المذهبان

فكاهة تمثيلية للكاتب الفرنسي «ألفريد كابو»

نعم فكاهة، وأظن أن الوقت والجو والظروف التي نعيش فيها منذ حين تجعل حاجتنا إلى الفكاهة شديدة، وتزهدنا في الجد قليلًا أو كثيرًا. فلنتفكه، ولنأخذ بحظنا من اللهو البريء، مجتهدين في ألا يخلو هذا اللهو من عظة وعبرة، ولكني محتاج قبل كل شيء إلى أن أعترف بحقيقة كنت أحب ألا أعترف بها، وكنت أستطيع ألا أعترف بها، لولا أني أخذت نفسي بألا أخدعك فيما أكتب، وبأن أظهرك في وقت واحد على نفس الكاتب الذي أحلله، وعلى نفسي أنا أيضًا وقت التحليل؛ فأنا لا أنتقب أو أستتر حين أتحدث إليك، وإنما أظهر كما أنا، وأتحدث إليك صادقًا مخلصًا، وإذن فأنا مضطر إلى أن أعترف بهذه الحقيقة، وهي أني قد لا أبلغ من تفكهتك وتسليتك ما أريد ولا ما تريد؛ لا لأني لا أجد بين الآثار التمثيلية الفكاهية ما تبلغ من التفكهة والتسلية أقصاها؛ فأنا أجد من ذلك أكثر مما أطلب، بل لأن عهدي بهذا الفن حديث، فلم أحلل قبل اليوم فكاهة تمثيلية. وأحسب أن اللغة العربية التي أحب أن أصطنعها في هذه الفصول لا تسع في سهولة ويسر هذه الألوان من العبث الأجنبي، فلا بد من جد، ولا بد من جهاد لأستطيع أن أوفق بين اللغة العربية وبين عبث الفرنسيين وغير الفرنسيين. وكم من فكاهة تمثيلية قرأتها فاستغرقت لها في الضحك، وسعدت بها يومًا أو بعض يوم، ووددت لو استطعت أن أوثر القراء بشيءٍ من هذا اللهو، ولكني أعرضت عن ذلك عجزًا وقصورًا!

وليس يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن هناك عقبات أخرى تحول بيني وبين ما أريد من إظهارك على هذه الناحية المبتسمة من التمثيل الأجنبي والحياة الأجنبية، وأهم هذه العقبات اختلاف الأخلاق في الشرق والغرب، وتباين ألوان الحياة فيهما، فنحن قومٌ نؤثر الجد على الهزل، أو قل نؤْثِر العبوس على الابتسام، فإذا لهونا — ونحن نلهو كثيرًا — فنحن نختلس اللهو اختلاسًا، ونسترق العبث استراقًا، ونشعر حين نلهو ونعبث بأنا نأتي أمرًا غير مألوف ولا مباح؛ فنحن نعبس حتى حين نلهو. أما الغربيون، وبخاصة الفرنسيون، فليست حياتهم جدًّا كلها، وليست حياتهم لهوًا كلها، وإنما هم يجدُّون ويلهون، ويستفيدون من الجد كما يستفيدون من اللهو، ويعلمون أن الجد عليهم واجب، كما يعلمون أن اللهو لهم حق، فهم لا يتسترون ولا يستخفون ولا يتحرجون، إلا أن يأتوا منكرًا من الأمر لا يبيحه خلق ولا نظام. هم أحرار، يفهمون الحرية ويستمتعون بها خيرًا مما نفهمها نحن ونستمتع بها، ومن هنا كانت حياتهم أيسر احتمالًا وأكثر إنتاجًا من حياتنا.

ومع هذا كله فسأجتهد في أن أحلل لك طائفة من الفكاهات التمثيلية، لربما عدا بعضها طور المألوف مما تقرأ وتسمع، وهل عليَّ في ذلك بأس وأنا قبل أن ألهيك أريد أن أظهرك على نحو من أنحاء الأدب الغربي له خطره ومكانته؟! وهل منعني مجون أبي نواس وأصحابه أن أحدثك عن أبي نواس وأصحابه؟!

فلنجرب إذن هذا النوع من التمثيل، ولست أطلب إليك إلا شيئًا واحدًا، وهو أن تعذِرني إذا لم أبلغ رضاك، فلعلي أوفق لأن أبلغه بعد قصة أو قصتين.

أما قصة اليوم ففكاهةٌ لا تخلو من جدٍّ، ولست أقدِّم بين يديها المقدمات، فهي لا تحتاج إلى شيءٍ من ذلك، وإنما أريد ألا تبحث فيها عن الظهر في الساعة الرابعة عشرة، كما يقول الفرنسيون، وألا تلتمس فيها فلسفة عميقة أو شيئًا من العجب، فليس فيها من ذلك شيء.

•••

نحن في باريس، في بيت أسرة مثرية شابة، تأتلف من زوجين: أحدهما موبران وهو محام، ولكنه قد أهمل مهنته وانصرف عنها إلى لهوه وعبثه، فهو غنيٌّ لا يحتاج إلى أن يكسب حياته، وهو رجل غَزِلٌ مشغوف بالنساء، ضعيفٌ لا يستطيع أن يقاوم امرأة ولا أن يثبت لنظرة.

والآخر «هنرييت»، وهي امرأة شابة بارعة الجمال راجحة الحلم خفيفة الروح، تحبُّ زوجها حبًّا شديدًا، ولكنها قد ضاقت بخياناته التي اتصلت أعوامًا والتي لم ينقضها عفو ولا ألم.

فإذا رفع الستار رأيت زائرة تتحدث إلى الخادم تسألها عن سيدتها، فتجيب أنها خرجت، فتسألها عن سيدها فتجيب أنه خرج، فتسألها: أيهما خرج أولًا؟ فتجيب: هي السيدة. ويقبل زائر يجب أن نذكر اسمه؛ لأنه من أبطال القصة، «لوهوتوا» وهو مستشار في مجلس الدولة، جادٌّ لا يحب اللهو ولا يميل إليه، صادق، دقيق، منظم الحياة، يتحدث إلى الزائرة فنفهم من حديثه أنه أحب «هنرييت» وأراد أن يقترن بها فرفضت، ولكنه قد حفظ لها الحب والوفاء.

وهما يتحدثان إذ تقبل هنرييت مضطربة حادة المزاج لا تكاد تملك نفسها، فما هي إلا أن تُحاور زائرَيها حوارًا قصيرًا حادًّا حتى تصرفهما عنها؛ لأنها لا تريد أن تتحدث إلى أحدٍ الآن؛ فهي مشغولة البال بأمرٍ سيعلمانه بعد حينٍ. ينصرفان ويأتي أبواها، وكانت قد دعتهما لزيارتها، ولا بد من أن نُقَدمهما إليك في إيجاز.

أما الأب وهو «جولان» فرجلٌ متوسط السن يظهر عليه الجد وشيء من الاستقامة، ولكنه ليس من الجد في شيءٍ، وإنما هو رجلٌ يحسن التكلف، وأما الأم فامرأة من الجيل القديم محافظة، لا تخلو من ذكاءٍ وفطنة، ولا يكادان يتحدثان إلى ابنتهما حتى تنبئهما في حدةٍ وغضب مضحكَين أنها قد اعتزمت الطلاق، فإذا سألاها عن ذلك، قصت عليهما خيانة زوجها إياها وإسرافه في الخيانة. أما الأم فتكره الطلاق لأنها محافظة، وأما الأب فيكره الطلاق لأنه يحب صهره، وقد أقنعتهما هنرييت بأن زوجها يخونها، وأنها احتالت حتى رأته منذ حين يدخل مع خليلته بيتًا اتخذه للهو، وهذه الخليلة صديقة لها، ومع ذلك يلح عليها أبوها في أن تعدل عن الطلاق. أما الأم فترى أن كرامة المرأة وسعادتها ليستا في أن يكون زوجها وفيًّا لها؛ بل في أن تعتقد أن زوجها وفيٌّ لها، ويجب عليها أن تجهل خيانة زوجها، فإذا علمت بهذه الخيانة وجب عليها أن تتجاهلها، فإذا لم تستطع وجب عليها أن تزدري زوجها وألا تسأله عن شيء، وهي تقيم الأدلة على صدق هذا الرأي وتبحث عن هذه الأدلة في حياتها الخاصة؛ فانظر إليها تحدث ابنتها بما كان من عبث زوجها الشيخ منذ عشرين سنة مع خادم أحد الفنادق، وكان الشيخ يحسب أن امرأته تجهل هذا العبث، وانظر إليها تحدث ابنتها عن عبث زوجها الشيخ مع امرأة قروية منذ سنين، ثم مع امرأة من أهل باريس منذ يوم أو يومين، والشيخ يسمع هذا كله فيتلقاه في اضطرابٍ وخجلٍ مضحكيْنِ.

ثم يحاول الشيخ أن يقنع ابنته بالعدول عن الطلاق؛ فزوجها ظريف خفيف الروح حلو الحديث، قد يخطئ كما يخطئ غيره من الناس، ولكنه قد يعدل عن هذا الخطأ. وهو يكره هذا الطلاق؛ لأنه يحب صهره حبًّا شديدًا؛ فهما يأكلان معًا ويتنادمان ويتعلمان معًا فنون النضال، وقد أقبل الزوج فتنبئ هنرييت أمها بأنه سيكذب عليها عشر كذبات في خمس دقائق، ولا تكاد الأم تتلقى الفتى حتى يبدأ في كذباته وهو يكذب وزوجه تحصي عليه في أذن أمها؛ يزعم أنه سعيد بلقاءِ حمويه، وأنه كان يريد أن يزورهما الساعة لولا … فتهمس هنرييت في أذن أُمها: الكذبة الأولى. وما يزال يكذب وتحصي حتى يبلغ العشر، فلا تتمالك هنرييت أن تقول بصوت بصوتٍ عالٍ: العاشرة. فيسألها زوجها: ماذا تقولين؟ تجيب: لاشيء!

ثم يخلو الرجلان، فيأخذ الشيخ في لوم صهره وتأنيبه، وهو يرى أن خيانة الزوج إثم، ولكن الرجل قد يضطر إليه، وإذن فيجب عليه أن يتحفظ ويحتاط حتى لا تجد امرأته عليه سبيلًا، فليس الإثم حقًّا في الخيانة، وإنما هو في الألم الذي تجده الزوج حين تشعر أن زوجها قد خانها، وهو نفسه قد تحفظ واحتاط، فخان زوجه أثناء ثلاثين سنة دون أن تعلم ودون أن تشقى ودون أن يحتاج هو إلى الاستعطاف أو الاعتذار، ثم يذكر لصهره أمر امرأة تعنيه وهي زوج مجلد الكتب الذي يجلد له كتبه، خاصمت زوجها وتريد الطلاق، ولكنها تجهل القانون، وقد وعدها أن يجد لها محاميًا يعينها، ونفهم من هذا الحديث أن الشيخ يحب هذه المرأة البائسة، وقد قبل صهره أن يُعنى بأمرها، فسُرَّ الشيخ، ووعده بأن يزيل ما بينه وبين زوجه من الخلاف. وتُقبل امرأة المجلد واسمها «أَستيل»، فإذا جمال وسذاجة وخفة وروح، وإذا هي مدينة للشيخ بكل شيء، تحسب أن الرجل يحسنُ إليها ابتغاء مرضاة الله وتشكر له ذلك، ويألم الشيخ لهذا، ولكنه يُخفي ألمه، فإذا خلت إلى الصهر أخذت تقص عليه أمرها في سذاجة ودعابة لم تلبثا أن تفتناه، فإذا هو ميَّالٌ إليها مشغوفٌ بها، ولكنه يجاهد نفسه ويمانعها، يريد ألا يُضيف خيانةً إلى خيانة، ولكن هذه المرأة جميلة فتانة، والرجل ضعيفٌ لا إرادة له، وانظر إليها تقص عليه في وداعة وسذاجة أنها ذهبت إلى العرَّافة فنظرت في يدها، وأنبأتها بأن في يدها خطًّا يدل على أن زوجها سيخونها، وكانت لا تصدق ذلك، ولكنها اضطرت إلى تصديقه، وهي تعرض يدها على المحامي وتدله على هذا الخط، وقد أخذ المحامي يدها وأخذ ينظر إلى الخط، لكن هذه اليد لطيفة، فهو لا يستطيع أن يتركها، وإذا هو يداعب المرأة، وإذا المرأة تقبل دعابته، وإذا هو يعرض عليها أن تكون له خدنًا فتقبل مبتهجة.

ويدخل الشيخ فلا تلبث المرأة أن تنبئه في سذاجة أيضًا بما كان بينها وبين المحامي من اتفاق وتنصرف. والشيخ مغضبٌ محنق يوجه إلى صهره مر القول! ألم يكن منذ حين يتوسل إلى ابنته في أن ترضى وتعدل عن الطلاق! كان هو يفعل هذا وكان صهره يدبر خيانة أخرى، ونحن نفهم أن الشيخ لا يغضب لخيانة ابنته، وإنما يغضب لهذا العدوان الذي حرمه صاحبته، وتُقبل هنرييت وقد رفضت الصلح وأصرت على الطلاق، فيكون بينها وبين زوجها حوار بديع، ويستعطفها ويعتذر إليها فلا تعطف ولا تقبل عذرًا، وهو صادق في اعتذاره؛ فهو لا يخون امرأته عن عزيمةٍ وإصرارٍ، وإنما يضعف أحيانًا، ويتورط أحيانًا، ويخشى أن يتهم بالجفوة والغلظة أحيانًا أخرى، فيأتي ما يأتي من الإثم، وهو يريد أن يمنع زوجه من ترك البيت، ولكن امرأته صادقة العزم على الرحيل، وقد أمرت خادمها بالاستعداد له، وأقبل أبواها فهي تنبئهما بذلك، وإذا الزائرة التي رأيناها في أول الفصل قد عادت مبتهجة تنبئ بأنها زارت فلانة فعرفت عزمها على الطلاق أيضًا، فتقول هنرييت: وخبر ثالث تستطيعين أن تذيعيه هذا المساء؛ وهو أني أيضًا قد اعتزمت الطلاق.

•••

فإذا كان الفصل الثاني فنحن في أحد المطاعم العامة التي يختلف إليها أهل الثراء والترف، والمطعم مزدحم بالذين يريدون أن يشهدوا التمثيل، فهم يطعمون بالقرب من الملاعب، ومن بين هؤلاء الناس «موبران» ومعه زوج المجلِّد التي اتخذها خليلة له في الفصل الأول، وقد تم الطلاق بينه وبين هنرييت منذ عشرة أشهر، وهو يتحدث إلى صاحبته، ولكنها كئيبة ضيقة الصدر تجيبه في عنف وغلظة، فإذا أقبل الخادم يسألهما عما يريدان أجابت هي أنها لا تريد شيئًا ولا تشتهي الطعام، ولكن صاحبها لا يكاد يطلب إلى الخادم لونًا من الألوان حتى تستزيد من هذا اللون، ولا يكاد يفرغ من طلبه حتى تضيف إليه ألوانًا أخرى، وهي مع ذلك لا تريد شيئًا ولا تشتهي الطعام، فإذا أقبلت الألوان أكلت وأسرفت في الأكل، ولكنها ليست جائعة ولا مشتهية للطعام! وهي في أثناء هذا كله تتحدث إلى صاحبها فتثقل عليه وتسوءه، وكان هذا الرجل لا يستطيع أن يرضيها في شيءٍ، ولكنا نفهم من هذا الحديث أن سلطانها عليه عظيم، وأنها استطاعت أن تحول بينه وبين مرضه، فلم يخنها مرة واحدة في عشرة أشهر، وهما كذلك إذ تقبل هنرييت ومعها أبواها يريدون أن يطعموا ويذهبوا إلى دار التمثيل، وما هي إلا أن تراهم «أَستيل» فتنبئ صاحبها، فإذا هو مضطرب، ولست أستطيع أن أصف لك الحركات المضحكة التي يأتيانها ليتبينا هؤلاء المقبلين دون أن يظهر منهما ذلك.

وقد جلس القوم، وما هي إلا أن عرفوا مكان موبران وصاحبته، فأما الأبوان فاضطربا، وأما هنرييت فابتسمت لأنها لا تكره زوجها القديم، وإنما ترى أن الحياة معه لا تلائمها وقد افترقا، فليس ما يمنع من أن يلتقيا كما يلتقي الأصدقاء، وما هي إلا أن تبودلت التحية بين الفريقين.

ولكن رجلًا آخر يقبل وهو «لوهوتوا» الذي رأيناه في الفصل الأول وعرفنا أنه يحب هنرييت، وما زال يحبها، فلما كان الطلاق استأنف الأمل وخطب هنرييت فقبلت الخطبة، فإذا أقبل ورأى الزوج القديم غاظه ذلك، فهو محنق، له ألفاظٌ وحركات تضحك، ولكن هنرييت لا تحفل بألفاظه ولا حركاته وإنما تضحك، فإذا رأت إلحاحه غضبت وكلفته أمرًا فينصرف له، وقد انصرفت كذلك «أَستيل» فانضمت إلى نفر من أصحابها في المطعم، واتصل الحديث بين هنرييت وأبويها وزوجها القديم؛ لأن الخادم أخطأ فدفع إلى الأب حساب الزوج وإلى الزوج حساب الأب. اتصل الحديث فانتقل الزوج إلى مائدة الأسرة وجلس يشاربهم ويحادثهم، ثم يعود «لوهوتوا» فلا يزيده ذلك إلا غيظًا، فتشفق عليه المرأتان وتنصرفان معه إلى الملعب ويبقى الشيخ لحظة على أن يلحق بهم بعد أن يتم الحديث، ولكنه لا يلحق بهم، فقد أخذ يذكر الأيام الأولى، وانضمت إليهما «أَستيل» فنسي زوجه وابنته وخطيبها وقضى الليل في لهو وعبث.

•••

فإذا كان الفصل الثالث فنحن في بيت الأب في الساعة الرابعة بعد الظهر، وهو متعبٌ يتحدث إلى أستاذه في السلاح بما أنفق فيه ليله من لهو، فإذا أقبلت زوجه — ولم تكن رأته منذ المطعم — أنبأها بأنه أمضى الليل في أمرٍ هام سيغل عليه أرباحًا كثيرة، فتجيبه بأنها لا تريد أن تعلم من أمره شيئًا وإنما أقبلت تسأله أيريد الشاي. ونفهم من حديثه مع امرأته أنه يريد أن يصلح بين ابنته وزوجها القديم، وهو يفكر في ذلك ويلتمس له الحيلة، فتحاول زوجه أن تصرفه عن هذا، أليس الطلاق قد تم؟! أليست ابنتهما تريد أن تستأنف حياتها مع رجل آخر؟!

ولكن الشيخ يُحب صهره القديم، ويكره صهره الجديد، ويرى أن ابنته لن تكون سعيدة معه، وهو في حقيقة الأمر لا يحب إلا نفسه، ولا يريد إلا أن يصل إلى «أَستيل»، وتُقبل هنرييت فتتحدث إلى أمها، فإذا هي مضطربة مترددة، تحب زوجها القديم؛ لأنه شاب جميل مبتهج فيه نشاطٌ وخفةٌ، وتحب خطيبها؛ لأنه رجل جد وثقة ووفاء تستطيع المرأة أن تطمئن إليه، ولو أنها خيرت لاختارت أن تقضي النهار مع خطيبها والليل مع زوجها القديم. تسخر منها أمها لأنها تطلب محالًا، وليس للمرأة مطمع في السعادة الكاملة، وإنما الخير في أن تعتزم أمرًا وتمضي فيه.

ثم تنصرف المرأتان، ويستعد الشيخ لدرسه، وإذا صهره القديم قد أقبل، فيتلقاه فرحًا مسرورًا، واستأنفا ما كانا قد تعوَّدا من نضالٍ وحديث، حتى إذا فرغا من التمرين أشار الشيخ على صهره أن يذهب إلى الحمام كما كان قد تعوَّد، فيقبلُ بعد تردد، ولا يكاد يستخفي حتى تأتي هنرييت تحمل الشاي إلى أبيها، وهي تحدثه إذ يظهر زوجها القديم، ويحتال الشيخ في الانصراف، فيخلوان ويتذكران أيامهما الأولى، فإذا هي تحب زوجها، وإذا زوجها قد بدأ يحبها الآن، وما يزالان يمضيان في الحديث حتى ينتهيا إلى الاضطراب والتأثر، وإذا هو يجذبها إليه، وإذا هي تنجذب، ولكنها تملك نفسها في اللحظة الأخيرة فتوسعه لومًا وتأنيبًا، وتعلن إليه أن ليس إلى استئناف الحياة معه من سبيل، فيخرج محزونًا وقد أعلن إليها أنه يألم لهذا الفراق حقًّا، ولا يكاد يخرج حتى تقول هي: ومن سوء الحظ أني سأقترن بالآخر!

•••

فإذا كان الفصل الرابع، فنحن في بيت الخطيب وهو يقرأ رسالة وصلت إليه من «أَستيل» تنبئه فيها بأنها رأته يوم كذا في المطعم، وتريد أن تستشيره في أمر هام ستراه بعد ساعة، وهي تأمل أن يلقاها، يدهش لهذا الكتاب، ولكن الزوج القديم قد أقبل يزوره، فيسأله: أحقًّا أنك ستتزوج هنرييت؟

– نعم.

– فأنا ألح عليك في ألا تفعل!

– ليس هذا من حقك!

– بلى! لأني أحبها!

– وأنا أيضًا أحبها!

– كلا! أنت لا تحبها، ولا تستطيع أن تحبها، بل لا تستطيع أن تحب!

– ولماذا؟

– لأنك رجلٌ منظمٌ منصرفٌ إلى الدرس، أنفقت حياتك كلها في الجد، لم تقترف إثمًا ولم تبدد ثروتك ولم تحزن أهلك، ومن لم يفعل شيئًا من هذا فليس خليقًا أن يحب.

– ولكني سأتزوجها!

– وإذن فأنا أعلن إليك أني سأنفق حياتي في طلبها والإلحاح عليها بحبي!

ثم يغضبان، وينصرف الزوج القديم، وتأتي هنرييت فرحة مبتهجة تعرض على خطيبها ألوان الأثاث الذي يتخذانه لبيتهما الجديد، ولكنه يلقاها ثائرًا يغلي، ويعلن إليها أنه يحبها.

– أنا أعلم ذلك.

– كلا إني أحبك حُبًّا لا تعلمينه، حبَّ مَن لم ينفق حياته في الدرس بل في اللهو، سأقترف الآثام وسأبدد ثروتي، وسأحزن أهلي، سأحبك كما ينبغي أن أحبك.

– ولكنك تعرض عليَّ ما لا أريد، فلم أقبل خطبتك إلا لأنك هادئٌ مطمئنٌّ جادٌّ منظمٌ.

– ليس هذا هو الحب، أتحبينني أنت؟

– إن لم أكن أحبك فأنا أميل إليك.

– ليس هذا هو الحب!

– وأنا أُجِلُّك.

– ليس هذا هو الحب!

– ويسعدني أن أكون لك زوجًا.

– ليس هذا هو الحب!

فتنبئه بأنها تعرض عليه ما تملك، فإن قبله فذاك وإلا فلا زواج، فيقبل، ويتفقان على لون الأثاث، وتنصرف هنرييت، وتُقبل: «أَستيل» فيلقاها في جلالٍ ووقار، ويسألها عن أمرها، فتقص عليه ما كان من خيانة زوجها إياها، ومن حياتها مع زوج هنرييت، وتنبئه في سذاجة وطفولة أنها قد قطعت الصلة مع خليلها، وأنه يعرض عليها مالًا، فهي تريد أن تستشيره أتقبل هذا المال أم ترفضه، فإذا ظهر عليه الارتباك أنبأته بأنها ذهبت إلى العرافة وعرضت عليها يدها فأنبأتها العرافة بأنها ستتزوج رجلًا من أهل القضاء، وسيكون لها منه ثلاثة أولاد، ثم قدمت إليه يدها اللطيفة لتدله على الخط، فإذا نظر في الخط لم يسهل عليه أن يرد هذه اليد، ولا ينبغي أن ننسى أنه يريد أن يأثم، وأن يبدد ثروته، وأن يحزن أهله. وتحس المرأة منه ذلك، فتعلن إليه أنها تحبه، وأنها تريد أن تقبله، والرجل مضطربٌ أمام هذا الهجوم الغريب، وإذا المرأة قد وثبت إليه فقبلته وجلست على فخذيه، وفتح الباب فإذا هنرييت! أما «أَستيل» فنهضت وانصرفت مسرعةً، ولا أحدثك عن غضب هنرييت، وما يصيبها من اليأس وخيبة الأمل. ويحاول صاحبها أن يعتذر، فإذا هو يعتذر بنفس ما كان يعتذر به زوجها القديم من أنه تورط وكره أن يوصف بالجفوة والغلظة.

– إذن فكلكم سواء، وإذا كان هذا شأنك أنت فليس لي أن ألوم الآن زوجي القديم، عليَّ أن أعتذر إليه، وهنا يقبل الزوج القديم فيلقاه الخطيب مغضبًا. هو يقول: تعال فإنها تريد أن تعتذر إليك. ويهم بالانصراف فيهمس الزوج القديم في أذنه: إن أَستيل تنتظرك في العربة. ينصرف ويجثو الزوج القديم أمام هنرييت ضارعًا مستعطفًا وقد عفت عنه.

وهما يعتنقان إذ يدخل الأبوان؛ أما الشيخ فمبتهجٌ لأنه قد ظفر بما كان يريد، وأما الأم فمضطربةٌ أمام هذا الأمر الواقع: أملائمٌ هو للأخلاق أم غير ملائم؟ ولكن ما أسرع ما تنتهي إلى الجواب! هي محافظة مؤمنة لا تعترف بالطلاق، وإذن فما زالا أمام الله زوجين.

يونيو سنة ١٩٢٤

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠