الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

حانة «الملاح التائه» حانة صغيرة أنيقة، مزدانة بالقناديل الزجاجية الملونة، رفعت على جدرانها صور تمثل مغامرات العشاق في العصور الأولى. ذات باب عريض مواجه لرصفة البحر بميناء «بيبلوس». أرسطفان الخمار وزوجته أنتجونا في صدر الحانة منهمكان في تجفيف الأقداح وصفها بعناية، وقد أخذ ظل المساء يمتد على الشاطئ.

أنتجونا :
يا لَلْمَسَاءِ الجَمِيلْ
أرسطفان :
لأنتِ أجْمَلُ مِنْهُ
أنتجونا :
أرسطُفَانُ النبِيلْ
لِسَانُهُ لمْ يَخُنْهُ
قَوْلٌ بِغَيْرِ دَلِيلْ
لا يَصْفَحُ القَلْبُ عَنْهُ
أرسطفان :
فَمٌ عَنِ التَّقْبِيلْ
إِنْ صُنْتِهِ لَمْ أَصُنْهُ!

(وقد مال عليها يقبلها ثم يربت على خدها وهو يقول):

أسرعي، يا أنتجونا، أسرعي
قد طوى المغربُ أطرافَ النهارِ
سوف لا يبقِي هنا مِنْ موضعِ
قادَةُ السَّفْنِ ورُوَّادُ البحارِ
وَهمو في كُلِّ زِيٍّ مُبْدَعِ
قد خَلَتْ منْهُ حوانيتُ التِّجارِ
أنتجونا :
دَعْ حَديثَ الزيِّ باللهِ دَعِ
أنت تُذكي، في دَمي، شُعلةَ نارِ
أوَترضَى أن أُرَى في المِرفَعِ
بإِزاري ذاك أو ثَوابٍ مُعَارِ؟
أرسطفان :
أقصري، يا أنتجونا، واسمعي
لَكِ مني، في غدٍ، أغلى إِزارِ؟
أنتجونا (وقد زمَّت شفتيها) :
في غَدٍ تَنْسَى وَعُسْرًا تَدَّعِي
وَسَراويلَكَ مَلْأَى بالنُّضارِ!
أرسطفان :
تَبًّا لَهَا شَرَاهَةُ النساءِ
تُغرِي بِهِنَّ أَقْبَحَ الأشيَاءِ
يَحْلُمْنَ في الصباحِ وَالمَسَاءِ
بالحُلِيّ والجوهَرِ وَالأزْيَاءِ

(يمر في هذه اللحظة باتوزيس وهو يتأمل ما حوله فيسترعي انتباهه منظر الحانة، فيقف ببابها ويعتمد قيثاره ويسترسل في الإنشاد):

باتوزيس :
هيمانُ هيمان، يا غرامي
ظمآنُ ظمآنُ للمُدامِ
مُشرَّدُ اللبِّ لَيْسَ يَدْرِي
تَعَاقُبَ النُّورِ والظَّلَامِ
هيمانُ مِنْ حانَةٍ لأُخْرَى
بلا قَرَارٍ وَلَا زِمَامِ
يَشُدُّ قِيثَارَهُ وَيَشْدُو
للنَّجْمِ، للرِّيحِ، للغمامِ!
يَخْطُبُ ودَّ الكئوسِ حينًا
وودَّ شُرَّابُهَا الكِرَامِ
يُلْقِي أغانِيَّهُ ويَلْقَى
مَبَاذِلَ القَوْمِ بابْتِسَامِ
أُذْنَاهُ لا تَسْمَعَانِ إِلَّا
تَصفِيقَ راحٍ وَضِحْكَ جَامِ
عَيْنَاهُ لا تُبْصِرَانِ إِلَّا
مطالِعَ الحسنِ وَالوسامِ
هيمانُ ظمآنُ، يا غرامِي
أرسطفان (إلى باتوزيس) :
كثيرونَ مثلكَ مرُّوا بِنَا
فَرَدُّوا الزبائنَ عَنْ بابِنَا
وبَثُّوا السآمَةَ في شَرْبِنَا
فَفَرِّجْ بِبُعْدِكَ عَنْ كَرْبِنَا!
باتوزيس :
يا أيُّهَا السيِّدُ لا تُقْصِنِي
ولا تَكُنْ منْ رَحْمَةٍ مُوئِسِي
إِنْ صَفِرَتْ كَفَّايَ من دِرْهَمِ
فَمَا أنا بالرجُلِ المُفْلِسِ
أرسطفان :
ومَا يكونُ لونُ هذا الغِنَى؟
غِنَى الخيالِ؟
باتوزيس :
بَلِ غِنَى الأنفُسِ!
غَنِيتُ بالنَّفْسِ فَلَمْ أحتَفِلْ
بالزَّائِلَيْنِ: الزَّادِ والملبَسِ
عندي كنور الفَنِّ وَهَّاجَةٌ
فهاتِ لي كأسًا، وَخُذْ، واقْبِسِ
لو كُنْتَ في «طيبةَ» يومًا مَعِي
رأيتَ باتوزيسَ في المجلِسِ
يَسقيكَ مِنْ خَمْرَةِ كُهَّانِهَا
مصريَّةً عَذْرَاءَ لَمْ تُمْسَسِ
عَلَى رَخيمِ الشَّدْوِ في رُفْقَةٍ
من الكرامِ الطَّيبِي المغرسِ
أنتجونا :
من طيبةٍ أنتَ؟
باتوزيس :
أجلْ
أنتجونا :
حبَّذَا
مَغْدايَ في شتائِها المشمسِ!
باتوزيس (بعاطفة) :
لكنتُ، يا سيِّدتي، أغتدِي
إِليكِ في خمائلِ السُّندسِ
بكلِّ ما اختارتْ وَمَا جَمَّعَتْ
إِلهتِي مِنْ زَهَرِ اللُّوتَسِ
وَقَلَّ أن يُهْدَى لهذا الصِّبَا
والحسنِ كَنْزُ النَّهَرِ الأقدَسِ!
أنتجونا :
أيها المنشدُ الغَريبُ فَتًى أنتَ مُعْجَبُ
منكَ عَنْ طيبةَ الغناءُ جميلٌ مُحَبَّبُ
باتوزيس (غناء) :
حَبَّذَا النهرُ وَالشِّرَاعُ به الرِّيحُ تَلْعَبُ
بين شَطَّيْنِ كالزَّبَرْجَدِ، وَالماءُ مُذْهَبُ
رَاحَ مَلَّاحُهُ الشَّجِيُّ يُغَنِّي فَيُطْرَبُ
وَعَلَى الْأُفْقِ والحقولِ نَشيدٌ وَمَوكِبُ
أيها الزَّارِعُونَ، ما تُنْبِتُ الأرْضُ طيِّبُ
اقطفوا زَهْرَ أوزريسَ وَمِنْ خَمْرِهِ اشربوا!

(أنتجونا في شبه حلم لذيذ، تنظر إلى زوجها وقد كفت يدها عن الأقداح، وهي تقول):

أنتجونا :
هذا النشيدُ الجميلْ
يَشْدو بِنَجْوَانَا
مَلَّاحُ وادي النيلْ
بالأمْسِ غَنَّانَا
وَهَزَّ بالترتيلْ
موجًا وشُطآنَا
باتوزيس :
أيُّ صَدًى هَزَّنِي
وأيُّ حُلْمٍ عجابْ
هَلْ لي إلى موطني
يا ربَّتِي مِنْ إِيابْ؟
يا ربَّتِي رَدِّدِي
هذا النداءَ الجميلْ
اليَوْمَ أمْ في غَدِ
أَرَى ضِفَافَ النِّيلْ؟!
أنتجونا :
يا لَلْفَتَى دَمْعُهُ
يَجْرِي عَلَى القيثارْ
أرسطفانُ ادْعُهُ
فالليلُ عيدُ البحارْ
وَشدوهُ وَقْعُهُ
تَحلو بِهِ الأسمارْ
أرسطفان :
ذكرتِ مراحَنَا، يا أنتجونا
وَأيامَ الصبابَةِ وَالتمنِّي
وليلاتٍ «بطيبةَ» ساحراتٍ
رُؤاها لم تَغِبْ، في الدهرِ، عنِّي
أنتجونا :
وَظُلَّتُنَا علَى خُضرِ الرَّوَابِي
وزورقنا على الموجِ المغنِّي
أرسطفان :
وَشَدْوَ رِعاتِهَا في كُلِّ فَجْرِ
عَلَى جَرسِ القَطيعِ المطمئنِّ
أنتجونا :
وتَرجيعَ الحمائمِ وَهي تهفو
حوائمَ بالنخيلِ المرجحنِّ
أرسطفان :
ديارٌ مِنْ بَنِي فرعونَ طالَتْ
بأُسٍّ مِنْ حَضَارَتِهَا وَرُكْنِ
إِذَا أبوابُها فُتِحَتْ أَطَلَّتْ
عَجَائِبُ لَمْ تَجُلْ يَوْمًا بظنِّ
تُنَسِّي صُنْعَ آشورٍ وَتَجْلُو
رَوَائِعَ مُلهماتٍ كُلِّ فَنِّ

(أرسطفان يملأ قدحًا ويضعه على المائدة، أنتجونا ترفعه وتقدمه إلى باتوزيس، وهي تقول):

أنتجونا :
اِشربْ، وغَنِّ الآنَ، يا شاعرِي
واقْضِ هنا الليلَ مع السَّامِرِ
وَهَاتِ لَحْنَ البَلَدِ السَّاحِرِ
مصرَ التي ما بَرِحَتْ خاطِرِي
باتوزيس (يشرب القدح دفعة واحدة، وينحني شكرًا وهو يغني) :
خَمْرَةٌ طِيبِيَّةٌ أم بابليَّة
هذه نفحةُ روحٍ قُدُسيَّة
منحةُ الحُسْن بكفَّيْ أريحيَّة
تمنحُ الرحمةَ قَلْبَ البشريَّة
لَكِ، يا أجملَ ربَّاتِ البريَّة،
دَعَوةٌ صادِرَةٌ مِنْ أصغريَّهْ!

(تسمع ضجة من بعيد تقترب، فيقف باتوزيس بباب الحانة متطلعًا وهو يقول):

أرَى ساحةَ الميناءِ شتَّى مشاعلِ
تَبُثُّ سَمَاءَ البحرِ شَتَّى مفاتِنِ
رَبابنةُ السُّفْنِ المواخِرِ أقبَلوا
يُحيُّون عيدَ الماءِ، عيدَ السفائِنِ
يَلوحُونَ من أقصى الطريقِ بموكبٍ
تصايحَ فيه كُلُّ نشوانَ ماجِنِ
ألا حبَّذَا عيدُ البحارِ وحبَّذَا
شرابيَ فيه أو شجيُّ ملاحِنِي!
أنتجونا :
أرسطفانُ انظرْ جَمالَ الموكِبِ
واسمعْ لذيَّاكَ النشيدِ المطربِ
أراهمُ مِنْ بُعُدٍ كأنَّهُمْ
في مرقصٍ يلهونَ أو في مَلْعَبِ
كُلُّ فَتًى ضَمَّ فَتَاةً وَمَشَى
يخطرُ في زَهْوٍ المحبِّ المعجبِ
أُنظر إليهم …
أرسطفان :
أنتجونا، ما أرى
غيرَ خَليطٍ هائجٍ مؤلَّبِ
من الرجالِ العابثينَ، بينهمْ
أخُ الأثامِ والغرامِ القُلَّبِ
وَبَائعاتِ الحبِّ في أسواقِهِمْ
من النساءِ جامعاتِ الذَّهَبِ!
حبيبتي، أخشى عليكِ سُكرَهُمْ
في حانتي، فاجتنبيهمْ واذهَبِي
أنتجونا :
مِمَّ تَخَافُ؟ فتنةً أمْ غيرَةً؟
تظنُّ بي سوءًا؟ أما وثِقْتَ بي؟
أرسطفان :
أصغِي إليَّ الآن، يا صغيرَتِي
وامضي إلى مَخدعِكِ المحبَّب
أنتجونا :
كلا! سأبقى ها هنا
أرسطفان :
بل اذهبي
ولا تثيري غضبي
أنتجونا :
بلِ اغْضَبِ!!
أرسطفان (يأخذ بيد زوجته مشيرًا لها إلى باب خلفي) :
هذا طريقُكِ، فاذهبي بأمانِ
سارَ الهتافُ على طريقِ الحانِ
إنِّي أخافُ عليكِ وسوسةَ الطِّلا
في كأسِ عربيدِ الصِّبا، نشوانِ
وَهبَ المخاطرَ عُمْرَهُ، فشبابُهُ
أحلامُ كأسٍ أو خيالُ غوانِي
وأخافُ نظرةَ جارحٍ متربِّصٍ
تُخفِي حُلاهُ حبائلَ القُرْصَانِ
غَزِلًا، إذا ساقَ الحديثَ حَسبْتِهِ
ربَّ الخيالِ وشاعِرِ الوجدانِ
يُغوِي إِناثَ الجنِّ لا يَعيا بِهَا
حِيَلًا، ويقنصها بطرفِ بنانِ
أرسى سفينتَهُ هُناكَ كأنَّها
مقصورَةُ العشَّاقِ في بستانِ
ملعونةُ الحُجُرَاتِ، كُلُّ أثاثِهَا
قَيْدُ الضحيَّةِ أو سِياطُ الجانِي
إِنْ يَدْعُ زائرةً لَهَا فسبيلُهَا
سوقُ الرقيقِ وعالَمُ النسيانِ
عن قنصِ جاريةٍ وخطفِ أميرةٍ
كم عندَ قُرصانِ البحارِ أغاني!

(تخرج أنتجوتا من الباب الخلفي كأنها متضايقة.)

أرسطفان :
وأنتَ، يا باتوزيس، هيَّا
اِملَأْ فَضَاءَ المَسَاءِ شَدْوَا
وَابْعَثْ أغانيكَ مفرحاتٍ
آنًا، وآنًا يَسِلْنَ شَجْوَا
وَإِنْ عَلَتْ ضَجَّةُ السَّكارى
فَالْهُ مَعَ الشاربينَ لهوَا
وَلَا تَضِقْ بالسِّبابِ صَدْرَا
وَظُنَّ ما يَنْطِقُون لَغْوَا

(يقترب موكب الملاحين وهم ينشدون نشيدهم حتى يدخلوا الحانة بأزيائهم البهجة، وهم مستمرون في نشيدهم ويأخذون أماكنهم.)

الجميع :
نحنُ قادةُ السفينِ
نحنُ سادةُ البحارْ
لا يَعزُّنا السِّفارُ
أوْ يهزُّنا الخَطارْ
عيدُنا من الجمالِ،
والجلالِ، والفخارْ
نحن سادةُ البحارْ
البحارْ
أحد البحارة :
اَلبحارُ مَهْدُنَا
الجميع :
وَالسَّفِينُ مَجْدُنَا
أحد البحارة :
قَد عشقناها شِراعًا خافقَا
بحار آخر :
أيُّنَا لَمْ يَكُ يومًا عاشِقَا؟
الجميع :
لابنةِ الماءِ عَروسِ الجارياتِ
عيدُها أجملُ أعيادِ الحياةِ
أيُّ عيدٍ مِثْلُهُ في الكائناتِ!
أحد البحارة :
غادَةٌ عُشَّاقُها في كُلِّ ثغرِ
تعشقُ المجهولَ والوجهَ الغَرِيبَا
بحار آخر :
تحملُ الأشواقَ مِنْ بَحْرٍ لبحرِ
الجميع :
وَهي لا تؤثرُ بالقُربِ حبيبَا
أحد البحارة :
عَنْ أبيها وَرِثَتْ حُبَّ الصراعِ
يَوْمَ لاقى الأرضَ غضبانَ عتيَّا
بحار آخر :
طفلةٌ ترقُصُ في ظلِّ الشِّراعِ
بحار آخر :
وَتقودُ الموجَ وَالنوءَ العصيَّا
الجميع :
إنَّها بنتُ البحارْ
البحارْ

(الجميع يصفقون ويهللون.)

سرنبال :
أيها الخمَّارُ عَجِّلْ بأباريقِ المُدامِ
هاتِنَا من خَمرة الشرقِ أفاويقَ الغرامِ

(أرسطفان يسرع بالأقداح والأباريق.)

(الجميع يملئون أقداحهم ويرفعونها وهم ينشدون مع الإعادة وبالطرق على الموائد.)

(أحدهم يغني الشطر الأول والجميع يرددون الشطر الثاني.)

الجميع :
غَنُّوا الكأسا
يا أصحابي
حَيُّوا الشمسا
في الأكوابِ
سرنبال (وهو يتأمل الحانة) :
باللهِ ما أجملَ هذي الحانَةْ
وَضِيئةٌ جدرانُها مزدانَةْ
بالصُّوَرِ الرائعةِ الفتانَةْ
تُمَثِّلُ الصبوةَ والمجانَةْ
حرشاف :
صاحبُها الملَّاحُ في البحرِ شَرَدْ
داريوس :
وَرُبَّمَا يَعُودُ آخرَ الأبَدْ
سرنبال :
لا! بَلْ حَسَا شرابَهُ حتى نَفِدْ
داريوس :
فهام في اللُّجَّةِ يعصرُ الزَّبَدْ
حرشاف :
بَلْ عبثتْ جنيَّةٌ برأسِهِ
سرنبال :
فَظَنَّهَا إحدى بناتِ جنسِهِ
حرشاف :
يا وَيْحَهُ مانَفْعُهُ بنفسِهِ
وَهْوَ أسيرُ حُبِّهِ وَكَأْسِهِ؟
سرنبال :
أغاصَ في البحرِ أمْ قَدَحِ الخَمْرِ
حرشاف :
أمْ أبْحُرِ الشِّعْرِ مِنْ حَيْثُ لا يَدْرِي؟
داريوس :
يا أيها الخمَّارُ، قُلْ وَدُلَّنَا
مَنْ صاحبُ الحَانَةِ؟ أينَ؟ قُلْ لَنَا
أرسطفان (دهشًا) :
من صاحبُ الحانَةِ؟ من هذا؟ أنا!
داريوس :
أنتَ؟ عجيبٌ أنْ نَرَاكَ بَيْنَنَا
حرشاف (ضاحكًا) :
انظر إلى وجهِكَ في المرآةِ
وَصِفْ لَنَا عجيبةَ الحَيَاةِ
داريوس :
مِنْ أَيِّ غابٍ، يا وحيدَ القَرْنِ
سرنبال :
وما اسمُكَ الصحيحُ؟ لا تُكَنِّي!
أرسطفان (مبتسمًا) :
أرسطفان
حرشاف (ممسكًا بشعرات شارب أرسطفان) :
عَلَمٌ مَغْلُوطُ
صحَّتُهُ وَشَكْلُهُ المَضْبُوطُ
تُنْبِئُ عَنْهُ هذِهِ الخيوطُ
سرنبال :
أرسطفانُ أنتَ أخطُبُوطُ
داريوس :
حِرشافُ هذي شَعراتٌ مُضْحِكَهْ
سرنبال :
يَلفُّهُنَّ بِيَدٍ مرتَبِكَهْ
داريوس :
في شاربٍ يَرْعُدُ مثلَ السَّمَكَهْ
حرشاف :
إليَّ، يا داريوسُ، هاتِ الشَّبَكَهْ!

(ضحك متواصل.)

أرسطفان (هامسًا متضرعًا) :
باتوزيسْ هيا غَنِّي
ذدهم عنِّي بصدى لحن!

(يرتقي باتوزيس مائدة ويشير إلى أرسطفان فيناوله قدحًا فيرفعه عاليًا، وهو ينشد.)

باتوزيس :
جَدِّدُوا، يا أيها الصَّحْبُ، مَسَرَّاتِ الزمانِ
إِنَّ هذي لَيْلَةَ الحُبِّ فَضجُّوا بالأغانِي
اِرفعوا الأقداح ملأى، واشربوا نَخْبَ الحسانِ!

(الرجال يرفعون أقداحهم والنساء يصفقن رافعات الأقداح.)

حرشاف :
للصواحِبِ الحسانِ
إمرا :
للشبابِ
نفراي :
للغزلْ!
سرنبال :
للقدودِ
داريوس :
للخدودِ
حرشاف :
للثغورِ
باتوزيس :
للقُبَلْ!
داريوس :
للعيونِ
حرشاف :
للفتونِ
سرنبال :
للجنونِ
باتوزيس :
للأملْ!
إمرا (واقفة رافعة قدحها) :
نَخْبَ صَاحبي الجَميل كُلُّ شاربٍ نَهَلْ!

(يميل عليها حرشاف فيقبلها والجميع يهتفون):

الجميع :
تحيا القُبَلْ يحيا الغَزَلْ
حرشاف (رافعًا قدحه مشيرًا إلى إمرا) :
وَنَخْبَ عينيكِ، يا جميلَهْ
داريوس :
يا أظرفَ الغانياتِ طُرًّا
نفراي (وهي تجذبه) :
تُغيظني أمْ تريدُ حِيلَهْ؟
داريوس :
إنِّي أُحَيِّي صَنيعَ إِمرا
نفراي :
قَوْلٌ تَوَقَّعْتُ أن تقولَهْ!
داريوس :
نِفْرَايَ لا شكَّ أنتِ غَيْرَى!
نفراي (ساخرة) :
غَيْرَى؟ أمِنْ هذِهِ الهَزِيلَةْ؟
داريوس أنتَ امتَلَأْتَ خَمْرَا
داريوس :
بَلْ أنتِ نفراي! أنتِ سكرى
نفراي :
داريوسُ ما لَكَ عَيْنٌ
تطيقُ وَهْجَ ضيَائِي
اُنظر لوجهي قليلًا
وَلَا تَذُبْ من حياءِ
أيُّ الجميلاتِ مِنِّي
أَحَقُّ بالإِطْرَاءِ
«بيبلوس» تعرف سحرِي
وَفِتْنَتِي وَرَوائي
إِذَا خطرتُ الهوينا
وَالعاشقونَ وَرَائي
مِنْ كُلِّ سابٍ جميلٍ
جَمِّ الصِّبا وَالثراءِ
لَوْ نالَ تقبيلَ ثَغْرِي
أتَى بمُلْكِ السماءِ
لكنْ صَدَقْتُكَ حُبِّي
وأنتَ، في البحرِ، ناءِ
داريوسُ ما لكَ عَهْدٌ
لأَنْتَ زيرُ نِساءِ

(ثم تثب فجأة واقفة ملقية بمعطفها نازعة وشاحها، وتبدأ في رقصة خلابة مثيرة تشرئب إليها الأعناق، وتتردد صيحات الإعجاب. ثم تنتهي رقصتها فتقف حانية رأسها، مضمومة اليدين على صدرها، بين التصفيق والهتاف، وتلمع الفتنة في عيني داريوس فينحني مقبلًا قدميها مادًّا ذراعيه لضمها، وهو يصيح):

داريوس :
هيا اهتفوا، أيها الرجالْ
لربَّةِ الحسنِ والدلالْ
نفرايَ معبودةِ الجمالْ

(في أذن إمرا.)

داريوس يحنو عليها
يَبْحَثُ عن شَفَتَيْهَا
إمرا :
قد خَرَّ بينَ يَدَيْهَا
مُقَبِّلًا قَدَمَيْهَا

(ويحتضنها داريوس وينزل بها وهي مغمضة العينين موسدة رأسها صدره، وهو يناجيها):

داريوس :
ضَعِي هنا رأسَكِ، يا حبيبَتِي
لشدَّ ما أهواكِ، يا جميلَتِي
اُرْنِي إليَّ، واغفري خطيئتي
أنا الغيورُ، فاصفحي عَنْ غَيْرَتِي

(ويقبلان بعضهما.)

حرشاف :
والآن، يا أيها النساءْ هيا إلى الرقصِ والغناءْ

(وفجأة يدخل أزمردا الحانة بزيه العجيب ومشيته المهيبة دون اكتراث بالجميع، فيسترعي منظره الأنظار، ويأخذ مكانه بانحراف في آخر الحانة بينما ينظر إليه باتوزيس من طرف خفي، وهو يقول لنفسه):

باتوزيس :
مَنْ ذلكَ الوجهُ يبينُ نصفُهُ؟
هذا فَتَى ما غابَ عَنِّي وَصْفُهُ
جَبِينُهُ، وَعَيْنُهُ، وَأَنْفُهُ
أذاك أزْمُرْدَا تُرَى! أمْ طَيْفُهُ؟
يا للَّعينِ لَمْ يُصِبْهُ حَتْفُهُ
حَيًّا أَراهُ والصِّبَا يَحُفُّهُ
والخَمْرُ في الأقداحِ تستخفُّهُ
داريوس :
أيُّها الخمَّارُ هَيَّا
أترعِ الكاسَ وناوِلْ
حرشاف :
لا تَدَعْ في الدَّنِّ شَيَّا
واسقنا من خَمْرِ بَابِلْ

(ويسري المرح في جو الحانة من جديد ويسرع أرسطفان بأباريق الخمر فيهتف سرنبال):

سرنبال :
أيها الشادي، أما تُسمعنا لحنًا شجيَّا؟
نفراي :
غنِّنا، يا شاعرَ الحبِّ، قصيدًا عبقريَّا
داريوس :
قِصَّةً مصريَّةَ الألحانِ وزنًا ورويَّا
إمرا :
أو نشيدًا أسيويَّا
حرشاف :
أيها المصريُّ هيَّا

(يعتمد باتوزيس قيثاره ويأخذ في الإنشاد حينًا والغناء حينًا آخر ويشترك معه الجميع في بعض أبياتها):

باتوزيس :
يَرْوي لكم، في الشعرِ، باتوزيسْ
أجمل ما يُرْوَى
من قَصَصٍ أوحتْ بِهِ إِيزيسْ
يُعْجِبُ مَنْ يَهْوَى
ويستثيرُ الوجدَ والشَّجْوَا
فيما مَضَى، من غابِرِ الأيامْ كان فتَّى ملَّاحْ
نهارُه أو ليلُهُ أحلامْ بالغيدِ والأقداحْ
مستغرِقًا في اللَّهوِ والأفراحْ
جُنَّ بآشوريةٍ هيفاء معبودَةِ الحُسْنِ
كانتْ لها سفينةٌ في الماء أميرَةُ السُّفْنِ
شراعُها أُعجوبَةُ الفَنِّ
وَلَيْلَةً مَرَّ فَغَنَّاها أغانيَ الحبَّ
فاستمهلتْ تُصغي، فحيَّاها تَحِيَّةَ القَلْبِ
فأومَأَتْ تدعوه مِن قُرْبِ
وعلَّمَتْهُ القنصَ والأسفارْ في الغربِ والشرقِ
فطوَّفَا في قاصياتِ البحارْ أو لُجَّةِ العشقِ
عامين مَرَّا كسَنَا البرقِ
وَليلةً في الشاطئ الفضِّيِّ أسرى إلى القَنْصِ
بينا دَنَتْ من شعبِ الأرضِ سفينةُ اللِّصِّ
تدبُّ في خوفٍ وفي حرصِ
وخَدَعَتْهَا رنَّةُ الصوتِ من هاتفٍ بالبابِ
يصيحُ في حشرجةِ الموتِ يا رحمةَ الأربابْ
هذا غريقٌ في ثنايا العبابْ
وأوقعتها نخوةُ الإحسانْ في قبضةِ القرصانْ
وَلَمْ يزل عاشقُها الولهانْ من سالفِ الأزْمانْ
يسألُ عنها الرِّيحَ والخلجانْ
وقالَ راوٍ: حدَّثوا عنهُ في قِصَّتَيْ نُوحِ
إنَّ إِلهًا زُوِّجَتْ منهُ في عالَمِ الرُّوحِ
فأنجبت آلهةَ الرِّيحِ!
فإن سمعتم في صدى الأمواجْ أو لَحْنِ شاديكُم
أُغنيَّةً تهفو على الأثباجْ حَيْرَى تُغَادِيكُمْ
فهيَ لها، وهيَ تناديكمْ!
حرشاف :
يا للفاجرْ يا للغادرْ
داريوس :
أينَ نَراهُ! أو نلقاهُ؟
باتوزيس :
سَلْ إِلهَ الرِّيحِ عَنْهُ إِنْ أردت الثأر مِنْهُ!
هُوَ في كُلِّ مكانٍ جاثمٌ إنْ تفتَقِدْهُ
وَهُوَ في كُلِّ زَمَانٍ إن تَسَلْ عنه تَجِدْهُ
وَتَرَاهُ بَيْنَنَا الآنَ وإنْ لم تَعْتَقِدْهُ
مَثَلٌ للشَّرِّ مَهْمَا يَطْوِهِ الدهرُ يَعِدْهُ
إمرا :
أَنَقْضِي هذه الليلةَ أسرَى هذِهِ الحانَه؟
وَفي بيبلُوسَ ألوَانٌ من اللَّذَّاتِ فَتَّانَهْ
حرشاف :
هَلُمُّوا، أيها الإِخوانُ، فالليلةُ حُسَّانَهْ
نفراي :
وَهَذِي الغُرَفُ الحَمْرَاءُ بالإِغراءِ ملآنَهْ
داريوس :
وَمَعْشُوقَاتُنَا يَنْظُرْنَ مِنْ آنٍ إلى آنَهْ
سرنبال :
هَلُمُّوا قَبْلَ أن يهجرَ طَيْرُ الفَجْرِ أوكانَهْ
حرشاف :
وَيُجْرِي الشَّفَقُ الأوَّلُ فوقَ الماءِ عُقْيانَهْ
داريوس :
وَيَدْعُو صاحِبُ الفُلْكِ إلى الدفَّةِ سفَّانَهْ
باتوزيس :
فَلْنَرْفَعِ الأكوابْ
وَلْنُدِرِ الأنْخَابْ
سرنبال :
في صحة الإِغْرَاءْ
نفراي وإمرا :
وَالغُرَفِ الحَمْرَاءْ
حرشاف :
بَلْ نَخْبَ باخوسِ
داريوس :
وَحُورِ بيبلوسِ
الجميع (ينشدون في صوت واحد، وهم يغادرون الحانة) :
فَلْيَحْيَ باخوسُ وَلْتَحْيَ بيبلوسُ
حرشاف (وهو يأخذ بذراع إمرا) :
فواتنَ الدُّنيا هيَّا بنا هيَّا

(ويغادر الجميع، ما عدا أزمردا، وقد ألقوا بنقودهم، ثمن الشراب، على الموائد فيسرع أرسطفان إلى جمعها مبتهجًا.)

باتوزيس (إلى أرسطفان متعمدًا تجاهل أزمردا) :
إِلَيَّ بِجَرْعَةٍ قَدْ جَفَّ حَلْقِي
وَأَوْهَى المِعْزَفُ الشَّادِي بنانِي
أرسطفان (يملأ قدحًا ويسرع به إلى باتوزيس ضاحكًا مرحًا) :
إِلَيْكَ إِلَيْكَ، باتوزيسُ، فاشربْ
معتَّقَةً مختَّمَةَ الدِّنَانِ
لَقَدْ أَبْدَعْتَ في شَدْوٍ وَلَهْوٍ
كَمَا أبدعتَ في نَظْمِ الأغانِي!
أزمردا (للخمار مشيرًا إلى باتوزيس) :
وَهَاتِ لَهُ بثانيَةٍ فَإِنِّي
طَرِبْتُ كَأَنَّ آلهَةً تُغَنِّي
لَقَدْ غَنَّاكَ طيبيٌّ نبيلٌ
أَرَاهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْأَ عَنِّي
تَحَدَّرَ من ضِفافِ النيلِ حتَّى
أتى آشورَ في ثوبِ المغنِّي

(مشيرًا لباتوزيس.)

أباتوزيسَ هاتِ الكأْسَ هيَّا
تعالَ، تعالَ، وادنُ الآنَ مِنِّي
سمعتكَ في الطريقِ فجئتُ أُصْغِي
إليكَ، وأنت في سُبُحاتِ فَنِّ
وَأزْمُرْدَا صديقكَ لم تَخُنْهُ
فراسَتُهُ، وصوتُكَ لم يَخُنِّي!

(باتوزيس يتصنع الدهشة والفرح معًا، يحمل قدحه ويخف به إلى أزمردا وهو يقول):

باتوزيس :
يا لَفجاءات الفَرَحْ! وَيَا لَنشوةِ القدحْ!
أأنتَ أزْمُرْدا؟ أحَقًّا أنتَ؟ أمْ أنْتَ شَبَحْ؟

(مشيرًا إلى ثياب أزمردا.)

هذا الجلالُ! ما أرى؟ أرى نفائسَ الحللْ
كَأَنَّها أُسطورَةٌ يَبْرُز لي منها بَطلْ
أقولُ: مَنْ هذا الأميرُ في صِدارةِ الذَّهَبْ؟!
وَهَذِهِ الجَوَاهِرِ المضوِّئاتِ كالشهُبْ!
أزمردا :
وَلا تَقُول: بَلْ فَتًى عَرَفْتُهُ على الزَّمَنْ
كُنَّا مَعًا نَعْمَلُ في البَحْرِ وَنَقْتَادُ السُّفُنْ!
باتوزيس (رافعًا قدحه) :
نَخْبَ الثراءِ العَظيمْ
نَخْبَ الصديقِ القَديمْ
أزمردا (رافعًا قدحه) :
نَخْبَ الغناءِ الرخيمْ
وَنَخْبَ ضَيفِي الكريمْ
باتوزيس :
ضيفُكَ! ما تَعْنِي؟ وماذا تُريدْ
تضيفني أنتَ الثريُّ العَتيدْ
وَلَمْ أكُنْ غيرَ مُغَنٍّ شَريدْ
في أيِّ قصرٍ أو بناءٍ مَشيدْ؟
تقيمُ في هذا المكانِ السعيدْ؟!
أزمردا :
أُقيمُ في قصرٍ؟ وَفيمَ القصورْ
وَطَوْعَ سلطانيَ هذي البحورْ
أؤمُّ فيها حالياتِ الثغورْ
مبتهجَ الآصالِ نَضْرَ البُكورْ
عَلَى شراعٍ قرمزيٍّ جسورْ
منطلقًا يَغْزُو سَمَاءَ النسورْ
ولا يَنِي بينَ الصَّبا والدَّبُورْ
يثيرُ أهواءَ الحسانِ الحورْ
حتى تُرَى في ظِلِّهِ المَنشورْ
يحملها إِلى الغَدِ المقدورْ!
باتوزيس :
سِرُّكَ، يا صاحِ، عرفتُ مكمنَهْ
سفينكَ الراسي وعيشُ القرصَنَهْ
يا للثراءِ، وَيْحَهُ، ما ألعَنَهْ!
أزمردا :
ألا تزالُ، يا فتى، مهذارا
مُحدِّثًا أو منشِدًا ثَرْثَارَا
تُلَفِّقُ الألحانَ وَالأشعَارَا
تَتَّهِمُ السفينَ والبحارَا
وَتَخْلُقُ القراصنَ ابتِكَارَا
في صُورةٍ تكسو الرِّجال عارَا؟
باتوزيس :
عارُكَ لن يُمْحَى ولن يُوارَى!
أذاكر أنتَ أزمردا منعَّمَةً
بيضاءَ كالشمسِ في أبهى مطالِعِهَا؟
إذا مَشَيْنَا على الميناءِ ترمُقُهَا
خَلْسَا، وعيناكَ نارٌ في مدالِعِهَا
خدعتني عن خُطاها وهي واثبةٌ
مِثْلَ الغزالةِ تلهو في مراتِعِهَا
حتى ظفرتَ بها غدرًا وطِرْتَ بها
مثل الرياحِ أضَلَّتْ خَطْوَ تابِعِهَا
قَنصْتَهَا قَنْصَ جبَّارٍ وما شفعتْ
لديكَ حتَّى الدوامي من مدامِعِهَا
يا بؤسها، وهي في الأسواق عاريةٌ،
ويا لَهَا بين شاريها وبائعها!
معروضَةُ الجسمِ تلتفُّ العيونُ بها
تَكادُ تنفذُ من أخفى مقاطعها
كأنها دُمْيَةُ المثَّالِ يفحصُها
نُقَّادُهُ ليَرَوْا أخطاءَ صانعِهَا
كأنَّهَا الشاةُ والقصَّابُ يَنْقُذُها
بمثلِ ما جَسَّ لحمًا في أضالِعِهَا
روايَةٌ كلَّمَا مَرَّتْ يُجَدِّدُهَا
قرصانُ بحرٍ ويُحْيِي من وقائعها
فاذكُرْ مصائبَ آباءٍ بما اجترحَتْ
يداكَ، أو أُمَّهاتٍ في فواجِعِهَا
واذكرْ فتاتكَ إِنْ صرت الغداة أبًا
وكانَ مِثلُكَ مَقْدورًا لطالِعِهَا!
أزمردا :
أراكَ كما فارقتُكَ الأمسَ شاعِرَا
على الدهرِ عربيدًا، من الناس ساخِرَا
تَرامى بكَ الحاناتُ تشدو بمزْهَرٍ
تُغنِّي السُّكارى والنساءَ العواهرا
حوانيتُ لهوٍ أنتَ فيها فَراشةٌ
تَظَلُّ على أضوائِهَا العمرَ حائرا
وسادُكَ كرسيٌّ عتيقٌ بحانةٍ
إذا ضافَكَ الخمَّارُ وامتَنَّ آجرَا
ومن عجب تُزْري على الجاه والغِنَى
وتسألُ بي هذي الحُلَى والجواهِرَا
وتهزأُ بي بين السُّكارَى وما أرى
بهم غيرَ فَتَّاكٍ يَلَصُّ المواخِرَا
باتوزيس :
وغَدْرُكَ أزمردا! تكلَّمْ فإِنَّنِي
أرى منك وحْش الغاب أنقى أظافِرَا!
أزمردا :
رويدَكَ، باتوزيس، ما كنتُ غادرَا
وما كنتُ إلَّا أسيويًّا مُغامِرَا
أبيعُ الصبايا الهائماتِ على الطوى
لأمنحنَّ العيشَ ريَّانَ ناضِرَا
وأخدعُ فيهنَّ الرجالَ وربما
نَسَلْنَ نجومًا أو ولدنَ عباقِرَا
وأغشى بهنَّ الدُّورَ عاليةَ الذُّرَى
لأجعلَ منهنَّ الإِماءَ حرائِرَا
وآلهةً فوقَ الشعوبِ يسُمْنَهَا
مقادَةَ ربَّات يَقُدْنَ المقادِرَا
فَخَلِّ خيال الفنِّ للساعةِ التي
يدينُ لكَ المالُ النُّهى والخواطِرَا
هو المالُ غفَّارُ الخطيئاتِ فالتمسْ
به خالقًا يَعْفُو ويبطِشُ قادِرَا
باتوزيس :
أيُّها السَّاحِرُ دَعْنِي كُفَّ هذا السحرَ عنِّي
أيُّ أنغامٍ مِنَ السِّحْرِ مُرنَّاتٍ بأُذْنِي
كِدْتَ أنْ تَبْلغَ ما لَمْ تَبْلغَ النشوةُ منِّي
كِدْتُ أُلْقي في يَدِ الشرِّ بِسَيْفِي ومِجَنِّي
لا عَلَيْنَا الآنَ من هذا التحدِّي والتجنِّي
لَكَ سلطانُكَ في البحرِ، ولي كأسي ولَحْنِي!
أزمردا :
وَلَكَ الخيالُ العبقريُّ يصوغُ آلهةَ الرياحْ
مترنِّماتٍ بالعشيِّ مغنِّياتٍ بالصَّباحْ
تَحْتالُ تذكرهنَّ في قِصصٍ من الكَذِبِ الصُّراحْ
قِصصٍ تُنَمَّقُ لا إِزيسُ بِهِنَّ تعلمُ أو بتاحْ!
وتروحُ تغمزني، وأنتَ تَجِدُّ في قَوْلِ المزاحْ!
باتوزيس :
ويْكَ أزمردا دَعِ الظنَّ ولا
تَحْسَبِ القصَّةَ من هَزْلِ الحياةِ
كنتُ في «طيبةَ» من عامٍ مضى
وتَسَمَّعْتُ لأخبارِ الرُّواةِ
فَتَياتٌ أربعٌ يظهرنَ في
كلِّ عامٍ صُوَرًا مختلفاتِ
رائعاتٍ يتخطَّرنَ عَلَى
هذِهِ الأمواجِ مثْلَ النَّسَماتِ
أزمردا :
حبذا هُنَّ، ألا صِفهنَّ لي
كيفَ يطلعنَ؟ وفي أيِّ الجهاتِ؟
باتوزيس :
فَوقَ شطٍّ رَمْلُهُ من ذهبٍ
لؤلؤيِّ الماءِ دُرِّيِّ الحصاةِ
من يَحُزْهُنَّ يَحُزْ مُلْكَ الثَّرَى
وَمَقاليدَ البحارِ الطاغياتِ
أزمردا :
آهِ، لو يَسْنَحْنَ لي كنتُ إِذن
سيِّد البحرِ وربَّ الغَزَواتِ!
كنتُ، باتوزيسَ، أحبوكَ الغِنَى
وَمَسرَّاتِ العصورِ الخالياتِ
باتوزيس :
يا لأطماعكَ أزمردا، أفي
ملكوتِ الريحِ؟ قِفْ! بعضَ الأناةِ!
أزمردا :
أوَأنتَ باتوزيسُ تؤمنُ بالقُوَى المتجسِّداتِ؟
وَبِهَذِهِ الأرواحِ في صُوَر الإناثِ مُصَوَّراتِ؟
أوَأنَت تؤمنُ!
باتوزيس :
كيف لا! والروحُ كُبرى المعجزاتِ
نحيا كآلهةٍ بها ونعيشُ من بعدِ المماتِ
أزمردا :
هذي الروايةُ من نسيجِ الوهمِ أو صُنْعِ الخيالِ
أوَأنتَ تُؤمنُ؟
باتوزيس :
لستُ أُومنُ بالخديعةِ والضَّلالِ
آمنتُ بالرُّوحِ القويِّ يهدُّ طاغيةَ الرِّجالِ
ويصبُّ صاعقةَ السماءِ على العتيِّ من الجبالِ
أزمردا :
لَمْ يَكُنْ عهدي بباتوزيسَ نشوانَ يُجادلْ
وَلَقَدْ أغمدتُ سيفي، وَهو لا زالَ يناضلْ
أنتَ ضيفي، فقمِ الآنَ، وَدَعْ هذي المباذِلْ
وتهنَّأْ بالكرَى العذبِ وصِلْ ما أنتَ واصلْ
مِنْ ذواتِ القُرط والشَّفِّ وربَّاتِ الخلاخلْ
وَليَكُنْ حُلْمُكَ حورياتِ آشورَ وَبَابلْ
باتوزيس (مغضبًا) :
لَكَ عُذري، يا أخا الودِّ، فما أنتَ بقائلْ؟
أزمردا :
يا أيها الفَتَى الرقيقُ، لا تَكُنْ مُعاندي
أنتَ أخي، فلا تُرِبْكَ، يا أخي، مقاصدي
ذَكَرْتُ عَهْدَنَا القديمَ وَالوفاءُ شاهدي
فَرَاعَنِي أنِّي أراكَ في هَوَانٍ شاردِ
تَقتاتُ كالهرَّةِ مِنْ سَوَاقِطِ المَوَائدِ
تَعالَ في سفينتي، وَكُنْ أخي وَساعِدِي
واستقبلِ الدُّنْيَا وَغَنِّ للغِنَى المُوَاعِدِ
وَذُقْ مباهِجَ الحَيَاةِ عَذْبَةَ المَوَارِدِ
دَعِ الخَيَالَ وَاطَّرِحْ تَوَافِهَ العَقَائِدِ
وَخُضْ ملاحِمَ الرِّجَالِ، وَاقْتَحِمْ، وجَالِدِ!
باتوزيس :
قُلْ لي: مساءَ الخيرِ، يا صديقي
وَلْنَفْتَرِقْ كُلٌّ إِلَى طريقِ!

(وفجأة تعلو ضجة بباب الحانة حيث يبدو «أزيرو» متعلقة بذراعه «شيلا» ومن ورائه جماعة من الرجال والنساء بينهن «سمارا»، ويأخذ أزيرو مكانه مواجهًا لأزمردا وهو يقبل شيلا فيندفع رجل من الجماعة إليه):

أزيرو :
إِليكَ عنِّي الآن؟ ما تروم؟ُ
الرجل :
أطلبُ حَقِّي، أيُّها الزعيمُ!
أزيرو :
أها هُنَا حَقُّكَ، يا لئيمُ؟
الرجل (بصوت جهوري) :
أنا اللئيمُ؟ بَلْ أنا المَلومُ!
أزيرو :
إلامَ تَهذِي أيها المَحْمُومُ
غدًا أراكَ
الرجل (مهددًا بيده) :
موعدٌ محتوم!!
أزيرو (وهو يلعب بسفيه علامة التهديد) :
ألا تعيشُ، يا فتَى، إلى الصباحْ؟
الرجل (وقد تقلص وجهه) :
ألا أعيشُ؟
أزيرو (متوعدًا ساخرًا) :
لا تَخَفْ وَلا تُرَعْ!
الرجل (في استخفاف) :
ممن أخافُ؟ منكَ!
أزيرو (مشيرًا لسيفه) :
بل من السلاحْ
الرجل (في شراسة) :
عفوًا أزيرو نحن في الهوى شَرَعْ
هذا سِلاحٌ لم يُعَدَّ للكفاحْ
غَدًا غِنَاءٌ أوْ بكاءٌ وَفَزَعْ!
أحد الجماعة :
يا للشقيِّ قَدْ نَجَا بنفسِهِ
شيلا :
كَيْفَ أزيرو لَمْ تُطِحْ برأسِهِ
أزيرو :
لا لَنْ أمُدَّ إِصْبَعًا للمسِهِ
غدًا أراهُ
أحد الجماعة :
راقدًا في رَمْسِهِ!
شيلا (مصفقة) :
أرسطفان هيِّئ الشرابا
سمارا :
اِملَأْ لَنَا الصحافَ وَالْأَكْوَابَا
أزيرو :
فاكهَةً وَخَمْرَةً عجابَا

(ويسرع أرسطفان بالأقداح بادئًا بأزيرو وشيلا واضعًا أمامهما صحفتين من العنب والتين، ويمر بالجميع موزعًا الأقداح فيرفعونها وهم يهتفون):

الجميع :
نَخْبَ الزَّعيمِ نشربُ ونلعبُ ونطربُ
شيلا :
هَيَّا اشرَبوا هَيَّا اطرَبُوا
أزيرو (يقبلها ثم يهمس في أذنها ويخرج من صدارته شيئًا وهو يهتف) :
شيلا أغمضي ناظريكِ واقتربي
عنديَ كنزٌ إِليكِ أُهدِيهِ

(تغمض عينيها وتقرب وجهها منه فيضع في عنقها عقدًا مصاغًا من دنانير ذهبية صغيرة، والجميع ينظرون بلهفة بينما تنهض سمارا من مكانها في غيظ وكمد):

شيلا (وهي تتحسس عنقها) :
ماذا أزيرو وَضعتَ في عُنُقِي؟
عِقدٌ؟
أزيرو :
أَجْل، يا حبيبتي، تيهي
أجَملُ عِقدٍ رأيتُه، وَأَرَى
جيدَك أمسى أحبَّ ما فيهِ
شيلا (إلى سمارا وهي تتأمل العقد) :
هاكِ انظريهِ!
سمارا (في خبث) :
نظرتُ … وا عَجبي!
بعضُ نحاسٍ وبعضُ تمويهِ

(مشيرة إلى عنق شيلا.)

لَوْ كانَ هذا أحبَّ ما فيهِ
ما باتَ مِنْ دِرْهَمٍ يساوِيهِ
شيلا (غاضبة) :
لَوْ كنتُ مثلُكِ، يا سمارا، لاختفيتُ عن العيونْ
سمارا (وهي تشير إلى أزيرو) :
لو كانَ لي رَجَلٌ لكنتُ … ولستُ أعلَمُ ما أكونْ!
لكن سُرِقْتُ وهكذا يُسْبَى الرجالُ ويُسرقونْ
شيلا (صارخة في سمارا) :
وَيحَكِ، يا سارقَةَ الجيوبِ!
سمارا (وهي تشيح عنها) :
أشرَفُ من سارقةِ القلوبِ!
شيلا :
أأنتِ، يا عَدُوَّةَ الجمالِ
سمارا (في حدة) :
بَلْ أنتِ، يا خاطفَةَ الرجالِ
أَسْطَى من القرصانِ في السفينه
كَيْدُكِ، يا قرصانةَ المدينه!!

(وينهض أزيرو حانقًا فيصفع سمارا ويدفع بها بقوة بين قدمي أزمردا وهي تتشج بكاء، فيرفعها أزمردا ويجلسها على كرسيه بينما يتقدم أزيرو منه صائحًا):

أزيرو :
تَنَحَّ عنها، أيُّها القرصانُ!
أزمردا (بصوت رائع) :
وَمَنْ تكون، أيُّها السكرانُ؟

(فيستل أزيرو سيفه وفي لمحة خاطفة يجرد أزمردا سيفه، ويضرب به سيف أزيرو فيكسره ويقف أزيرو عاجزًا.)

أزيرو (مدمدمًا) :
قد خُنْتَنِي!
أزمردا (في عنف وهو ينزع قلنسوته) :
بل خانكَ الجنانْ
اُنظرْ لوجهي أيُّها الجبانُ!

(وتتردد صيحة من جوانب الحانة.)

أزيرو (وهو ممتقع الوجه.) :
أزﻣ … ﺮدا أزﻣ … ﺮدا
أزﻣ … ﺮدا

(ويتراجع الرجال والنساء متلاصقين خوفًا وهم يرددون هذا الاسم في رعب وفزع، بينما يغمد أزمردا سيفه ويتناول قلنسوته، ويشير إلى باتوزيس فيهرع إليه طائعًا، ويسير إلى جانبه كالمسحور، وهما يغادران الحانة تتبعهما سمارا بين هذه الصيحات والهمسات!)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤