الفصل الأول

(أمين بك وإحسان في بهو الاستقبال بقصر عمه وأثاث البهو شرقي فخم يدل على سعة وبذخ، وعلى أن أصحابه أهل ذوق وتهذيب من طبقة السراة.)

أمين بك (جالسًا في زي ضابط بالجيش على ديوان أو صفة بجانب إحسان جلوس الحبيبين) :
والآن يا (إحسانُ) هل يُرْضي الهوى
عَهْدي؟! وهل يكفي سناكِ غرامي؟!
حُسْنٌ كحُسِنكِ لن يكونَ، وهكذا
حُبٌّ كحبِّي لن يكونَ لظامي!
الشَّمسُ كم عُبِدَتْ عبادةَ صَلَّةٍ
أمَّا سَناكِ فطوْعُهُ لُوَّامي!
عبدوكِ مثلَ عبادتي لكنَّهمْ
لم يبلغوا وَجْدِي وفرطَ هِيامي
لا تحرميني مِنْ حنانِكِ يا مُنَى
روُحي، ويا لبِّي، ويا إلهامي!
إحسان :
رفقًا حبيبي … إنني لكَ دائمًا
وكذاكَ أنتَ على الدوامِ أمامي!
رُوحي فِداؤُكَ يا (أمينُ) فإنْ مضتْ
فلسوف تُخْلِصُكَ الوفاء عِظامي!
أنا من عرفتَ من الطُّفُولةِ فالصبا
ماذا تُفيدُ صراحتي وكلامي؟!
سائلْ فؤادَك يا رفيقَ صبابتي
يُنبيكَ عن شَغَفي وعن أحلامي!
أمين بك :
أنا ما شككتُ، وهل أشكُّ بربَّتي
وبمُرْتَقَى أملي ونوِرِ ظَلاَمي؟!
لكنَّني أخْشَى الزَّمانَ وغَدْرَه
وَتَقلُّبَ الأحداثِ والأيامِ
وأرومُ مُنذُ اليوم بَثَّ ضراعتي
لسناكِ، فهو مَثابَتي وقِواميِ
بدَّدْت أشجانِي بحبِّكِ مثلما
ضمَّدْتِ من جرحِ الفُؤَادِ الدَّامي!
إحسان :
دعْ يا (أمينُ) مخاوفًا لكَ طالما
رَدَّدْتَها فأهجتَ نارَ فؤادي
واسمعْ حبيبي ما يلذُّك سَمْعُهُ
مِنْ وَحْيِ وجداني ومِنْ إنشادي

(باسمة)

ماذا تريدُ؟ … أنْغمةً تُذكِيِ الهوى؟
أمين بك (مقاطعًا) :
صَفْحًا، وهل يُذْكَى هوايَ البادي؟!
أمين بك :
هاتي غِناءكِ كيف شئتِ فإنني
أحيا بما يُوحي هواكِ الشادي!
إحسان (تغنى هذه القطعة على البيانة مصحوبة بعزف الأركسترا) :
اسمعْ إذَنْ يا حياتي
عهدَ الفُؤَادْ
يهواكَ حتى مماتي
رغمَ البعادْ
اسمعْ إذَنْ!
لا تَشْكُني يا غرامي
واشْكُ الغرامْ
يأبى الغرامُ اتِّهامي
فيكَ الملامْ
أنت الفِنَنْ
أمين بك :
ردِّدي سحرَكِ النَّشيدَ الجميلَا
إنني أشتهي سماعَكِ جيلَا!
بل إلى موعد الخلود ولو أنـ
ـني أراكِ الخلودَ قُربى جميلَا!
إحسان :
اسمعْ إذَنْ يا حياتي
عهدَ الفُؤَادْ
يهواكَ حتى مماتي
رغمَ البعادْ
اسمعْ إذَنْ!

(يُسمع دقٌّ على الباب.)

أمين بك :
مَنْ يا تُرى بالباب يطرقْ؟
إحسان :
انظرْ حبيبي علَّ مَنْ
بالباب يطرقُ والدي!

(يذهب أمين بك ليفتح الباب ثم يعود بعد برهة ومعه رسالة يقرؤها.)

إحسان :
ماذا جرى يا مهجتي
أمين بك :
هذا رسولٌ قد أتى
مِنْ صاحبي الوافي (حسن)
وأخاف أن أتلو عليـ
ـكِ رسالةً تُذكي الشَّجنَ
إحسان :
إن كنت لا تُفضِي إليَّ
بما بها، فلمن إذنْ؟

(قلقة)

قلْ يا حبيبي لا تخفْ
كلِّي فِداكَ بلا ثمنْ!
أمين بك :
لم أَتْلُ إلَّا بعضَها
فرأيتُ منه رسُولَ حُزني
لكنَّني طوعًا لأمـ
ـرِكِ لن أحجِّب عنكِ بيني
ولسوف أقرؤُها عليـ
ـكِ فأنتِ وجداني وعيْني
فإليك ما فيها من الـ
ـخبر الأليم المُرِّ عنِّي

(يعيد نظره إلى الرسالة وبعد برهة يقرأ منشدًا، والتأثر باد عليه وعلى إحسان حيث تستمع إليه.)

صديقي أمين

يا صديقي وأنت خيرُ صديق
أنت مَنْ يُرْتجَى بخطبٍ وضيقِ
كنْ شجاعًا كما عهدتُك غلَّا
بًا على اليأس لا تكنْ كالرقيقِ
يطلب الجيشُ نجدةً حيث أضْحى
في اقترابٍ إلى اشتباكٍ وثيقِ
وبلادُ (الأحباش) أشبهُ بالأشـ
ـراكِ والسجن والبلاء المُحيقِ
كلُّها صورةٌ من الخطر المحـ
ـدق بالجند بين ألفيْ مَضِيق
حالةٌ تبعثُ الشجاعةَ في الما
جد يا سيد الوفاء العريق
فتمضي سيِّدُ البلاد بأن تُدْ
عى إلى الحرب فلتُجبْ يا صديقي
وأنا مثلك المجاهدُ لكنْ
أنت أهلٌ لكلِّ مجدٍ أنيقِ
أنت زينُ الشُّبَّان والبُعْدُ يُشـ
ـقينا ولكنْ أراك عونَ الرفيقِ
وأراك المثالَ يتبعُهُ الأبـ
ـطالُ بالفخر للإباءِ الحقيقي
سوف ألقاك في غدٍ وأنا الآ
نَ أبثُّ الشقيق رُوح الشقَّيقِ
الوافي حسن
إحسان (متأثرة وعاطفة على أمين بك) :
يا إلهي! يا إلهي!
لا تروِّعْنيِ بحُبيِّ!
إنِّ دُنيايَ حبيبي
إنْ مضى ضيَّعتَ قلبي
أمين بك (ضارعًا) :
إحسانُ! إحسانُ! رفقًا بالهوى الشَّاكي
وشجِّعي صبَّكِ المحزونَ لولاكِ
منذُ الطفولة يا شمسي ويا قمري
عُمري يُنمِّيه بعد الحبِّ مَرْآكِ
واليومَ تقضي فُروضٌ لا مَردَّ لها
بأن أُجزِّئ نفسي دُون إشراكِ
أسيرُ للحرب بسَّامًا على شجنٍ
كمن يُفدِّيكِ مدفوعًا بذكراكِ
لا يرهبُ الحربَ مجبولٌ على شممٍ
تعشَّق الوطن الغالي بمغناكِ!
إحسان (مسترجعة ثباتها ووطنيتها) :
سامحْ تدفُّقَ لوعتي وشُجُوني
واذهبْ بحفظ الله نُورَ عُيُونِ
تغزو (لمصر) معاقلًا ومدائنًا
وتُعيدُ لي تاجًا يَزينُ جَبيني
لله إثْرةُ مَنْ تُعزُّ عزيزَها
أكذا نسيتُ (لمصر) بعضَ ديوني؟!
أمين بك (متشجعًا) :
أكرمْ بوحيك يزجيني لما يجبُ
هيهات وحيك عن عينيَّ يحتجبُ
في ذمَّةِ الله ما قدَّسْت فيك إلى
أن يجمع الشَّملَ مِن نصرٍ لنا سببُ

(تسمع طرقات على الباب.)

إحسان :
صبرًا حبيبيَ وانظرْ
مَنْ ذا يريد الحضورْ!

(يتجه أمين بك إلى الباب فيفتحه ثم يعود وصحبته عمر بك والد إحسان وأخوه كمال.)

عمر بك (والد إحسان) (بلهفة منزعجًا من أخبار النجدات المطلوبة ومن دعاء أمين بك إلى ميدان القتال.) :
ماذا جرى يا بُنيَّ!
ماذا جرى يا فتاتي!
أهكذا يتقضَّى
صفوٌ ودهرٌ مؤاتِ؟
ويل الحروبِ وويلٌ
لكلِّ باغٍ وعاتِ!
كمال (جازعًا) :
أحقًّا يا أخي هذا؟ أحقًّا؟
أتمضي للجهادِ ونحن نبقَى؟
لأَهْوَنُ أن أسيرَ إلى فناءٍ
بقربكَ من فراقِ أخي فأشقى!
أمين بك :
يا سيِّدي العمَّ مَهْلًا
ويا أخي كُنْ شُجاعًا
وكنْ (لإحسان) عَوْنًا
مُرَاعيًا ما استطاعا
ما كنتُ أوْلَ حُرٍّ
(لمصر) ضحَّى وباعا
أجدرْ بمثليَ أن لا
يأبَى الوفاءَ التياعَا
فإنْ أَعُد عَوْدَ ظفْرٍ
نِلْنَا نعيمًا مُشَاعَا
وإنْ أمُتْ في جهادي
أكرمْ بذاك ارتفاعَا
وأنتِ يا بنت عمي
يا مَن حَبَتْني شُعاعَا
يا مَنْ أراها ملاكًا
بَيْنَا يُراعي يُراعى
وصيَّتي عند موتي …
أخي … (لحظة قصيرة)
… … … …
وداعًا! … وداعا!

(ينشد الأبيات الأخيرة مقتربًا منها، ماسكًا أناملها في تأثر مشترك بين الجمع، ويقبل رأسها في ختام الأبيات، بينما تسدل الستار العامة.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠