مراقبة

نضال يفتح فمه للهواء؛ ليصطاد ظلَّ الغيوم الذي يركض فوق التراب، يلوكه ويقلبه بلسانه، ويصرك بأسنانه قبل أن يبتلعه.

مدَّ يديه جانبًا للريح، حرك رأسه على صدره من أعلى وأسفل ومن يمين إلى يسار كطواحين الرياح، لف ساقه بساقه. كان خلفه شجرة برتقال ضخمة، ظهر جسده كأنه مصلوب.

الفكرة التي طرحتها، وأنا أجلس كالطائر الحزين بالقرب منه.

هل سألت نفسك من أي وقت مضى، وفكرت أن تتجول في أزياء غريبة؟ أن تضع اليقطين المنحوت فوق رأسك وتركض في الشارع؟ أنك تكون مراقبًا والكل يضحك عليك؟

سوف تتفق معي أن ما أقول هو الهالووين، وهو حقًّا. أنت تحتفل به في شوارع غزة. أعلم أنه أغرب أيام السنة، أليس كذلك؟ ربما كنت أتساءل؛ كيف يمكن الاحتفال بهذا اليوم من أي وقت مضى؟

– كثيرة هي الأشياء التي أود أن أحتفل بها تحت ضوء الشمس بعيدًا عن برودة جدران كنيسة المعمداني. لماذا تبتسم وأنا أتحدث وأجيب عن سؤالك؟

– أنا كلما قفزتْ في رأسي فكرة مجنونة أبتسم.

– وما هي فكرتك الضاحكة؟

– أن نراقب حياة جان دارك الجديدة!

ارتعش نضال من الفكرة «المراقبة». أكانت سعيدةً في حياتها، أم كانت حزينة؟ كلها شقاء علينا.

– اتفق معي يا نضال أن تتغير من مُراقَب إلى مراقِب، من ضحية إلى سيد.

– أنا أخاف أن أراقب الناس وأدخل في أسرارهم.

– في هذه الأرض — أقصد غزة — وفي هذا اليوم، لتقف على العكس تمامًا من الخوف. إن لم تمارس تجربة تخويف الناس، إذا لم يكن كذلك، كيف تصل إلى ما تسعى له اليوم؟ في حين أنه لا يزال يمكن العثور على ضوء، أو أمل بسيط. إن جاك دارك قد تكون مخطئة! العثور على شيء يبقيك في غزة، وتزول الفكرة من رأسك. لو أقدمت على مراقبة جان دارك؛ أنا أضمن لك الشفاء من سوسة الأسنان المنتشرة في طواحينك الخلفية، التي تؤلم رأسك.

– أنت شرير أيها الكاتب، ولا بد أن تموت أو تتوقف عن الكتابة. أنت تعلم أنه ليس لدي أي متعة في حالة وفاة من الأشرار.

– لا يا عزيزي نضال، أنا لست شريرًا بمحاولاتي تثبيتك على الأرض؛ لأن قاموس المعرفة في غزة يحمل معانٍ كثيرة، وكنت أذهل حين أجد أي واحد يصرف المعرفة كما يريد. أما أنا الآن أقول عنك وعن الأفكار التي تدور برأسك من عدم مراقبة جان، يعني أنك مرفوض من الليلة المقدسة.

– هل حين نقوم بدخول بيت جان الجديد أكون بنظرك مقدسًا في ليلة مقدسة؟

– الليلة المقدسة هي الحقيقة، هي أن جان دارك لم تتغير وما زالت كما كانت.

– بما أنك السيد الآن أقصد الكاتب، أنت من صنعتني بهذه الشخصية؛ سأوافق على المراقبة ودخول بيتها، لكن إذا رآنا أحد أو لحق رجال الشرطة بنا؛ أنت من سيحل هذه المشكلة؟

– لا تخف ولا تنسَ أني الكاتب، وأضع الأحداث كما أشاء. أنت بطل روايتي، ومن المنطقي أن تُكمِل الأحداث كلها في الرواية. آخر مشهد سوف أختار لك نهايةً تناسبك.

– من المؤكد أنه الموت.

– الموت نهاية تأتي في السنة أربع مرات بعد كل فصل؛ الموت يقتل الشتاء، يقتل الخريف، يقتل الصيف، يقتل الربيع، لكن الموت لا يقدر أن يقتل الفصول داخلنا.

– نحن قتلنا كل الفصول داخلنا سوى فصل الخريف، لا يهرم أبدًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١