الشاب الجميل

قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «ألفريد كابو»

هي إحدى هذه القصص التي يتقنها كبار الكتاب الفرنسيين، والتي تقرءُها أو تشهدها فتشعر بشيءٍ كثير من الراحة لقراءتها أو رؤيتها، وتشعر بأن الكاتب لم يتكلف جهدًا ولا مشقة حين كتبها. بل تشعر بأن الكاتب قد استراح إلى كتابتها، ووجد من اللذة في تنسيق فصولها ومناظرها مثل ما تجد أنت في قراءتها أو النظر إليها. بل تشعر بأن الكاتب قد ابتسم عندما خطر له موضوعها، ونشط للكتابة في هذا الموضوع فأخذ قلمه باسمًا، وظل يكتب باسمًا، وانتهى من الكتابة ولم تفارقه بسمته، أو قل: انتهى من الكتابة وهو يضحك.

على أنك تشعر فوق هذا كله بأن ابتسامة الكاتب وابتسامتك أنت حين تقرأ القصة أو تشهدها، ليست ابتسامة حلوة كلها، وإنما تشوب حلاوتها مرارة ما. ليست ابتسامة عبث، ولا ابتسامة سخرية، وإنما هي إحدى هذه الابتسامات التي لا تمثل الأمرين جميعًا: فيها العبث لأن بين الأشخاص وفي أخلاقهم وحركاتهم ما يدعو إليه، وفيها السخرية لأن في هذه الأخلاق والحركات ما يحمل الرجل المستقيم ذا المزاج المعتدل على أن يهز كتفيه. وفيها إلى هذا العبث وهذه السخرية شيء من الألم الهادئ، والأمل الذي يخلق بالفيلسوف؛ لأن هذه الأخلاق والحركات — على أنها خليقة بشيءٍ من الازدراء وعلى أنها شائعة وعلى أنها قوام الحياة — ليست خالدة جامدة، ولا عسيرة مستعصية على الإصلاح؛ فهي منكرة بعض النكر، ولكنها قابلة لأن يعتدل منحرفها ويستقيم بعض ما فيها من العوج.

تجد هذا كله حين تقرأ القصة أو تشهدها، وتشعر بشيءٍ من الغبطة والرضا والحاجة إلى أن تشكر للكاتب أنه قد أرضاك وألهاك دون أن يثير في نفسك هذه الانفعالات الحادة التي تثيرها القصص المحزنة، ودون أن يسلط عليك هذا الضحك العنيف الذي تبعثه القصص المضحكة بالمعنى الذي يفهمه الممثلون لهذه الكلمة. وإنما أرضاك وألهاك في هدوءٍ ودعة، أو قل إنه حقق ما أنت محتاج إليه من هذه الراحة التي يطمع فيها العاملون وقد أنفقوا يومهم في الجهد والمشقة.

ثم أنت واجد في هذه القصة ناحية من الحياة الفرنسية، قلما تجدها فيما ألفت قراءته ورؤيته من القصص التمثيلية، وهي حياة طائفة من أهل الأقاليم. ولكاتبنا هذا عناية بأهل الأقاليم نعرض عليك منها نموذجًا في هذا التلخيص، ونرجو أن نعرض عليك منها نموذجًا آخر في غير هذا الفصل. ثم أنت واجد في هذه القصة ما تجده في قصص هذا الكاتب جميعًا، من هذا المذهب الفلسفي الذي يقوم على المصادفة، ويضيف إليها الأثر الأكبر فيما يملأ الحياة من عمل، وما يعترض الناس من خطوب.

ولقد أحب أن أسلك في هذه القصة نفس الطريق التي تعودت أن أسلكها في القصص الأخرى، فأقدم إليك أشخاصها في شيءٍ من الإيجاز. ولكني أشعر بأن هذه التقدمة لن تكون قوية ولا خلابة؛ لأن الأشخاص في أنفسهم ليسوا أقوياء ولا خلابين. وأشعر أيضًا بشيءٍ من الخوف؛ لأني أحس أني سأتورط في تقصيرٍ شديد عن أن أبعث في نفسك مثل الكاتب في نفسي من الراحة والرضا والابتهاج؛ ذلك لأن لذة هذه القصة وأمثالها تأتي من اللفظ في كثيرٍ من الأحيان، وتأتي من اللفظ لنفسه؛ أي من حيث يصعب أن يترجم وينقل من لغةٍ إلى لغة. ولكني على هذا كله مجتهد في تلخيص هذه القصة.

وإذا لم يكن بد من تقديم هؤلاء الأشخاص، فلأبدأ بأشدهم قوة وأعظمهم أثرًا فيها، وهو «فالنتين بريدو»؛ شاب في الثامنة والعشرين من عمره، وسيم الطلعة حين تقع العين عليه، ولكنه ليس بالجميل حقًّا إذا أحسنت التحديق فيه. قد ظفر بالشهادة الثانوية في الآداب، وهو إذا تكلم أو كتب خُيل إلى من يسمعه أو يقرءه أنه عظيم الحظ من العلم، كاتب متحدث منطلق اللسان، فإذا حقق النظر فيه ظهر أنه ليس شيئًا أو لا يكاد يكون شيئًا. هو، كما يقول الكاتب، من هؤلاء الأشخاص الذين يعجبون النساء؛ لأن عليهم سمة الجمال ولهم مظهر الذكاء، وليسوا بالحسان ولا الأذكياء، وهو مدير لمكتبة المدينة التي يعيش فيها، يتقاضى راتبًا ضئيلًا ولكنه ضخم بالنسبة إلى مدن الأقاليم. وهو بطبيعة الحال شديد الإعجاب بنفسه، شديد الطمع، شديد الازدراء للناس، مقتنع كل الاقتناع بأنه يشهد عصر انتقال يفنى فيه جيل وينهض فيه جيل آخر. فأما هذا الجيل الفاني، فقد استنفد قوته وأصبح غير صالح للبقاء، وأما هذا الجيل الناهض، فهو ممتلئ قوةً ونشاطًا. ولكن الشيوخ يأخذون عليه الطريق ولا بد له من أن يقهرهم. وصاحبنا ساخط لا يرضى عن حاله ولا يطمئن إلا إذا ظفر في باريس بالمكانة التي تلائمه.

وله في مكتبته رفيق يعينه، متوسط، دميم الخلق، ساذج الطبع، راضٍ بما قسمه الله له، حريص على مكانته، جاد في طاعة النظم والقوانين، منكر على صاحبه طيشه ونزقه وطمعه.

ثم شخص آخر، هو «جونيل»، في السادسة والأربعين من عمره، ضخم الثروة، معتدل المزاج، ولكنه لا يخلو من طمع، يريد أن يكون عضوًا في مجلس الشيوخ. وهو مخالف للحكومة القائمة في الرأي، على أن ثروته وجمال امرأته يشجعان على الطمع في الانتصار على مرشح الحكومة.

ولهذا الرجل امرأته «كلوتيلد»، شابة جميلة، معتدلة المزاج أيضًا، شديدة البغض للسياسة والانتخابات والأعمال العامة، لا تطمع إلا في أن يبقى لها زوجها منقطعًا إليها يلهيها ويمتعها بثروته الضخمة. وهي تبذل ما تملك من جهد لتصرف زوجها عن مجلس الشيوخ، وهي تنذره بالخيانة إن أصبح شيخًا؛ لأن ذلك لا يلائم سنها، ولأن بين الناس من يتملقها، وقد وعدته بالإسماح له يوم يصبح زوجها شيخًا. ولكن زوجها يأبى إلا أن يكون شيخًا، ولا يأبى على نفسه التفكير في أنه قد يصل إلى الوزارة، وهو مطمئن إلى زوجه لا يحفل بوعيدها، ولا يشك في أنها وفية له مهما يكن من شيء.

وهناك فتاة أخرى «مارت أوبري»، معلمة في المدينة، رائعة الجمال، طيبة النفس، مستقيمة الخلق، أدركها اليتم هي وأختها ولما يتم تعليمهما فمضتا حتى أتمتاه. فأما أختها فآثرت العاجلة وانطلقت مع أول رجل غني عرض عليها الترف والثروة، وأما هي فآثرت الاستقامة والحياة الشريفة، وقنعت بمنصب المعلمة في إحدى مدن الأقاليم. وهي تحب «فالنتين برينو» مدير المكتبة هذا الذي قدمته لك منذ حين، وهي تطمع في أن تقترن به، وهي تتردد على المكتبة في كل يوم تزعم أنها تريد البحث في دائرة المعارف، ولكنها لا تريد في حقيقة الأمر إلا أن ترى هذا الشاب يحبها ولا يكره أن يقترن بها، ولكنه يحب قبل كل شيء أن يظفر بمكانة تلائمه في باريس.

وهل تحب أن أتم هذه المقدمة، فأذكر لك هذا الشخص الأخير الذي سنراه في الفصلين الثالث والرابع، وهو «بلوك»، مدير مكتب للتخديم يعرف كل شيء، ويسعى في كل شيء، ويقدر على كل شيء، وإن كان في حقيقة الأمر لا يعرف شيئًا ولا يكاد يقدر على شيء.

هؤلاء هم الأشخاص، وهم كما ترى، عاديون لا يمتاز أحدهم بشيءٍ ما، ولا يمكن أن تكون القصة التي تقع بينهم إلا عادية لا أثر فيها للانفعال الحاد ولا للضحك العنيف.

•••

فأما الفصل الأول من هذه القصة، فيقع كما قدمنا في مدينة من مدن الأقاليم. ونحن إذا رفع الستار في المكتبة، وأمامنا مساعد المدير كأنه يرتب كتبًا. على أننا لا نلبث أن نشعر أن هذه المكتبة كغيرها من مكتبات المدن فقيرة كل الفقر، لا تكاد تشتمل إلا على دائرة المعارف وبعض الكتب أو المجلدات السياسية. وقد دخل خادم مأمور المركز، يطلب مدير المكتبة ليجيب سيده، وهو يعلن في ثرثرة ظريفة أن المأمور مغضب؛ لأن مدير المكتبة قد كتب في صحيفة المدينة فصلًا سياسيًّا عضد فيه مرشحًا في مجلس الشيوخ معاديًا للحكومة وذم فيه مرشح الحكومة وهو قريب المأمور. ولا يكاد يخرج الخادم حتى يأتي مدير المكتبة، فإذا هو كما قدمنا فتى ظاهر الرشاقة واللباقة، ولكنه في حقيقة الأمر ليس شيئًا لولا أنه شديد الطمع قوي الإرادة. فإذا أخبر بأن المأمور يدعوه وأنه مغضب منه لم يحفل بذلك، وإنما أخذ يحدث صاحبه عن الفصل الذي كتبه في صحيفة «المستقبل» وهاجم فيه قريب المأمور في قوةٍ وعنف، ودافع فيه عن خصمه دفاعًا شديدًا، فإذا سأله صاحبه: فيمَ هذا الهجوم؟ أنبأه بأن قريب المأمور هذا قد ذكره بسوء فيما بلغه، وأنه لا يعرف خصمه، ولكنه مع ذلك يؤيده ويبذل في ترشيحه ما يملك من قوة. ويكون بين الرجلين حوار نفهم منه أن أحدهما — وهو المدير — يتحرق شوقًا إلى باريس لعله يظفر فيها بما يريد من هذه المكانة العالية، وأنه واثق بالوصول إلى ما يحب، فكل شيء يدله على ذلك: انظر إلى هذا الجيل الذي يريد أن ينقضي كيف ضعف واضمحل، وكيف عجز وانحل، وكيف أخذ الفساد يعمل فيه من كل ناحية، فلا خلق، ولا قوة، ولا إرادة، ولا مهارة، ولا استقامة في الأعمال. وهذا مأمور المركز: ما قيمته؟! وماذا عمل وهو يخدم الحكومة منذ خمس عشرة سنة؟ وهذا المدير أتظنه وصل إلى منصبه لولا أنه أصهر إلى سكرتير الوزير! والأمر كذلك، فهي جميع طبقات هذا الجيل وفي أنحاء الحياة الاجتماعية كلها: جيل يفنى، وجيل آخر ينهض. وهذا الجيل الناهض منتصر من غير شك؛ ففيه حب الحياة وطموح إلى الرقي، وفيه قوة على الجهاد وصبر على المكروه، وفيه نبوغ واستعداد للنبوغ. انظر إلى صاحب الصحيفة التي تصدر في هذه المدينة، لقد عرض على الفتى المدير ١٥٠ فرنكًا في الشهر على أن يكتب لصحيفته فصلًا في كل يوم. فهو إذن يستطيع أن يعيش خارج المكتبة، وهو يستطيع أن يغضب المأمور؛ هذا كله في الأقاليم، فكيف به لو ذهب إلى باريس!

أما صاحبه، فهادئ معتدل قانع فيلسوف، ينصح لرئيسه بالهدوء والدعة والرضا بما هو فيه، وينصح له بنوعٍ خاص بألا يلتمس في الحياة إلا هذه السعادة الهادئة العادية، وما له لا يفكر في هذه الفتاة المعلمة التي تحبه وتتردد على المكتبة من أجله، وتتمنى أن تكون له زوجًا! أليس هو يحبها أيضًا؟! بلى! هو يحبها، ولكنه لا يتعجل هذه السعادة، وإنما يريد أن يصل إلى الثروة والمكانة قبل أن يفكر في الزواج.

فأما وقد تحدث الرجلان في الحب، فلم يكن بدٌّ لصاحبنا المساعد الفيلسوف من أن يذكر حبه أيضًا؛ فهو أيضًا يحب، ولكنه يحب من غير أمل، يحب امرأة لا يعرفها ولا ينتظر أن يعرفها، رآها مرة في باريس وقد كان يمشي الهوينا في الغابة، فإذا هي تنزل من عربتها، وإذا منديلها يسقط فيلتقطه هو ويدفعه إليها فتأخذه شاكرة، وهذا يكفي ليذكي في قلب صاحبنا للحب جذوة متوقدة. وصاحبنا فيلسوف يحتمل هذه الجذوة وما لها من لذع، ولكنه يعلن أنه إن رأى هاتين العينين السوداوين مرة أخرى فلن يستطيع أن يضبط نفسه، ولن يكون له على حبه سلطان.

وهذه الفتاة المعلمة قد أقبلت تكلف مساعد المكتبة أن يعد لها جزءًا من «لاروس» لتنظر فيه بعد حين، ولكنها رأت المدير فتتحدث إليه، ويدعوها هو إلى مكتبه ليظهرها على بعض الصحف التي وصلت من باريس فتمتنع عليه، فإذا سألها: لماذا؟ أجابته: لأني إن تبعتك إلى المكتب حاولت أن تقبلني كما حاولت في المرة الماضية، فأمتنع عليك فنتغاضب، وفيم نتغاضب ونحن صديقان؟! على أني لا أكره أن تقبلني، بل قد أجد في ذلك سعادة، ولكن قبل أن أسمح لك بهذه اللذة ولنفسي بهذه السعادة، يجب أن تخطبني، ويجب أن أعرف متى نقترن، ولِمَ لا نقترن؟

فإذا ذكر لها طمعه في الثروة والمكانة، دهشت وأعلنت إليه أنها راضية بمكانتها ومكانته، وأنها ترى أنهما يستطيعان أن يعيشا سعيدين. وأخذت ترغبه في الزواج وتذكر له أمورًا من شأنها أن تشجعه عليه، ومن هذه الأمور أنها تحبه، ولكنه مصرٌّ على الثروة قبل كل شيء، فتدعه على أن تعود لتنظر في دائرة المعارف. وما تكاد تخرج حتى يأتي «جونيل» هذا الرجل الغني الذي يرشح نفسه لمجلس الشيوخ، يأتي لأنه قرأ الفصل الذي نشره الفتى في الصحيفة فجاء شاكرًا. وما هي أن يرى الفتى ويتحدث إليه حتى يعجب به، فيعرض عليه أن يكون سكرتيره، وأن يرافقه إلى باريس. ولا يحتاج إلى الإلحاح على الفتى في ذلك، فقد قبل الفتى، وما له لا يقبل وهو سيذهب إلى باريس، وسيعمل في السياسة، وسيكون يد هذا الرجل اليمنى حتى يصل إلى مجلس الشيوخ ثم إلى الوزارة. ومن يدري؟! ماذا يجني هو في أثناء هذا كله؟! على أن صاحبنا الشيخ ينبئه بأنه يخوض غمار الانتخابات على كره من زوجه؛ فهي لا تحب السياسة، ولكنه واثق بالانتصار عليها، وهو يعلم أن امرأته ستغضب حين تعلم أنه قد اتخذ له سكرتيرًا، ولكن غضبها لن يطول، فهو يوصي الفتى بالأناة والرفق. أما الفتى فقد قبل كل شيء وهو يترك صاحبه ليكتب الاستقالة. ولا يكاد يخلو إلى نفسه حتى تأتي امرأته، فإذا هي، كما قدمنا، شديدة السخط على السياسة، شديدة البغض لاندفاع زوجها فيها. ولا يكاد زوجها ينبئها بأنه اتخذ له سكرتيرًا حتى تثور، ولكن السكرتير قد أقبل وقد نظرت إليه فتحس أنه وقع من قلبها، وهي تتلقاه متكلفة بعض الفتور، وتدعوه إلى العشاء متكلفة بعض الفتور أيضًا.

وينصرف الزوجان وتعود الفتاة المعلمة، فلا تكاد تتحدث إلى صاحبها وتعلم باستقالته واعتزامه السفر إلى باريس، حتى يأخذها الحزن والجزع والاضطراب، وهو يهدئها ويخطبها ويعدها، ولكنها لا تحفل بذلك ولا تكاد تصدق منه شيئًا. وهي تدع صاحبها وتنصرف إلى الكتاب تريد أن تنظر فيه فلا تستطيع. وأنى لها ذلك وقد ملكها الاضطراب، فهي لا ترى إلا صاحبها، ولا تفكر إلا في سفره. وهي في ذلك وإذا امرأة تدخل وتسعى في خفة حتى تصل إليها فتقبلها، فإذا التفتت رأت أختها «بوليت» وهي لم ترها منذ سنتين، منذ انقطعت هي إلى التعليم ومضت الأخرى مع أول رجل غني لقيها. وأختها تنبئها بأنها كانت مسافرة معه إلى نيس، حتى إذا وصلا إلى ديجون ذكرت أختها فقالت له: يجب أن نفترق هنا لأرى أختي وسألقاك آخر النهار. فإذا سألت أختها: من هو؟ أجابت: هو! هو الذي تعرفينه، هو جوستاف! على أني سألقاه آخر النهار، ولم أشأ أن أصطحبه حتى لا أعرضك لسوء القالة، فإذا سألك عني أحد فقولي إني معلمة في باريس، وأنت تذكرين أني كدت أكون معلمة في باريس لولا أن وصل جوستاف. كلا! لم يكن جوستاف، وإنما كان إدوار. ثم تمضي في هذا الحديث السريع حتى تسأل أختها عن حالها، فما أسرع ما تتبين أنها محزونة! وما أسرع ما تفهم سبب هذا الحزن، وما أسرع ما يظهر حبها لأختها وحماستها في الدفاع عنها! وبينما أختها تجذبها للخروج من المكتبة؛ إذ يقبل مدير المكتبة، فما أسرع ما تعرف هذه المرأة أنه هو الذي تحبه أختها، فتأخذ في لومه وتعنيفه وترغيبه عن باريس.

•••

وإذا كان الفصل الثاني، فنحن نراه جالسًا إلى المنضدة وفي يده القلم، وصاحبه الشيخ يملي عليه بدء منشور انتخابي. ولكن الرجل لا يكاد يقيم الجملة الأولى من المنشور؛ فهو يتردد ويضطرب ويستأنف القول ثم يعيده ثم يستأنفه دون أن يستطيع التقدم، فيعرض عليه كاتبه أن يفعلا كما فعلا في المرة الماضية، فما أسرع ما يقبل مسرورًا، وإذا هو قد جلس إلى المنضدة وأخذ القلم، ونهض الكاتب فأخذ يمشي في الحجرة ممليًا، وإذا الكلام متصل مستقيم، والجمل يتبع بعضها بعضًا في غير تردد ولا اضطراب، والشيخ راضٍ مبتهج يعلن في سذاجة أنه لا يحسن الكتابة إلا إذا جلس هو وأخذ القلم ومشى كاتبه وأملى.

وهما في ذلك وإذا امرأته قد أقبلت، فإذا رأت ذلك دهشت وأخذها شيء من الضجر لم تحاول قط إخفاءه، ثم تأخذ في لوم زوجها على السياسة ودخوله فيها، وتسأله عن حفلة راقصة يريدان إقامتها: أتكون في الرابع عشر أو الخامس عشر من الشهر؟ فيتردد ثم يذكر أن بينه وبين الناخبين موعدًا في هذين اليومين، ولكنه لا يعرف أيهما، ثم يلتمس كتاب الناخبين إليه فلا يجده فيذهب كاتبه لالتماسه. ولا يكاد يخلو إلى امرأته حتى تطلب إليه أن يقيل هذا الكاتب، فيعاتبها لأنها تلقى هذا الشاب بفتور بعد أن كانت قد لقيته أول الأمر في شيء من الظرف واللطف.

ولكنها تلح عليه فيأبى، ونفهم من حديثهما ومن إلحاحها أن بينها وبين هذا الفتى حبًّا أو شيئًا يشبه الحب، وهي تريد ألا تصل إلى خيانة زوجها. ولكن الرجل سليم القلب لا يفكر إلا في السياسة والانتخاب ومجلس الشيوخ. فإذا أبى عليها ويئست منه تركته وجاء الفتى، وهما باستئناف العمل، ولكن معين الفتى في المكتبة قد جاء، فتركهما الشيخ على أن يستأنفا العمل بعد حين.

وما هي إلا أن يتحدث الفتى إلى مساعده القديم حتى نفهم أنه قد رأى العينين السوداوين مرة أخرى: رآهما هناك في المكتبة في ذلك اليوم المشهود يوم كانت المعلمة تنظر في الكتاب، فجاءت أختها. هو إذن عاشق لأخت هذه المعلمة، وقد كان صادقًا حين أعلن أنه لن يملك نفسه إن رأى عينيها مرة أخرى. وقد رأى عينيها، بل جلس معها إلى مائدة المعلمة، ففقد الرشد أو كاد، واستقال على كل حال وأقبل إلى باريس ولن يفارقها.

وهو سيئ الحظ؛ فقد ذهب إلى دار هذه الفتاة واستأذن عليها، فتركته ينتظر نحو الساعة، ثم خرجت ومعها ثلاثة رجال، فمرت به مسرعة وهي تقول: إذا لقيت أختي فبلغها تحيتي. وهو سيئ الحظ؛ فقد التمس العمل فلم يظفر بشيء، وذهب إلى «بلوك الخدم» وبينهما صلة، فأبى هذا الرجل أن يلقاه، فلما ألح عليه أمره بالعودة إلى الإقليم. وصاحبه الفتى يأمره بمثل هذا، ويضرب له موعدًا بعد ساعات ليطعما معًا، على أن يسافر هو بعد العشاء. أما هذا الرجل فيقبل الموعد ويقبل العشاء، ولكنه يرفض السفر.

وقد خرج وجاءت امرأة الشيخ، فأنبأت الفتى أن زوجها قد خرج يتروض، وأنها تريد أن تتحدث إليه، ثم أعلنت إليه في صراحة أنها قد طلبت إلى زوجها إقالته فرفض، وإذن فهي تطلب إليه أن يقيل نفسه لأنها تحب زوجها، وتكره أن يعاشرهما ثالث.

أما هو فيعدها بالاستقالة والسفر، ولكنه ينتهز هذه الفرصة التي لن يراها بعدها ليعلن إليها في صراحة أيضًا أنه يحبها حبًّا لا حد له، وأنه لو شاء لأظهر لها هذا الحب، ولكنه أراد أن يكون رجلًا شريفًا فكتم حبه.

فأما الآن وسيفارقها فراقًا لا لقاء بعده، فلا جناح عليه أن يعلن إليها هذا الحب، فإذا أرادت أن تأخذه بالصمت مضى في الحديث وأعلن إليها أنها شجعته على هذا الحب. أليست قد اعتمدت على يده مرة في الملعب وبقيت معتمدة عليها ما استمر التمثيل؟! أليست قد التصقت به التصاقًا مرة في العربة يوم عادَا إلى البيت منفردين؟! فلو لم يكن رجلًا شريفًا لانتهز إحدى هاتين الفرصتين وأعلن إليها حبه، ولكنه لم يفعل، وهو إذ يفارقها لا يؤلمه إلا أنها ليست وفية لزوجها. فإذا أخذت تنكر عليه ذلك، أخذ يتهمها بأنها تحب فلانًا وتداعب فلانًا، حتى تضيق به ذرعًا فتعلن إليه أنها لم تخن زوجها، ولولا حرصها على الوفاء لزوجها لما طلبت إليه الرحيل، ولكنها تحبه وتخشى إن أقام أن تقع في الإثم. فإذا سمع هذا فهو سعيد، وهي أيضًا سعيدة، وهي لا تتعجله في السفر، بل تطلب إليه البقاء ولكنها قلقة.

أما هو فجريء! انظر إليه يسرع إليها يريد أن يأخذها بين ذراعيه، ولكنها تتحرج وتأبى عليه إلا حبًّا بريئًا، ولا تسمح له إلا بقبلة بعينها يضعها بين شعر رأسها لا يتجاوز هذا الشعر. وإنه لفي هذه القبلة إذ يحسان حركة فيفترقان، وإذا الزوج قد أقبل، فتلقاه متبسمة، وتعلن إليه أنها قرأت بعض منشوراته الانتخابية فرضيت عنه. وهو يبتهج حين يراها مسرورة راضية، ولكنه لم يقبل وحده بل أقبل ومعه أحد الناخبين، فهو يدعو سكرتيره ليتحدثا مع هذا الناخب.

وتخلو المرأة إلى نفسها فتجلس مفكرة وفي يدها ورق كأنها تنظر فيه. وبينا هي في ذلك إذ يقبل زوجها دون أن تحسه، فإذا نظر إليها جالسة هكذا راقته، فسعى إليها في خفةٍ ورشاقة حتى يضع شفتيه من شعرها حيث كان الآخر قد وضع شفتيه. أما هي فقد أحست شفتيه في شعرها فلم تفكر إلا في صاحبها، وإذا هي تقول له: فالنتين! أنت مجنون … إن زوجي يستطيع أن يأتي الآن! قدِّر أنت وقع هذا الكلام في نفس الشيخ حين يسمعه.

•••

فإذا كان الفصل الثالث، فنحن في مكتب المخدم «بلوك»، وأنا أعفيك من وصف هذا المخدم وأعماله وأعوانه. ولكننا نرى في مكتبه مساعد المكتبة الذي رأيناه في أول القصة، وقد أقبل الآن يلتمس عملًا، والمخدم يأبى أن يلقاه، حتى إذا ألح دفع إليه بعض النقد وصرفه وأخذ في عمله، وإذا «كلوتيلد» زوج الشيخ قد أقبلت تستأذن عليه، فإذا أذن لها أنبأته بأنها تلتمس شابًّا يقال له «فالنتين بريدو»، وقد جاءت تستعين به على أن تلقاه، وقد افتقدته منذ شهرين. فيعدها خيرًا ويطلب إليها صورته الفتوغرافية، فتنصرف لتأتي بها، ويأتي مكانها «فالنتين بريدو» نفسه يطلب عملًا.

فإذا سأله المخدم عما يحسن قال: إنه نال البكالوريا، ولكن البكالوريا لا تفيد شيئًا! وإن عند هذا المخدم من العمال والأعوان أشخاصًا نالوا البكالوريا في العلوم والآداب، ولكن باريس قد ضاقت بهم.

وإنه ليعرف قومًا معهم الليسانس في الحقوق وهم يقودون عربات النقل. ثم أخذ يبحث في دفاتره فلم يجد ما يعرضه على هذا الشاب، إلا عمل خادم عند رجل يحزم الأمتعة، فيأبى الشاب. ولكنه قد وقع من نفس المخدم وأعجبه، فأخذ المخدم يعرض عليه العمل عنده ويطلب إليه أن يبدأ فيبحث عن فتى يقال له «فالنتين بريدو». فإذا سمع الفتى اسمه دهش وقال: غدًا سآتيك به آخر النهار. وقد تركه المخدم لبعض عمله وأقبلت «كلوتيلد» فالتقيا وتحدثا، واطمأن كلاهما إلى صاحبه، واستوثق كلاهما من حب صاحبه وكان بينهما الميعاد، ثم ينصرفان ويعود المخدم تتبعه بوليت وأختها المعلمة. ونفهم أن هذه الفتاة قد ضاقت بحياة الأقاليم ذرعًا بعد أن سافر خطيبها إلى باريس، فاعتزمت أن تترك التعليم وأن تعيش في باريس، وأقبلت إلى أختها فلقيت عندها الشبان الأغنياء وأخذوا يعرضون عليها حياة اللهو فترفض، وهي الآن تلتمس عملًا شريفًا.

فأما العلوم التي تحسنها، فالرياضة والتاريخ الطبيعي والرسم والموسيقى. ولكن هذا كله لا يغني عنها شيئًا، وكل ما يستطيع الرجل أن يعرض عليها إنما هو العمل في مطعم حقير، فتتردد ثم تقبل وتهمَّان بالانصراف. ولكن أختها قد ألقت في أذن المخدم أنها لا ترضى بهذه الحياة لأختها، وأنها تعلم حق العلم أنها ما زالت تحب ذلك الفتى الذي عشقته هناك حيث كانت معلمة، وأن هذا الفتى في باريس، وأنها تريد منه أن يلتمسه، واسمه «فالنتين بريدو». وتخرجان ويأتي جونيل يلتمس عند هذا المخدم سكرتيرًا. وإنهما لفي الحديث إذ يهمس الخادم في أذن سيده أن الفتى الذي استخدمه اليوم قد عاد يريد أن يخبره ببعض الأمر.

وهنا يتنبه المخدم إلى أن هذا الفتى يستطيع أن يكون سكرتيرًا لجونيل، فيعلن آلي جونيل أنه قد ظفر له بما يريد، ثم يأمر بإدخال الفتى فإذا دخل ورآه جونيل أخذته ثورة وغضب وصاح: هذا فالنتين بريدو! هذا هو السكرتير الذي أقصيته! ثم انصرف لا يلوي على شيء.

•••

فإذا كان الفصل الرابع، فنحن في فندق حقير أو كالحقير، حيث يقيم «فالنتين بريدو» وقد قبل أن يعمل عند حازم الأمتعة ليعيش. وقد اتصلت الرسائل بينه وبين «كلوتيلد»، وقد وعدته أن تزوره اليوم، فهيأ غرفته وزينها بالزهر ووضع فيها ألوانًا من الحلوى وخرج لبعض أمره. وأقبل جونيل ومعه المخدم يلتمسانه. ونفهم من حديثهما أن جونيل قد ظفر في الانتخاب وأصبح شيخًا، وهو يشعر بأنه مدين بهذا الفوز لهذا الشاب الذي رشحه وأيده وأعانه حتى بلغ ما بلغ من الفوز. وهو رجل وفي خيِّر يريد أن يكافئ هذا الشاب على حسن بلائه عنده، ولكن غياب الشاب قد طال، فينصرف الشيخ على أن يعود. وقد أقبل الشاب بعد ذلك، فيلقى مساعده القديم قد ساءت حاله إلى حدٍّ منكر، وقد عاد إلى فلسفته الأولى واعتزم العودة إلى الإقليم. ولكن صاحبه يشجعه على البقاء في باريس، ويرى أن الحياة جهاد، وأنه يجد لذة لا تعدلها لذة فيما يلقى من الألم في عمله الجديد وما يستلزمه من حمل الأثقال … وأي عظماء الرجال لم يشق في أول حياته؟! وهو كذلك إذ تقبل «بوليت»، فإذا خلت إليه لامته وأنبأته أن أختها قد تركت التعليم، وأنها قد أقبلت إلى باريس، وهي الآن تعمل في معملٍ حقير، وهي واقعة في الإثم لا محالة إذا مضى في قطيعتها. فيذكي هذا الحديث في نفسه جذوة الحب القديم، وكأنه كان نسيه. فأما الآن وقد ذكره فقد ملأ هذا الحب قلبه فجأة، وإذا هو يطلب إلى «بوليت» أن تشجع أختها وتدعوها إلى الصبر والاحتمال، فما زال يحبها وما زال حريصًا على أن يتخذها له زوجًا. أما هي فقد عرفت أنه ما زال محبًّا، واكتنفت بذلك وانصرفت.

وتقبل «كلوتيلد» لميعادها، وهي مضطربة مروعة، فهي مقبلة على الإثم وخيانة زوجها، وهي مقبلة في هذا الفندق الحقير وفي هذا الحي الذي لا عهد لها به. وبينا هي في روعها واضطرابها إذا صاحبها في اضطراب آخر ليس أقل من اضطرابها؛ فقد ذكر المعلمة وحبها البريء وزواجهما، وتبين أنه لا يحب هذه المرأة، وإنما هي فتنة عرضت له ثم انجلت غوايتها عنه قبل أن يتورط فيها. هو إذن على بصيرةٍ من أمره، والمرأة على بصيرةٍ من أمرها أيضًا. وانظر إليهما لا يكادان يبتدئان الحديث حتى تقع بينهما الخصومة: عرض بزوجها، فغضبت له وأخذت تحمده وتذود عنه وتفخر بفوزه في الانتخاب. وما هي إلا أن يحسا جميعًا أن ليس بينهما حب، وإنما هي فتنة قد خدعتهما؛ وإذن فليتصافحا وليفترقا صديقين لا شر بينهما ولا إثم ولا ريبة. وهما يفعلان وهي تنصرف، وإذا المعلمة قد أقبلت مبتهجة، ولكنها لم تكد تدخل الغرفة وترى هذه المرأة منصرفة منها حتى عاودها اليأس. كانت أختها قد أنبأتها أن الفتى ما زال لها محبًّا، فأسرعت إليه مستعدة للتضحية والجهاد معًا. ولكنها ما كادت تصل حتى رأت امرأة تخرج من عنده، ورأت طاقات الزهر وألوان الحلوى … فهي ساخطة ثائرة مزدرية لنفسها، تضحك وتبكي في وقتٍ واحد، وهو يستعطفها ويترضاها ويبسط لها الأمر على جليته، فتصدقه أو تكاد أن تصدقه. وهما في هذا الحديث إذ يقبل «جونيل»، فيصافح الفتى ويعلن إليه أنه قد فاز، وأنه مدين له بهذا الفوز، وأنه قد جاء يعرب له عن حسن بلائه ويدفع إليه ورقة هي كتاب تعيينه مأمورًا لأحد المراكز. يقع هذا في سرعة، ولكنه لا يخلب الفتى ولا يطير بلبه، وإنما يتقبل الفتى هذا كله هادئًا ويقول لإحدى جاراته: بعد قليل سأكون مديرًا ثم عضوًا مكانه في مجلس الشيوخ.

فبراير سنة ١٩٢٧

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠