الفصل الرابع عشر

بعض الهوبيت يملكون كل الحظ

راندال إم جنسن

كان للفيلسوف الروماني سينيكا (حوالي ٤ق.م–٦٥م) تعليقٌ شهيرٌ قال فيه إن «الحظ هو عندما تتلاقى المعرفة مع الاستعداد.» قد يكون ذلك صحيحًا بالنسبة للرواقيين، ولكنه ليس كذلك فيما يبدو بالنسبة للهوبيت.

لا يملك بيلبو أية معرفة سابقة بأيٍّ من الأماكن التي على وشك أن يزورها، ولم يستغرق أي وقت قط للتعرف على العالم الأرحب إلى أن بدأ بالفعل في مغامرته. أما بالنسبة للاستعداد، فينطلق بيلبو في مغامرته الخطيرة دون قبعته، وعصا المشي خاصته، ومنديل جيبه. وعلى الرغم من أنه يمضي باحثًا عن كنز، نجده ينسى نقوده باستهتار تاركًا إياها في المنزل.

غير أن الاختيار يقع على بيلبو باعتباره العضو الرابع عشر المحظوظ لمجموعة الأقزام، وحسب تعليق ثورين، يثبت أنه «يملك من حسن الطالع ما يجاوز النصيب المعتاد منه بكثير.»1 فنجد بيلبو ورفاقه يهربون بشق الأنفس من أن يصبحوا هلامًا للعمالقة، حين يعود بيلبو من البراري «في آخر لحظة»،2 وبالكاد يتجنَّبون السَّحْق بفعل الصخور المتساقطة في الممرات العالية للجبال الضبابية.3
ينقذ الحظُّ المحضُ بيلبو حين يتوصل بغير قصد إلى الإجابة الصحيحة «الوقت!» لواحد من ألغاز جولوم، في حين أنه كان يقصد فقط أن يطلب مزيدًا من الوقت للإجابة.4 ولحسن الحظ يُخرج يديه من جيبيه قبيل أن يأتي جولوم بتخمين «اليدين» كإجابة على لغز بيلبو غير المقصود «ماذا لديَّ في جيوبي؟»5
و«بالحظ البَحْت» يتعثَّر دوري في بيلبو وهو نائم كجذع شجرة في ليل غابة ميركوود حالِكِ الظلام.6 وفي وقت لاحق من ذلك المساء، يستيقظ بيلبو في اللحظة التي كان فيها أحد العناكب الضخمة على وشك أن يغطيه بخيوطه ويأخذه من أجل العشاء.7 وفي سراديب ملك الجن، يختبر بيلبو «حظًّا من نوع غير مألوف» حين يحتسي الحراس «شراب عنب مُسْكرًا» بشكل استثنائي عن غير عمد، ويغرقون في سبات عميق؛ مما أتاح لبيلبو الاستيلاء على مفاتيحهم.8

الأهم من كل ذلك، يجد بيلبو، في لحظة تبدو مُفعَمة بالحظ، خاتمًا صغيرًا في الظلام وسط تيه كهوف الجوبلن الذي يبدو بلا نهاية. ما الفائدة من حدوث شيء كهذا؟ بواسطة هذا الخاتم السحري فقط يتمكَّن بيلبو من إنقاذ نفسه من جولوم والجوبلن، وتخليص رفاقه من براثن العناكب الجائعة والجن الأفظاظ، ويباغت سموج، وينجو من معركة الجيوش الخمسة.

في الواقع، إن للحظِّ أهمية كبرى في رائعة تولكين الكلاسيكية المحبوبة. وفي هذا الفصل سوف نخوض، نحن المتآمرين الزملاء، مغامرة خاصة بنا؛ لنرى ما الكنز الفلسفي الذي يمكن العثور عليه من خلال التدبُّر في الطبيعة والأهمية الأخلاقية للحظ. لن تكون لنا حاجة لمواهب لصٍّ، والعديد من الفلاسفة الخبراء بانتظارنا في حانة جرين دراجون.

(١) أرسطو ولغز الحظ

غالبًا ما كان الفيلسوف اليوناني العظيم أرسطو (٣٨٤–٣٢٢ق.م) يتناول أي موضوع فلسفي بطرح سلسلة من الأسئلة أو الألغاز حوله. وبحسب تعبيره الشهير عن ذلك: الفلسفة تبدأ بالاندهاش أو ربما «بالألغاز»، في معالجته لموضوع الحظ (tuche باليونانية). لاحظ أرسطو أننا بينما نتحدَّث كثيرًا عن الحظِّ بتفسيراتنا العادية لما يحدُث في العالم من حولنا، ينكر بعض الفلاسفة حقيقة الحظ،9 بل إننا كلَّما فكرنا بشأن الحظ قد يزداد ارتيابنا في أننا لا نعرف ما نتحدَّث عنه. إذن ما هو الحظ على أي حال؟

قدَّم أرسطو ثلاث رؤًى أساسية سوف تعيننا على حلِّ بعضٍ من الألغاز التي سنواجهها؛ الأولى: هي أنَّ حدوث شيء لمعظم الوقت أو طوال الوقت لا يُعَدُّ مسألةَ حظٍّ؛ فالأحداث المحظوظة غير مألوفة، ومن ثم غير متوقعة بشكل عام. الثانية: أنَّ الحظَّ ليس سببًا مستقلًّا قائمًا بذاته، ولكنه يوجد، بدلًا من ذلك، في أسباب «متزامنة». الثالثة: أن الشيء يمكن أن يكون محظوظًا (أو غير محظوظ) لأيِّ شخص، فقط إذا كان خارج نطاق سيطرة الشخص. يمكن توضيحُ كلٍّ من هذه النقاط الثلاث بالبحث في الوقائع والأحداث المحظوظة في رحلة بيلبو.

تذكَّر مرور بيلبو أسفل الجبال الضبابية وعَبْرَ تيه كهوف الجوبلن، خاصة خروجه المثير عَبْرَ الباب الخلفي ذي الحراسة المشدَّدة. حين يروي بيلبو قصة هروبه على رفاقه يرغبون بشكلٍ عفويٍّ في معرفة كيف فعل ذلك. كانت إجابته الاستهلالية: «أوه! فقط تسللتُ، كما تعلمون، بحِرصٍ وهدوء شديدين.» إجابة غير مُرْضِية لهم، وهي كذلك بحقٍّ.10 لا شكَّ أنَّ بعضًا منهم لم ينظر إلى بيلبو بنظرة احترام جديدة فحسب، مثلما يخبرنا تولكين، بل أيضًا اعتبروه هوبيت محظوظًا للغاية. ولو أنَّ الأحداث قد وقعت بالفعل مثلما رواها بيلبو، لكان بالفعل محظوظًا بشكلٍ غير عادي!

لو كان لشخص في قامة بيلبو أن يندفع راكضًا في كهف يعجُّ بالأعداء، متفاديًا إياهم وقافزًا فوقهم، لكان أمسك به. فمن غير المألوف إلى حدٍّ بالغٍ أن يتفادى شخصٌ ما الأَسْرَ في مثل هذه الظروف؛ ومن ثم كان سيصبح من الملائم تمامًا أن تنظر إلى الأمر بوصفه مسألةَ حظٍّ؛ حظ حسن للهارب، وسيئ للآسِرينَ. غير أننا لم نكن لننظر لأسير مُطارَدةٍ كهذه باعتباره ضحيةً «للحظ» السيئ، على الرغم من أنه كان سيصبح أمرًا مروعًا بشكل بشع له؛ لأن أسْره كان سيصير أمرًا مُتوقَّعًا. وكما نصَّت رؤية أرسطو الأولى: لا يوجد الحظ فيما يحدُث لكل الوقت أو معظمه. فحين يُلِمُّ بشخصٍ ما حدثٌ عادي قابلٌ للتوقع، سواء كان فيه منفعة أو ضرر أو كان محايدًا؛ لا يكون الأمر مسألة حظ. فنحن نستدعي الحظ في تفسيراتنا حين يقع شيء مفاجئ.

إنَّ قصة بيلبو بالطبع، كما نعلم، ما هي إلا كذبةٌ بسبب ما بها من نقص وحذف بالغ. تخيَّل أنه كان أكثر صدقًا وصراحة وأخبر جمهوره عن الخاتم السحري الذي وجده. فلو أنَّه حينئذٍ قد مضى يُوضِّح كيف خرج من الباب الخلفيِّ لما جنحوا تمامًا لاعتباره محظوظًا «لهروبه من الحراس»؛ فلا أحد كان سيفكر قائلًا: «كم هو محظوظ أنهم لم يروه أو يمسكوا به!» فنجاح شخص غير مرئي في تفادي مخلوقات لم تستطع رؤيته ليس فيه ما يثير الدهشة مطلقًا. في الواقع، إن الأشخاص غير المرئيين يُمكنهم — بشكل شبه دائم — أن يذهبوا حيثما شاءوا دون أن يُكتَشف أمرهم، ما لم يكن هناك تنين، أو بومباديل، أو فارس أسود موجودًا بالجوار. ربما كان بيلبو محظوظًا للغاية لعثوره على الخاتم، ولكن بالنظر إلى أنه قد وجد الخاتم، يكون تفاديه للحراس ليس مسألة حظ.

كيف تمكَّنَ بيلبو مِنْ حَشْر نفسه عَبْرَ الشق بالغ الصِّغَر في باب الجوبلن الخلفي؟ مرة أخرى، قد نشير بشكلٍ عفويٍّ إلى الحظ باعتباره إجابةً على هذا السؤال. وهذا الأسلوب في الحديث قد يوحي بأنَّ الحظ هو نوع من الأسباب، أو قوة سحرية أحيانًا ما تجعل الأشياء تَحْدُث في العالم. تخيَّلْ أن بيلبو قد وجد خاتمًا سحريًّا يجلب للمرء الحظَّ، مثل شراب الحظ المسحور في قصص هاري بوتر: كلما وقعت في مأزقٍ ترتدي الخاتم ببساطة، ويساعدك بشكلٍ ما من خلال التدخُّل في النظام الطبيعي للأشياء. في حالة بيلبو، قد تكون قوة الحظ جعلت الفتحة تتضخم بشكلٍ سحريٍّ على سبيل المثال، غير أنه حشَرَ جسده عَبْرَ الباب؛ ومن ثم لم يكن هناك «حظ» سحري البتة!

ثمة لغز أرسطي يترصَّدنا هنا؛ فبينما نرى بيلبو محظوظًا بالفعل، لا يبدو أن لدينا مجالًا للحظ في تفسيرنا لهروبه؛ فالحظ يبدو كأنه قد اختفى لو حاولنا أن نُفسِّر ما حدث بشكل دقيق؛ فهو لا يضيف أي شيء إلى التفسير السببي، غير أنه على الرغم من أن معظمنا لا يعتقدون بشكلٍ جادٍّ في خواتم الحظ السحرية (أو أشربة الحظ، أو أي شيء من هذا القبيل)؛ فإننا، مع ذلك، نتحدَّث عن الحظ كثيرًا إلى حدٍّ ما. ولا شك أن كل هذا الحديث عن الحظ ليس مجرد هراء.

تحل رؤيةُ أرسطو الثانية هذا اللغزَ بوصفها للحظ بأنه شيء يوجد حين «تتصادف» العوامل المسببة معًا؛ لذا فلا غرابة في أننا نتحدَّث عن الحظ والمصادفة في نفس الوقت. غير أن أرسطو كان يقصد شيئًا آخر أعمق بعض الشيء مما نقصده. لقد تمثَّلت فكرته في أنَّ الحظ ليس عاملًا مسببًا «إضافيًّا» للعوامل التي تُفَسِّر كيفية إحداث تأثير ما. فالحظ ليس نوعًا من السحر، وإنما يوجد الحظ أينما يتزامن عاملان مسببان عاديان تمامًا بطريقةٍ ما غير متوقعة.

في البداية، يبدو حظ بيلبو حسنًا؛ نظرًا لأن الباب الخلفي كان مغلقًا دومًا حتى على الرغم من أن الجوبلن قد لمحوه. فغالبًا ما يترك الناس الأبواب مواربة. ويكمن حظ بيلبو الظاهر الحُسْن هنا في أنَّ أحد الجوبلن قد ترك الباب مواربًا نوعًا ما في الوقت المناسب تمامًا، وفي الوقت الذي كنا سنتوقع فيه أنه قد أغلقه بسبب الاضطراب والقلق الدائر في الكهوف. يا لها من مصادفة سعيدة الحظ لبيلبو!

غير أنَّ حظَّه يبدو بعد دقائق معدودة سيئًا بشكلٍ مذهلٍ؛ لأن الشق الذي في الباب لم يكن سوى شق أصغر نوعًا ما من عرض جسده. والسبب وراء ضخامته أنه هوبيت — «كائنٌ يَمِيل للبدانة عند منطقة المعدة» — وأنه معتادٌ على الاستمتاع بستِّ وجباتٍ يوميًّا كلما أمكن. وهكذا تتضافر أمامنا الآن مجموعتان من العوامل المسببة؛ إحداهما تتضمَّن الجوبلن وبابًا، والأخرى تتضمن هوبيت ونظامه الغذائي، بطريقة توحي بأن شيئًا مذهلًا يحدث. فالشق يبدو كمكان ملائم تمامًا — بشكل مأساوي — ليلقى الهوبيت نهايته الحزينة! كم مرةً يُواجِه المرء فتحة بالحجم المناسب تمامًا بحيث يستطيع أن يُقحم نفسه بداخلها؟! لقد اتخذ حظ بيلبو منحًى نحو الأسوأ، ولكن — كما يتبين — ينعم بيلبو بحسن الحظ بالرغم من كل شيء؛ إذ يتبيَّن أن الشق كان يتسع بما يكفي بالكاد كي يمر منه حين يدفع نفسه بكل ما أُوتِي من قوة، ولو أنَّ الشق كان أضيق ولو ببوصة واحدة لتخلَّى عنه الحظ كما نقول.

إن هذا النوع من المصادفة، بالنسبة لأرسطو، هو مكمن الحظ. إنها مسألة العلاقة بين العوامل المسببة، وليس مسألة عامل مسبب مستقل بذاته؛ فنحن نصفُ شخصًا أو شيئًا ما بأنه محظوظ (أو غير محظوظ) حين يكون تفاعُل الأسباب غير متوقع، حين يكون ما نراه طبيعيًّا تمامًا؛ ومن ثَمَّ مفهومًا دون استدعاء أية قوة سحرية للحظ، ولكنه لافِتٌ؛ تحديدًا لأننا نحظَى بنفع أو نُمْنَى بضرر حيث لم نكن نتوقَّع ذلك. تلك طريقة مفيدة للتفكير بشأن الحظ، وتظهر أيضًا مدى التوافق الجميل بين رؤيتي أرسطو الأُولَيَيْن؛ فالحظ يتألف من تزامن غير متوقع للأسباب. ولا يكون الحظ شيئًا حقيقيًّا إذا كنا ننظر إليه باعتباره نوعًا من السحر، ولكنه يكون حقيقيًّا تمامًا حين يُفهم كتزامن للأسباب.

لماذا لا يريد بيلبو أن يخبر أصدقاءه بشأن الخاتم؟ يوجد — على الأرجح — الكثير من الأسباب، إلا أن تولكين يخبرنا بواحد منها: «كان بيلبو في غاية السعادة بإطرائهم حتى إنه ابتسم بينه وبين نفسه ولم يَقُلْ شيئًا أيًّا كان بشأن الخاتم.» كان إطراء جاندالف والأقزام على بيلبو نابعًا مما يرونه «عملًا في غاية البراعة».11 وإطراؤهم الفياض يقوم على الاعتقاد بأن بيلبو نفسه مسئول عن هروبه، حتى لو أنهم يظنونه محظوظًا أيضًا، فهم لا ينكرون أن هروبه (على الأقل كما يصفه بيلبو!) قد أظهر براعةً وقَدْرًا من المهارة الحقيقية.

ولكن — كما نعلم، وكما يظن جاندالف — الحقيقة هي أنَّ هناك في القصة أمرًا آخر؛ فقد كان الفضل في هروب بيلبو يرجع — إلى حدٍّ كبيرٍ — إلى الخاتم؛ ومن ثَمَّ فهو لا يستحق الإطراء بشكل ما؛ لأنهم يطرون عليه لشيء لم يكن مسئولًا عن حدوثه، فقد كان هروبه في الأساس نتاجًا لمصادفة سعيدة الحظ إلى حد كبير، ألا وهي العثور على خاتم صغير للغاية في كهف كبير للغاية وحالك الظلام. ولم يكن هذا الاكتشاف ليُعزَى إلى براعة بيلبو، بل إنه لا يُنسَب لبيلبو من الأساس، فقد كان الأمر خارج نطاق سيطرته تمامًا؛ مما يجعله مرشحًا مناسبًا للحظ، وفقًا لرؤية أرسطو الثالثة.

إن الحظ لا يسيطر على الأمور إلا حين نفقد السيطرة على ما يحدث؛ فنحن لا نصنع حظنا في النهاية، وما يقصده الناس عادة حين يقولون شيئًا كهذا هو أنهم يرتبون الأمور بحيث لا يوجد مجال للحظ كي يتدخَّل، وليس أنهم يتحكَّمون في الحظ نفسه بشكلٍ ما. فغالبًا ما ينظِّم جاندالف الأحداث، وعادة ما يكون لديه الخبرة والقوة للتعامل مع أي شيء يعترض طريقه، بينما بيلبو كثيرًا ما يتصرَّف من منطلق يأسٍ أو وَفقًا لهوًى ما. يتَّسم جاندالف بالمهارة ويستمتع بإخبار الناس بذلك.12 أما بيلبو، على النقيض، فهو محظوظ في الأغلب؛ لأن الأحداث عادة ما تخرج عن سيطرته.

(٢) أنواع الحظ وفق رأي ناجل

عرَّف الفيلسوف المعاصر توماس ناجل أربعة أنواع من الحظ، ثلاثة منها يمكن رؤيتها بشكلٍ عمليٍّ في «الهوبيت».13 تحدِّد هذه الأشكالُ من الحظ طرقًا مهمة مختلفة يمكن من خلالها أن يخرج شيء ما عن السيطرة.

يكمن «الحظ الظرفي» في الظروف التي نجد أنفسنا فيها؛ فبيلبو يجد نفسه في الكثير من المصادفات سعيدة الحظ في «الهوبيت»، مثل عندما تقفز سمكة على أصابع قدمه؛ مما يتيح له تخمين الإجابة الصحيحة لأحد ألغاز جولوم الأكثر صعوبة.

يتعلَّق «الحظ البنيوي» بسمات الشخص؛ كالمكانة في الحياة، والخلفية العائلية، والصفات الوراثية وما إلى ذلك. وقد استخدم جون رولز (١٩٢١–٢٠٠٢) مفهوم اليانصيب «الطبيعي» — وهو إجراء مدفوع بالحظ بشكلٍ واضحٍ وبديهيٍّ — للتركيز بشكلٍ دراميٍّ على مدى خروج مثل هذه الأشياء عن سيطرتنا.14 فنجد بيلبو هوبيت ميسور الحال يحمل اسم عائلة باجنز ذات السمعة الطيِّبة، وقَدْرًا من مزاج عشيرة التوك. إنه لم يَخْتَر أيًّا من هذا، ولا يملك سيطرة على أيٍّ منه؛ فالأمر بحقٍّ مجرد نتاج للمصادفة البحتة دون أية سيطرة عليه.

يتعامل هذان النوعان الأوَّلان من الحظ مع ما يجلبه شخصٌ ما لسيناريو محدَّد. أما النوع الثالث «الحظ المحصَّل»، فيتعلَّق بالمنحى الذي تتخذه الأمور، فيبدو أنَّ لدينا قَدْرًا مُعَيَّنًا من السيطرة على ما نقرر القيام به، ولكننا لا نتحكَّم في كل شيء يتأتَّى منه.

بوسعنا أن نرى أنواع الحظ الثلاثة جميعًا في واقعة كهف الجوبلن؛ فالأمر يدخل في عِداد الحظ البنيوي أن يكون بيلبو هوبيت؛ ومن ثَمَّ صغير الحجم بما يكفي للتسلُّل عَبْر باب الكهف الموارب. أما فيما يتعلَّق بكون الكهف الذي تُمضِي فيه المجموعةُ الليلَ قد تصادف أن كان «المدخل الأمامي» للجوبلن، فهذا يدخل في نطاق الحظ الظرفي؛ وهو نوع من الحظ العاثر أيضًا كما قد نظن، فيما عدا أن ذلك لو لم يحدث لما بدأ تسلسل الأحداث الذي يقود بيلبو إلى العثور على الخاتم. ومَن يَعرِف أي أمور بشعة ربما كانت قد ألمَّت بالأرض الوسطى لولا تلك اللحظة المحورية الحاسمة؟ ربما لا يكون واضحًا بشكل مباشر إذا ما كان الحظ الظرفي من قبيل الحظ الجيد أم السيئ. وأخيرًا، تُعتبَر مسألة كون اكتشاف بيلبو للخاتم قد أدَّى إلى السقوط النهائي والقاطع لسورون سيد الخواتم الشرير من قبيل الحظ المحصل؛ فليس لبيلبو أية سيطرة على كيفية اختيار فرودو أن يستعين بالخاتم.

إذن، فهويتنا، وأين نجد أنفسنا، وما يحدث لنا وبسببنا أمور يمكن أن تكون جميعًا مسألة حظ. فمِثْل بيلبو، قد نكون حيث نحن (وما نحن عليه) بسبب سلسلة من الأحداث خارجة عن نطاق سيطرتنا إلى حدٍّ كبيرٍ، وقد لا نستحق الكثير من الإشادة لأي «عمل بارع» تمكَّنا من إنجازه. يمكن أيضًا أن تكون الأمور قد سارت على نحوٍ مختلفٍ تمامًا بالنسبة لنا، يا لها من فكرة مزعجة! ومثل بيلبو، قد نُغرَى بالانصراف عن هذه الفكرة والاستمتاع بالاعتقاد بأننا أكثر تحكمًا في الأمور مما نحن عليه فعليًّا؛ فلو لم نكن مسيطرين كيف سيؤثِّر ذلك على مفهومنا عن أنفسنا؟ فهل نحن محظوظون وحسب؟

(٣) الطيب، والشرير، والمحظوظ

كان لدى ثورين أوكينشيلد، كما نعلم، مسحة من نزق وسوء الطباع؛ فهو قزم متفاخر يتشارك مع بني جلدته شهوة الذهب والكنوز الأخرى. بعد موت سموج، كان عليه حقًّا أن يصغي لمطالبة بارد بنصيب من الكنز («كلمات منصفة وحقيقية»، كما يقول تولكين)،15 غير أن ثورين يرفض الاعتراف بما يُعدُّ مطلبًا مشروعًا بشكل واضح. هل ينبغي أن ننظر إلى هذا بوصفه كشفًا عن أنَّ له شخصية فاسدة، وأنه في أعماقه جشع وأناني؟ أم ينبغي أن ننظر إليه باعتباره فَعْلة ذميمة لا تتفق مع شخصية ثورين، وسوف يندم عليها لاحقًا، كما قد يوحي خطابه على فراش الموت («أتمنى لو تراجعت عن أقوالي وأفعالي عند البوابة»)؟16 أو ربما قَدْرٌ من الاثنين؟
هل ينبغي أن تعتمد تقييماتنا الأخلاقية للناس وسلوكهم على الحظ، ولو بشكل جزئي على الأقل؟ هل يمكن أن نلوم ثورين لتَشَبُّثه المُفرط بالذهب، بالنظر إلى أنَّ طبيعته القزمية هي مسألة حظٍّ بنيويٍّ، وأنه واجه حظًّا ظرفيًّا سيئًا بوقوعه ضحية لِلَعْنة داء التنين؟17 هل ينبغي أن نحتقر الجوبلن لسلوكهم الشرير، بالنظر إلى أنهم قد حالفهم الحظ السيئ بأن ولدوا جوبلن وليس هوبيت، أو أقزامًا، أو جنًّا؟ إذا كان لا ينبغي للأخلاق أن تعتمد — بشكل أكثر من اللازم — على الحظ، والجوبلن هم الخاسر الأكبر في اليانصيب الطبيعي، ألا ينبغي أن يؤثر ذلك على نظرتنا لهم؟ لا شكَّ أن الجوبلن مصدر خطر وتهديد، ولكن قد لا ينبغي أن «يُلاموا» على ذلك.
ماذا عن بيلبو؟ هل يفعل الصواب حين يأخذ حجر الأركنستون من مخبأ كنز سموج؟ حين يرى الحجر، لأول مرة، يُؤخَذ بجماله إلى حدِّ أنه يضعه في جيبه دون أن يخبر أحدًا. في لحظة حدوث ذلك، يدخل في صراع مع نفسه بشأن ما يفعله؛ فعلى الرغم من محاولته تبرير تصرفه بفكرة أنه قد تلقَّى وعدًا بأن بإمكانه أن يأخذ نصيبه من الكنز، يساوره «شعور غير مريح» بأن هذه الجوهرة ليست مجرد جزء من الكنز لكي تُقسَّم.18

يبدو تصرف بيلبو سيئًا في هذا الاستحواذ السري، لا سيما في ظل علمه بمدى اشتهاء ثورين لهذا الإرث المفقود، ولكن تلك الفعلة وحدها هي ما تجعله فيما بعدُ يستطيع إعطاء الأركنستون ﻟ «بارد وملك الجن» على سبيل الهبة؛ تلك الهبة التي تؤجل العداوات التي تهدِّد بإشعال الحرب بين الجن والأقزام والبشر. ولكننا قد نتساءل بشأن هذا التصرف أيضًا، مثلما يفعل بارد؛ إذ ليس واضحًا أن الحجر ملك لبيلبو كي يهبه. هل بيلبو لص؟ إن أسلوب تفكيرنا بشأن الأهمية الأخلاقية للحظ المحصَّل سيكون له تأثير خطير على ما نفهمه من هذين التصرفين الخطيرين اللذين أتى بهما بيلبو: أخذ الأركنستون في الخفاء، ثم التسلل لإعطائه لأعداء رفاقه.

إن كلا التصرفين محفوف بالمخاطر؛ فأخذ الحجر يُفضي إلى مشكلة لبيلبو حين يراه ثورين بوصفه خيانةً. وبينما يؤدي تسليم الحجر إلى بارد وملك الجن إلى إرجاء الصراع الوشيك، كان من الممكن أن يسير الأمر عكس ذلك بسهولة، بالنظر إلى مدى سرعة تصاعد انفعالات ثورين. يختلف الأمر لو كان لدى بيلبو سبب وجيه للاعتقاد بأن الأمور سوف تَئُول لما آلت إليه. وحينئذٍ يمكن أن نتساءل عمَّا إذا كانت الغاية تبرر الوسيلة؛ ذلك اللغز الأخلاقي المعروف لنا جميعًا. ولكن حين أخذ بيلبو الحجر، لم يخطر حتى بباله أيٌّ من الأحداث الآتية؛ فقد كان مفتونًا وحسب بالجوهرة المتلألئة. وعلى الرغم من أنه تمنَّى لو أنَّ إعطاء الأركنستون ﻟ «بارد وملك الجن» سيُحسِّن بطريقةٍ ما الموقف الرهيب المتصاعد؛ فقد كانت خطة هزيلة ومستبعدة.

هل فعل بيلبو الصواب لمجرد أن كل شيء اتخذ منحًى جيدًا، حتى على الرغم من أن هذه النتيجة الجيدة لم يكن من الممكن التنبُّؤ بها بشكلٍ منطقيٍّ؟ أم هل فعل بيلبو الشيء الخطأ، على الرغم من النتائج الجيدة التي أفضى إليها؟ من المؤكد أن الأخير يُعتبَر احتمالًا حقيقيًّا، أليس كذلك؟ فمن الممكن أن يأتي شخصٌ ما بشيء خطأ للغاية، ولكنه قد اتَّخَذ المنحى الأمثل. إذا اعتبرنا أن مخطط بيلبو غير شريف وسيئ الإعداد، إذن فقد نظن أنه قد فعل الشيء الخطأ، حتى لو كانت نواياه طيِّبة وتصادف أن أَفْضَتْ تصرفاته إلى نتيجة مرغوبة؛ فلا يمكن للحظ أن يجعل أي تصرف مقبولًا أخلاقيًّا. وعليه تنظر الأخلاق إلى الحظ ببعض الريبة، فيما يبدو، وتنزع الإطراء والمدح عن أولئك الذين يقامرون حين تكون المخاطر في أَوْجِها. ولكن هل يمكن للأخلاق أن ترفض الحظ رفضًا تامًّا؟

(٤) من الأفضل أن تكون محظوظًا وصالحًا

إنَّ فكرة أن الأخلاق تمنحنا حصانة، بطريقة مهمة، ضد شِراك الحظ ومهالكه لها تاريخ طويل؛ فقد قال أرسطو (حوالي ٤٧٠–٣٩٩ق.م) في مقولة شهيرة وردَتْ في محاورة أفلاطون «الاعتذار» إنه «لا يمكن لرجل صالح أن يحل به أذًى سواء في الحياة أو في الموت».19 وذهب أفلاطون (حوالي ٤٢٨–٣٤٨ق.م) إلى أنَّ شخصًا عادلًا خيرٌ من شخص مجحف حتى لو كان الأول يعاني شتى أنواع سوء الحظ، والأخير محظوظًا لأقصى حدٍّ.20
أما الأشهر على الإطلاق في هذا المجال، فهو الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (١٧٢٤–١٨٠٤)، الذي أنكر أنَّ قيمتنا الأخلاقية يمكن أن تتأثر بالحظ على الإطلاق؛ فقد ذهب إلى أن «الإرادة الحسنة ليست حسنة بسبب ما تُؤثِّر عليه أو تُحقِّقه … فلا يُمكن للنفع أو انعدامه أن يضيف أي شيء لهذه القيمة أو ينزع منها أي شيء».21 والإرادة المثالية لدى كانط «مستقلة»؛ إذ تعتمد جودتها وخيريتها فقط على تلقائيتها، وليس على أي عوامل خارجية.

وعلى الرغم من أن شتى أنواع الأمور يمكن أن تحدث، وتحدث بالفعل، للناس، سواء هنا أو في الأرض الوسطى، فليس بالضرورة أن تتشكل إرادة الشخص، ومن ثَمَّ قيمته الأخلاقية، بها. إن الحظ يؤثِّر بالتأكيد على سعادتنا، ولكن ليس له أي تأثير على قيمتنا بوصفنا بشرًا؛ فنحن نسعد حين يكون الحظ حليفنا، ونبتهج بحسن حظ الآخرين، إلا أن كانط أنكر أن الناس يستحقون «تقديرنا» الأخلاقي لمجرد أن الأمور تصادف أن صبَّت في صالحهم. إن كانط يرسم صورة جذابة، وتعكس — بطرق عدة — إدراكنا لما «ينبغي» أن تكون عليه الأمور، أو كيف «نرغب» أن تكون.

غير أنه من الممكن الدفع بأن هذه الصورة مضللة؛ أولًا: لأن وجود الحظ البنيوي يجعل من الصعب الدفاع عن فكرة الكانطية بأن الإرادة لا تخضع أيضًا للحظ. ألا تتأثر الإرادة بجينات المرء، ونشأته المبكرة وما إلى ذلك؟ على الرغم من أن ذلك لا يظهر في الهوبيت مثلما يظهر في أي موضع آخر، فإن نسب شخصيات تولكين وأصلها يتَّسمان بالرقي؛ فجذور حاضرهم تكمن في ماضيهم، غير أننا نتجاهل دلالة كل ذلك التاريخ وأهميته إذا تعاملنا مع كل شخصية منها بوصفه إرادة عقلانية خالصة مُحصَّنة ضد مثل هذه العوامل.

ثانيًا: في كلٍّ من عالم تولكين وعالمنا، لا تبدو الإرادة مُحصَّنة ضد الحظ الظرفي. فإرادة أية شخصية يمكن أن تنكسر أو تفسد بفعل الظروف المحيطة. فكِّر في ثورين أو تولكين، أو فكِّر في بورومير، أو ثيودين، أو دينيثور في «سيد الخواتم». لقد كان بعضهم — على الأقل — رجالًا صالحين دمَّرتهم الأحداث والقُوى الخارجة عن سيطرتهم. إن البشر الصالحين «يمكن» أن يحل بهم أذًى، ليس جسديًّا فحسب، بل أخلاقيًّا أيضًا. والنتائج السعيدة لتصرفات البشر تؤثِّر «بالفعل» على حكمنا عليهم، حتى لو كان ينبغي ألا تؤثِّر.

لنواجه الأمر، نحن نحب بيلبو ونُقدِّره حق التقدير، على الرغم من حظه المذهل. في الواقع، إنه أشبه ببطل، وإن كان من غير المرجح أن يكون كذلك. غير أن الأمور كان يمكن بسهولة أن تتخذ منحًى مختلفًا لو تحوَّل حظ بيلبو الحسن إلى حظٍّ سيئٍ. ماذا لو أنَّ برميلًا راشحًا قد أدَّى إلى غرق قَزْم أو اثنين، أو ثلاثة عشر؟ ماذا لو كانت محاولة بيلبو الخرقاء لنهب العملاقة قد تسببت في موت نصف المجموعة؟ ماذا لو كان بيلبو قد تعثَّرَ أثناء هروبه من سموج واحترق بأنفاس التنين النارية المُتَّقدة؟

لا يمكننا إنكار وجود الحظ في مغامرة بيلبو،22 ولكن لا يمكن أيضًا إنكار أنه يستحق الثناء الذي نريد أن نمنحه إياه؛ فنحن، كما يتبيَّن، نُثني على الناس ونلقي باللائمة عليهم لأشياء ليست تحت سيطرتهم بشكلٍ تامٍّ. وهذا يعني أن علينا الاعتراف بأن الأخلاق عرضة للتأثُّر بالحظ برغم كل شيء. وعلى الرغم من أن بعض الجن والبشر والأقزام والهوبيت في قصة تولين ربما كانوا أفضل أو أكثر حظًّا من البعض الآخر؛ فإن كلًّا منهم يستحق نصيبًا من كنز التنين.

هوامش

(1) J. R. R. Tolkien, The Hobbit: or, There and Back Again (New York: Del Rey/Ballantine Books, 2001), 212.
(2) Ibid., 43.
(3) Ibid., 55.
(4) Ibid., 78.
(5) Ibid., 79.
(6) Ibid., 153.
(7) Ibid., 155.
(8) Ibid., 178.
(9) Aristotle, Physics, trans. Robin Waterfield (Oxford, UK: Oxford University Press, 1999), 42.
(10) Tolkien, The Hobbit, 93.
(11) Ibid.
(12) Ibid., 95.
(13) Thomas Nagel, “Moral Luck,” in Mortal Questions (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 1979), 28–38.
(14) John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971), 72–75.
(15) Tolkien, The Hobbit, 265.
(16) Ibid., 290.
(17) In Tolkien’s works, dragon-sickness is a spell or a curse that produces a powerful lust for treasure on which a dragon has long brooded. Thorin succumbs to the sickness until he heroically breaks free of its influence after the Battle of Five Armies. For more on dragon-sickness in The Hobbit and Tolkien’s other writings, see John D. Rateliff, The History of The Hobbit (Boston: Houghton Mifflin, 2007), 2:595–600.
(18) Tolkien, The Hobbit, 237.
(19) Plato, “The Apology,” in Five Dialogues, trans. G. M. A. Grube (Indianapolis, IN: Hackett, 1981), 44.
(20) Plato, “The Republic,” in Five Dialogues.
(21) Immanuel Kant, Groundwork of the Metaphysics of Morals, trans. Mary Gregor (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 1998), 8. As is the case with most philosophers, the interpretation of Kant is a tricky business. Kant’s defenders would undoubtedly (and fairly) point out that his views are more complicated and sophisticated than we’re able to acknowledge in such a brief encounter with his thought.
(22) In the closing scene of The Hobbit, however, Gandalf signals that Bilbo has not merely been lucky. The idea that what appears to be a matter of luck may be the workings of a hidden providence is even more pronounced in The Lord of the Rings. See chapter 15 in this book for a discussion of luck and providence.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠