الوصلُ

قصة تمثيلية بقلم الكاتبيْن الفرنسيين «هنري دوفرنوا» و«موريس دونيه»

حدثتك منذ حين عن أول هذيْن الكاتبيْن حين لخصت لك قصة «القيثارة والجازباند»، وقلت في ذلك الحديث إني سأحدثك عن قصة أخرى لهذا الكاتب سميتها يومئذ «المثل»، وأنا أسميها اليوم اسمًا آخر هو «الوصل»، وربما كان اسم اليوم أقرب إلى موضوع القصة، ولكن كلا الاسمين لا يؤدي المعنى الفرنسي كما أراده الكاتبان حين سمَّيَا قصتهما، ولست أريد أن أضيع وقتي ولا وقتك في البحث عن ترجمة صحيحة دقيقة لهذه الكلمة، فيكفي أن تبحث في المعاجم اللغوية لتعلم أنهم يترجمونها بالحركة عامة، وبحركة الخطيب خاصة، وبالإشارة أحيانًا، ويكفي أن تقرأ هذا الحديث لتعلم ماذا أراد الكاتبان في هذا اللفظ القصير الذي يدل على معنًى كثيرٍ جدًّا.

سمِّها إذن «الوصل» أو سمها «المثل»، أو سمها ما شئت من الأسماء، ولكن تعرَّفْ موضوعها ومعناها قبل أن تطلق عليها اسمًا ما.

النقاد مختلفون في هذه القصة: يحمدها أكثرهم في غير تحفظ، ولا يثني عليها بعضهم إلا مع تحفظ قليل، ولكنهم كلهم مجمعون على أنها خير ما أُخرج للناس في أول الفصل التمثيلي من هذه السنة، ولولا أن الكاتب الفرنسي المشهور «برنشتين» قد أظهر منذ أسابيع قصة سأحدثك عنها حين تصل إليَّ لقلتُ إنها خير ما أخرج للناس في الفصل التمثيلي كله إلى الآن، فلست أعرف قصة كهذه القصة بين ما قرأت أو رأيت هذا العام تمتاز بما تمتاز به قصتنا هذه من سرعة الحركة وخفة الروح أو سذاجة اللفظ والمعنى، في تعقيدٍ شديدٍ مع ذلك، ودقة لا تكاد تجد لها حدًّا. بل لست أعرف بين قصص هذا العام ولا قصص العام الماضي قصة فيها ما في قصتنا هذه من الجرأة والشجاعة اللتيْن لم يعتدهما التمثيل، واللتين لم تعرضا صاحبيْهما لإخفاقٍ أو اضطرابٍ، وإنما ضمنتا لهما فوزًا أجمع عليه جمهور النظارة والنقاد.

قلت حين حدثتك عن «القيثارة والجازباند» إنها قصة تمثيلية، أخذت من أحدوثة قصصية، وكذلك الشأن في هذه القصة التي أحدثك عنها اليوم؛ فقد وضع «هنري دوفرنوا» طائفة من الأحاديث القصار، يظهر أنها خلبت كتاب التمثيل فأقبلوا إليها يستغلونها كما يستغل منجم من مناجم الذهب، وقد عادت عليهم هذه الأحاديث بثمرات عظيمة القيمة، ولقد صدق بعض النقاد حين قال يكفي أن نعلم أن «موريس دونيه» عرض اشتراكه على «هنري دوفرنوا» في تحويل أحدوثته هذه إلى قصة تمثيلية، لنقدر براعة الكاتب القصصي وقيمة هذه الأحدوثة، فموريس دونيه شيخ من شيوخ التمثيل الحديث، يكفي أن يوضع اسمه على قصة تمثيلية ليضمن لها البقاء. قلت إن في هذه القصة جرأة وشجاعة ليس للتمثيل بهما عهد، وهذه الجرأة ترجع إلى أمرين؛ الأول: أن القصة التمثيلية قد خالفت الأحدوثة؛ فإنه بينما تنتهي الأحدوثة في لين ودعة وشيء من اليأس المؤلم، إذا القصة التمثيلية تنتهي في عنف وقوة تضطرب لهما النفس وينخلع لهما القلب. تنتهي الأحدوثة في دموع، وتنتهي القصة التمثيلية في دم مسفوك. الثاني: أن في الأحدوثة صلة يمكن أن تُقرأ أخبارها وتُقصُّ أنباؤها، بل نحن لا نكاد نقرأ حديثًا قصصيًّا طويلًا أو قصيرًا إلا وجدنا فيه هذه الصلة الجنسية قد فُصِّلت أخبارُها تفصيلًا ونُمِّقت أنباؤُها تنميقًا، فنقرأ هذا كله دون أن نعجب له أو نضيق به؛ ذلك لأننا لا نرى هذه الصلة، وإنما نتوهمها توهمًا، ونترك للخيال استقصاءها، فإذا عرضت هذه الصلة على الحس وأُكرهنا على أن نراها بأعيننا، فلذلك في نفوسنا أثر يخالف أثر القراءة، ولذلك في شعورنا وحياتنا وأوضاعنا الاجتماعية تأثيرٌ عنيفٌ بغيضٌ ثقيلٌ على النفس، يحملنا على أن ننفر نفورًا شديدًا، وعلى أن يأخذنا شيءٌ من الغضب والاشمئزاز لا حد له.

قل إننا مخطئون في هذا الغضب أو قل إننا مصيبون، فذلك شيءٌ لا يعنينا، وإنما الذي يعنينا هو هذه الحقيقة الواقعة، وهي أن غرائزنا تثور ونفوسنا تشمئز إذا رأينا هذه الصلة الجنسية رأي العين، وإن كنا نعلم حق العلم أنها صلة طبيعية كغيرها من الصلات، وقد اجترأ الكاتبان على أن يعرضا هذه الصلة على النظارة في ملعب التمثيل، بل هما اجترآ على أن يعرضاها على شخصين غير النظارة، وهذه الجرأة نفسها غريبة مخالفة لمألوف الناس، فأنت تعلم أن هذه الصلة الجنسية التي نكره نحن أن نراها، ولا نريد أن نفكر فيها إلا توهمًا هي أشد الأشياء نكرًا بالقياس إلى الأطفال والصبيان المحدثين، فنحن نكره أن نرى هذه الصلة ولكننا نستبيح لأنفسنا أن نتحدث عنها، في حين نحرص كل الحرص على ألا يرى الأطفال والشبان المحدثون شيئًا يشير إليها، وعلى ألا يسمعوا لفظًا يحمل على التفكير فيها، ومع ذلك فسترى أن القصة تدور كلها على أن شابيْن محدثيْن قد رأيا ما لم يكن ينبغي أن يرياه.

كان المنتظر أن يغضب الجمهور لهذه المشاهد، وأن ينكر هذه الجرأة في قصة جدية لا يراد بها العبث ولا اللهو، وإنما يراد بها العظة والتأديب، ومع ذلك فلم يغضب الجمهور ولم ينكر، وإنما تأثر ورضي، بل أعجب إعجابًا شديدًا؛ ذلك لأن الكاتبين قدَّرا هذا كله فاصطنعا في هذا الأمر الدقيق مهارة قوية جدًّا؛ عرضا هذه الصلة ولم يعرضاها، لم يشيرا إليها بالألفاظ وإنما قدَّما لها مقدماتها كلها، حتى إذا أوشكت هذه المقدمات أن تنتج نتائجها أو أخذت تنتجها أسدل الستار، فأرضيا العقل وأرضيا الحياء الاجتماعي معًا.

ولنأخذ في عرض هذه القصة عليك، فقد يكون تحليلها خيرًا من الفلسفة في نقدها، ولنبدأ بأشخاص هذه القصة فنقدمهم إليك؛ «فلوسيان أوملي» رجل متوسط السن، حسن الطلعة، جميل المنظر، خلاب للنساء، ماهر في استهوائهن، وهو إلى هذا محب للذة متهالك عليها، يقدمها على كل شيء، ويستبيح في سبيلها كل شيء؛ يكذب وينتحل كما يشرب وكما يأكل، أهون شيء عليه أن يستصبي امرأة، وأهون شيء عليه أن ينصرف عنها، وهو في هذا كله ممثل ماهر طلق اللسان، خصب الخيال، قادر على أن يظهر مظهر المحب الذي أضناه الحب، قادر على أن يظهر أيضًا مظهر الرجل الجلد الذي يعرف كيف يحتمل الأذى ويصبر على المكروه، ومن حقه أن يكون كذلك، فهو قد بلا حلو الحياة ومرها، وتقلب في خيرها وشرها، كان غنيًّا ضخم الثروة مترفًا مسرفًا في الترف، ثم أصبح فقيرًا مفرطًا في الفقر، ثم عادت إليه الثروة فاستطاع أن يستأنف حياته الأولى، وهو يتقلب بين هذا الفقر والغنى ويتردد بين هذا النعيم والبؤس في سهولة ويسر غريبين، لم يشعر أحد بأنه فقير، ولم يقدر أحد أنه قد يبيت أحيانًا على الطوى، وإنما رأى الناسُ جميعًا فيه أنه غنيٌّ مترفٌ.

وله ابنٌ شاب في السابعة عشرة من عمره، قوي الذهن ذكي الفؤاد، شديد الميل إلى العلم، قوي الاتصال بالدرس، يخالف أباه كل المخالفة في أخلاقه وعاداته وفي ميوله وأهوائه؛ هو صادقٌ حريصٌ على الصدق، في حين أبوه كاذب مسرف في الكذب، وهو شديد الحياء في حين أبوه غليظ القلب لا يكره الغدر، تراه فلا تشك في أنه أشبه بأمه التي ماتت منه بأبيه الحي.

وهناك شخص ثالث يوضع أمام الشخص الأول، وهي امرأة متوسطة في السن، بارعة الجمال كنساء القصص جميعًا، حلوة الحديث، خلابة، ميالة إلى اللذة، ولكن الله قد حرمها إياها؛ لأنها زوج رجل شيخ عالم قد بعد صوته وأعجب به الناس جميعًا، وهو منصرف إلى علمه وإلى شيخوخته عن شباب امرأته وحبها لِلَذات الحياة. هذه المرأة هي «مرسلين فاليتي»، هي ظمئة إلى اللذة ولكنها تتردد وتخشى الإقدام عليها، تشفق من غدر الرجال وقسوتهم، وتخاف أن تترك الحرمان إلى الحب فلا تجد فيه إلا ألمًا وحسرة، ولها ابنة شابة في الخامسة عشرة من عمرها يجب أن تضعها بإزاء الغلام الذي قدمت لك وصفه وهو فيليب. هذه الفتاة هي «جيزيل فاليتي»، جميلة خفيفة الروح، حلوة الحديث، ذكية القلب، أشبه بأبيها العالم منها بأمها الميالة إلى اللهو، حساسة مع هذا، قوية الشعور، شديدة الإيمان بالمثل الأعلى، طاهرة كسنها، متأثرة بأبيها الفيلسوف شديدة الإعجاب به؛ لأنها تشتغل معه، يملي عليها كتبه وهي شديدة الاغتباط بهذا. أليست أسبق الناس إلى العلم بآراء الفيلسوف؟ هؤلاء هم أشخاص القصة، ولست أذكر الخادم الذي لا يخلو من خصال مضحكة معجبة.

أظنك استطعت أن تتصور القصة وتتوهم حوادثها توهمًا، فلنبدأ في تحليلها.

•••

نحن في بيت «لوسيان»، في حي من الأحياء القديمة في باريس، والبيت نفسه قديم، كل شيء فيه يدل على ضيق ذات اليد؛ ليس فيه ضوء الكهرباء، وليس فيه أدوات الدفء الحديثة، وإنما يضاء بغاز الاستصباح، ويصطلي أهله في الشتاء نار الخشب أو الفحم في المواقد، ونحن في أعلى البيت، وليس في هذا البيت هذه الآلة الرافعة التي تعفيك من الصعود الطويل الشاق، ونحن نرى الغلام «فيليب» قد جلس يكتب إلى مائدة قد كثرت عليها أصناف الحلوى، لا يشك من رآها في أنها قد أعدت لتناول الشاي، ولكن طارقًا يطرق ثم يليه طارق آخر، وكلاهما صاحب دَيْن يجتهد الفتى في أن يتخلص منه، ثم يطرق طارق آخر، فإذا هو خادم قد استأجره أبو الغلام ساعات ليعمل بتقديم الشاي، وقد أقبل صاحب البيت، فإذا هو، كما قدمتُ لك، شديد النشاط منطلق اللسان، جريء فرح، مبتسم للحياة مزدرٍ لما فيها من ألم، وهو يلقي على ابنه دروسًا قيمة جدًّا، يعلِّمه الكذب والنفاق، ويعلمه كيف ينبغي أن يظهر الغنى وهو فقير: ليس لدينا ضوء الكهرباء لأننا من المحافظين، نحب القديم ونكره هذا الاختراع الحديث الذي يؤذي العين، ونحن نؤثر نار الخشب على الدفء الحديث؛ لأن في نار الخشب جمالًا شعريًّا، ونحن نؤثر أن نصعد في السلم مهما يكن هذا الصعود طويلًا؛ لأننا لا نحب هذا الخمول والكسل اللذيْن يخلد إليهما المترفون من أبناء هذا العصر، وأثاثنا قديمٌ بالٍ؛ لأننا ورثناه عن أجدادنا القدماء، ونكره أن نغيره، وأجدادنا هؤلاء كانوا من أشراف فرنسا، ولكنهم أهملوا علامة الشرف أثناء الثورة. يقول هذا كله لابنه وهو يعلم أنه كاذب، وهو يعلن إلى ابنه أن هذا كذب ولكنه شيء لا بد منه، ولا سيما بعد دقائق حين يأتي الزائرون، وأبدع من هذا كله أنه أقبل ومعه صورتان يظهر عليهما الجمال الفني: إحداهما صورة رجل لا يعرفه طبعًا، ولكنه يزعم ويأمر ابنه بأن يزعم أنه أحد أجداده، والأخرى صورة امرأة لا يعرفها، ولكنه يزعم ويأمر ابنه أن يزعم أنها إحدى جداته.

ولستُ ألخص لك حديثه مع الخادم، ولا أمْره إياه بأن يظهر بأنه متصل بالبيت منذ عشرين سنة، ولستُ ألخص لك درسًا ألقاه على ابنه في كيفية الاستقبال، والتحدث إلى النساء وتقبيل أيديهن، فقد يطول الأمر إن حدثتك بهذا كله، ولكن الباب يطرق، وقد دخلت «مرسلين» وابنتها «جيزيل» واعتذرتا عن العالِم فهو لم يستطع أن يحضر؛ لأن لديه أمرًا ذا بال شغله، وقد أخذوا يتحدثون بما تفهم منه أن هذا الرجل يحب هذه المرأة ويريد أن يغويها، وهو يظهر نفسه غنيًّا مُثْرِيًا، ولكنه يتكلف العيشة الضيقة حبًّا للقديم، وهي تصدقه أو تظهر أنها تصدقه، وقد انتهز فرصة فنهض مع المرأة يظهر لها بيته ثم عاد، وفي أثناء غيابهما تحدث الصبيَّان، ففهمت نفسيتهما كما قدمت لك، ولم يكد الرجل يعود مع صاحبته حتى يأمر ابنه بأن يظهر لصاحبته الفتاة، فينصرف الصبيان، ويخلو الرجل إلى هذه المرأة فيتحدث إليها في حبه، ونفهم أنها تقبل هذا الحب وتميل إليه، ولكنها مترددة مشفقة، على أن هذا التردد والإشفاق لا يثبتان، فهي ترضى حينما ينبئها أنه سيقضي الصيف قريبًا من مصطافها في الأقاليم، وقد أقبل مقبل يحمل رسالة برقية، يقرؤها الرجل فيظهر عليه شيء من الاضطراب، ولكنه يستأنف قوته، ثم تنصرف المرأة وابنتها، وإذا صاحبنا يتنفس الصعداء، وإذا هو فرح مبتهج يكاد يجن فرحًا وابتهاجًا؛ ذلك أن هذه الرسالة البرقية تحمل إليه الثروة؛ فقد مات أحد أقاربه وأورثه مقدارًا ضخمًا من الملايين، هو مبتهجٌ، انظر إليه يعطي الخادم مائة فرنك، ثم يعرض عليه أن يظل متصلًا به، وانظر إليه يلح على ابنه في أن يخرج معه للعشاء في الحانة واللهو بعد ذلك، هو فرح ولكن ابنه حزين، وهو يخرج ليلهو، ولكن ابنه يبقى ليفكر …

•••

وإذا كان الفصل الثاني، فنحن بعيدون عن باريس، نحن في أحد الأقاليم الفرنسية في قصر من قصور الريف، قد اشتراه لوسيان ليجاور صاحبته التي أقبلت مع زوجها وابنتها لتقضي الصيف، وهذا القصر قديم وأثاثه قديم أيضًا ولكنه ثمين، ونحن في مكان من القصر كان كنيسة ثم حُوِّل منذ حين دارًا للكتب، وقد اختاره «لوسيان» لنفسه، وهو يحظر على الخادم أن يُدخل فيه أحدًا مهما يكن إلا «مرسلين» طبعًا. وانظر إلى «مرسلين» قد أقبلت، وانظر إليه يتلقاها فرحًا مبتهجًا، واسمع لهما يتحدثان، فستفهم أن حبهما قد تقدم حتى أشرف على غايته، وأن الصبيين قد تحابا أيضًا فهما متلازمان وهما الآن عند النهر يصيدان، ولكن «مرسلين» مترددة محزونة كانت تودع زوجها الذي سافر إلى باريس ليقضي فيها أيامًا، فرأته حزينًا مكسور النفس، وذلك يؤلمها، وهي في الوقت نفسه تخاف أن يخونها صاحبها، ولكن الحب واللذة أقوى من الإشفاق والتردد، فقد سمحت لصاحبها، وتوشك أن تسلم له لولا أن زائرًا قد أقبل، فلا بد من أن يلقاه «لوسيان» ويصرفه، وقد خرجا معًا من دار الكتب للقاء هذا الزائر.

ولكن انظر إلى الصبيين قد أقبلا فرحين مبتهجين، وإذا الفتى يريد أن يدخل هذه المكتبة فيثب من النافذة ويُكره الفتاة فتثب أيضًا، وهي تلومه على اقتحام هذه النافذة والدخول في هذا المكان الذي يريد أبوه أن يختص به، وهو لا يحفل بهذا اللوم. وانظر إليهما يقلبان الكتب وينظران فيها، ولكن انظر إلى الفتاة مضطربة؛ لأنها رأت أمها مقبِلة ومعها «لوسيان» فهي تنبئ صاحبها الفتى، وهو مضطرب وقد اضطرا إلى أن يختبئا من حيث لا يراهما أحد، ولكنهما يريان كل شيء، وقد فتح الباب ودخل العاشقان ثم أغلق وأحكم إغلاقه ثم أخذا يتناجيان، وما هي إلا أن يستأنف الرجل هجومه، وأخذت المرأة تدافعه دفاعًا ضعيفًا ثم أسلمت، وإذا هو يجذبها إلى مكان ممهد وإذا الستار يسدل.

ثم يرفع بعد حين، وقد انصرف العاشقان، وخرج الصبيان من مكمنهما مضطربين اضطرابًا لا حد له؛ لأنهما رأيا كل شيء! واضطراب الفتاة منكر قد عبث بنفسها وجسمها، فهي ذاهلة مرتعدة، قد فقدت أو تكاد تفقد صوابها، وهي لا تكاد تثبت في موقفها أو مجلسها، والفتى أثبت منها وأقدر منها على التفكير، فإذا هو يهدئها ويجتهد في تسليتها، ولكن ليس ذلك بالشيء اليسير؛ فقد رأت الفتاة منكرًا من الأمر ولم تكن تقدر أن الحب دنيءٌ منحطٌّ إلى هذا الحد، ولم تكن تُقدِّر أن أمها آثمة إلى حد أنها تزدري زوجها الشيخ وتخونه، وإنما كانت تُقدِّر أن الحب ابتسام وطهارة وسعادة هادئة، فإذا هي لا ترى إلا حيوانية وضيعة، وكانت تُكبر أمها وتجلُّ أباها، فإذا هي مضطرة إلى أن تزدري أمها وترثى لأبيها الشيخ، والفتى مع ذلك يهدئها ويعظها ويعدها حبًّا طاهرًا نقيًّا، وهي قد كرهت كل حب فلا تطمئن ولا تقبل من الفتى وعظًا ولا تسلية؛ حتى يعلن إليها أنه سيحبها كما يحب الأخ أخته؛ فهي مطمئنة إلى ذلك راضية به.

ولكن انظر إلى الباب قد فتح وقد أقبل «لوسيان»، فما أشد دهشه حين يرى الصبيين! وما أشد اضطراب الصبيين حين يريانه! وهذا موقف شديد التأثير جدًّا؛ لأنه يظهر الإنسان حين ينتهي إلى أقبح منازل النفاق والكذب، فانظر إلى هذا الرجل يلوم الصبيين لومًا شديدًا؛ لأنه يكره أن يخلو بعضهما إلى بعض، وانظر إليه، وقد صرف الفتاة إلى أمها ليزجر ابنه زجرًا عنيفًا؛ لأنه يعبث بهذه الفتاة ولا يرعى حرمة الصداقة، ولا حرمة أبيها الشيخ الجليل، والفتى يدفع عن نفسه دفعًا قويًّا، ولكنه يجتهد في ألا يفهم أبوه أنهما قد رأيا شيئًا، حتى إذا فرغ من زجر ابنه وتأديبه، صرفه فانصرف. ووقف هو يسأل نفسه فيمَ أقبل؟! ثم يذكر أنه أقبل يلتمس شيئًا قد تركته صاحبته.

•••

فإذا كان الفصل الثالث فقد مضت ستة أشهر على هذا كله، ونحن في باريس في بيت فخم أنيق حسن الأثاث فيه كل ألوان الترف الحديث، ونحن نرى «فيليب» قد جلس إلى مكتبه وهو يكتب، وقد أقبل أبوه فأخذ يحدثه، فماذا نفهم من هذا الحديث؟ نرى الرجل على حاله لم يغيره الغنى كما لم يغيره الفقر؛ فهو كاذبٌ منافقٌ، يستحب الكذب والنفاق، ويتقلب فيهما في سهولة ويسر، وهو ضيق الذرع بصاحبته قد سئمها وزهد فيها، ويريد أن يخلص منها بالكذب كما اتصل بها بالكذب أيضًا، ونحن نسمعه يحدث ابنه فيذكر له أن هذه المرأة غائبة عن باريس لأن أختها كانت مريضة، وقد ماتت، وأنها ستعود بعد أيام، وأنه يريد السفر إلى «بروكسل» ليتبع صاحبة جديدة له فيقضي معها أيامًا، ولكنه يطلب إلى ابنه أن يزعم لكل من يسأل عنه ولهذه المرأة بنوع خاص أنه مسافرٌ إلى مدينة «جرينوبل» لعمل هام، وهو لا يخفي الآن على ابنه حب هذه المرأة له ولا ما كان بينهما من صلة، ولِمَ يخفِ على ابنه هذا وهو يتخذ ابنه رفيقَ لهوه؟ ألم يصطحبه منذ أيام إلى الحانة حيث تناول العشاء مع امرأتين، ولها كل واحد منهما مع إحدى هاتين المرأتين؟! وهو يسخر من ابنه سخرية شديدة؛ لأن الغلام ندم على لهوه وخيانته لصاحبته الفتاة، ولأنه اجتهد في أن يقطع الصلة مع هذه المرأة التي عرفها منذ أيام ويستأنف الوفاء لصاحبته، والأب يعظ ابنه وينصح له بأن يكون حرًّا جريئًا لا يخضع لهذه القوانين الخلقية التي يُكبرها المغفلون.

وهو في ذلك وإذا الخادم يدخل فينبئه بأن «مرسلين» تستأذن، فيلقى الخادم لقاء منكرًا ويعنفه تعنيفًا شديدًا، ألم يأمره بأن ينكر وجوده على كل إنسان! ولكن الخادم قد أنكر فلم تصدقه الزائرة، وهي تلح في أن ترى «فيليب»، فانظر إلى الأب وقد استخفى في إحدى الغرف وأمر ابنه أن يلقى صاحبته وأن ينبئها بسفره، وقد دخلت المرأة مضطربة محزونة، فلا تكاد تسأل عن صاحبها وتسمع أنه مسافر حتى تكذِّب الفتى وتلح عليه وتنبئه بكل شيء وتسرف في الإلحاح، وإذا الفتى يعترف بأنه كان كاذبًا وبأن أباه مختبئ، وقد نهضت المرأة ففتحت باب الغرفة ودعت صاحبها، فيقبل مبتسمًا ويحييها تحية المشوق، ويعلن سخطه على ابنه وعلى الخادم؛ فقد أمرهما أن ينكرا وجوده ولكن لا عليها بل على غيرها من الناس، وهو يصرف ابنه ويخلو إلى صاحبته، فيكون بينهما عتاب ثم لا يلبث أن يقنعها ويرضيها بمهارته وخداعه، وإذا هي تنبئه بشكها وغيرتها وتخرج من حقيبتها مسدسًا كانت تريد أن تقتل نفسها به لو ثبت لها أن صاحبها جفاها، وهو يأخذ هذا المسدس فيضعه على المائدة ثم يميل إلى صاحبته مغازلًا مداعبًا حتى تطمئن، ثم يتفقان على أن يتناولا العشاء عندها بعد ساعات وتخرج.

وإذا هو يعمد إلى التليفون فيعتذر إلى صاحبته الثانية، ويأخذ منها موعدًا آخر قبل العشاء وموعدًا بعد العشاء، ثم يخرج ويترك ابنه على أن يوافيه عند «مرسلين» للعشاء أيضًا، ولكن «جيزيل» قد أقبلت وهي ذاهلة مضطربة لِما رأت من اضطراب أمها، وقد جاءت تلتمس أمها هذه فلم تجدها، فأخذت تتحدث إلى فيليب وهي محزونة دهشة؛ لأنها ترى أن شيئًا في هذه الغرفة قد تغير منذ سفرها، ثم لا تكاد تمضي في الحديث مع صاحبها حتى يشعر أنه هو أيضًا قد تغيَّر، أليس يرثى لهذه المرأة الآثمة؟! أليس يعذر حب أبيه وقد تعودا أن ينكرا الحب ويرياه إثمًا؟! ولكنه يمضي في الاعتذار لأبيه، وكلما رأى سخط صاحبته اجتهد في إقناعها بضعف الإنسان وقوة الحب، وإذا هي تحسب أنه خانها، وإذا هو يكاد يعترف لها بذلك، وقد جثا بين يديها مستعطفًا يريد أن يتكلم، فتضع يدها على فمه لتمنعه من الكلام، ولكنه يقبل هذه اليد قُبلة حب ولذة، وإذا الفتاة مضطربة ساخطة تنكر هذه القُبلة، وتنكر هذا الحب! ألم يُعاهدها على أن تكون الصلة بينهما صلة الأخوين؟! لقد أفسده أبوه إذن، ولقد أصبح رجلًا كغيره من الرجال لا يستطيع أن يتصور الصلة بين الرجل والمرأة إلا مع هذه الضعة الجنسية، والفتى يجتهد في أن يقنعها بأن الحب ليس كله إثمًا، بل قد يكون طاهرًا نقيًّا، ولكنها لا تقتنع وقد يئست من كل شيء؛ يئست من أمها، ويئست من صاحبها … فما الحياة؟ وفيم الحرص عليها؟

انظر إليها وقد هدأت فجأة وهي تحدث صاحبها في دعة واطمئنان، وتُظهر له أنها كانت مخطئة وأنها ترى أنه مصيبٌ وأنَّ الحياة الإنسانية لا تستطيع أن تبرأ من ضعفها الطبيعي، وهي إذن تقرُّه على رأيه في الحب وتريد أن تكون صاحبته الصادقة، وهي تأذن له في تقبيلها فيفعل، ثم تأمره أن يذهب ليحضر معطفه، فقد آن أن ينصرفا، وقد ذهب ليلبس معطفه وإذا يدها قد امتدت إلى المسدس، وإذا هي تطلق النار على نفسها، وإذا هي صريعة، وإذا الفتى قد أقبل مذعورًا يصيح: قتلناها!

ديسمبر سنة ١٩٢٤

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤