الرقص في نصف الليل

قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «شارل ميري»
حدثتك عن هذا الكاتب منذ حين، يوم حللت لك قصة من قصصه هي «الأمير جان».١ ولستُ أدري أتذكُرُ هذه القصة أم قد نسيتها، ولكني أذكِّركَ بأني أشرتُ حين كتبت عن هذه القصة إلى أن هذا الكاتب ليس من الكُتاب الذين يقصدون إلى فكرة فلسفية أو إلى نظرية من النظريات، فيدرسونها ويبعثون فيها الحياة، وإنما هو يريد أن يلهى لا أكثر ولا أقل، أو قلْ هو يريد أن يلهى دون أن يخلو لَهْوُهُ من نفع خلقي ما، ولكن هذا النفع الخلقي ليس هو الذي يعنى به أو يقصد إليه، وليس هو الغرض الأساسي من القصة، إنما قصصه حركة متصلة قلما يكون فيها وقت للتفكير والروية أو للبحث وتحليل العاطفة، فإنْ عَرَضَ لشيء من ذلك فهو لا يعرض له ليتخذه موضوع قصته، وإنما يعرض له لأنه احتاج إليه احتياجًا. هو كاتب عملي لا يريد أن يتخذ ملعب التمثيل مدرسة فلسفية أو اجتماعية، وإنما يريد أن يتخذه ملعبًا ينفق فيه الجمهور شيئًا من وقته لاهيًا عابثًا دون أن يضيع هذا الوقت أيضًا.

ولقد قرأت هذه القصة التي أحدثك عنها اليوم، والتي وصلت إلينا في الأسبوع الماضي، فترددت في أن أتخذها موضوعًا للحديث؛ فقد يكون من الناس من يميل إلى هذا النحو من القصص الذي تكثر فيه الحركة ويتصل فيه العمل، ولكنه يخلو أو يكاد يخلو من فكرة قيمة تكون موضوعًا لهذه الحركة أو هذا العمل. قد يكون من الناس من يميل إلى هذا النحو من القصص، أما أنا فلست أحبه ولا أميل إليه، ولست أرضى عن قصة تمثيلية إلا إذا جمعت إلى الحركة والعمل معنًى فلسفيًّا قيمًا، أو جمالًا فنيًّا خليقًا بالإعجاب. ولا أستطيع أن أقول إن في هذه القصة جمالًا فنيًّا خلابًا، ولا أستطيع أن أقول إن فيها فكرة فلسفية قيمة مبتكرة، وإنما هي قصة عادية إن يكن لها امتياز فهو سرعة الحركة واتصالها. ومع ذلك فسأحدثك عنها، لأنها ظهرت حديثًا، وعني الناس بها وأكثروا الكلام فيها، ومن حقك عليَّ أن أظهرك من حين إلى حين على ما يعنى به أهل التمثيل ومحبوه في باريس.

ثم إنَّ هذه القصة قد لا تخلو من نفع؛ فهي إذا لم يمكن أن تقرن إلى القصص التي يكتبها زعماء الفن، ﮐ «فرنسوا دي كوريل» و«موريس دونيه» و«ألفريد كابو» و«بول هرفيو»، فليس معنى هذا أنها خليقة أن تُطرح وتُزدرى. وأنا بعيدٌ كل البعد عن إطراحها وازدرائها؛ فقد وجدت فيها شيئًا من اللذة غير قليل، وكل ما أريد أن أقول هو أنها لا تحقق المثل الأعلى الذي أسمو إليه عندما أفكر في القصص التمثيلي، على أنها لا تخلو من تحليل دقيق ومن مواضع خلابة مؤثرة. ولعلها لا تخلو من شيء آخر أريد أن أشير إليه مع احتياط شديد؛ فالاحتياط الشديد واجب على الكُتاب المصريين في هذه الأيام، لا تخلو من إشارات إلى الحياة السياسية الفرنسية، بل لا تخلو من عبثٍ بالبرلمان الفرنسي وبالحكومة الفرنسية وبنظام الحكم في فرنسا بوجه عام، فَلْنُشِرْ إلى هذا أثناء التحليل حذرين محتاطين؛ حتى لا ينالنا ما نال قومًا آخرين، وإن كان البرلمان الفرنسي لا البرلمان المصري، هو موضوع هذا العبث الذي سنمر به مضطرين في هذا التحليل، وربما لم نكره أن يظهر القراء على هذا النحو من العبث الذي يسمح به الكُتَّاب الفرنسيون لأنفسهم بالقياس إلى مجالسهم النيابية وإلى وزاراتهم المختلفة، ففي هذا مثالٌ لشيء من الحرية السياسية في البلاد التي تفقه الحرية السياسية وتقدرها وتريد أن تستمتع بها حقًّا، وفي هذا مثال لهذا التصور الديمقراطي الصحيح، الذي نتمنَّى أن نصل إليه في بلادنا غدًا أو بعد غد، وهو هذا التصور الذي لا يجعل أعضاء المجالس النيابية آلهة، ولا أنصاف آلهة، ولا أرباع آلهة؛ بل لا يجعلهم مقدسين أو كالمقدسين، بل لا يعصمهم من النقد، ولا يجعلهم بمأمنٍ من عبث العابثين ولهو اللاهين.

آه! لقد أحب أن يقرأ المصريون «أناتول فرانس» وغيره من الكُتاب. لقد أحب أن يقرءوا «ألفونس دوديه»، ولا سيما قصته «نومار ومستان». لقد أحب أن يقرءوا «الكونت دي فوجيه»، ولا سيما قصته المشهورة التي هي آية من آيات البيان، وهي «حديث الموتى». لقد أحب أن يقرءوا «موباسان». لقد أحب أن يقرءوا الكُتاب الفرنسيين جميعًا، ليعرفوا كيف يعبث الكُتاب الفرنسيون في قصصهم الروائية والتمثيلية بأعضاء المجالس النيابية وبالوزراء ورؤساء الوزراء، بل برؤساء الجمهورية، بل بأعضاء المجامع العلمية. لقد أحب أن يقرأ المصريون هذه الكتب، ليعلموا أن البرلمانات والحكومات والمجامع العلمية والهيئات السياسية في أوروبا ليست سُكَّرًا يخاف عليه أن يذوب أمام النقد، فيبالغ في حمايته والاحتياط له. ولكني قد بعدت عن القصة التي أنا بإزائها، وأنا معذور في هذا الاستطراد؛ فقد اضطررت إليه اضطرارًا؛ لأن في هذه القصة عبثًا بأعضاء البرلمان الفرنسي، ولنقد أعضاء البرلمان قضية في مصر.

فلننتقل إلى باريس ولنترك القاهرة لأهل القاهرة.

•••

نحن في قصر فخم من قصور باريس، يسكنه رجل غني، ضخم الثروة، منقطع إلى الأعمال المالية، له مصرف، وهو في الوقت نفسه يرأس جماعة مالية كبرى؛ هو «البارون رينو»، وهو رجل متقدم في السن، ضعيف، مدمن على الكوكايين، فقد أسرف في ذلك حتى أصابته علة من علل القلب، عرضت حياته للخطر، ولا سيما إذا دهمته داهمة أو نابته نائبة. وهو في هذا الوقت تعس الحظ؛ لأن نازلة قد نزلت به فعرضته للموت وعرضت شرفه للضياع؛ وذلك أنه ضارب فأضاع رأس مال المصرف، ثم ضارب فأضاع رأس مال الجماعة المالية التي يرأسها، وهو في بيته مضطرب ذاهل يفكر في هذه الكوارث التي ألمت به، ونراه يتحدث إلى خادمه حديثًا متقطعًا يقطعه الضعف كما يقطعه الهم، ونراه لا يكاد يستقر ولا يثبت، ونراه لا يكاد يمسك نفسه إلا بعلبة الكوكايين يأخذ منها القبضة من حين إلى حين فترد إليه رمقًا من حياة، وخادمه يتحدث في التليفون فينبئه أن امرأة تريد أن تتحدث إليه، فإذا تحدث إليها ضرب لها موعدًا للقائه بعد قليل، وهو ينتظر سكرتيره، وينتظره متحرقًا، وكأن هذا السكرتير قد أبطأ عليه، وهو يسخط لذلك ويتململ.

وقد أقبل السكرتير، فهو يسأله عن الأنباء، والسكرتير يقص عليه أنباء «البورصة»، ثم أنباء المصرف، ثم يقدم إليه صحيفة من الصحف قد بدأت تحمل عليه وعلى مصرفه وجماعته المالية حملة منكرة، وتذيع أسراره، وتشير إلى أن النيابة قد تُحقق، فيضطرب الرجل لذلك، ولكنه قد تعود مثل هذه الصدمات، فهو يعرف كيف يحتملها، يعرف بنوع خاص كيف يخدع الجمهور ويكذب عليه، كيف يداوره ويماطله، فلم يكد يفرغ من قراءة هذا الفصل حتى أخذ يُملي على سكرتيره بلاغًا يُكذِّب فيه ما أُذيع عن المصرف والجماعة في لهجة قوية حازمة مقنعة حتى ليتأثر السكرتير ويقتنع، ولكن الرجل ينبئه مبتسمًا أن بلاغه كاذب وأن لهجته كاذبة، وأن الصحيفة صادقة وأنه قد أضاع رأس ماله وعبث برأس مال الجماعة، وأنه لم يرد إلا الخير، ولكنه لم يوفق، وأنه يعلم أنه سواء أراد الخير أم لم يردْه فقد أخطأه التوفيق، ومن يخطئه التوفيق فالناس حرب عليه.

وقد دهش سكرتيره لهذا، وأصابه شيءٌ من الجزع؛ فهو يهدئه ويبعث في قلبه الطمأنينة ويعلن إليه أنه لم يفقد كل أمل، وأنه في حاجة إلى مهلة، في حاجة إلى أسبوعين، وأنه يستطيع أن يظفر بهذه المهلة، وأن يصلح من أمره كل ما فسد دون أن يَشعر بحقيقة الأمر أحدٌ. فيسأله السكرتير: ومن لك بهذه المهلة؟ فيجيب «موران»: سكرتير رئيس الوزراء الذي نعلم أنه هو رئيس الوزراء؛ لأن رئيس الوزراء شيخ لا إرادة له ولا عمل، وقد أسلم أمره إلى هذا السكرتير، فهو الذي يدبر أمور الدولة الآن، حتى إذا سقطت هذه الوزارة فهو رئيس الوزارة المقبلة من غير شك؛ لأنه عضو في مجلس النواب، هذا الرجل يستطيع أن يمنحني هذه المهلة إذا أصدر أمره إلى النيابة سرًّا ألا تتعجل التحقيق، وأن تماطل وتتباطأ أيامًا، وهو قادر على ذلك إن أراد. فإذا ذكر له سكرتيره الواجب والأمانة والشرف ابتسم ساخرًا؛ لأنه يعلم قيمة هذه الألفاظ ولا سيما عند رجال السياسة ورجال المال.

والآن وقد ذكرت لك شخصين غير صاحبنا المحامي فيحسن أن أقدمهما إليك؛ أحدهما هذا السكرتير الذي يتحدث إلى «البارون رينو»، وهو شاب في الثلاثين من عمره، اسمه «دنيال» شريفٌ أمينٌ وفيٌّ متعلمٌ، بل له من العلم والأدب حظ عظيم، ولكنه فقير، أقبل إلى باريس وكان يريد أن يكون قصصيًّا، ولم يكن له بد من أن يكسب رزقه، فأقبل إلى مدام «رينو» بوصيةٍ من أحد أصدقائها، وتقبلته هذه السيدة قبولًا حسنًا، وأوصت به زوجها فاتخذه سكرتيرًا له؛ فهو وفيٌّ للزوجين وفاءً شديدًا، وربما كان يضمر للمرأة شيئًا آخر غير الوفاء ستراه بعد حين.

وأما الآخر «موران» فشابٌّ اندفع في الحياة السياسية فأصابه الفوز فيها، وصل إلى مجلس النواب، ولم يلبث أن امتاز ببلاغته وفصاحته ومهارته السياسية، فاشترك في الوزارة القائمة حتى إذا سقطت فسيؤلف هو الوزارة المقبلة، فإذا أردت أن تعرف الصلة بين هذا الرجل المالي وهذا الرجل السياسي فسينبئنا بها «رينو» نفسه حين يتحدث بها إلى سكرتيره. يخرج غلافًا مختومًا ويدفعه إلى السكرتير ويأمره أن يحتفظ به عنده إلى وقت الحاجة، فإذا سأله عما فيه أجاب إنها أوراق تمس الحياة السياسية لموران، وتستطيع أن تسقطه وتحول بينه وبين أطماعه! كلا! بل تجلله خزيًا وعارًا، فإذا أظهر السكرتير شيئًا من الدهش — لأن هذا الرجل السياسي مشهور بحسن الخلق والاستقامة والحرص على أداء الواجب — ابتسم المالي ساخرًا. وإذا سأله السكرتير كيف يدبر الكيد لصديقه، أجاب: ليس صديقي، ولكنه خليل امرأتي. فلا تسل عن دهش السكرتير؛ فهو يقدس هذه المرأة ويُكْبِرها ويراها فوق هذه الدنيات، ولكن الزوج ينبئه بأنها غير ما يظن، وأنها امرأة تستمتع بجمالها وشبابها وتأخذ بحظها من اللذة، وأن الصلة الزوجية بينهما منقطعة منذ سنين، وأنها قد خانته مع كثيرين، وهي تخونه مع هذا الرجل منذ سنتين، والناس جميعًا يعرفون ذلك ويتحدثون به، فلا أقل من أن يؤدي له «موران» هذه الخدمة فيخرجه من هذا المأزق الذي اضطره إليه سوء الحظ.

وقد أقبلت سيدتان، إحداهما تعنينا قليلًا وهي «مدام دي فونتانج»، أقبلتا فخلت إحداهما إلى البارون وأخذت تضرع إليه في أن يرد إليها الأوراق التي يحتفظ بها والتي تمس الحياة السياسية لموران، وأخذ هو يرفض ويلح في الرفض، ثم تُقْبل امرأته «ماري تريز»، وهي امرأة جميلة رشيقة خلابة، تعيش مع زوجها عيشة الجوار لا عيشة الزواج، منصرفة عنه إلى لذاتها وأهوائها، وهي الآن مقبلة من السباق، فهي تقص أمره على صاحبتيها.

ثم ينصرفن ويقبل رجل من أعضاء الجماعة المالية قد بلغه النبأ السيئ، فجاء مضطربًا ساخطًا يلوم ويسرف في اللوم، والبارون هادئٌ مطمئنٌّ يسخر منه ويعبث به. وقد دق التليفون، فإذا أسرع إليه السكرتير عاد فأنبأ البارون بأن المصرف يطلبه فورًا؛ لأن الشرطة قد ذهبت إليه وهي تريد أن تبحث وأن تحقق. يهم بالانصراف، وقد أقبلت سيارة، فيسأله صاحبه من في هذه السيارة، ثم ينظر من النافذة فيرى «موران»، وإذا هو قد اطمأن وابتهج؛ لأنه يقدِّر أن «موران» يستطيع أن يُصلح من أمر المصرف والجماعة، ولكن القوم جميعًا ينصرفون ويدخل «موران» فلا يجد أحدًا. ثم تأتي «ماري تريز» فإذا هي تلقاه لقاء المحبة المُشتاقة المتلهفة، وإذا هي مسرفة في ملاطفته والعناية به؛ يريد أن يشرب شيئًا من النبيذ فتسقيه كأنه الطفل، يريد أن يجلس فتقدم الوسائد وتحيطه بضروب الرفق والعناية، كل ذلك في دعابة وخفة وفي شوقٍ ولهفةٍ، وهي تتحدث عن الموعد المقبل وعن اللذة المنتظرة، وهو يجيبها متلطفًا مداعبًا، ولكنه في هدوءٍ كأنه مشغول البال، وهو مشغول البال حقًّا؛ فقد عرف ما كان من أمر البارون وإشرافه على الخطر، وأقبل يُنذر صديقته يريد أن يحميها، فهو ينصح لها أن تسافر من باريس، ويلح عليها في أن تغيب أشهرًا، وهي تأبى لأنها لا تريد أن تفارقه، وهي تُؤْثر كل شيءٍ على هذا الفراق، وهو يلح ويبالغ في الإلحاح حتى تعده بالتفكير والروية.

ولا يكاد ينصرف حتى يعود الزوج، فتهم هي أن تنصرف، فيمسكها زوجها ويقص عليها كل شيء، ويعلن إليها أنه إن يكن قد أنفق ما أنفق وتورط فيما تورط فيه، فقد بذل ما استطاع ليضمن لها حياة رضية سهلة. ألم ينفق مائتي ألف فرنك لزينتها في هذه السنة! ألم ينفق نصف مليون من الفرنكات لحفلاتها في هذه السنة! أمَّا هي فتزعم له أنها لم تطلب شيئًا من هذا، وأنه لم يفعل هذا إلا لمنفعته الخاصة؛ لأنه أراد أن يظهر مظهر الرجل الغني الذي يبعث على الثقة، ثم تغلظ له في القول وتتهمه بالضعة والاختلاس وما إلى ذلك، ويحتمل منها هذا كله مطمئنًّا ساخرًا، ثم يطلب إليها ما كان يريد وهو أن تسعى عند «موران» ليؤجل التحقيق، فإذا أرادت أن تعتذر صارحها بما يعلم من أمرها مع هذا الرجل، وبأنه قد أنفق عليهما وهيأ لهما ما استمتعا به من لذة، فالحق عليهما الآن أن يعيناه، أما هي فتأبى الإباء كله؛ تأبى لأنها لا تريد أن يسعى صاحبها في شيء دنيء كذا، وتأبى لأنها لا تريد أن يشعر صاحبها أنها لا تحبه لنفسه بل لمركزه وسلطانه. تأبى وتعرض حليها، وتعرض أن تقترض المال، ولكن زوجها لا يريد إلا هذا السعي، فإذا رأى إصرارها على الإباء ذكر ما عنده من الأوراق، وأنذر بنشره في صحيفة من الصحف، وإذا زوجه قد سخطت عليه سخطًا لا حد له؛ فهي تهينه وتزدريه وتنذره، وهو يجيبها بأنه إن قدر له أن يُنسَف فلن ينسف وحده بل سينسف معه خليلها، فتجيبه: بل سننسف جميعًا.

•••

فإذا كان الفصل الثاني، فنحن في القصر نفسه وقد مضت أيام على ما قدمت لك، وفي القصر حفلة راقصة أراد صاحب القصر أن تكون آية بين حفلات الرقص، ودعا إليها جمهور أصحاب الثروة والمكانة «ليذر الرماد في العيون» كما يقولون، وليخيل إلى الناس أن هذه الأنباء التي تذاع لا خطر لها، ولكن الناس لا يصدقون من هذا شيئًا، وإنما أقبلوا يلهون ويرون ويشمتون، وهم يتحدثون بهذا ويتوسمون في الرجل وامرأته أمارات الاضطراب، وقد خلت في لحظة من اللحظات «ماري تريز» إلى السكرتير «دنيال» فهي مضطربة جزعة، وقد سمعت باعة الصحف يصيحون، فطلبت إلى السكرتير أن يسرع فيبتاع الصحف. وهي كذلك إذ يقبل «موران»، أقبل خلسة دون أن يشعر به أحد وأقبل جزعًا مضطربًا؛ لأنه سمع أن أحد النواب سيلقي سؤالًا في مجلس النواب هذه الليلة، وسيكون موضوع السؤال هذه الفضيحة المالية، وسيشير هذا النائب في سؤاله إلى الصلة بين «موران» وبين البارون، والنواب يتحدثون فيما بينهم بأن لموران حظًّا في هذه الفضيحة ويذكرون صلته «بماري تريز»، ويذكرون أنه أوحى إلى النيابة بتأجيل التحقيق، وهم يريدون أن يفضحوا هذا كله الليلة؛ ولذلك أقبل صاحبنا مسرعًا غير حذر لينبئ صديقته وليعلن إليها أن زوجها قد يقبض عليه من حين إلى حين.

ولكنه أقبل لشيءٍ آخر أيضًا؛ أقبل لأنه علم أن لدى هذا الرجل أوراقًا بخطه، وأنه يريد أن يرى البارون، ولا يزال يلح حتى أتى البارون، فإذا التقى الرجلان كان بينهما حوار ثم خصام عنيف؛ لأن البارون أنبأه بما في هذه الأوراق التي كتبها بخطه والتي ازدرى فيها حزبه وسخر منه، وهزأ فيها بالنظام الجمهوري كله، وكتب أنه يميل إلى قلب هذا النظام، وأن أقدر الناس على قلب الجمهورية هم أنصارها الحقيقيون، فإذا نشرتْ هذه الأوراق فقَدِّرْ وقعها في الحزب السياسي وفي مجلس النواب، وفي الكثرة الجمهورية التي يعتمد عليها صاحبنا ليكون رئيس الوزارة؛ لهذا يشتد الخصام بين الرجلين، ويلح الرجل السياسي ليأخذ أوراقه، فيلح الرجل المحامي ليؤجل التحقيق، ثم يشتد بينهما العنف حتى يهجم الرجل السياسي على خصمه فيأخذ بعنقه حتى ليكاد يخنقه، ثم يتركه وقد أخذ الجهد من رجل المال الذي هو ضعيف مشرف على الخطر كما قدمنا، وإذا هو يضطرب وإذا هو يمشي إلى صاحبه متثاقلًا ثم ينكبُّ على وجهه، فيسرع إليه «موران» وتسرع إليه زوجه، ولكنه قد فقد الحركة. فإذا أجلساه أخذا يتجسسان نبضه ويتسمعان قلبه، ولكنه قد مات! ولست أصف لك اضطرابهما وجزعهما، فأنت تقدره، وقد استطاعت المرأة أن تقنع صاحبها بالانصراف إلى مجلس النواب، واتفقا على أن تنصرف هي إلى الحفلة فتنفق الليلة في لهو ورقص.

وقد أغلقت على الميت باب مكتبه، حتى إذا كان الصبح أظهرت أنه مات وهو يعمل، وقد أراد النائب أن يأخذ الأوراق التي جاهد من أجلها، فلما ظفر بها لم يجدها إلا صورة مطابقة للأصل.

•••

فإذا كان الفصل الثالث فنحن في بيت «دنيال» سكرتير البارون، وقد مضت أيام على ما قدمت لك، وعني الجمهور الباريسي بهذه الحادثة، وأخذ القضاء في التحقيق، والصحفيون يختلفون إلى هذا السكرتير يسألونه ويتحدثون إليه، وهو محتفظ لا يجيب إلا بأن البارون قد مات موتًا طبيعيًّا، ولكن «ماري تريز» قد أقبلت وهي تذكر ما هي فيه من حزن وحرج، وتذكر هذه الجماعات التي تحيط بقصرها، وهذا الجند المرابط حول القصر، وهذه الجماهير التي تنظر إليها وتزدريها إذا خرجت، فهي متهمة بقتل زوجها، وهي تذكر هذا كله فلا تسمع من السكرتير إلا ألفاظ عطف ومودة وحنان، فيطمعها ذلك فتطلب إلى السكرتير أن يدفع إليها الأوراق التي ائتمنه عليها زوجها. يأبى الشاب لأنه يريد أن يدفع هذه الأوراق إلى قاضي التحقيق، ولا يكاد ينبئها بذلك حتى تجزع وتلح عليه وتضرع إليه في أن يدفع إليها هذه الأوراق، ثم تعترف بحبها «لموران» وتبالغ في التضرع، فيأبى الشاب، ولكنها تعلم موضع ضعفه، فتذكر حبه إياها وتسأله إن كان يحبها حقًّا أن يدفع إليها الأوراق. وقد فقد الشاب كل مقاومة فدفع إليها الأوراق، وأنبأها بأن امرأة أخرى طلبت إليه هذه الأوراق وعرضت نفسها ثمنًا لذلك فأبى، فإذا سألته عن هذه المرأة ذكر «مدام دي فونتانج» التي ذكرناها في الفصل الأول.

يقع هذا النبأ من «ماري تريز» موقعًا سيئًا، وتحاول أن تبحث عن السر في علم هذه المرأة بهذه الأوراق وسعيها في أن تظفر بها، ولكنها لا تتكلف البحث، فقد أقبلت المرأة نفسها مرة أخرى تستأنف طلب الأوراق إلى الشاب، فتخلو إلى «ماري تريز» ونفهم من حديثهما أن هذه الأوراق كانت ملكًا لهذه المرأة؛ لأن «موران» كان يحبها وهي التي مكنته بمالها من الفوز في الانتخاب، وأنه كتب إليها هذه الكتب أثناء حبهما ثم كانت بينهما قطيعة، فأرادت أن تنتقم فدفعت هذه الرسائل إلى البارون، ثم استؤنف الحب بينهما الآن فهي تريد أن تسترد هذه الرسائل. ولا تكاد «ماري تريز» تسمع هذا الحديث حتى تكذبه، فهي تعلم أن الرجل يحبها هي، ولكن أنَّى لها أن تمضي في تكذيبها والبرهان قائمٌ على أن المرأة لم تكذب! أليس «موران» ينتظرها في العربة أمام البيت! تبعثان إذن فتطلبانه، وإذا هو قد أقبل فلم يبق شك عند ماري تريز في أنه يخونها، وقد تركتها المرأة فكانت بينهما خلوة، وجرى بينهما حديث طويل فيه تمثيل صادق لضعف هذه المرأة التي ترى نفسها محتقرة مزدراة، وتشعر بأن صاحبها يخونها، وتريد أن تكون كريمة أبية، وأن تقطع الصلة بينها وبين هذا الخائن، ولكنها لا تستطيع؛ لأن سلطان الحب عليها أقوى من سلطان الكرامة، وفيها تمثيل صادق أيضًا لهذا الرجل الذي لا يحب ولا يعشق، وإنما يريد أن يلهو ويستمتع باللذة على ألا يحول ذلك بينه وبين مطامعه السياسية؛ فهو لا يحب تلك المرأة وإنما يداريها ويتقيها، وهو لا يحب هذه المرأة وإنما يخادعها لأنه يشتهيها، وهو منتصرٌ عليهما معًا لأنهما ضعيفتان وهو قويٌّ. وقد استطاع أن يخرج بعد أن تم له رضا صاحبته وضربت له موعدًا للقاء، وقد سمع الشاب كل هذا الحديث حيث كان مستخفيًا، فأقبل إلى «ماري تريز» وأعلن إليها — تدفعه الغيرة — أنه منصرفٌ إلى القاضي فمنبئه بكل ما سمع.

•••

فإذا كان الفصل الرابع فقد مضت ستة أشهر على هذا كله، وقد قدمت «ماري تريز» إلى المحاكمة، ولكنها برئت، ثم كانت كل هذه الحوادث قد أثرت فيها تأثيرًا قويًّا، فاضطربت أعصابها وأصابها شيء يشبه الجنون، فهي الآن في مستشفى، وقد أقبل الطبيب فعادها لآخر مرة وأعلن أنها قد برئت وأنها تستطيع أن تترك المستشفى. وهو يعلن ذلك إلى الممرضة وقد أقبل «دنيال»، فلم يكد يسمع ذلك حتى ابتهج له، وهو يريد أن يرى «ماري تريز» وأن يخرجها من المستشفى، ولكن غلامًا يقبل ومعه بطاقة، فإذا نظر فيها «دنيال» رأى اسم «موران»، فيأذن له ويتحدثان قليلًا، فإذا هما رجلان مختلفان أشد اختلاف؛ أحدهما، وهو النائب، شديد الطمع يضحي في سبيل أطماعه بكل شيء، والآخر، وهو دنيال، متواضع قانع لا يطمع في شيء إلا أن يعيش شريفًا. وقد صدم النائب صدمة عنيفة بهذه الحوادث كلها، فاستقال من الوزارة وعاش عيشة المستخفي، وهو الذي كان ينفق على هذه المريضة في هذا المستشفى، وقد علم أنها برئت فأقبل يراها، أما «دانيال» فلم ينفق عليها، ولكنه أخلص لها، فعني بتنظيم التركة وما نشأ عن موت زوجها وإفلاسه، وكان يأتي كل يوم ليراها ويتعرف أخبارها، وقد اتفق الرجلان على أن يراها «دنيال» أولًا ثم يراها بعد ذلك «موران».

وانظر إليها وقد أقبلت ضعيفة ناحلة شاحبة، ولكنها فرحة مبتهجة؛ لأن الطبيب قد رد إليها حريتها، فهي تستطيع أن تخرج وأن تعيش عيشة هادئة خاملة بعيدة عن الناس. أما «دنيال» فيذكر أنه قد أقبل اليوم لوداعها؛ لأن عمله قد انتهى، فتغضب لذلك وتعاتبه فيه، فإذا ذكر لها «موران» أنكرت هذا الاسم، وكيف تعرفه وقد نسيها منذ ستة أشهر، فإذا أنبأها بأنه لم ينسها وأنه أقبل يراها، نسيت هي كل شيء، ونسيت «دنيال» ومودته وألمه، وتعجلت لقاء «موران»، فينصرف الشاب محزونًا كئيبًا، ويرسل إليها موران، ولا أصف لك ابتهاجها بلقائه، وسعادتها بالتحدث إليه، ولا أصف لك هذه الآمال الواسعة اللامعة التي تملأ نفسها؛ فستعيش مع «موران» عيشة سعيدة، وستكون زوجة، وهي مغتبطة بابتعاده عن الحياة السياسية، فسيكون لها وحدها، وستكون له وحده، وكان يُلاطفها ويلاعبها ويظهر الحب، ولكنه لم يكد يسمع هذه الآمال حتى أنكرها، وأخذ يرد إلى صاحبته شيئًا من العقل، فهو لم يترك السياسة وإنما تجنبها تجنبًا، وهو يريد أن ينسى الناس ما كان من أمره، ثم يستأنف عمله حتى يصل إلى رياسة الوزراء، وإذن فلن يستطيع أن يتزوجها، بل لن يستطيع أن يظهر معها في باريس، وإنما استأجر لها بيتًا في الضواحي يريد أن يئويها إليه على أن يزورها من حين إلى حين، وهو كلما نطق بشيء من هذا هدم أملًا من آمالها وردَّ إليها الكآبة قليلًا قليلًا، حتى تعود محزونة كئيبة كما كانت.

وقد ذكرت تلك المرأة فينبئها بأنها هجرته؛ لأنها لم تكن تحبه هو، وإنما كانت تحب مركزه السياسي، فلما ترك هذا المركز انصرفت عنه، وقد ذَكَرَ الكتبَ حين ذكرت هذه المرأة، فهو يسأل عنها وينبئ أنه أقبل وهو يفكر في استرجاعها، فتشعر «ماري تريز» بأنه لم يئوِها إلى المستشفى ولم ينفق عليها، ولم يقبل الآن ليراها، ولم يظهر لها الحب والمودة إلا لأنه يريد أن يظفر بهذه الكتب التي تعرِّض مستقبله السياسي للخطر. تقوم متثاقلة إلى مكتب فتخرج منه الغلاف وتفضه وتستخرج ما فيه من الكتب فتمزقها، وتُلقي بها في النار، ثم تطلب إلى صاحبها في رفق ودعة أن ينصرف، فهي لا تريد أن تتبعه ولا تستطيع أن تتبعه؛ وإن خارج هذه الحجرة لشابًّا هادئًا مخلصًا متواضعًا قانعًا، يحبها ولا يطلب على حبه أجرًا، وما أشد حاجتها إلى أن تعيش مع رجل يحبها ولا يرجو منها شيئًا. يلح عليها صاحبها إلحاح المتكلف في أن تتبعه، فإذا أبت عليه انصرف مستخزيًا، وأقبل «دنيال» فتلقته في لطف ورفق، وطلبت إليه في لهجة الواثقة أن يعينها على أن تعيش.

يونيو سنة ١٩٢٤
١  لحظات الجزء الأول صفحة ١٧٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠