة الشخصية، ولكن لم تُجرَ عملية التفتيش واستمرَّ الحفل، وتحمَّلت السيدة فارون خسارتَها بسعة صدر مدهشة.

«إنها في صلابَة الحجر. لو فقدتُ عِقْدًا كهذا، لأُصبتُ بانهيار عصبي.» سمع المدعوُّون هذا الثناء من إحدى الدوقتين الأمريكيتين، والتي يمتلك والدها مصنع صابون بقيمة ٢٠ مليون دولار أمريكي، في مكان ما بمجاهل أمريكا.

لم تعلم شرطة سكوتلانديارد بخَسارة السيدة فارون إلا في اليوم التالي.

كان سؤال كونواي: «هل كان ليتون موجودًا في المكان؟»

«أجل.»

قال كونواي مؤكدًا: «إذن، سرقَه. سأقبضُ عليه هذه المرة، أو سأعرف حل اللغز.»

وعلى الرَّغم من ذلك، فقد مر شهر ولم يُلْقِ القبض عليه، ولم يعرف حلَّ اللغز أيضًا. لقد اعترض سبيل حاملي الرسائل؛ واطَّلع على الخطابات والتلغرافات والبرقيات، ولقد استجوب الخدم، واستفاد من غيابِ كلٍّ من السيد ليتون وخادمه الخاص لتفتيش منزله الفاخر. لقد فعل كل هذا وأكثر، لقد فعل كلَّ ما في وُسع رجلٍ ذي ضمير حي يعمَل في مهنته، حتى تضاءَل شاربه الأشعث إلى خطٍّ رثٍّ ومتعرِّج. أما بخصوص العِقْد، فلم يجِد حلًّا للغز … لا أثَر … لا شيء!

ثم علم كونواي أنَّ السيد ليتون سيسافر إلى الولايات المتحدة، لبضعة أشهر.

نفَّس عما يجيشُ به قلبه من حنق، قائلًا: «ليصطحب معه العِقْد ويتصرف فيه. إذا صعِد على متن الباخرة، فلسوف أُلقي القبض عليه … سأقبض عليه، أو سيقبض عليه موظفو الجمارك الأمريكيون.»

لم يستطع كونواي أن يحمِل نفسه على الاعتقاد بأن السيد ليتون، بكل ما أوتيَ من بَراعة، سيجرُؤ على التصرُّف في عِقْد اللؤلؤ في إنجلترا، وأخذَ يطمئن نفسَه بأن ليتون لا يمكِن أن يكونَ قد أرسله إلى أي مكان آخر؛ فقد راقبت السلطات الوضع عن كثَب شديد.

بطبيعة الحال، اتضح أنه لما أبحرت الباخرة رومانيك، من ليفربول إلى بوسطن، بعد أربعة أيام، لم يكُن السيد ليتون على مَتنها وحدَه وحسب، وإنَّما كان معه كونواي أيضًا. كان كونواي يعرِف ليتون، ولكنَّه كان مطمئنَّ البال باعتقاده أن ليتون لا يعرفه.

إلا أنه في اليوم الثاني من إبحار الباخرة، تحرَّر من وَهم هذه النقطة، وبدأ يفكر في أنها قد لا تكون فكرةً سيئة أن يتعرَّف على ليتون مصادفةً؛ ومن ثم حين لاحظ أن الرجل المهذَّب بمفرده، يتكئ على الحاجِز الحديديِّ مدخِّنًا، خطا نحوه على مهل ليشاركه في تأمُّل المحيط الشاسع أمامَهما.

بادر كونواي بعد مرور فترة طويلة بقوله: «طقسٌ جميل.»

قال ليتون، وهو يلتفت حوله ويبتسم: «أجل. أيجدُر بي أن أعتقد أنكم — رجال سكوتلانديارد — تستمتِعون برحلات ترفيهية كهذه؟»

لم يرتكِب كونواي أيَّ حماقة؛ فلم يجفل أو يبدِ أيَّ اندهاش، بصرف النظر عمَّا قد اختلج في صدره. وبدلًا من ذلك، ابتسَم في لطف.

قال بصراحة: «كنت أعمَل جاهدًا في قضية السيدة فارون. والآن، أقضي إجازةً قصيرة.»

تساءل ليتون في تراخٍ: «أوه، تلك الحادثة التي وقعَت في حفل السيدة فارون؟ حقًّا؟ صادف أن أكون أولَ من لاحظ أن العِقد قد اختَفى.»

رد كونواي متجهمًا: «أجل، أعرِف ذلك.»

تطرق الحديث إلى أمور أخرى. وجد كونواي أن ليتون رفيقٌ لطيف وديمقراطي. دخَّنا معًا، وتمشَّيا معًا، ولعبا لعبة الشافلبورد (دفع الأقراص) معًا. وفي تلك الليلة، شارك ليتون في لعِب الورق بمقصورة التدخين، أما كونواي فقد أمضَى ساعاتٍ محدِّقًا في النقاط الوامضة المنعكسة على المياه الخضراء الموحشة، ومدخنًا للسجائر.

وأخيرًا قال: «إذا كان قد فعَلها، فهو أذكى وغدٍ على وجه الأرض، وإذا لم يكن، فأنا أكبر أحمَق.»

قُرع جرسُ الباخرة ستَّ مرات ليُعلِن حلول الساعة الحادية عشرة. خلا ظهر الباخرة من الركاب، فتحسَّس كونواي طريقَه في الظلام نحو مقصورة التدخين، ورأى بداخلها ليتون وهو لا زال يلعب الورق. وبينما كان يقِف عند الباب المفتوح، سمع صوتَ ليتون يقول: «سألعَب حتى الساعة الثانية فقط. لن أتأخر أكثرَ من ذلك.»

حسم كونواي أمرَه على الفور، فاستدَار وذهب إلى مقصورة ليتون، حيث توقَّف هناك. كان يعرف أنَّ ليتون لم يحمِّل نفسه عبءَ اصطحاب خادمٍ معه، وظن أنه يعرف السبب؛ لذا — ودون تردُّد — أخرج عدةَ مفاتيح، وحاول فتح القُفل. وأخيرًا، انفتح القفل، ودخَل المقصورة ذات الدرجة الأولى مغلِقًا الباب خلفَه. كان هدفُه واضحًا تمامًا؛ كان هدفه التفتيش.

كان لدى كونواي طريقته الخاصَّة في إجراء عمليات التفتيش. أولًا، أمسَك بملابس ليتون وأخذ يفتِّشُها، ويضغط عليها شبرًا شبرًا؛ وأخذ يعصِر ربطات العنق ويفرد المناديل، ويفحص القمصان ويجعِّد الجوارب الحريرية. ثم فحص الأحذية، نصفَ دستة من أزواج الأحذية. كان يشك في الأحذية، منذ أن وجد دَستة من حبات الماس مخبَّأةً داخل كعوبٍ زائفة للأحذية. ولكن هذه الكعوب لم تكُن زائفة.

بعد ذلك، ودون إبداءِ أيِّ تسرُّع أو خيبة أمل، حوَّل انتباهه إلى حَقيبة اليد، وحقيبة الملابس، وصندوق الباخرة، التي قام بتفريغِها جميعًا؛ فمثلُ هذه الأشياء معروفة بأنَّ لها قيعانًا مزيفةً وحجيرات تخزينية سرية، ولكن لا يوجد بها شيء من هذا القبيل. تأكد من هذه النقطة تمامًا بكل الطُّرق المعروفة في مِهنته.

وفي الوقت المناسب، انتقل إلى تفتيشِ الغرفة نفسها؛ بعثر الفراش وتحسَّس الحَشيَّة والملاءات والبطَّانيات والوسائد والأغطية، وتفحصها بتمعُّن. ثم أخرَج الأدراج الثلاثة من خِزانة الملابس، وألقى نظرة خلفَها. أخذ كونواي يُقلِّب في عدة صُحف إنجليزية، ونفَضها واحدة تلو الأخرى، ثم اختلس النظرَ إلى إبريق المياه، وتفحَّص الأنابيب الموجودة في الحمام الصغير المُلحق بالغرفة. ولم يكتفِ بذلك، بل فحص السجادة ليرى ما إذا كان هناك أيُّ شيء مخبَّأ أسفلَها. وفي النهاية، صعِد فوق مقعد، ومن هذا الموضع المرتفع بحثَ عن شق أو صَدع يُمكن إخفاء عِقْد أو حبات لؤلؤ منفرطة بداخلِه.

وأخيرًا، قال لنفسِه، وهو يعيد الغرفة إلى ترتيبها السابق بحِرص: «لا تزال توجد ثلاثةُ احتمالات. ربَّما يكون قد تركه في طردٍ بخزانة أمانات الباخرة، ولكن هذا احتمال بعيد؛ ففيه مخاطرة بالِغة، أو ربما يكون قد تركَه في حقيبةٍ داخل عنبر الباخرة، وهو احتمال أبعد، أو ربما يكون محتفِظًا به في حوزته. وهذا هو الأكثرُ ترجيحًا.»

بعد ذلك، خرج كونواي وقد أطفأ المصباح وأغلَق الباب وراءَه، ثم دخَل إلى مقصورته ذات الدرجة الأولى لدقيقة، وتناول شربة من الويسكي، ثم بصَقها مرَّة أخرى، ولكن لا بدَّ أنها تركت تأثيرًا عميقًا وفعَّالًا؛ لأنه حين دخَل مقصورة التدخين بعدها ببضع دقائق، كان في حالة سُكْرٍ مؤسفة، وأخذ ينفث رائحةَ الويسكي على نحوٍ لافتٍ للأنظار. كان في حالة ثمِلةٍ جعلَت لسانَه ثقيلًا. نظر إليه ليتون نظرةَ عتابٍ مهذَّبة.

ولعل من قبيل الصدفة البحتة أن تعثَّر كونواي في قدم ليتون، ولاحظ أنه يرتدي زوجًا من الشباشب المُريحة مسطَّحة النَّعلِ من دون كعب، ومن قبيل الصدفة أيضًا أنه عانقَه بمودة مبالغٍ فيها، وهو يجاهد ليستعيد توازنَه.

وأيًّا ما كانت حقيقةُ هاتين الصُّدفتين، فقد استأذن ليتون بودٍّ من مجموعة اللاعبين، وحث كونواي على الذَّهاب إلى الفراش. لم يوافق كونواي إلا بعد أن اشترَط أن يساعدَه ليتون. وافق ليتون مسرورًا، وغادرا مقصورةَ التدخين معًا، بينما كان كونواي متشبِّثًا به تشبُّث كَرمة بشجرة بلوط.

في منتصف طريقِهما على سطح الباخرة، تعثَّر كونواي، وسقَط برغم الذراع التي تدعمه بود، وبينما يبذل جهدَه ليتمالك نفسه، انزلَقت يداه على ساقَي ليتون المتناسقتين، وأخيرًا وضعه ليتون في مقصورتِه، وعاد إلى لعب الورق مبتسمًا.

أفصح كونواي موضحًا اللغز للجدران العارية من حوله: «إذن، العِقْد ليس في حوزته.» الآن، لم يكن ثَمِلًا.

كان من السَّهل عليه، في اليوم التالي، أن يعرف أن ليتون لم يترك شيئًا في خزانة الأمانات، وأن حقائبَه الأربع في عنبر الباخرة يتعذَّرُ الوصول إليها؛ لأنها مدفونة تحت مئاتِ الحقائب الأخرى؛ من ثم جلس ينتظر ليكتشف أفكار التفتيش الجديدة والمبتكرة، التي أبدَعها موظفو جمارك بلاد العم سام.

وأخيرًا ذات صباح، استقبل موظَّفُ التلغراف اللاسلكي إشارةً من السواحل، وأعلَن أن باخرة رومانيك على بعد أقل من مائة ميل من مدينة بوسطن. وفي وقت لاحق، وجَد كونواي ليتون متِّكئًا على الحاجز الحديديِّ، وهو يدخن ويحدِّق في اتجاه الشاطئ.

وبعد ثلاثِ ساعاتٍ أو نحو ذلك، لاحظَ عدة رُكَّاب قاربًا بخاريًّا يتَّجه نحوَهم. راقبه ليتون باهتمامٍ يشوبُه الكسل. في النهاية، دار القارب في دائرة واسعة، وصار من الواضح أنه يقترب إلى جوار الباخرة المتحركة ببطء. وحين صار القاربُ على بعد مائة قدم فقط، وكانت الباخرة تتهادى في إبحارها مبطئةً، تصاعَد اهتمامُ ليتون فجأة.

هتَف: «يا إلهي!» ثم صاح: «أهلًا، هاري!»

جاء الرد: «أهلًا، ليتون. سمعت أنَّك على متن الباخرة، وجئتُ لمقابلتك.»

سرعان ما انطلَقت سلسلةٌ من المجاملات المملَّة بينهما، بينما كان القارب البخاري ينعطف أسفل جانب الباخرة رومانيك المحمي من الرياح، متأرجحًا لأعلى وأسفل في موضعه. وقف الرجل الموجود على متن القارب وبيده رزمة من الجرائد.

وصاح قائلًا: «إليكَ بعضَ الصحف الأمريكية.»

قذف حزمةَ جرائد، فالتقطها ليتون الذي ترك الحاجز الحديدي وتوجه نحو مقصورته، عائدًا مرَّة أخرى بعد دقيقة بحزمة من الصحف الأوروبية، التي رآها كونواي من قبل.

صاح قائلًا: «أمسِك! ثمةَ شيءٌ هنا سيثير اهتمامك.»

التقط الرجلُ الموجود على القارب الحزمة، وألقاها بإهمالٍ على المقعد.

ثم استفاق كونواي فجأة.

وقال في نفسه مشدوهًا: «ها هو العِقْد قد ذهب!» لفتتْ حركة انقباض يديه السريعة انتباهَ ليتون الذي ابتسم في غموض وجرأة، وهو ينظر مباشرة في عينَي رجل الشرطة المتَّقِدتين. ابتعد القارب البخاري مودِّعًا وكأنه يقول: «سألتقي بك عند رصيف الميناء.»

بدأت الأفكار تتوارد سريعًا على عقل كونواي الخِصب. وبعد مرور خمس دقائق، انطلق إلى جهاز اللاسلكي وبعث ببرقيةٍ طويلة إلى الموظفين الموجودِين على الشاطئ. شاهد كونواي من مقدمة الباخرة القاربَ البخاريَّ يسرع متجهًا إلى بوسطن. ابتعد القاربُ مسافةَ ميلين تقريبًا، ومكث في ذلك الموضع على بعدِ حوالَي أربعين ميلًا من ميناء بوسطن. لم يتواصَل القاربُ البخاري مع أية قوارب أخرى، ولم يقترب من أيٍّ منها، على مرأى من كونواي، حتى اختفَى داخل ميناء بوسطن.

وبعد مرور ساعة، رسَت الباخرة رومانيك، ورُبطت في الرصيف. كان كونواي أولَ راكب ينزل من مَتنها. توجَّه مباشرة إلى رجلٍ كان في انتظاره فيما يبدو.

سأله: «هل فتشتَ القارب البخاري؟»

رد: «أجل. كِدْنا نهشِّمُه أجزاءً، ونخرجه من المياه. كما فتَّشنا الرجلَ الموجود على متنه، هاري تشيشير. لا بدَّ أن الأمر اختلطَ عليك.»

«هل تأكدت من أنه لم يحدث تواصل مع أي قواربَ أخرى، أو تصرف في المجوهرات من خلال باخرة أخرى؟»

جاء الرد: «لم يقترب من أيةِ باخرة أخرى. لقد التقيتُ بالقارب عند مدخل الميناء، ودخلت إليه معه.»

للحظةٍ بدت على وجه كونواي خيبةُ الأمل، ثم تحمَّس مرة أخرى؛ لقد بدأ الاهتمام بالقضيةِ يدِبُّ في نفسه مجددًا.

وسأله: «هل تعرفُ موظَّفَ الجمارك المسئول؟»

«أجل.»

«عرِّفني به.»

حدَث التعارف وتحدَّث الرِّجال الثلاثة لعدة دقائقَ. كانَت النتيجة أنه حينَ وطِئَ ليتون المعبرَ الخشبي، دعَاه المسئولون للدُّخول إلى مكتب خاصٍّ. ذهبَ مبتسمًا وخضَع للتفتيش الشخصي، دون أن يبديَ غضبًا أو أدنى قدرٍ من عدم الارتياح. وبينما كان يهمُّ بالخُروج، ألفى كونواي لدَى الباب.

سأله ليتون: «هل أنت راضٍ الآن؟»

اندفع كونواي قائلًا بنبرة عدائية: «كَلا!»

«لمَ؟ حتى بعد تفتيشي مرتين، وتفتيش مقصورتي مرة؟»

لم يرد عليه كونواي. لم يجرُؤ على ذلك في تلك اللحظة، إلا أنه وقَف على مقرُبة حين أُخرجت حقائب ليتون الأربع من عَنبر الباخرة، ولاحظ أنه قد جرَى تفتيشها بحرص بالغ، لا يقل عن حرصه أثناء تفتيش مقصورتِه. وفي نهاية التفتيش الذي كلَّله الإخفاق، جلس على إحدى الحقائب، وحدَّق في ليتون بشيء من الإعجاب.

حدق ليتون فيه بدوره لدَقيقة، ثم ابتسم وأومأ برأسه في لطف، ومشى فوق رصيف الميناء وهو يتجاذب أطرافَ الحديث مع هاري تشيشير. لم يحاول كونواي تعقُّبَهما؛ لم يكُن لذلك قِيمة، بل لم يعد هُناك قيمة لأي شيء.

قال في نفسه غاضبًا: «ولكنه حصَل عليه بالتأكيد، لقد حصَل عليه الآن، أو قد تصرَّف فيه بطريقة لا يمكنني اكتشافها.»

بدا أن آلة التفكير لم يرَ في القضية أية صُعوبة مطلقًا، حين عُرضت عليه بعد بضعة أيام، إذ عرضها عليه الصحفي هاتشينسون هاتش. كان لدى هاتش بعضُ الأصدقاء الأوفياء في مكتب الجمارك حيث سرد كونواي قصتَه هناك، وعرف منهم هاتش أن المكتب رفض رفضًا باتًّا أن يتدخل في هذه القضية، مصرًّا على أن الأمر قد اختلط قطعًا على رجل شرطة سكوتلانديارد.

ونظرًا لتحطُّم روح كونواي المعنوية، وتشوُّهِ سمعته، واستهزاء ليتون به في كلماته الأخيرة، فقد رأى الحياة بعين الكآبة، بل وفَقد لوهلة سمةَ الإصرار الشديد، والتي لم يعهد فقدانها من قبل قطُّ. لقد فقدها بالكامل إلا فيما يخصُّ اقتناعه بأن ليتون هو الفاعل. في تلك الأثناء، التقى كونواي بهاتش. هل يتحدث؟ كان يتحرَّق للحديث؛ فتوخِّي الحذر في هذا المقام، لا معنى له على أية حال. أخذه هاتش من يدِه برفق، وقاده إلى آلة التفكير.

استفاض كونواي في التعبير عما يشغل بالَه وبتأكيد لاذع. ظل يتحدث لمدة ساعة، بينما استرخى العالِم في مقعده ساندًا رأسَه الأصفَر الضخم على وسادة، وهو يضيق عينَيه بحدَّة ناحيةَ السقف. وفي نهاية الساعة، عرف آلة التفكير كلَّ ما يعرفه كونواي عن لغز فارون، وعرف كلَّ ما يعرفه أيُّ شخص عن ليتون، باستثناء ليتون نفسه.

سأل العالِم: «كم حجرًا كريمًا موجودًا في العِقد؟»

أجاب كونواي: «مائة واثنان وسبعون.»

«هل الرجل الذي استقل القارب البخاري — هاري تشيشير — إنجليزي؟»

«أجل، هذا واضحٌ من كلامه وأسلوبه ومظهره.»

أخذ آلة التفكير يعبَث بأصابعه لوقت طويل، بينما جلس كونواي والصحفي يحدقان فيه بفارغ الصبر. من واقع تجارب الماضي، عرف هاتش أن شيئًا ملموسًا، شيئًا يقود إلى نتيجة ما، سيخرج من تلك العقليَّة التحليلية الرائعة، بينما كان كونواي — جهلًا منه — لا يتملكه إلا الفُضول المفعَم بالأمل، إلا أنه كان يُريد، كمعظم العاملين في مهنته، فعلًا؛ فبالنسبة إليه لا يبدو أن الجلوس والتفكير سيقودان إلى أيِّ شيء.

في النهاية، قال العالم: «كما تلاحظ، يا سيد كونواي، أنت لم تُثبِت أي شيء. في الواقع، تحرياتك تُشير إلى أن ليتون لم يسرِق حباتِ اللؤلؤ؛ ومِن ثَمَّ لم يُحضرها معه. هناك شيء واحد فقط يشير إلى أنه ربَّما سرَقها؛ ألا وهو قذف الجريدة إلى القارب البخاري. يبدو أن هذا الفعل لا معنى له، إلا إذا …»

قاطعه رجل شرطة سكوتلانديارد قائلًا: «إلا إذا كانت حبات اللؤلؤ مخبَّأةً بداخل حزمة الجرائد.»

أضاف آلة التفكير: «أو إلا إذا كان يُسلي نفسه على حسابك، وهو بريء تمامًا. من المحتمل تمامًا أنه لو كان بريئًا واكتشف أنك تتبعه، فإنه سيسلِّي نفسه بجعلكَ أضحوكة وحسب. وإذا أخذنا في الاعتبار أي رأي آخر، فلا بد أننا سنبنيه على افتراض ليس له أساس واقعي يدعمه. سنضطر إلى استبعاد أي شخص آخر ربَّما يكون قد سرق العقد، ونثبت التهمة على ليتون. علاوةً على ذلك، سيكون علينا أن نفترض، دون تثبُّت، أنه جلَب المجوهرات إلى البلاد.»

بدا الاهتمام المتزايد على رجُل الشرطة.

«هذا ليس منطقًا سليمًا؛ إلا أننا حين نفترض كلَّ هذا لأغراضنا الحالية، نجد أن اللغز بسيط. ومن خلال هذه الفرضية، نثبت أن تفتيشَك للمقصورة لم يكُن شاملًا. هل ألقيتَ نظرة مثلًا أسفل الألواح الخشبية التي تحمِل الفراش؟ هل تأكَّدتَ من أن العقد أو حبات اللؤلؤ المنفرطة ليست معلقة في أنبوب الصرف الخاص بحوضِ المياه؟»

فرقع كونواي أصابعَه في ضيق؛ كان قد غفَل عن هذين الشَّيئين.

تابع آلة التفكير قائلًا: «هناك احتمالاتٌ أخرى بالطبع؛ ومِن ثمَّ فإن البحث عن العقد لم يكن ذا جدوى. الآن، علينا أن نسلِّم بحقيقة أنه إذا دخل العقد البلاد، فإنه من خلال أحَد الأماكن التي غفلتَ أنت عن تفتيشها. من الواضح أن السيد ليتون، لم يكن ليتركه في الحقائب الموجودة بعنبر الباخرة؛ وبناءً عليه فإننا نفترض أنه أخفاه في مقصُورته وألقَى به إلى القارب البُخاري.

وفي تلك الحالة، وُضعت حبات اللؤلؤ في القارب البخاري، حين غادرت الباخرة رومانيك. ولا بد أن تعتقد أنها اختفَت، حين وصَل إلى الميناء. وبرغم ذلك، فلم يتواصل القارب البخاري مع أية سفن أخرى، أو يقترب منها. ولم تُقذَف المجوهرات في المياه. وليس في استطاعة تشيشير أن يبتلع مائة واثنتين وسبعين حبة لؤلؤ، أو قدرًا كبيرًا منها. وبناءً عليه فماذا لدينا؟»

أجاب كونواي على الفور: «لا شَيء. هذا هو المُهم. أنا مضطر للاستِسلام تمامًا.»

رد آلة التفكير بحدَّة قائلًا: «ليس لا شيء، بل لدينا الإجابة. لنرَ! ربما بإمكاني أن أعطيك اسم الرجل الذي لديه المجوهرات الآن وعنوانَه، بافتراض أن ليتون أحضَرها معه بالطبع.»

نهَض فجأة، وتوجه إلى الغرفة المجاورة. التفت كونواي وحدَّق في هاتش متسائلًا، وعلى وجهِه تعبير غريب.

تساءل: «هل هو شخص كثيرُ المزاح؟»

رد هاتش قائلًا: «كلا، وإنما هو أعجوبةٌ كبيرة!»

تساءل كونواي في حَيرة: «هل تقصد أن تقول إنني كنت أعمل شهورًا وشهورًا على هذه القضية دون أن أتوصَّل إلى أيِّ شيء، وكل ما عليه أن يفعله هو الدخول إلى هذه الغرفة، وإحضار اسم الرجل الذي لديه العقد وعنوانه؟»

قال الصحفي: «لو دخل هذه الغرفة، وقال إنه سيحضر المحيط الهادئ في فنجان شاي، لصدَّقته. أنا أعرفه.»

قاطعهما جرس الهاتف في الغرفة المجاورة، ثم جاءَت همهمة خافتة لصوت العالم المنفعِل أثناء حديثه على الهاتف لفترةٍ طويلة. مرَّت خمسٌ وعشرون أو ثلاثون دقيقة قبل أن يظهر عند الباب مرَّةً أخرى. توقَّف لبرهة هناك، وخط شيئًا سريعًا على بطاقةٍ أعطاها لهاتش. قرأ الصحفي المكتوب: «هنري سي إتش ماندرلينج، سيتوِت، ماساتشوستس.»

قال آلة التفكير بنبرة من يصرِّح بحقيقة لا مراء فيها: «هنا اسم الرجل الذي لديه العقد الآن على الأرجح وعنوانه. سيد هاتش، اصطحِب السيد كونواي، ودَعه يتفقَّد الأنحاء، ويتصرَّف حسبما يُمليه حكمه على الأُمور. عليكما أن تُفتِّشا منزلَ هذا الرجُل. لا أظنُّ أنكما ستواجهانِ الكثير من المتاعب في العثور على حبات اللؤلؤ؛ لأنهما لا يتوقَّعان قيمتَها. ستكون الحبات منفرطةً، وستجدها على الأرجح في أكياس حريرية صغيرة معالجة ضدَّ تسرُّبِ المياه، لا يتجاوَز حجمها حجمَ إصبعك الصغير. حين تجدونها، اتخذا الإجراءات للقَبض على هذا الرجل، وعلى ليتون. اتَّصلا بالمحقق مالوري حين تقبضان عليهما، وأحضراهما إلى هنا.»

تمتم كونواي قائلًا: «لكن … لكن …»

أمره هاتش: «هيَّا!»

ذهبَ كونواي.

تمتد بلدةُ سيتوِت العتيقة الناعسة على ساحل ماساتشوستس، لمسافَة ميلين أو ثلاثة، في مواجهة جريئةٍ للبحر، على هيئة سلسلةِ جروف ترتفع وتنخفض بانحدار شديد. أُقيمت المدينة قبل مائتين أو ثلاثمائة عامٍ مضت، ولم يحدُث فيها منذ ذلك الحين أيُّ شيء يُذكَر. وفوق أحد الجُروف الصخرية، كان هنري سي إتش ماندرلينج يعيش بمفرده، على مدار شهرين أو ثلاثة. لقد ذهبَ إلى هناك في فصل الربيع، مع أشخاص آخرين من المدينة كانوا يتُوقون إلى قضاء فصل الصيف في مكان بعيد، ومكَث في كوخ صغير غريب تهُب عليه نسائم البحر المالح. كانت هناك حظيرةٌ صغيرة ملحقَة بالمنزل.

وجد هاتشينسون هاتش ورجل شرطة سكوتلانديارد المنزل دون صعوبة، ودخلاه بلا تردد. لم يكن هناك أحد على مقربة ليوقفهما أو يعترض التفتيش الذي أجرَياه. ولم يمثِّل القفل البسيط الموجود على الباب عائقًا. وفي أقل من نصفِ ساعة، كانت يدا رجل شرطة سكوتلانديارد الماهرتان قد أخرجتا حوالي عشرين كيسًا حَريريًّا أو أكثر، لا يتجاوز حجمُ الواحد منها حجم إصبعه الصغير. سارع بتمزيق كيسٍ منها، وسقطت ست حبات لؤلؤ في يدِه.

صاح منتصرًا، بعد أن فحصها: «إنها حبَّاتُ لؤلؤ عقد فارون بالضَّبط.» ثم وضَعها جميعًا في جيبه.

حذره هاتش فجأة: «صَه!»

لقد سمِع وقع خطوات عند الباب، وجاء صوتُ رجلين، بينما كان أحدُهما يدير مفتاحًا في قفل الباب. وبعد دقيقة انفتح الباب؛ فتراجع كونواي وصاحبه إلى الظل، وسمِعا الرجلين يدخلان. كانت تلك هي اللحظة المشهودة التي خرج فيها كونواي وواجهَهما.

قال بهدوء: «أريدك يا ليتون.»

لم يستطع هاتش أن يرى ما يحدث أمامَ رجل الشرطة، إلا أنه سمع صوت طلقٍ ناري يدوي بالقرب من رأسه، على نحو مخيف. قفز كونواي إلى الأمام؛ رأى هاتش ذراعه تتأرجح، ورأى أحد الرجلين يسقط أرضًا. ثم انطلقت طلقة أخرى. ترنح كونواي قليلًا، ثم تقدم خطوة أخرى إلى الأمام، وأرجح ذراعه اليمنى الضخمة مجدَّدًا. كان هناك صوت خطوات متسارعة، وصلصلة مسدس على الأرضية، وصفعة الباب الأمامي.

قال كونواي آمرًا: «أوثق هذا الرجلَ هناك.»

فتح الباب، وسمعه هاتش يركضُ بطول الشرفة، ثم يقفِز من فوق السور. تحول انتباهُه بعدها إلى الرجل الفاقد الوعي، الملقى على الأرض. كان هذا الرجل هاري تشيشير. قيده هاتش من يدَيه وقدميه حيث كان مستلقيًا، ثم ركض.

كان كونواي يركُض أسفل المنحدر حيث يقف القارب البخاري. رأى هاتش رجلًا يقفز إلى القارب، وبعد لحظة انطلَق في المياه. ركض كونواي حيث كان القارب، إلا أنه صار على بعد خمسين ياردة الآن.

جاء صوت ليتون، بينما ينطلِق القارب متسارعًا: «ليس هذه المرَّة، سيد كونواي.»

حدق ضابط سكوتلانديارد فيه لدقيقة أو أكثر، ثم عاد إلى هاتش. لاحظ الصحفيُّ أنه شاحب، شاحبٌ جدًّا.

سأله كونواي: «هل أوثقتَه؟»

أجاب هاتش: «أجل، هل جُرحتَ؟»

رد ضابط سكوتلانديارد: «بالتأكيد، لقد أصابني في ذراعي اليُسرى. لم أكن أعرف من قبل قطُّ أنه يحمل مسدَّسًا. من حسن الحظ أنه لم يكن لدَيه سوى هاتين الطلقتين.»

وضع آلة التفكير اللمساتِ الأخيرة على جرح كونواي المضمد. كان جرحًا بسيطًا، ثم التفت إلى زائرَيه الآخرَين؛ وهما: هاري تشيشير، أو ماندرلينج، والمحقق مالوري الذي سُلِّم إليه المتهم فورَ وصول هاتش وكونواي إلى بوسطن. صدَر إنذار عام عبرَ السواحل للقبض على ليتون.

كان كونواي غيرَ مهتم، فيما يبدو، بالجرح، وإنما كان يتملَّكُه شعور بالفضول الصريح فيما يخص ما فعله آلة التفكير، وكيف حدث ما حدث.

وأخيرًا، استهل العالم حديثَه مفسرًا: «الأمر كان بسيطًا على نحو مثير للسخرية. لقد آل الأمر إلى التالي: كيف يمكن نقل مائة واثنتين وسبعين حبة لؤلؤ من سفينة على بعد أربعين ميلًا في عرض البحر إلى مكان آمن على البر؟ لم يتواصل القارب البخاري مع أية سفينة أخرى أو يقترب منها، وبالتأكيد لا يستطيع المرء أن يقذف بها إلى الشاطئ، ولم أسمع عن سمكة مُدرَّبة قد تحملها إلى الشاطئ. إذن، ما الطرق الأخرى التي يمكن أن تصل بها حبات اللؤلؤ إلى الشاطئ في ظروف آمنة نسبيًّا؟»

أخذ يقلب نظره بين الحضور متسائلًا. هز كل منهم رأسه بدوره. كان ماندرلينج أو تشيشير صامتًا.

أخيرًا أجاب العالم: «ثمة إجابتان محتملتان لا ثالث لهما. الأولى، غواصة وهو احتمال بعيد، والثانية هي الطيور؛ الحمام الزاجل.»

صاح كونواي وهو يحدق في ماندرلينج: «يا إلهي! لقد لاحظت بالفعل عشرات الحمام عند بلدة سيتوِت.»

استطرد العالم قائلًا: «كانت المجوهرات موجودة على متن الباخرة كما توقعت. جرى تفكيكها وحُفِظَت على الأرجح في كيس حريري طويل في أنبوب الصرف الذي ذكرته ثم قُذِفَت إلى القارب البخاري، وهي ملفوفة بالجرائد. وعلى بعد ميلين من باخرة رومانيك، رُبِطَت بالحمام الزاجل وأُطلِق سراح الحمام واحدة تلو الأخرى. كان بإمكانك، يا سيد كونواي، أن ترى القارب بوضوح من هذه المسافة، ولكنك لم تستطع رؤية الحمام يصعد منه. عاد الحمام إلى عشه بمنزل السيد ماندرلينج في سيتوِت. يُحتَفظ بالحمام الزاجل عمومًا في حجيرات تُغلَق آليًّا، وعند وصول الحمام حُبِسَت كل واحدة في حجرتها ثم تولى السيد ماندرلينج، هنا، والسيد ليتون إخراج حبات اللؤلؤ على مهل.»

واصل آلة التفكير بعد برهة قائلًا: «بالتأكيد، مع وجود الحمام الزاجل كمفتاح لحل اللغز، استطعنا أن نصل إلى نتيجة. توجد العديد من جمعيات الحمام الزاجل وهواة تربيته، وكان من المحتمل أن واحدًا منهم يعرف رجلًا إنجليزيًّا يمتلك خمسة وعشرين أو خمسين حمامة، ويعيش في مكان ما بالقرب من بوسطن. أحدهم كان يعرفه بالفعل. أعطاني اسم هاري سي إتش ماندرلينج، واسم هاري هو تحريف لهنري ومن هو هنري سي؟ إنه هنري تشيشير، أو هاري تشيشير؛ وهو الاسم الذي صرَّح به السيد ماندرلينج عند تفتيشه على رصيف المرفأ.»

تساءل كونواي في فضول: «هلا أوضحت لي كيف استطاع ليتون الحصول على العِقْد في المقام الأول؟»

رد آلة التفكير قائلًا: «مثلما حصل على الأشياء الأخرى؛ بالجرأة والمهارة. هب أنه حين سقطت السيدة فارون، كان ليتون يثبت رِباطًا مطاطيًّا متينًا أعلى كتفه، داخل كم سترته مثلًا. وهذا الرباط المطاطي مزوَّد في نهايته بنوعٍ معين من المشابك، ويُسحَب إلى أسفل؛ لكي يكونَ الرباط المطاطي مشدودًا بإحكام، ويُثبَّت إلى سواره. تذكر أن هذا الرجل دائمًا ما كان يتصيد الفرص، وكان على استعداد دائم لاقتناصها. بالطبع، لم يخطط للأمر مثلما حدَث.

افترض أن العِقْد سقَط حين انحنى ليتون إلى أسفل ليساعد السيدةَ فارون. وفي لحظة مثيرة خاطفة، استطاع تحتَ أسماعهم وأبصارهِم، أن يثبت المشبك في العقد، وعندها اختفت الحِلية على الفور داخلَ كُمه، وكان بإمكانه الخضوع لأيِّ شكل من أشكال التفتيش الروتيني لجيوبه، كما اقترح.»

علق المحقق مالوري: «هذه هي خدعة المقامر المحترِف التي يستخدمها للتخلُّص من الورَق.»

تساءل آلة التفكير: «أوه، هذه ليست جديدَة إذن؟ غادَر على الفور قاعة الرقص، وخبَّأ العقد مثلما خبَّأ المجوهرات الأخرى من قبل. وقبل أن تعرفوا بوقوع حادث السرقة، أرسل للسيد ماندرلينج تعليمات كاملةً بخصوص ما يفعله. بالطبع، أنت لم تعترض طريق أي خطابات، إلا بعد أن عرَفت بوقوع السرقة. لعل ليتون كان قد أجرى بعضَ الصفقات الأخرى مع السيد ماندرلينج في أجزاء أخرى من العالم، حين كان في مأمن من الرقابة المشدَّدة، مثلما حدَث في هذه الحالة. وبرغم ذلك، أعتقد أنه خطَّط لجميع هذه الحوادث بحرص؛ خوفًا من وقوع ما حدَث بالضبط في هذه القضية.»

وبعد مرور نصف ساعة، صافَح كونواي آلة التفكير وشكره بحرارة، وتفرق الجمعُ الصغير.

قال كونواي وهو يهم بالانصراف: «لقد استَسلَمت.»

علق آلة التفكير قائلًا: «كما تلاحظ يلجَأ العاملون بمِهنتك إلى المنطق السليم بقدر أقل كثيرًا مما ينبغي. تذكَّر أن اثنين زائد اثنين يساوي أربعة دومًا … ليس أحيانًا، وإنما دومًا.»

لم يُلقَ القبض على ليتون بعدُ، إلا أن ماندرلينج كان سجينًا مِثاليًّا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠