الصَّحْو

قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «بول هرفيو»

نعم «بول هرفيو»، فأنا أعود بك إليه اليوم بعد أن تركته أكثر من سنة. أعود بك إليه راضيًا مطمئنًّا، بل سعيدًا مبتهجًا، ولست أشك في أنك تشاركني في هذا الرضا والاطمئنان، بل في هذه السعادة والابتهاج، فلست أعرف كاتبًا فرنسيًّا ممثلًا يزداد قارئُه حرصًا على عشرته كلما قرأه مثل هذا الكاتب، ولعلك تذكر القصص الخمس التي لخصتها له في السنة الماضية. ولقد قال أحد أصدقائي حين رآني ألخص قصصه تلخيصًا متصلًا: «كأنك تريد أن تضع كتابًا موضوعه «بول هرڨيو».» ولم لا؟ وأيُّ كتابٍ أنفعُ وأكثرُ فائدةً ولذةً من كتاب يدرس هذا الكاتب من جهاته المختلفة: يدرس فنه، ويدرس فلسفته، ويدرس قصصه، ويدرس شخصيته بوجهٍ عام، ولكن مَن لي بالوقت والقوة أنفقهما في وضع كتابٍ عن «بول هرفيو»؟!

حدثتك غير مرة عن فلسفة هذا الكتاب في تمثيله، وقلت إنه ليس كاتبًا مبتسمًا، وإنه لا يرى الحياة الإنسانية مبتهجًا بها راضيًا عنها، ولكنه في الوقت نفسه ليس شديد التشاؤم ولا مسرفًا فيه، وإنما هو يرى الحياة كما هي، قد امتزج حلوها بمرها، واختلط خيرها بشرها، وليس لإنسان أن يحتكم فيها ولا أن يجعلها صفوًا خالصًا، وإنما الإنسان مضطر أن يحتملها كما تأتَّى، فيستمتع بما فيها من خير، ويصبر على ما فيها من شر، وقد يكون هذا الشر كثيرًا، وقد يكون خالصًا لا أثر للخير فيه، ولكنه مع ذلك ليس قانون الحياة، وإنما أثره في الحياة قوي لا ينبغي ازدراؤه ولا الإعراض عنه.

وحدثتك غير مرة أيضًا عن مذهبه في التمثيل، فهو شديد التأثر بقدماء الممثلين من اليونان، وأكاد أقول إنه شديد التأثر بهؤلاء القدماء والاقتداء بهم؛ يذهب مذهب نوابغهم، وينتهي كثيرًا إلى مثل ما انتهوا إليه، ينتهي إلى هذه العُقَد التي تَعرض للإنسان في حياته دون أن يكون له عليها سلطان، ودون أن يكون قد عمل في تكوينها، ودون أن تكون له القدرة على حلها أو التخلص منها، كأن هناك يدًا خفية تدبر حياتنا وصلاتنا، وتقفنا أمام المعضلات من حيث لا ندري ودون أن يتبين لنا سبيل التخلص منها. وكأن غاية هذه اليد الخفية، التي تدبر حياتنا وتخلق لنا العُقد والمعضلات، إنما هي إكراهنا على أن نَنزل عن كبريائنا وغرورنا، ونعترف بأننا مهما نبلغ من قوة معنوية أو مادية فإن هنالك قوًى أشد منَّا بأسًا وأعظم منَّا سلطانًا، وهي قادرة على أن تسحقنا سحقًا، وعلى أن تردنا إلى أطوارنا حين يغرينا الغرور بالخروج منها، وليست هذه القوة القاهرة المسيطرة في فلسفة «بول هرفيو» هي تلك القوة التي كان يؤمن بها القدماء ويؤلهونها، بل يبسطون سلطانها على الآلهة أنفسهم، وهي قوة القضاء والقدر التي كانت تحكم الناس والأشياء والآلهة معًا في تمثيل اليونان القدماء خاصة وأدبهم عامة، وإنما هي قوة قاهرة مقهورة في وقتٍ واحد: قاهرة لأننا لا نستطيع أن نخلص منها ولا أن نتقي آثارها، ومقهورة لأن عقلنا قد يستطيع أن يفهمها وأن يدرسها وأن يصورها تصويرًا واضحًا وجليًّا؛ فهي إذن ليست قوة إلاهية، وليست قضاءً وقدرًا، ليست شيئًا فوق عقولنا، وإنما هي قوًى طبيعية نجدها في أنفسنا، ونجدها في حياتنا وصلاتنا، بل هي القوى التي تكوِّن نفوسنا والتي تؤلف حياتنا، والتي تخلق ما بيننا من الصلات.

ولتكن قصة اليوم مثلًا يوضح هذه الفلسفة وهذا المذهب في التمثيل، فأنت إذا قرأت هذه القصة لم تستطع أن تدفع عن نفسك ألمًا شديدًا وحزنًا عنيفًا ولوعة تعبث بالقلب، ولكنك في الوقت نفسه تحس راحة واطمئنانًا وشيئًا من الرضا غير قليل. تجد الحياة كما هي: مزيجًا من الخير والشر، لا يستطيع الإنسان أن يصورها كما يحب، ولا أن يغيرها كما يشتهي، وإنما هو مضطرٌّ إلى أن يحياها ويخضع لقوانينها. تجد فيها الابتسام والاكتئاب. وما مصدر هذا الابتسام؟ وما مصدر هذا الاكتئاب؟ وفيم يسعد هذا الشخص ويشقى هذا الشخص من أشخاص القصة؟ مصدر هذا كله قوًى قاهرة ليس لنا سبيل إلى أن نفرَّ من سلطانها ولا إلى أن نتحلل من قيودها، وليست هذه القوى في السماء، بل ليست هذه القوى بعيدة عنا، وإنما هي قوَى أنفسنا التي بها نحيا ولها نعيش.

ليست القصة التي نحن بإزائها اليوم إلا جهادًا عنيفًا بين الأَثَرَة والإيثار، أو بين الحب وعاطفة الأمومة من جهة، وبين الحب والسلطان وعاطفة البنوة من جهة أخرى، فأنت ترى أن كل هذه العواطف والقوى التي يجاهد بعضها بعضًا وينتصر بعضها على بعض، ويكوِّن جهادُها وانتصارُها حياتَنا وصلاتِنا وما فيها من ابتئاس وابتهاج؛ ليست قوًى أجنبية، وإنما هي عواطفنا وأهواؤنا التي تكوِّن نفوسنا وشعورنا، والتي نستطيع أن نفهمها ولا نستطيع أن نُخضعها.

انظر إلى هذه المرأة قد كادت تفارق شبابها، ولكنها مع ذلك محتفظة منه ببقيةٍ لا بأس بها، ولها حظ موفور من الجمال والروعة، ولها حظٌّ موفورٌ من القوة، ولها حظٌّ موفورٌ من الخيال الذي يحيي في نفسها آمالًا غريبة. أحبَّت زوجها ووفَت له، وأحبَّت ابنتها وعطفت عليها، ولكنها لقيت في طريقها شابًّا جميلًا قويًّا خلابًا، مال إليها فمالت إليه، وكلف بها فكلفت به، وإذا هي مضطربة بين الوفاء لزوجها وابنتها، والاندفاع مع هذا الحب الآثم الذي أيقظ في قلبها أدنأ العواطف الحيوانية وأشدَّها قبحًا وانحطاطًا. هي مضطربة بين الطهر والدنس، بين البر والغدر، وهي لا تستطيع أن تخلص لإحدى هاتين العاطفتين؛ لأن في طبيعتها خيرًا كثيرًا، ولكنَّ في طبيعتها شرًّا أيضًا، فهي شقية بهذا الاضطراب، والناس حولها أشقياء بهذا الاضطراب أيضًا. هي مُعْرضة عن زوجها مشفقة منه، تستحييه وتخافه وتخاف عليه أيضًا، وزوجها شقي بهذا الإعراض، يعنِّي نفسَه ويكلفها المشقة في البحث عن أسبابه ومصادره. يحس أن امرأته لا تحبه ثم يفرض أنها مريضة، وكل ذلك يشقيه ويحزنه، وهي منصرفة عن ابنتها؛ لاضطرابها بين هذين الرجلين: زوجها وحبيبها؛ ولاضطرابها بين هاتين العاطفتين: عاطفة الوفاء وعاطفة الخيانة، وهي تزدري نفسها أحيانًا، وتحس شيئًا من الخجل أمام ابنتها فتزداد إعراضًا عنها وتنكُّرًا لها، حتى لا تكشف الفتاة شيئًا تكرهه من أمها، والفتاة شقية بانصراف أمها عنها وتنكُّرها لها. تعودت من أمها عطفًا ومودةً وحنانًا، وهي الآن شديدة الحاجة إلى عطف أمها؛ فهي تحب، وهي تريد أن تبسط هذا الحب لأمها، وهي تريد أن تستعين بأمها على هذا الحب أيضًا، ولكنها لا تجد من أمها إلا إعراضًا وازورارًا.

وانظر إلى هذا الفتى قد لَقِيَ هذه المرأة خالي القلب حرًّا من كل صلة، فما هي إلا أن مال إليها وكلِفَ بها واندفع في حبها، ونسي في سبيل هذا الحب واجباته كلها؛ نَسِيَ أنه صديق لزوج هذه المرأة، ونسي أن عليه لأبيه ولبلاده حقوقًا عظيمة الخطر. نسي هذا كله، وأخذ يلح على هذه المرأة، والمرأة تدافعه عن نفسها حتى اعترفت له بالحب، وظلت مع ذلك ممتنعة؛ فهو سعيد لأنه يشعر بحبها، وهو شقيٌّ لأنه لا يظفر بثمرة هذا الحب. ثم انظر إلى الحوادث قد أقبلت فمسَّت كل هذه القوى المختلفة المضطربة فإذا هي نارٌ متأججة، وإذا هي قد انتهت إلى نتائجها الطبيعية؛ فانتصر منها ما انتصر، وانهزم منها ما انهزم، واحتمل أشخاص القصة كارهين أو راضين أثقالَ هذا الجهاد وما انتهى إليه من انتصارٍ وانهزام، كل ذلك والحياة العامة للناس والأشياء مطَّردة في سبيلها لم تحس من هذا كله شيئًا.

•••

نحن في باريس، في قصرٍ فخمٍ تسكنه أسرة نبيلة ضخمة الثروة رفيعة المنزلة، تتألف من أشخاصٍ أربعة: أولهم صاحب القصر «راوول دي مجيه»، وهو رجل طيب القلب، طاهر النفس، مطمئنٌّ إلى الحياة، لا يحس فيها شقاءً ولا شرًّا، يحب الناس ويحبه الناس، شديد العطف على أسرته عظيم الحب لها؛ ثم أُم هذا الرجل وهي امرأة شيخة، خبيرة بالدهر، بصيرة بأهله، شديدة الحب لابنها، ولكنها مفتونة بالشخص الثالث من أشخاص هذه الأسرة؛ وهي «روز» حفيدتها، فتاة ناشئة حلوة، لا تعرف من الحياة إلا ما عوَّدها أهلها من رضًا ودعةٍ وآمالٍ كلها محققة، هي فتاة منعمة حقًّا؛ وأما الشخص الرابع فهي «تريز»، أم الفتاة وصاحبة القصر، وقد قدمت لك تشخيصها آنفًا.

فإذا رفع الستار رأينا رجلًا وامرأته يتحدثان وهما يستعدان للانصراف، وفهمنا أن أصحاب القصر يستقبلون زوَّارهم اليوم، وفهمنا أيضًا أن لهذين المتحدثين ابنًا شابًّا قد أحبته فتاة هذا القصر وأحبها، وهما يريدان الخِطْبَة والزواج، وكل شيء يجعل هذا الزواج حسنًا ملائمًا للشابيْن وأسرتيهما، لولا أن شكوكًا تحوم حول أم الفتاة، وهذه الشكوك تكفي لتصرف الفتى عن هذه الخِطبة وعن هذا الزواج. وقد اعتزم الرجل وامرأته خنق هذا الحب الناشئ قبل أن ينمو، وهما يتهيَّئان للانصراف، وإذا الفتاة قد أقبلت ومعها جدتها، وإذا هي تتثبت من موعد كان بين الأسرتين غدًا للنزهة ثم تستشير أم الفتى في زيِّها وشكلها، فإذا أحست أم الفتى أن مصدر هذا كله إنما هو أن الفتاة تريد أن تعجب خطيبها، أعلنت إليها أن الفتى لن يشترك في هذه النزهة! ثم أعلنت إليها أنه لن يحضر المائدة! ثم أعلنت إليها أن الفتى قد يسافر سفرًا طويلًا! ثم انصرف الزوجان، وإذا الفتاة محزونة مكتئبة، وإذا جدتها تسليها وتلح عليها في أن تنبئ أمها بهذا الحب، والفتاة مترددة؛ لأنها تحس من أمها انصرافًا عنها وإعراضًا. وقد خُيِّل إلى الفتاة أن أمها قد استكشفت هذا الحب، فهي منكرة له ساخطة عليه، تكره من ابنتها أن تحب أحدًا غير أبويها، والفتاة خجلة محزونة، وجدتها تشجعها على أن تنبئ أمها وتلتمس عندها المعونة. وقد انصرفت الفتاة وأقبل أبوها، فأمُّهُ تنبئه بهذا الحب، وهو مرتاح له مستعد لتأييده، ولكن هذا فتى قد أقبل ينبئ الشيخة أنها منتَظرة على الشاي في غرفة الاستقبال فتنصرف، ويتحدث الرجلان، فنفهم أن هذا الفتى هو الأمير «جان» من أسرة ملكية قد أقصيت عن ملكها واضطرتها الثورات المتصلة إلى المهاجرة، فالفتى في باريس، وأبوه مرابط على حدود مملكته يراقب الحوادث ويأتمر بالنظام الجديد ويستعد لاسترداد الملك، وقد فهمنا أيضًا أن هذا الأمير الشيخ قد وصل اليوم إلى باريس في بعض أعماله، وهو مقبل إلى هذا القصر بعد حين ليزور هذه الشيخة التي رأيناها آنفًا، فالصداقة بينهما قديمة، وصاحب القصر يعتذر إلى الفتى؛ لأنه مضطر إلى الانصراف، وهو يكلفه أن يعتذر إلى أبيه. وقد فهمنا بنوع خاص أن الصداقة متينة بين هذين الرجلين، فهما صديقا طفولة.

لا يكاد صاحب القصر ينصرف ويخلو الفتى إلى نفسه حتى تأتي «تريز»، فإذا تحدثا عرفنا كل ما قدمتُ لك من هذا الحب الآثم بين هذه المرأة وهذا الفتى، وعرفنا أن هذه المرأة ما زالت متمنعة تجاهد صاحبها وتأبى عليه؛ لأنها لا تريد أن تخون زوجها، ولا تريد أن تخون ابنتها، والفتى يلح ويسرف في الإلحاح، ثم يترك التضرع إلى المحاجة. أليست قد تركته يقبِّلها؟ أليست قد قبَّلته أيضًا؟ وإذن فقد أذِنت بهذا الحب وأخذت بحظها منه، وإذن فليس لها الحق بعد أن أضرمت هذه النار أن تنكل أو تفر أو تكون مصدر شقائه أو شقائها، وهي تعترف بأنها قد رضيت قُبلته وأنها قد قَبَّلته، وأن غرائزها الحيوانية المنحطة هي التي ورَّطتها في ذلك، ولكن فيها عواطف أخرى راقية ستعصمها من الإثم؛ تلك عواطف الزوجية والأمومة. ولكن الفتى بعيد من اليأس، فهو يضمها مرة أخرى، ويصف لها بيتًا يملكه في أقصى باريس قريبًا من الغابة، يدعوها إلى أن تزوره فيه غدًا، فتأبى إباءً شديدًا.

وهما في ذلك وإذا الأمير الشيخ قد أقبل، فلا يكاد يستقر حتى يرسل ابنه في حاجة له، وحتى تأتي صديقته الشيخة، ويخلوان فيتحدثان، وإذا نحن نفهم من حديثهما أن مودتهما هذه إنما هي بقية حب قديم كان قويًّا ولكنه كان عنيفًا بريئًا، وما هي إلا أن نسمع هذه تشكو إلى صديقها من ابنه الفتى، وتنبئه أنه يتبع بحبه صاحبة القصر، وهي امرأة متزوجة وأم معًا، وتطلب إليه أن يصرف هذا الفتي عن صاحبته، وأن يجتهد في إبعاده عن باريس حتى لا تتورَّط صاحبته في الإثم، وحتى لا يتعرض ابنها وحفيدتها للشقاء، ولا يكاد الشيخ يسمع هذا حتى يأخذه غضب شديد على ابنه الذي بلغ به الفساد الخلقي أن يخون صديق صباه في امرأته، وقد أقبلت الفتاة، فيلقاها الشيخ لقاءً حسنًا مؤثِّرًا ويقبِّلها قبلة عطف وأبوة، وقد تمنى لها السعادة، ويُقْبل الفتى، فلا يكاد يخلو إلى أبيه حتى ينبئه أبوه بأنه يريد أن يصطحبه في سفره؛ لأنه قد دبَّر ثورة يوشك أن يفلح فيها وأن يسترد العرش، وهو لا يسترد العرش لنفسه؛ فالناس لا يحبونه ولا يميلون إليه؛ لأنه كان قاسيًا سفاكًا، وإنما يسترد العرش لابنه؛ وإذن فسيعلن نزوله لابنه عن العرش، ولا بد أن يترك الفتى باريس ويذهب إلى مملكة آبائه ليقود جنود الثورة الذين ينتظرونه. يسمع الفتى ذلك فيرفض العرش في ازدراءٍ، فإذا اشتد عليه أبوه ألحَّ في الرفض، حتى يعلن إليه أبوه أنه إنما يرفض العرش لأنه يحب امرأة متزوجة في باريس! وتشتد الخصومة بين الأب وابنه حتى ينتهيا إلى تبادل القول الغليظ، ثم ينهض الشيخ مُغضَبًا وقد أعلن إلى ابنه أنه يمهله يومين ليجيب جوابه الأخير.

وما يكاد ينصرف الشيخ حتى تقبل «تريز»، وقد كانت تكتب من وراء أحد الأبواب فسمعت حديث الرجليْن، فلما أحست انصراف الشيخ أقبلت مرتاعة ملتاعة، وهي تلح على الفتى ألا يقبل السفر وأن يستمر في رفض العرش؛ لأن هذه الأسرة قد قُضِيَ على ملوكها جميعًا أن يُقتلوا غدرًا، وهي تخشى على صاحبها أهوال الثورة وأهوال المُلك، وإذا الفتى ينتهز هذه الفرصة لتأييد حبه فيعلن إلى صاحبته أن الحياة هينة عليه، وأنه إذا لم يثق منها بالحب والمودة والرضا فسيقبل العرش ويمضي مع أبيه لقيادة الثورة واستقبال الموت، والمرأة مضطربة مرتاعة قد تغيَّر في نفسها كل شيء، فنسيت زوجها والوفاء له، ونسيت ابنتها والبر بها، ولم تفكر إلا في حبيبها وإنقاذ حياته، فهي تقبل ما يعرض عليها، وهي تعطيه موعدًا أن تلقاه غدًا في ذلك البيت الذي يقوم في طرف من أطراف باريس قريبًا من الغابة.

فإذا كان الفصل الثاني فنحن في هذا البيت المعتزل القديم، نرى خادمًا عجوزًا ترتِّب غرفة الاستقبال وتهيئ فيها ألوانًا من الورد والزهر، وإذا الأمير الشيخ قد أقبل، فترتاع الخادم، والشيخ مُغضبٌ لما يرى من الزهر، وهو يلوم الخادم وينذرها؛ فقد كان اشترى هذا البيت حين كان يريد أن يقيم في باريس، وأقرَّ فيه هذه الخادم لتلاحظه لا ليتخذه موردًا للتجارة، ولكن الخادم تنبئه بأن ابنه هو الذي أمرها أن تهيئه على هذه الحال، وأن تستخفي إذا كانت الساعة الرابعة، وقد فهم الشيخ أن ابنه على موعدٍ مع صاحبته، فأمر الخادم أن تنصرف وأن تنبئه بمقدم ابنه متى أقبل.

ولا يكاد يخلو إلى نفسه حتى يدخل عليه أحد أعوانه، وكان قد ضرب له موعدًا في هذا البيت، فينبئه هذا الرجل بأن الثورة قد تم تدبيرها، وأن الثائرين قد ضربوا بينهم يوم العيد موعدًا للظهور وعلى رأسهم الأمير الشاب، فإذا أعلن الشيخ إلى صاحبه أن ابنه يرفض العرش لأنه يحب امرأة، غضب هذا الرجل وألح على الأمير أن يجتهد في حمل ابنه على القبول ضنًّا بدماء الأبرياء أن تراق، وبنفوسهم أن تُزهق في غير منفعة، وهما يتحدثان وإذا الخادم تنبئ أن الأمير الشاب مقبلٌ تتبعه امرأة، فيأمرها الشيخ أن تستخفي وألا تتحرك مهما تسمع حتى يدعوها. ثم يستخفي مع صاحبه في حجرة مجاورة، وقد أقبل الأمير الفتى تتبعه «تريز»، وهو سعيد مغتبط وهي والهة مضطربة، فإذا ذكر لها حبه ذكرت له ذعرها وإشفاقها، وأنها الآن غنيمة بين يديه قد أسلمت نفسها لتحُول بينه وبين الموت، وهي قد خرجت من بيتها على ألا تعود إليه، فلن ترى زوجها، ولن ترى ابنتها بعد هذه الخيانة؛ وإذن فيجب أن يحتفظ بها وأن يتركا باريس، وما الذي يمنعهما من ذلك ولم يكن يطمع إلا في هذا، ولم يكن يسمو إلا إليه؟!

ولكنهما يسمعان حركة في الحجرة المجاورة، فيريد الفتى أن يتبين الأمر فلا يكاد يدخل الحجرة حتى يغلق بابها ويُرتج إرتاجًا، وإذا المرأة تسمع جهادًا وصراعًا، وهي تهجم على الباب فلا يطيعها، وإذا هي تسمع صيحة وجسمًا قد خرَّ على الأرض، وإذا هي تصيح مستعينة، وإذا الباب قد فُتح وخرج صاحب الأمير فأمر المرأة أن تنصرف، وأعلن إليها أن صاحبها قد قُتل وأنه جاسوس كان يتتبع الأمير؛ لأن الدولة علمت بأنه يدبر الثورة، وقد ظفر هو وأصحابه بالفتى فقتلوه وأراحوا الدولة منه ومن ثورته، والمرأة ذاهلة تستغيث وتطلب أن ترى صاحبها ولو قتيلًا، وتطلب أن تُقتل، ولكن الرجل يأبى عليها إلا أن تنصرف، ولِمَ يقتلونها وليس لهم عندها ثأر؟ ومنفعتهم تقضي ألا يفعلوا، فهي إذا خرجت لم تستطع أن تدل عليهم ضنًّا بشرفها وسمعة أسرتها، والمرأة مترددة في الخروج، فيدنو الرجل منها يريد أن يحملها ليُخرجها، وإذا هي جزعة تأخذ معطفها وقلنسوتها وتنصرف متثاقلة يكاد يصرعها الدوار، وقد أقبل الأمير الشيخ فدعا الخادمة وأمرها أن تتبع هذه المرأة حتى تبلغ مأمنها، وأن تحول بينها وبين ما قد يخطر لها من التعرض للموت، ثم يأمر بفك ابنه فيدخل عليه ابنه وقد بلغ منه الجهد وأصابه الإعياء، فلا يكادان يتحدثان حتى يعلم الفتى أن صاحبته قد اقتنعت بموته وحتى يأخذه جزع شديد؛ لأنه يشفق عليها أن تقتل نفسها، فهو يريد أن يخرج ليلحق بها، ولكنه لا يستطيع لأن الباب قد أخذ عليه، والخصومة شديدة عنيفة بينه وبين أبيه، وقد يئس الشيخ من إقناع ابنه واستعطافه، وإذا هو يلعنه ويستنزل السخط عليه، ثم يأمر صاحبه فيخلي بينه وبين الباب، ليمضي إلى هذا الحب الدنيء الذي آثره على مجد الأسرة وشرف الملك.

•••

فإذا كان الفصل الثالث فنحن في القصر حيث كنا في الفصل الأول، نرى صاحب القصر قلقًا مذعورًا، وأمه تهدئه وترفه عليه؛ ذلك أنه عاد مع ابنته من النزهة فعلم أن زوجته قد خرجت، وهي قد تأخرت وقد أمسى المساء وأقبل الليل وليس أحد يعرف أين هي، وهو يخشى عليها كل شيء. أليست مريضة مضطربة الأعصاب؟! وأمه تجتهد في تهوين الأمر عليه، ولكنها ليست أقل منه اضطرابًا، وهو يحس ذلك وينبئها به فلا تمانع فيه، بل تنصرف إلى حفيدتها حتى لا يصل إليها الخبر فيزعجها، والفتاة في غرفتها تهيِّئ نفسها للعشاء عند خطيبها، فإذا انصرفت هذه المرأة بقي ابنها مضطربًا بين النوافذ ينصرف من إحداها إلى الأخرى، ولكن الخادم قد دخلت وهي تنبئه بأن السيدة قد أقبلت وليس عليها بأس، ولكنها متعبة جدًّا؛ فقد أُغمي عليها في الطريق حين كانت تمشي في الغابة. وانظر إلى «تريز» وقد دخلت متثاقلة ذاهلة، فيلقاها زوجها شديد الإشفاق عليها، فلا تكاد تعرفه، وهي مع ذلك تتكلف القوة وصدق الرأي، وهي تنبئ زوجها بأن دوارًا قد أخذها، وأنها رأت كأن الأرض تنشق أمامها، وزوجها يريد أن يدعو الطبيب فتأبى، فقد انتهى هذا الدوار ولم يترك لها إلا تعبًا شديدًا، فهي تريد أن تأوي إلى سريرها وأن تستريح.

ولكنها رأت زوجها ولم تستطع إلا أن تتبين جزعه واضطرابه، ولم تكد تسمع صوته وتحس ألمه حتى أخذت تفيق من ذلك الحلم المنكر الآثم، وإذا هي تتبين إثمها وتشعر بالألم يلذع ضميرها. واسْمَع لها تحدِّث زوجها بصوت رفيق فيه ألم وندم، وزوجها سعيد لا يكاد يقدر سعادته؛ لأنه يجد امرأته عاطفة عليه مطمئنة إليه، وكان قد فقد عطفها واطمئنانها، وهو ينبئها بذلك ويشكره لها، فلا يزيدها ذلك إلا تنبهًا وإفاقة، وقد وضح الأمر وانجلت الغشاوة، ورأت المرأة نفسها على حافة الهوة، وقد أراد القضاء ألا تتردى فيها. ولقد أنبأها زوجها أنه سيعتذر عن حضور العشاء الذي كانوا مدعوين إليه، فتلح عليه في أن يذهب مع الفتاة وفي أن يعتذر عنها وحدها، فيقبل ويذهب ليتهيأ، وإذا الشيخة قد أقبلت، وإذا بينها وبين هذه المرأة التعسة حديث يزيل عنها الغشاوة إزالة تامة، ويرد إليها ضميرها واضحًا وعقلها موفورًا وشعورها بالكرامة قويًّا؛ تنبئها الشيخة بأنها تعرف كل شيء، وأنها تلح عليها مع ذلك في ألا تتأخر عن هذا العشاء؛ فإن تأخرها سيطلق ألسنة الناس بما لا ينبغي، وسيعرض شرف الأسرة للخطر، والمرأة تجاهد لأنها متعبة لا تستطيع أن تحضر هذا العشاء، ولكن انظر إلى ابنتها قد أقبلت باكية تجثو بين يدي أمها وترفع إليها كتابًا تنظر فيه، فإذا هو إلى الفتاة من خطيبها ينبئها بسفره غدًا، وبأن أبويه يمانعان في الزواج، وأن مصدر هذه الممانعة إنما هي أمها.

لا تكاد المرأة تقرأ هذا حتى يتغير في نفسها كل شيء، فليست هي امرأة، وليست عاشقة، وليست زوجًا، وإنما هي أم، وأمٌّ ليس غير. ترى ابنتها محزونة باكية، فيجب أن تزيل حزنها وتجفف دموعها. ليست مريضة فستحضر هذا العشاء، وستجتهد في إصلاح الأمر، وفي أن تحول بين الفتى وبين السفر. يجب إذن أن تمضي الفتاة مع أبيها إلى بيت خطيبها فستلحقها بعد حين، وقد انصرفوا جميعًا. وخلت الشيخة إلى نفسها، فهي سعيدة متأثرة تبكي سعادة وحزنًا، ولكن انظر هذا الأمير الفتى قد أقبل يتلمس أخبار صاحبته، وهو يريد أن يراها ويلح في ذلك، والشيخة تمانعه وتأبى عليه حتى يكاد يقتنع. وهما في هذا الجدال إذ يدخل الخادم فينبئ بمقدم الأمير الشيخ، فتنصرف المرأة للقائه ويبقى الفتى، وهو يريد أن يخرج ولكنه مبهوت … ماذا يرى؟ إنه يرى صاحبته مقبلة وقد اتخذت زينتها، فهي جميلة رائعة، كأنها لم تشهد ما شهدت ولم تسمع ما سمعت، ولم تعلم بأنه قد قتل، وهو يائسٌ محزونٌ، ولكنه لا يكاد يتحدث إليها في ذلك حتى يعلم أنها كانت صادقة في حبها، وأنها الآن صادقة في إقلاعها عن هذا الحب.

كانت في حلم عميق قوي منكر ثم تنبهت من هذا الحلم وأفاقت من هذا النوم، وهي ترى زوجها الوفي المظلوم، وترى ابنتها البريئة الطاهرة، وترى حبًّا نقيًّا بريئًا ناشئًا كاد يُضحَّى به في سبيل ذلك الحب الآثم، وقد أفاقت وأراد العدل أن يكون هذا الحب الآثم ضحيةً لهذا الحب البريء.

يجب إذن أن يفترقا، وهما يفترقان في أناة ودعة ولين، فإذا خلا الفتى إلى نفسه جلس وإذا رأسه بين يديه، وإذا هو يبكي بكاءً حارًّا، وقد دخل أبوه فرقَّ له وأخذ يُناجيه مناجاة الأب البر الشفيق، والفتى يلقى أباه في عنفٍ ولوم، ولكنه لا يلبث أن يعترف لأبيه بأن حبه قد مات. وانظر إلى هذا الشيخ سعيدًا مبتهجًا يرى أن العقبة قد زالت، وأن الفضيلة قد رضيت، وأن ابنه قد أصبح ملكًا، فهو يسرع إليه فيخضع له خضوع الرعية، ويأخذ يده فيقبِّلها قائلًا: يا بُنيَّ المَلك.

ديسمبر سنة ١٩٢٤

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠