الأوپرا والأدب المصري

(١) ما هي الأوپرا؟

تُعَرَّفُ الأوپرا أو القصة التلحينية عادةً بأنَّها تلك الرواية الملحَّنة التي لروح الموسيقى١ السيادة عليها، وبعبارة أخرى إنها الحكاية الغنائية التي تمثل للذة الاستماع إلى غنائها.

هذا هو التعريف المألوف، ومن يقبلون هذا التعريف يذهبون في تأريخهم للأوپرا إلى أنها نشأت في فرنسا سنة ١٢٤٠ ميلادية.

أما إذا ترقيْنا في فهمنا للأوپرا واعتبرناها مجْمع الفنون الثلاثة: الشعر في أرقى أساليبه وصوره، والموسيقى في أشجى نغماتها وأصدقها وفاءً لموضوعها، والتمثيل في أبرع مظاهره المجسمة لفكرة الشاعر الفنَّان، فإننا نرجع بنشأتها الحقيقية إلى أواخر القرن السادس عشر حينما وضع چاكوبو بري (Jacopo Peri) قصته (دفْني Dafne) سنة ١٥٧٠م. حيث أخرجت في البلازو كورسي (Plazzo Corsi) بمدينة فلورنس (فلورنزة). بيْد أننا كلما دققنا في تطبيق هذا التعريف الأخير، وجدنا أن الأوپرا الراقية الجديرة به لم تنشأ قبل القرن الثامن عشر.
figure
الأستاذ زكي أبو شادي في الخامسة والثلاثين (صورة حديثة من تصوير كانتون).
وسواء اتفقنا أو اختلفنا في تقسيم القصص التلحينية إلى أوپرا كبرى (Grand Opera) مثل (فاوست Faust) و(مانون Manon) و(شمشون ودليلة Samson and Dalilah) و(ريجوليتو Rigoletto) و(توسكا La Tosca) و(برسيفال Parsifal) وإلى أوپرا خيالية — (Romantic Opera) مثل (الفتاة البوهيمية The Bohemian Girl) و(تاييس Thais) و(كارمن Carmen) و(عايدة Aida)، وإلى أوپرا خفيفة (Light Opera) مثل (جميلة Djamileh) و(أبو حسن Abu Hassan) و(حلاق بغداد The Barber of Bagdad) و(حانة ترَّاسينا The Lun Terracina) و(حلاق أشبيليا The Barber of Seville) ونحوها، فكلما أمعنا الفكر في دراسة الأوپرا عدنا إلى وقف تقديرنا الأوفى على ذلك النوع الراقي منها الذي يجمع بين جمال البيان الشعري الكامل وجمال الموسيقى البارة به، وجمال التمثيل الصادق، وتشبثنا بأن هذا النوع وحده هو الذي يصح أن يسمى بالأوپرا. وأما الأوپريت ونحوها من المهازل الموسيقية والروايات التلحينية الفكهية (Musical Comedies) والاستعراضات الموسيقية (Reviews) فليست من صميم الأوپرا في شيء، ولا يجوز الجمع بينها في تعريف واعتبار.

(٢) لمحة تاريخية

يشير المؤرخون إلى نشأة الأوپرا في فلورنس في أواخر القرن السادس عشر، حيث اتفقتْ طائفة من الأدباء المغنين والملحنين على تبيان المآسي الإغريقية في أسلوب موسيقي تسميعي، وكان ذلك كافيًا لأن يعد فتحًا تمثيليًّا عظيمًا في ذلك الوقت. ثم ظهرت أول أوپرا عصرية (دفني Dafne) السالفة الذكر بمدينة فلورنس في سنة ١٥٩٧م. وإن لم تمثل تمثيلًا عامًّا. فنالت تقديرًا كبيرًا لها حتى إنه طلب إلى واضعها چاكوبر پري بعد ذلك بثلاث سنوات (١٦٠٠م) أن يؤلف مثيلة لها لتناسب حفلة زواج هنري الرابع ملك فرنسا من ماري دي مديسي، فوضع الأوپرا (يوريديس Euridice) المعدودة أول قصة تلحينية من نوعها مُثِّلت أمام الشَّعب (وهذه غير قصة (أورفياس ويوريديس Orfeo ed Euridice) التي وضعها جلك Gluck، وظهرت سنة ١٧٦٢م، والتي ما زالت تعد أولى الأوپرات العصرية الكبرى)، وقد نال فن الأوپرا الناشئ في ذلك الوقت معاضدة مأثورة من كلوديو مونتڨردي (Claudio Montverde) الذي كان رئيس الفرقة الموسيقية لدوق مانتوا (Duke of Mantua) فوضع بنجاح باهر وتقدم عظيم الأوپرا المسماة «أورفيو أو أورفياس Orfeo»، وأبدع فيها إبداعًا يتناسب والجو الفني في ذلك الوقت، وقد قلل من النسق التسميعي وأكثر من الموسيقى المفردة إراحةً للمغنين وللنظارة المستمعين أيضًا. وقد تبعه وتدرج في طريقته الموسيقار كاڨلي (Cavalli) ثم سكارلاتي (Secarlatti) الذي يعد بحقٍّ مؤسس الأوپرا الإيطالية التي تجنح إلى ترقية الإيقاع الجميل المصاحب لصوت المغنِّي مع بساطة المصاحبة (Accomponiment)، وقد كان سكارلاتي أخصب الموسيقيين إنتاجًا في القرن السابع عشر.
وقد أوجد لويس الرابع عشر الأوپرا في باريز بواسطة الموسيقار الإيطالي للي (Lully) سنة ١٦٧٢م. فجاءت نشأتها في فرنسا متأخرةً عن نظيرتها في إيطاليا زهاء قرن، ولكنها كانت نشأةً قويةً واستفادت من هذا التمهل وسارت إلى الأمام.
أما في ألمانيا فقد ألف الموسيقار رينهارد كيزر (Reinhard Keiser) الذي عاش ما بين ١٦٧٩م و١٧٣٩م نيفًا ومائة أوپرا وكذلك أنتج مثله تقريبًا الموسيقار يوحنا أدولف هاس (Johann Adolph Hasse)، وبين ما وضعه الأوپرا المسماة (أرتازكس Artaxerxes) التي اعتاد كارلو بروسكي (Carol Broschi) أن يغني منها لحنين كل مساء لفيليب الخامس ملك أسبانيا مدة عشر سنوات!
ولقد نشأت بمرور الزمن وتقوت «مدارس» الأوپرا الثلاث هذه: وهي المدرسة الإيطالية فالفرنسية فالألمانية، وتكاد تكون جميع الأوپرات الأخرى تابعةً لها، بل وربما لم يكن لها النضوج الكافي لتستحق شخصية ممتازةً واستقلالًا في الاعتبار. فمثلًا لا تزال الأوپرا الصميمة متعثرةً في إنجلترا حيث يميل جمهورها كل الميل إلى الأوپريت أو إلى أنواع مشتقة منها (Musical Comedies)، وإن كان نورها قد ظهر في إنجلترا في القرن السابع عشر حيث كان يمثل في لندن نوع من الأوپرا بإدارة السير وليم داڨنانت (Sir William Davenant) حوالي سنة ١٦٨٤م، وقد مثلت في سنة ١٧١١م. قصة (رينالدو Rinaldo) لهاندل (Handel) في مسرح هييماركت (Haymarket) بلندن، كما مثلت في سنة ١٧٢٧م للمرة الأولى (أوپرا الشحاذ Beggar’s Opera) للفنان جيي (Gay)، واستدعى الإقبال عليها أن تمثل ثلاثًا وستين ليلةً متلاحقةً! واشتهر بالأوپرات الخفيفة في إنجلترا السير أرثر سليڨان (Sir Arthur Sullivan)، كما جاهد المصلح الكبير هاندل (Handel)، وكما وجدت من قبل آثار هنري برسل (Henry Purceil) الذي لحن ٤٢ قصة بينها عدد من الأوپرات الوافية، ولكن رغم هذا الجهد لا يزال الشعب البريطاني أميل إلى الأوپرات الأجنبية، وعلى الأخص إلى الأوپرات الألمانية، وهذا من عوامل تأخر الأوپرا الوطنية في إنجلترا.

(٣) مذاهب الأوپرا

مذاهب الأوپرا — أو مدارسها — كما أسلفنا ثلاثة: الإيطالية والفرنسية والألمانية. فأما الإيطالية فهي ولا شك أغرقها في الطرب وأكثرها عذوبة، وهذا الإطْراب هو وحده الكفيل بأسر الحواس المفتونة، فإنْ قصَّرت من هذه الوجهة لم تكن نغماتها إلا مدغدغة للأذن، مسيئة إلى المدارك السليمة، على رأي جوستاف كوبي (Gustav Kobbé)، ولم يكن المؤلفون الإيطاليون يعنون في بادئ الأمر بغير الغناء فكانت قصصهم جوفاء، لا قيمة أدبية ولا فنية لها، وكان الملحنون ينزعون إلى إخضاع التأليف إخضاعًا للغناء بدل الجمع المتناسب بينهما، إذْ كان كل غرضهم إرضاء المغنين فقط. ولكن النزعة الفكرية الإصلاحية الأولى التي وضع أساسها جلك (Gluck) في قصة أورفياس ويوريديس السالفة الذكر والتي تبعه فيها للي (Lully) وفاجنر (Wagner) وفردي (Verdi) كان لها الأثر الطيب في إيطاليا على الأخص، حيث غدا الملحنون أحرص على كرامة الأوپرا، لا يعنون بالقصص التي لا يسمو مستواها الأدبي ولا تستأهل حفاوة النغم بها، وإن لم تزل على الأوپرا الإيطالية جملة مسحة الطرب الأولى، ولكن الأمثلة القديمة للطرب المطلق قد ماتت ولم تعش إلا الأمثلة الجامعة بين العاطفة والفكر والأدب والنغم، فعاشت آثار لروسيني (Rossini) وبليني (Bellini) ودونزتي (Donizetti) وڨردي (Verdi) الذي فتح فتحًا مبينًا في الأوپرا الإيطالية بتلحينه قصة «عائدة» التي نظمها أنطونيو جسلانزوني (Antonio Ghislanzoni)، فخلدت بينما ماتت آثار تلحينية سابقة لڨردي لم يخدمها الفكر والتأليف، واقتصر جمالها على طرب الأنغام، وكان خليفة ڨردي في هذا التجديد والإصلاح الذي ما يزال مستمرًّا الملحن الفنان الشهير پتشيني (Puceini)٢ الذي يحمل فنه الآن علم النهضة الموسيقية في إيطاليا، ومن أشهر آثاره البوهيمية (La Bohéme) ومدام بترفلاي (Madame Butterfly)، وقد زار لندن في سنة ١٩١١م؛ ليشرف على إخراج (فتاة الغرب الذهبي The Girl of the Golden West).
وأما الأوپرا الفرنسية فقد كانت نشأتها الأولى على يد الملحن الفرنسي (رامو Rameau) الذي عاش ما بين ١٦٨٣–١٧٦٤م. وكان لروايته (كاستر وپرلو Castor and Pollux) شهرة ومنزلة إلى أن تجلتْ مؤلفات جلك (Gluck)، ولكن المشهود به أيضًا أن للي (Lully) الموسيقار الإيطالي كان الباعث الحقيقي لنهضة الأوپرا في فرنسا، كما كان من أقوى رافعيها الملحن الألماني ميرْ بير (Meyerbeer)، وعلى هذا فقد نشأت الأوپرا الفرنسية الراقية بمجهود أجنبيين عن فرنسا، وإنْ حق لها أن تفتخر — كما لاحظ جوستاڨ لوبي — بمجهود الموسيقيين الفرنسيين: أمثال هاليڨي (Halévy) وأوبر (Auber) وجونوه (Gounod) وبيزيه (Bizet) وديبسي (Débussy) وافنباك (Offenbach) وماسينيه (Massenet) الذي يعد خير خلف لجونوه وميربير، كما تعد عبقرية بيزيه المتجلية في (كارمن) على الأخص من مفاخر الأوپرا الفرنسية العصرية. وتمتاز الأوپرا الفرنسية فنيًّا بسخاء المصاحبة والمعاونة الوترية للصوت.
figure
فاجنر (١٨١٣–١٨٨٣) نابغة الإصلاح الموسيقي في القرن التاسع عشر ومهذب فن الأوپرا.
بحيث يكون الأثر الناشئ من اقتران الصوت بالتوقيع قويًّا، وأكثر ظهورًا منه في الأوپرا الإيطالية، وتمتاز تأليفًا بدقة الوضع دقة تكاد لا تدع نقدًا لناقد، بحيث يؤدي كل سطر منها معنًى مقصودًا ويعبر عن موقف خاص أو خوالج معينة لا مفرَّ من إظهارها، وهي بذلك أقلُّ ازدهارًا من الأوپرا الإيطالية التي تحفل كثيرًا بالمظهر وبالتأثير الأول، وقد أصبح ديبسي (Débussy) وأنصاره معدودين في مقدمة الموجدين للأوپرا الفرنسية العصرية المستقلة بمشخصاتها الواضحة، بعد أن كانت في أول الأمر ربيبةً للأوپرا الإيطالية.
وأما الأوپرا الألمانية فأخص مميزاتها التعاون الكلي بين الموسيقى والشعر على التعبير عن الدرامة الممثَّلة تعبيرًا قويًّا لن يؤديه لا التمثيل وحده ولا الغناء مستقلًّا، ومن طبيعتها أن لا تحفل مطلقًا بالغناء لأجل الغناء فقط، وإنما تُعْنَى — بروح جدي صادق — بالجمع بين الفنون الثلاثة (الموسيقى والشعر والتمثيل) جمعًا مقبولًا بعيد الأثر. ومعروف أن الموسيقار كيزر (Keiser) هو مؤسس الأوپرا الألمانية، حيث وضع في هامبرج عددًا عظيمًا منها معبرًا أصدق تعبير عن الروح الألمانية، وبذلك مهد الطريق وهيأ الأسباب لظهور ريتشارد ڨاجنر (Richard Wagner) وهو الذي قضى بنفوذه العظيم في القرن الماضي بعد جهادٍ شاق على التفكك الذي كان عيبًا ظاهرًا في الأوپرا عامةً، فجعلها وحدة متماسكة بحيث أصبحت القصة التلحينية — كيفما كان عامل الخيال فيها — قرينة الدرامة الخالية من الموسيقى في الانسجام وحسن التأليف بين أجزائها، وهذه العقيدة واضحة أجمل وضوح في الأوپرا الشائقة (برسيڨال Parsifal) التي أخرجتْ في سنة ١٨٨٢م. وكانت آخر أعماله. فالمذهب الألماني إذن هو أرقى مذاهب الأوپرا في نظر من لا يرضيه أن يضمحل التأليف الأدبي، بل والتأليف الموسيقي أيضًا مرضاة لغرور المغنيات والمغنين، حيث تغدو الأوپرا مظهرًا من مظاهر الإعلان عن الأصوات الغنائية المتنوعة فحسب. وأكبر الفضل في هذا الإصلاح الفني بأوروبا يرجع إلى جلك (Cluck) ثم إلى فاجنر (Wagner).

(٤) الأوپرا المصرية

ليس لنا حتى الآن ما يصح أن يسمى «بأوپرا مصرية»، وإنْ كنا نرى أن هذا من الواجبات التي تحدو بنا إلى تكوينها بدل أن نكتفي بالأسف واليأس. على أن بعض من لا يعرفون شيئًا عن الأوپرا ثم يتصدرون للنقد الفني يزعمون أننا عريقون في التمثيل الغنائي وفي الأوپرا على الأخص، ويستشهدون على ذلك بالأغاني التي كانت تتخلل الروايات القديمة التي كانت تمثلها أجواق القرداحي وفرح والشيخ سلامة حجازي والشيخ إبراهيم الإسكندري والشيخ أحمد الشامي، وغيرها مما عرفنا معظمها في حداثتنا منذ خمس وعشرين سنة، ثم بالأوپرا (عايدة) التي ألِّفتْ ولُحنتْ ومثلت في القاهرة بأمر المغفور له الخديوي إسماعيل باشا. فأما عن الأغاني المجردة في الدرامات فهي بدعة منتقدة غالبًا ولا تخلق أوپرا ولا شبه أوپرا، ولا يمكن أن يعرض مثل هذه الملاحظة إلا من لا يدري شيئًا عن الأوپرا سواء بالنسبة لروحها وتأليفها أو بالنسبة لألحانها ومظهرها. وإذا كانت الهزليات الموسيقية (Musical Comedies أو Opera Bouffe) في أوروبا لا تعتبر من قبيل الأوپرا الصادقة، رغم ما فيها من أغان كثيرة موقعة ومن رقص موسيقي، وإذا كانت الأوبرا المجونية (Opéra comique) التي يكون فيها الحوار حديثًا لا غناءً يكاد يخرجها بعض النقاد المتطرفين عن الأوپرا الأصيلة، فالأوْلى بنا أن ننزه الأوپرات عن أن تقبل في عشيرتها الروايات العادية أو الممتازة التي تطرق إليها الغناء قليلًا لمناسبة أو لغير مناسبة.

وأما عن الأوپرا (عايدة) فلا بأس من ذكر كلمة عنها، بل لا بد لنا من ذكر تلك الكلمةِ لنستخلص منها العبرة الواجبة فيرى الغافلون كيف أصبحت تلك الأوپرا غريبة عنا، وكيف أننا بتقصيرنا لم ننتفع بالمنشط الفني العظيم الذي بثه الخديو إسماعيل.

شاء بذخ الخديو إسماعيل وحبه للفن ورغبته في إظهار مصر بمظهر الحضارة العصرية أمام ضيوفه في حفلة افتتاح قناة السويس أن لا تعدم مصر الأوپرا الممثلة لتاريخها وفنها، فأمر بتشييد دار الأوپرا المعروفة بأقرب وقت، فتم ذلك في خمسة شهور تحت ملاحظة المهندس المعماري فوسكاني، وبلغت نفقات إنشائها وتنسيقها مائة وستين ألفًا من الجنيهات، وفي الوقت ذاته عهد إلى مارييت باشا المصريولوجي الشهير (مارييت بك في ذلك العهد) بوضع قصة مصرية تاريخية تصلح لأن تكون مادة لأوپرا عظيمة، فوضع قصة «عايدة». ثم صاغها نظمًا فرنسيًّا الشاعر كاميل دو لوكل (Camille du locle) مدير الأوپرا كوميك في باريز، وكان حينئذ في زيارة ڨردي، وبعدئذ نقلها إلى النظم الإيطالي الشاعر الفنان أنطونيو جيزلنزوني (Antonio Ghislanzoni) ليوقعها الموسيقار العظيم (ڨردي)؛ ولتناسب الفرقة الإيطالية التي قامت بتمثيلها في القاهرة في مساء ٢٤ ديسمبر (ليلة عيد الميلاد) سنة ١٨٧١م …
figure
ڨردي (١٨١٣–١٩٠١) ملحن (عايدة) وأشهر الملحنين الإيطاليين للأوپرا في القرن التاسع عشر.
وقد أعجب بها الخديوي إسماعيل إعجابًا عظيمًا ونفح ڨردي بمائة وخمسين ألف فرنك (أو عشرين ألف دولار)، وهو المبلغ الذي طلبه، ورغم تأخر تمثيل هذه الأوپرا بسبب نشوب حرب السبعين وانقضاء حفلات افتتاح القناة (وكانت دار الأوپرا المصرية قد فتحت في أول نوفمبر سنة ١٨٦٩م. ومثِّلتْ فيها الأوپرا ريجوليتو Rigoletto لڨردي)، حيث عطلتْ الحرب استحضار الملابس المطلوبة لها من فرنسا، فقد نجحت نجاحًا باهرًا تجاوز كل تخمين أو تقدير، ولما مثلتْ بعد ذلك على مسرح لاسكالا (La Scala) بميلان في ٧ فبراير سنة ١٨٧٢م، برعاية ڨردي نفسه أحرزت من إعجاب الجمهور ما استدعى دعوته إلى خشبة المسرح للترحيب به، وأهديت إليه عصا من العاج لقيادة الأركسترا (ivory baton) كما أهديت إليه حلية نجمية مرصعة بالماس، وقد نقش عليها اسم «عائدة» بالياقوت كما كتب اسمه بالجواهر الأخرى الثمينة!! وقد نالت (عائدة) أيضًا ترحيبًا كبيرًا بها عندما مثلت للمرة الأولى في نيويورك بأكاديمية الموسيقى “Academy of Music” في ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٧٣م بإشراف الموسيقار ماكس ستراكوش (Max Strakoseh)، وهكذا ظفرت بغاية الترحيب واستقبلتْ بكل إكبارٍ في القارات الثلاثة!
ولكن ماذا جنت مصر من هذه الصفقة الباهظة في سبيل إخراج «عائدة»؟
  • (١)

    أما من وجهة النهوض بفن الأوپرا في بلادها، فلم تغنم شيئًا رغم غيرة الخديو إسماعيل، وما ذلك إلا لطوارئ الظروف السياسية المعلومة التي عملت فيما بعد كل هذا الزمن الطويل لإطفاء النهضة الوطنية التي أذكاها إسماعيل، ولكن العناية بالتمثيل نشطت بعض النشاط.

  • (٢)

    ومن وجهة الأدب المسرحي لم تظفر مصر بجديد، فإن (عايدة) لم تترجم ترجمة راقية بل وحرمت من الصياغة الشعرية العربية أو حرم الشعر العربي من تضمينه إياها، وعادت قيمتها الأدبية الشعرية إلى النظم الأوروبي وحده.

  • (٣)

    ومن الوجهة التاريخية القومية لقد كسبت حقًّا التنويه الحي بمصر القديمة، فقد أعادت القصة — كما وصفتْ — الحياة المصرية القديمة في عهد الفراعنة، وأرجعت أمام النظارة عهد طيبة وممفيس ومعبد فتاح ومجد مصر الغابر، ولكن الفخر بذلك عاد طبعًا إلى مارييت بك وإلى فرنسا في النهاية.

  • (٤)

    ومن وجهة التلحين — الذي بلغ غايةً من الإتقان — لم تعتبر إلا نصرًا باهرًا للموسيقى الإيطالية وفتحًا جديدًا لڨردي، أو لتعليم ڨاجنر، أو لما شئت أن تتخيله من عوامل الثقافة الأوروبية الناهضة، ولكن لم تعتبر مطلقًا أثرًا من إلهام التاريخ والحضارة لمصر القديمة.

وهكذا أصبحت «عايدة» غريبةً عنا، وذهبت آمال إسماعيل سدى بعد أن بلغ ما أنفقه على إخراجها نحو مليون فرنك، ولعله أضخم مبلغ أنفق حتى الآن على إخراج أيَّة قصة مسرحية. نعم ذهبت آمال إسماعيل سدى ولم نجن شيئًا سوى الذكرى الأليمة التي تحرك شجون كل أديبٍ غيورٍ، وتلهم فيه العزم على تعويض هذه الخسارة بالتعاون على تكوين الأوپرا المصرية. وهذا كل ربحنا النفساني من مجهود إسماعيل، وما هو بالربح القليل إذا أعاد لنا الآمال المفقودة، والنهضة المنشودة.

لقد أنفق خديوي مصر، ولكن الفخر الأدبي والفخر الفني عادا إلى غير مصر. فماذا نستنتج من ذلك؟ لا أقل من أن الفنَّ كالأدب ذو شخصية مستقلة عن مظاهر المادة والمال، وأن الأمة التي تعتز بفن غيرها إنما تخدم سواها ولا تنفع نفسها إلا بالتعلم فقط إذا ما تبعه الاستقلال بالإنتاج. ولكننا لم نعرف هذا الدرس قديمًا، فلم ننتفع الانتفاع الحق بشاعر غنائي مجيد مثل الشيخ نجيب الحداد، وتركنا الشاعر الوجداني الرقيق طانيوس عبده يموت بائسًا دون استثمار مواهبه في نظم الأوپرا.

لقد بدأت الأوپرا الروسية تستقل وتكوِّن لها مدرسةً خاصة بها (راجع كتاب The Russian Opera تأليف R. Newmarch)، وكذلك أوپرات الأمم الراقية الأخرى تحاول أن تثبت لها «شخصيةً» جلية، بينما نحن لا نزال بعيدين عن معرفة أبجدية الأوپرا المصرية، ومنا من يتصور أن كل ما نحتاج إليه إنما هو ترجمة الأوپرات الإفرنجية بأسلوب نثري، أو الاقتباس منها ثم تلحين ذلك كيفما أردنا، وحينئذ يصح لنا أن نباهي بأننا ذوو أوپرا وطنية! … ولكنْ هيهات! هيهات!

لقد أوضحنا أن الأوپرا إنما هي توافق فني ما بين الشعر والدرامة والموسيقى والتمثيل، وإنه ما لم يكن التأليف والتلحين قوميًّا في اللون والذوق والنزعة، فحينئذ لا مفر من اعتبار القصة الملحنة أجنبية، بيْد أنه لا عيب في نقل الأوپرا من لغة إلى أخرى حبًّا في نشر الثقافة، وإن تشدد بعض النقاد في وجوب تمثيل الأوپرا بلغتها الأصلية حفظًا لروح التعابير الإنشائية التي استوحى منها الموسيقيُّ ألحانه. وإنما يجب عند النقل مراعاة الأصل البياني قدر الاستطاعة، وصياغته في قالب نظمي أمين، ونقل الموسيقى الأصلية وتطبيقها على النظم المترجم بقدر الإمكان، وما كل هذا الجهد إلَّا لتتذوق جمهرة الشعب الأوپرا الأجنبية طمعًا في تعضيد الجمهور للأوپرا الوطنية عند إظهارها. أما إذا انقلب الغرض وصارت للعوامل المادية سلطة الإرشاد، فحينئذ لن يكون هذا الجهد إلا عبثًا ولهوًا، ولن تخدم الأوپرا الوطنية أية خدمة، وإنما تكون مقضيًّا عليها باستمرار الفناء ولن يكون لها وجود حقيقي. وهذا للأسف الوافر هو الواقع الآن في مصر دع عنك غيرها من الممالك العربية. أقول ذلك بصراحة من يريد التشجيع والإصلاح لا بلهجة اليائس الشاكي الذي لا يعرف غير تثبيط الهمم. وكيف يجرؤ ناقد أمين على إنكار هذه الحقيقة المرة بينما يرى التأليف الشعري للأوپرا المصرية لا وجود له، وبينما يحزنه تشويه الموسيقى الغربية التي تنقل ممسوخة إلى مسارحنا لمجرد الطرب، وإنْ خالف قواعد الفن المرعية، وبذلك لا يخدم التأليف ولا الموسيقى ولا التمثيل، ولا ينتفع الشعبُ الانتفاع الفني المنشود.

(٥) وسائل الإصلاح

لمَّا أخرج الموسيقار النابغة جلك (Gluck) الأوپرا التاريخية الشهيرة «أورفياس ويوريديس» السالفة الذكر في سنة ١٧٦٢م عبر بها تعبيرًا عمليًّا ناطقًا عن عقيدته في أن «رسالة الموسيقى إنما هي تزكية الشعر بتقوية تعابير العواطف وزيادة الاهتمام بالمواقف دون إعاقة أو إضعاف العمل بزخارف زائدة عن الحاجة لا قصد منها سوى دغدغة الأذن والإعلان عن نشاط الأصوات الغنائية»، وهذا هو عين المذهب الذي عمل ڨاجنر على تقويته بعبقريته، ثم ڨردي ومن نهج نهجهما من فطاحل الموسيقيين الذين — مع تقديرهم للعوامل الخيالية ولعوامل الطرب الكلي في بعض أنواع الأوپرا — لم ينسوا ولم يتناسوا رسالتهم من جعل الأوپرا وحدة فنية متماسكة لا خليطًا مفككًا من الخرافة واللهو والعبث. وقد مر أكثر من قرن ونصف القرن على هذا الإصلاح الفكري الفني الذي ينْتظر منا أن ننتفع به؛ لأننا لسنا بمعزل عن تيار الحضارة والثقافة، فهل يجوز بعد ذلك أن نعود القهقرى بمسرحنا إلى ما قبل ١٦٥ سنة؟! هل تفهم فرقنا التمثيلية حقيقة الأوپرا كما يجب أن تفْهم؟ هل تعمل هذه الفرق لإرضاء شهوة الظهور عند المطربات والمطربين؟ أم تعمل لإحياء الشعر التمثيلي؟ أم تعمل لتكوين موسيقى جديدة هي موسيقى الأوپرا المصرية؟ أم تعمل بالإجمال لتهذيب الذوق التمثيلي المصري؟ أم تعمل للكسب فقط؟! فالمشاهدُ المحسوسُ أنَّ الشعر التمثيلي لم يشجعه ممثلو الأوپرات في مصر أقلَّ تشجيع، والتمثيل لم يكتسب فائدةً تذكر، بل ربما لم يستفد شيئًا منها؛ لأن الإهمال في إخراج الأوپرات — اللهم إلا في مناظرها — محسوس، والموسيقى لم تغنم غنمًا مذكورًا منها؛ لأنْ الموسيقيين أسرى أوامر الفرق بدل أن يكونوا في منزلة المبْدعين المرشدين، والذوق المصري الفني لا يزال هو هو: يجارى ولا يقاد … وإذنْ فليس من المبالغة أن نقول: إن الفائدة الكبرى من إيجاد أوپرات أو شبه أوپرات في مصر حتى الآن إنما هي مادية فقط، وعائدة على فرق التمثيل وحدها.

وبعد هذه المقدمة فلننظر في وسائل الإصلاح ولندرسها بإنصاف وإخلاص:

التأليف

إذا شئنا أن تكون لنا أوپرا مصرية صميمة، فأول ما يجب علينا أن نعْنى به التأليف. وخيرٌ لنا أن نعترف بأننا نحكم على أنفسنا بالبلادة والجمود إذا كان كلُّ مجهودنا في التأليف النقل أو الاقتباس عن الغربيين. ولا أنكر أن النقل أو الاقتباس لا يخلو من فوائد، خصوصًا إذا كان مصحوبًا باقتباسٍ موسيقيٍّ أمينٍ، ولكن هذا لا يجدي نهضة التأليف المنشودة. وهذه مصر غنية بتاريخها وقصصها القديمة، ولديها في كل ذلك ثروة لا تفنى؛ ليستمد منها مؤلفو الأوپرات موضوعاتها، ولو لم تكن لدينا «مادة» تاريخية لكفتنا قصص (ألف ليلة وليلة)، للتأليف الخيالي أو الرومانتيكي على الأقل، ومنها استمد الأوروبيون أكثر من أوپرا. فلا عذر لنا في النقل عنهم إلا إذا شئنا الانتفاع بالموسيقى الأوروبية، وإلا فلدينا في تاريخ مصر قديمًا وحديثًا، وفي قصص البرْدي وفي حكاياتنا الوطنية غنية وافية للمؤلف الجريء الذي يعرف واجباته القومية نحو الأدب والمسرح معًا ولا يتشدَّق بحب الفن للفن دون أن يفهم من فلسفة الفن، ولا من فلسفة الحياة ولا منْ حق الوطن عليه شيئًا.

هذا عن الموضوع، وأما عن لغة التأليف فالمفروض في الأوپرا أنها تمثل الفن بأرقى صوره؛ ولهذا لا يكفي أن تكون لغتها مهذبةً بل لا بد أن يتجلى فيها الشعر الراقي السليم. نحن لا ننتصر للغة التقعر، وكذلك لا ننتصر للغة الابتذال ولا للعامية المجردة، وإنما نحب الاعتدال. وحسبنا أنه من الميسور جدًّا التأليف — سواء نظمًا أو نثرًا — بلغة صحيحة سهلة لن يشق على العامة فهمها ولن يأباها الخاصة: كذلك كان معظم ما أنشأه فقيدا الأدب والمسرح المرحومان نجيب الحداد وطانيوس عبده. بيد أن هذا لا يعني أننا نطعن في استعمال اللغة العامية على المسرح في مواقف درامية أو مجونية معينة (وقد نجح في هذا النوع من الصياغة الأستاذ أنطون بزبك المحامي صاحب «عاصفة في بيت» و«الذبائح»)، ولسنا من يقف دون صقل الألفاظ العامية عند الحاجة والاقتباس منها «وتطعيم» اللغة الفصحى بها، ولكننا في الوقت ذاته نعتقد أن المؤلف القدير يستطيع أن يكسو روايته بلباس من الأسلوب السهل الجميل الذي لا يسيء إلى اللغة، كما لا يسيء إلى المدارك رغم تباين طبقات السامعين، ونرى أنه من الواجب أن تكون لغة الأوپرا من السمو بمكان وأن يكون نسقها النظم ولن يرضينا — مهما سمت المعاني والتلحين — أن يساء إلى اللغة بمثل هذا الشعر الذي نقتطفه من رواية (شهرزاد):

أنا إنْ سالتْ دموعي
وَلَّا هبتْ نارْ ضُلوعي
كل دَهْ طالبْ رُجوعي
تاني للبرِّ الجميلْ!
طولْ ما نهر (النيلْ) بيجري
أنا لا أنذل عُمري
وإنْ حكَمتِ أي مصري
تحكمي عَ المستحيلْ!

كما لا ترضينا لغة الأسجاع التي اتبعها المرحوم إسماعيل بك عاصم في تأليفه. خذ مثلًا رواية (حسن العواقب) التي ظهرت سنة ١٨٩٤م. واقرأ قوله على لسان طاهر لفاخرة: «أحسنت يا فاخرة، وبخ لأفكارك السافرة، وإن الثلاثة التي يحيا بها الإنسان، متوفرٌ عندنا منها اثنان، وهما الصدقة الجارية، وكتب العلم الوافية» إلخ، على أن هذه اللغة أشرف مرارًا من لغات بعض التآليف الحديثة، فالأولى سلسة رغم تكلفتها، كما أنها غالبًا سليمة ونظمها رقيق، كما ترى في قوله على لسان سعيد مخاطبًا سعاد:

يا (سُعادُ) ودِّعيني
واحفظي عهدي المُصَان
وإلى الهمِّ دعيني
هكذا حُكمُ الزَّمانْ

(وقد أخطأ في قوله: «المصان» فصوابها «المصون»، و«المصان» لغةً غلاف القوس.) وهي بحقٍّ لغة لم يصل إليها بعض مؤلفي اليوم الذين يتصدَّوْنَ بجراءة للنظم المسرحي على الأخص، فتخرج آثارهم خليطًا عجيبًا من الفصحى والعامية …

ومن العجيب أن مديري الفرق التمثيلية يدعون أن شعراء البلد الممتازين وكتابه لا يتعاونون معهم، فيضطرهم ذلك إلى الانتفاع من أقلام من لم يبلغوا مرتبة الأدب الناضج، ويلجئون عادةً إلى الترجمة والاقتباس، ويعتذرون بقولهم: إن جهدهم كيفما كان خير من لا جهد … وهذه مغالطة واضحة، فهم يعلمون حق العلم أنه إذا كان بين شعراء مصر وكتابها من قد تسمح له الظروف وتدعوه العاطفة الشريفة إلى التبرع بآثار قلمه لفائدة جمعية خيرية أو ملجأ إحسان مثلًا، فجميعهم تقريبًا في حاجة إلى التعاون المادي وإن قل، ومن الفضيحة أن تبلغ الأنانية بأصحاب الفرق التمثيلية مبلغ البخل المتناهي بتشجيع التأليف المسرحي بينما نهضة التمثيل مرتبطة كل الارتباط بنهضة التأليف، وهذه الحقيقة منطبقة بالأخص على الأوپرا. فما على حضرات مديري الفرق إلا أن يتقدموا بمكافأةٍ معقولةٍ إلى المؤلفين، وهم لن يعدموا حينئذ القصص الراقية على اختلاف أنواعها تلبيةً لتشجيعهم. وهذا التشجيع تحتاج إليه الأوپرا على الأخص إذا كنا جادين، ومن المغالطة المخجلة أن تربح الفرق التمثيلية الغنائية المئات من الجنيهات بل الألوف من قصص تافهة لا قيمة أدبية لها ولا تخدم الأوپرا أقل خدمةٍ حقةٍ، ثم يضن على الشاعر العصري المؤلف بعشرات قليلة ثمنًا لجهده وإبداعه القيم.

التلحين

للموسيقى منزلة عظيمة في الأوپرا، وهي منزلة التزكية للشعر كما قال جلك (Gluck)، وقد أشرت سابقًا إلى ضرورة احترام الألحان الأصلية أو روحها على الأقل في الأوپرات المترجمة، وإذا لم يكن هذا مستطاعًا استطاعة وافية فلا أقل من أن نحترم أنفسنا باحترامنا الفن، فنشجع تمثيل الأوپرات الأجنبية بلغاتها وألحانها الأصلية لفائدة الخاصة والمتعلمين منا الذين يعدون بعشرات الآلاف، وفي وسعهم تفهم هذه الأوپرات وتقديرها. ولم توجد الأوپرات في الأصل لمرضاة العامة، وإنما هي نوع راقٍ من الفن، بل مزيج من فنون لن يقدره التقدير اللائق به غير المتعلمين، فلن يحرم عامة الشعب من فائدة ما بوجود هذا التمثيل الأجنبي سواء باستمرارٍ أو في موسم السياح فقط، أضف إلى ذلك أن لثقافتنا كل الفائدة من هذا الجوار والاتصال.

وإنما الذي ينتفع منه الشعب جملةً من خاصته إلى بعض عامته هو تكوين الأوپرا المصرية تكوينًا قوميًّا: تأليفًا وتلحينًا، ثم تحبيبها إلى الجمهور. وقد أشرنا إلى التأليف في السطور المتقدمة والآن نشير إلى التلحين، ونرانا في غنى عن البرهنة على ضرورة التعاون بسخاء مع الملحنين، فالمؤلف والملحن عمودا النهضة المسرحية للأوپرا، مهما أطنبنا في فضل المغنيات والمغنين. وما لم يُنفَق بسخاء لتشجيع التلحين فسيطول الزمن قبل أن ينشأ في البيئة المصرية ملحن وطني ضليع في فنه علمًا وعملًا، غيورٌ على إنشاء موسيقى مصرية يرضى عنها علماء الموسيقى النابغون في العالم، وتمثل عواطفنا وحياتنا المصرية أصدق تمثيلٍ. ومثل هذا الإنشاء سيعد طبعًا ثورة فنيةً، وقد تعد هذه الثورة من الآن مستحيلةً نظرًا للاختلاف الكبير بين أصول الموسيقى المصرية الحاضرة وبين أصول الموسيقى الغربية عامَّةً، ولكن الغربيين أنفسهم لم يبلغوا بموسيقاهم مرتبة النهضة الحاضرة إلا بثورة وتضحيةٍ وبالتخلي عن كثيرٍ من النُّظم القديمة، وهكذا لا بد لنا من الإقدام والتجربة، وإن طال الزمن. ومن أقدر على هذا الجهد والإبداع من أعضاء (نادي الموسيقى الشرقي) أو جمعية خاصة تتفرع منه وتجعل عملها مطابقًا لشعارها ولاسمها: (جمعية الموسيقى المصرية)؟ نحن لا نجهل الاعتراضات الفنية الحاضرة على مثل هذا الرأي، ولكننا نعلم أيضًا أن التجارب العلمية والتعاون لتحقيق هذا الانقلاب الفني أو لتقدير العقبات، وما يمكن التغلب عليه منها لم تُقدَّم. وبغضِّ النظر عن هذه النقطة، وكيفما كان قصور موسيقانا المصرية، فلا غنى لنا من الوجهة القومية عن تطبيقها على أوپرانا والسير بها مع الشعر التمثيلي جنبًا لجنب إلى الأمام، وهذا يستدعي التشجيع المادي الوافي للشعراء والملحنين من المسارح الراقية، والتشجيع الأدبي بالأوسمة أو الألقاب أو نحوها — من حكومة جلالة الملك — شأن جميع الحكومات المتمدينة في أنحاء العالم التي تعرف أن لا تقصر الاحترام والتشجيع الأدبي على طبقة الموظَّفين أو طبقة الأعيان، وقد يكون بين الأخيرين طائفة كبيرة منزلتها من الثقافة وأثرها في النهضة الفكرية الوطنية صنوُ العدم …

الغناء والتمثيل

أما واعتمادنا الفني قاصر على مواطنينا ولم نغنم غنمًا وطنيًّا ما من ڨردي وأمثاله، ولم يتمصر بيننا مثل هاندل (Handel) الموسيقي الألماني الشهير الذي قضى معظم حياته الخصبة (١٦٨٥–١٧٥٩م) في إنجلترا وخدم الموسيقى الإنجليزية والشعب الإنجليزي الذي عاش بينه كأحد أفراده خدمةً عظيمة بتآليفه العديدة (وبينها «المسبح» و«إسرائيل في مصر» و«إستر» و«ديبورا»). أما وهذا هو الواقع الأليم فمن الخطل في عُزلتنا هذه التي أوجدتها ظروفنا الأهلية من جنسيةٍ ولغةٍ ومشربٍ أن لا نحرص على استثمار رجالنا الملحِّنين أولًا ثم مغنياتنا ومغنينا.

وما يكون هذا التشجيع أو الاستثمار بالمكافآت الحكومية المسرحية فقط، وما يكون بنقل تبعية دار الأوپرا إلى وزارة المعارف فحسب، وما يكون بإنشاء معهد فنِّي يرتبط بدار الأوپرا، ويختص بالعمل على ترقية موسيقى الأوپرا وغنائها أيضًا، وإنما يكون بالجمع بين هذه العوامل المفيدة مضافًا إليها تنظيم البعثات إلى أوروبا من بين أعضاء هذا المعهد الذي لا نرى مندوحة عن إنشائه، لا سيما إذا توانى (نادي الموسيقى الشرقي) عن القيام بالواجب عليه نحو الأوپرا المصرية. وربما لم يغن جهد النادي وحده على أي حال عن إنشاء المعهد الفني المشار إليه.

هذا ولا فائدة من ضم دار الأوپرا إلى وزارة المعارف إذا لم تعتبر الوزارة تلك الدار كمدرسةٍ فنيةٍ شعبيةٍ، كما تنظر ألمانيا على الأخص إلى دور الأوپرات: مشجعة طلبة العلم على التردد عليها بأجور مخفضة وامتيازات حسنة، وكذلك إذا لم تنشط الوزارة فرق الأوپرا على الأخص، وإذا لم تسمح لها جميعها بالانتفاع بدار الأوپرا بشروط مشجعة، تضمن لها النفع والبقاء والتقدم المستمر.

يعوزنا أن نعتبر الغناء في الأوبرا متممًا للموسيقى لا سيدًا لها، كما يعوزنا أن نعتبر التمثيل من المتممات للعوامل الأخرى التي تؤلف تلك الوحدة الفنية القويَّة المتضامنة التي نسميها «الأوپرا»، وإذا قدرنا هذا التقدير الصحيح تركنا للملحن أن يضع ألحانه بحريةٍ فنيةٍ معقولةٍ تطابق روح القصة، كما تركنا للشاعر من قبل أن يؤلف تأليفًا وجدانيًّا غير متأثرٍ بالصناعة، وحينئذ نبحث عن المغنيات والمغنين والممثلات والممثلين ممن يحتاج إليهن وإليهم لتقوية الفرقة في سبيل إخراج أوپرا معينة جديرة بالظهور. ورأيي أنه من الإسراف في العبث أن تترك أية مغنية قديرة أو أي مغن نابغة خارج دور الأوپرا.

تنفق بلدية فينا — مدينة الأوپرات — إعانةً سنويةً للأوپرا كما كان يفعل الإمبراطور سابقًا، وتحذو حذوها بلديات أخرى كثيرة رغم نهوض تلك الأوساط بالأوپرا، وترجع هذه الحفاوة (الجديرة بالتقليد) بالأوپرا في ڨينا إلى القرن السابع عشر حينما عني إمبراطور النمسا ليوبولد الأول ثم ابنه شارلس السادس باستدعاء مشاهير الموسيقيين إلى البلاط، وكانا يدفعان من جيبهما الخاص بسخاء نفقات التمثيل الموسيقي في مسرحيْ ڨينا المعروفين في ذلك الوقت. وإن التاريخ ليعيد نفسه الآن في مصر: فنهضة الأوپرا المصرية في أمس الحاجة إلى رعاية صاحب الجلالة الملك، كما أنها في حاجة إلى زيادة عناية الحكومة المصرية بها، وإلى تنظيم هذه العناية الواجبة وتوجيهها بدقةٍ إلى شتى الأسباب التي لا غنى لنهضة الأوپرا عنها: من تأليفٍ وتلحينٍ وغناءٍ وتمثيل.

لقد كان عهد اكتفى فيه طالب الأدب العالي أو الأدب المدرسي (elassical literature) في أوروبا بدراسة الكتب والدواوين، وجاء العصر الحديث الذي اعتزت فيه الأوپرا، فإذا به يراها مدرسةً ساميةً للأدب، فيجد مثلًا من مؤلفات شكسبير كعطيل (Othello) والزوجات القريرات (Merry Wives) ومن مؤلفات سكوت كعروس لامرمور (Bride of Lammermoor) ما يُمثل تمثيلًا موسيقيًّا بروح الأوپرا وما يذكره على رأي ووكر ماكسبادن (J. Walker Me Spadden) بأن العلم بالأوپرات القياسية في هذا العهد ضروري كالعلم بالأدب المدرسي، فكل منهما يلقي ظل نفوذه على الآخر، والحد بينهما متنقِّل باستمرار من مجالٍ إلى آخر.

وإذن فنحن في مصر لن نكون أقل من نظرائنا في الغرب إلى هذه الحاجة الدراسية، ولن يستوفي الأديب بيننا حاجته من الثقافة بالاكتفاء بدرس القديم مهما جل سواء سمي «ديوان البحتري» أو «رسائل بديع الزمان» أو «الأغاني» أو غيرها، وإذا أدرك ممثلات وممثلو الأوپرا قيمتها الأدبية الفنية هكذا فما من شكٍّ في أن فرق الأوپرا تبذل أقصى المجهود لخدمة التمثيل مثل خدمة الموسيقى والغناء. وهكذا تتم عوامل الإتقان لفخرنا جميعًا.

صحيح أن بعض الأوپرات تجملها بعض القطع الموسيقية أو الغنائية المحضة، كما نعرف في قصة «حلاق أشبيلية (The Barber of Seville) مثلًا وقطعة غناء الجوهرة (The Jewel Song) في قصة (فاوست Faust)، ولكنَّ كل هذا في حكم الشاذ الذي لا يعارض المذهب الأصح: وهو أنه لا بد — لكي تبلغ الأوپرا أرقى مكانة من السمو — من تضافر عوامل الشعر والموسيقى والغناء والتمثيل تضافرًا كليًّا لتخرج وحدةً منسجمةً آسرةً للمشاعر، بحيث يكون التأليف الشعري مبعث إلهامها، والموسيقى مزكيةً له، والغناء صلة الارتباط بينهما، والتمثيل موحدًا للجميع بتصويره الشكلي، ولكنه لن ينجح في مهمته النجاح التام ما لم يبذل كل من الشاعر والملحن والمغني أقصى المجهود لأداء التصوير الفني في دائرة اختصاصه على أحسن ما يكون كأنما لا يعتمد إلا على مجهوده وحده. فإذا ما قامت نهضة الأوپرا في مصر على هذه الأسس المتينة، وإذا ما كان رائدنا الإبداع لا الجمود ولا التقليد — اللهم إلا في محاولة التوفيق ما بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية، وإيجاد موسيقى خاصة بنا على أرقى المبادئ العصرية — وإذا ما راعينا دائمًا تمثيل قوميتنا التمثيل الأوفى في عملنا الفني هذا، فمن المعقول تدريجيًّا أن تنشأ لنا أوپرا وطنية على مرور الزمن، وأما إذا اكتفينا بالتواكل أو النقل عن الأجانب أو مراعاة الفائدة المادية وحدها فلن تقوم لنا قائمة، ولن ننتفع من هذه المجهودات المبتورة بأكثر من انتفاعنا من كل عملٍ أجنبيٍّ محدود الأثر يعود فخره لغيرنا، ولا يكسبنا اعتدادًا بالنفس أو تشجيعًا. وقل ذلك أيضًا عن التأليف — (وإن كان وطنيًّا) — الذي لا يقصد منه سوى التهريج وإدهاش النظارة المستمعين إلى ألحان ومشاهد غير مألوفة لا يعززها نصيب من الأدب العالي سواء من الشعر أو روح الدرامة، فإن كل ذلك مصيره الاندثار كالفقاقيع، دون أن يربح الشعب ربحًا فنيًّا خالدًا من وراء ذلك.

وأخيرًا لا بد لنا من التنويه تكرارًا بضرورة اجتذاب عباقرة المغنين والمغنيات إلى المسرح، فإنه أرقى من التخت وأنفع للأمة، وفي استطاعة هؤلاء النوابغ والنابغات بتفهمهم وبتشربهن روح الفن إخراج نغم الأوپرا إخراجًا هو صفو الجمال الحي، وفي ذلك أيه خدمة لثقافة الأمة بخدمة فنونها المسرحية وبتحبيبها إلى الأوپرا، وكل ذلك مما يعين في النهاية على تكييف الأوپرا تكييفًا قوميًّا ممتازًا لن يتطرق إليه الفناء.

(٦) نظرة إلى إحسان

للحق علينا بعد هذا البحث المتقدم واجب النظرة النقدية إلى «إحسان» خدمةً للأدب وللأوپرا، وتدريبًا للأذهان على التقدير النقدي، ولكن علينا قبل ذلك أن نشير بالاطلاع على كتب النقد الغربية مبتدئين بالموسوعات أو دوائر المعارف المختلفة ثم بالكتب النقدية أو الشرحية أو البيانية الخاصة، ونذكر منها على سبيل المثل هذه المؤلفات بالإنجليزية:
  • (1)
    The opera Past and Present. By W. F. Apthorp.
  • (2)
    The Complete Opera Book. By Gustav Kobbé.
  • (3)
    A Critical History of Opera. By A. Elson.
  • (4)
    Opera Synopses. By. J. Walker Me Spadden.
  • (5)
    Knoch’s Opera Guide.
  • (6)
    Dictionary Of Music. By G. Grove.
  • (7)
    The Story of Opera. By E.M. Lee.
  • (8)
    Opera and Drama. By R. Wagner. translated from German By E. Evans.
  • (9)
    Mozart’s Operas. By E. J. Dent.
  • (10)
    The Rise and Development of Opera. By J. Goddard.
  • (11)
    Some Forerunners of Italian Opera. By W. J. Henderson.
  • (12)
    Plain Words on Singing. By William Shakespeare.
  • (13)
    Richard Wagner. By W. L. Henderson.
  • (14)
    The Life of Johann Sebastian Bach. By sir Hubert Parry.
  • (15)
    Light Opera. By Sterling Mackinlay.
  • (16)
    Favourite Operas. By Cuthbert Hadden.
  • (17)
    The Stories of the Great Operas With Music. By Ernest Newman and Sir Landon Ronald.
  • (18)
    The Standard Operaglass. By Charles Annesley.

وإذا كنَّا نرى أن دراسة الأوپرا فرض على الأديب الفنان في هذا العصر، فالأولى بها أن تكون واجبًا مقدسًا على الناقد المسرحي.

ومن الجدير بأهل الأدب في هذا العصر أن يعنوا بحيازة الأهم من مؤلفات الأوپرا ومباحثها النقدية، فقد أصبحت الأوپرا معدودة أرقى مظهر للأدب الحديث، وصار لها من التعريف ما لم يكن مقدرًا منذ قرنين، فليس اسم الأوپرا الآن دليلًا على اشتقاقه الأصلي حيث يعني تأليفًا موسيقيًّا (اختصارًا من التعبير اللاتيني Opera in musica)، وإنما يعني أجمل معنى ومبنى لاقتران الفنون الثلاثة (الشعر والغناء والموسيقى) في كنف التمثيل، فأصبحت بذلك فرعًا هامًّا من فروع الأدب العصري الراقي، وأصبح من لا يعرف شيئًا عنها لا يستحق أن يسمَّى بالأديب المثقف. وقد يأتي الزمن الذي تمثل فيه الأوپرا ما هو أكثر من هذه الفنون في انسجام لطيفٍ مقبولٍ، كما قد يأتي العصر الذي يُطالب فيه الأديب المؤلف النابغة بأن يكون فنانًا كاملًا، فلا يتنحى عن نصيبه في تمثيل الأوپرا التي ألفها ما لم يعقه عائق طبيعي أو اجتماعي، وبناءً على هذا فليس من المبالغة في الرأي والتقدير أن ألح في ضرورة توجيه أهل النبوغ من مغنياتنا ومغنينا إلى التمثيل، ولا أرى خوفًا على مستقبل الأوپرا مهما تبدلت الأذواق بين مختلف الأجيال؛ وما ذلك إلا لأن أساس الأوپرا الثقافة الراقية، وكلما ارتقت الثقافة (Culture) كان حظ الأوپرا زيادة العناية بها وزيادة تهذيبها، وهذا ضمان حياتها ورقيها وبقائها في عزةٍ وإجلال.
وإنه ليشق على الأديب العصري الغيور أن يتصفح أي كتاب جامع من المؤلفات الحديثة الممتازة عن الأدب العربي وتاريخه فلا يجد أي ذكرٍ للتأليف المسرحي أو القصة عامة ولا أية إشارة للأوپرا على الأخص، كأنما نظم الباعونية وابن معتوق أولى بالإشادة من جهد نجيب الحداد وطانيوس عبده للمسرح في القرن الماضي وأوائل الحاضر، ومن مجهود الحداد ومطران والسباعي في ترجمة آثار شكسبير كيفما كانت عيوب الترجمة … وهكذا لا يفهم الطلبة المنزلة الأدبية الراقية للتأليف المسرحي، وقد يحسبون الأوپرا نوعًا من اللهو المجرد، بينما نظراؤهم في الغرب يعرفون قيمتها الدراسية والأدبية الفنية العالية، وحسبهم أن يعلموا في إعجاب أن الأوپرا (إرناني Ernani) والأوپرا (ريجوليتو Rigoletto) من أبدع آثار فيكتور هوجو، وأن (فاوست Faust) من طرائف (جبتي Goethe) وكذلك (تراڨياتا Traviata) من دوماس، و(كارمن Carmen) من (مرميه Mérimée) و(فولستاف Falstaff) من شكسبير، وهكذا معظم الأوپرات إما مؤلفة بأقلام أدباء الغرب أو مقتبسة من آثارهم الجميلة بأقلام أدباء كبار.

وبعد هذا، فلن يعوزني العذر والبيان ولن أحتاج للدفاع عن نفسي أمام جمود الجامدين لعنايتي بالتأليف المسرحي في أسلوب الأوپرا. وما أنكر أننا في حاجة إلى التأليف القصصي والمسرحي عامةً، ولكني أرى أن الشعر أحوج من النثر إلى هذه الخدمة، لا سيما وقد ظهرت طائفةٌ من الكتاب القصصيين والمؤلفين للمسرح نثرًا في العهد الأخير. وما (إحسان) إلا أولى الحلقات في سلسلة من التأليف أرجو أن تكون طويلةً ومفيدة، وأن أبرئ بها ذمتي أمام أهل الأدب عند استعراض الحقوق والواجبات.

نوع القصة

تحدثنا في أول هذا البحث عن تقسيم الأوپرا، وما كان ذلك التقسيم إلا نوعًا من التقاسيم العرفية قد لا يتفق أو لا يختلف أكثرنا فيه. وإنما لا نظن أن في استعراضنا الوجيز الآتي — الذي لا بد من ذكره لتعيين نوع هذه القصة — موضع خلاف.

الأوپرا في أسمى مظاهرها الحاضرة نتيجة التطور في ثلاثة قرون، فهي نتيجة النمو العلمي بعوامل النشوء والارتقاء ولها أساس من الفن الصحيح. نشأت في أكاديمية فلورنس (فلورنزة أو فيرنزة) غناءً مفردًا لقطع تراجيدية مستقلة ثم تدرجت فاستعانت بالمناظر المسرحية وبالتأليف المسرحي، فظهرت في مظهر من النضوج النسبي في الأوپرا (دفني Dafne) من وضع (پري Peri) وكاسيني (Caccini) سنة ١٥٩٤م، ثم تبعها بعد ست سنوات ظهور «يوريديس Euridice» ثم أخذت تتمشى فكرة تمثيل الأوپرا فانتقلت إلى نابولي والبندقية حيث عني بها أكبر عناية سكارلاتي (Scarlatti) ومنتڨردي (Monteverde) ثم انتقلت بمرور الزمن وتبادل الثقافة إلى فرنسا وألمانيا وإنجلترا وأسبانيا وروسيا إلخ، ثم تطورت إلى تأليف مذاهب الأوپرات السالفة الذكر: الإيطالية والفرنسية والألمانية، وهي التي تكون مذاهب الأوپرات الكبرى (Grand Opera)، وبمرور الزمن تفرع في فرنسا من الأوپرا الكبرى نوع سمح فيه بالكلام بدل الغناء، فلم تسمح دار الأوپرا الكبرى في باريز بتمثيل هذا النوع الجديد، وبناء على ذلك مثل في الأوپرا كوميك (Opéra Comique) الباريزية، ثم بمرور الزمن نشأت أيضًا الأوپرا الإنشادية (Lyric Opera) التي يعد بعض النقاد (كارمن Carmen) و(فاوست Faust) أمثلةً صادقةً لها. وما كانت هذه الأنواع إلا أمثلة للأوپرا الخفيفة المشتقة من الأوپرا الكبرى فاستحقت أن تسمَّى (Light Grand Opera) ومن صفاتها الجمع بين الغناء والحديث كما تتضمن شيئًا من الأوپرا الإنشادية (Lyric Opera) ومن الأوپرا المجونية (Comic Opera)، وبناء على ذلك فقد اتسعت مسافة الخلف بين واضعي الأوپرات الكبرى وبين واضعي الأوپرات الخفيفة، ولكل فريق تشبثه بمذهبه وتعصُّبه له.
ولو شئنا أن نذكر قائمة التقاسيم للأوپرا ومختلف الآراء في التقسيم لنال القارئ السأم على غير جدوى، فحسبنا إذن أن نكتفي بالتقسيم الكلي المتقدم ذكره إلى أوپرا كبرى (Grand Opera) وأوپرا خفيفة (Light Opera)، فتشمل الأولى أنواع الدرامة والمأساة الملحنة الغنائية، وتشمل الثانية الأوپرا الخيالية الرومانتيكية والأوپرا المجونية، وكلما قل فيها الكلام والنثر تجوز الأساتذة المدرسيون في قبولها بهذا القسم المتفرع عن الأوپرا الكبرى، ولا بد في كل من القسمين من مراعاة وحدة التأليف والتناسب بين الموسيقى والغناء، وتجنب التفكك والعناية العظمى بالإخراج الفني وبموضوع التأليف، وإلا خرجت القصة عن دائرة الأوپرا الحقيقية سواء أصلًا أو تجوزًا، وانتقلت إلى شبيهات الأوپرا التي لا تمت لها بصلة وافية: كالمضحكات الموسيقية (Musical comedies) التي لا يعنى فيها بموضوع القصص، وكالروايات الموسيقية العامة (Musical Plays) التي لا يحفل فيها بالغناء ما يحفل بالموسيقى، وكالهزليات الرقصية (Dance Comedies) التي ينال فيها الرقص العناية الكبرى، وكالاستعراضات (Revues) التي هي خليط مفكك من كل شيء! ويجب أن لا ننسى عندما نعنى بتمييز أوپرا من الأوپرات أن أحدث أنواع التقسيم للأوپرا الخفيفة الخيالية أو الرومانتيكية يشترط أن تكون خالية الموضوع من المأساة.

•••

هذا الاستعراض لا بد منه تذكيرًا للقارئ حتى يشترك معنا في الحكم بأن الأوپرا (إحسان) تابعة للتقسيم الأصيل، وأنها من نوع الأوپرا الكبرى، بغض النظر عن حجمها الصغير؛ لأن الحجم لا شأن له بالتقسيم وإنما روح القصة ومادتها وصياغتها هي التي ترشد إلى ذلك: فالقصة مأساة بالمعنى الصادق، وكلها منظومة بروح شعرية ومشترط فيها أن تمثل غناءً، وكلها وحدة متصلة الأجزاء أتم اتصال، وبذلك تستوفي الشروط الأساسية المطلوبة في الأوپرا الكبرى التي أعتقد أننا أحوج ما نكون إليها في مصر من الوجهة الفنية التهذيبية.

موضوع القصة

أما عن موضوع القصة فتاريخي وعصري معًا، ذو مسحة وطنية ومسحة خلقية أيضًا، وذو صبغة سياسية وهي الدعوة إلى «الاتحاد النيلي» الذي كثيرًا ما أشرت إليه نثرًا ونظمًا منذ سنين عن عقيدة من يؤمن بأن خير مصر ومستقبل نهضتها ليس إلا في اتحادها بالقطرين الشقيقين وهما الحبشة والسودان؛ أي في اتحاد ممالك حوض النيل، ولا رجاء لوطن الفراعنة في العزلة أو في الطموح إلى تبعية السودان له تبعية السيادة القهرية أو الاسمية الوقتية، وإنما كل الرجاء في تعاون هذه الشعوب الأفريقية الثلاثة تعاون الإخاء الصادق والارتباط الودي كتعاون إنجلترا وأسكوتلندا وويلز، بل كتعاون الممالك المستقلة التي تؤلف الإمبراطورية البريطانية دون أن تفقد شخصياتها.

وكان في وسعي بدل ذلك أن أؤلف أوپرا عن توت-عنخ-آمون أو عن كليوباترة، وموضوع كليهما أصبح مبتذلًا، وليس الأول بأعظم من (أخناتون فرعون مصر) الذي هو موضوع إحدى الأوپرات المقبلة لي، كما أن كليوباترة ليست بموضوع فخرنا القومي، وإذا كان الإنجليز لم يفخروا بل لم يعنوا باللادي هاملتون (Lady Hamilton) معشوقة أميرالهم العظيم نلسون، فما أجدرنا نحن بتجنب سيرة ملكة فاجرة هدمت المملكة المصرية بخلاعتها وضعفها الخلقي، وكانت معشوقة يوليوس قيصر ومارك أنطوان، فقصتنا إذن ترمي إلى أغراض شريفة متنوعة تتفق كل الاتفاق ومذهب الأوپرا الكبرى، وتغالي في الحرص على حرمة التأليف حتى لا يكون مظهرًا ضعيفًا لعبث الغناء والموسيقى.

صياغة القصة

أما وهذه أول أوپرا مصرية مؤلفة من هذا النوع، فقد حرصت على أن تكون لغتها في منتهى السلاسة حتى لا تعدَّ نافرةً من الغناء شاقةً على الفهم، وقد راعيت منتهى الإيجاز المقبول حتى لا تجهد المغنيات والمغنين، فيعرض عنها لا سيما في أول نهضتنا بالأوپرا، ولو كان من المصلحة الإسهاب لكان هذا أهون علي من وضع ثلاثة فصول في هذا العدد القليل نسبةً من الأبيات، وأرجو أن تكون هذه الأوپرا ممهدةً ومجيزةً لي الإطالة في أختها التالية (إخناتون — فرعون مصر) وفي غيرها مما وضعته.

ومع مراعاتي الروح الشعرية، فأرجو أن أكون قد وفقت إلى تجنُّب التعابير اللغوية التي يرفضها الذوق الفني في هذا المقام، وأن أكون قدمت بها خدمةً مقبولةً إلى الأدب العربي المصري، وأن يكون منها البرهان الكافي على أنه من الميسور التأليف باللغة الفصحى السهلة تأليفًا أفضل مرارًا من التأليف بالعامية في المقام الذي لا يناسب فيه مطلقًا التأليف العامي الذي يحبذه الأستاذ أنطون يزبك وأنصاره. كذلك أرجو أن يكون منها الدليل الكافي على أن الشعر المنظوم قادر على أداء جميع مطالب الدرامة وعلى التوفيق ما بينها وبين الغناء والموسيقى والتمثيل العصري، وتجنبًا للتكرار ألفت نظر القارئ إلى مراجعة فصول القصة وتطبيق هذه الملاحظات تطبيق نقدٍ وإمعان.

مناظر القصة

بين النُّقاد المحافظين من يغالون في تحتيم المناظر الفخمة للأوپرا، ولكن هذه عقيدة طال عليها القِدَم ولم يبق لها نفوذها السابق في الأوپرا الناهضة، فلم يعد يؤمن بها المفكرون الذين يحفلون بالدرامة وارتباطها الوثيق بالموسيقى والغناء قبل أن يحفلوا بالزخرفة والبهرج، وبين هؤلاء سترلنج ماكنلي (Sterling Mackinlay) صاحب كتاب (الأوپرا الخفيفة Light Opera)، وهو من أنفس الكتب النقدية الإرشادية التي لا غنى عنها لكل ذي صلةٍ بهذا النوع من الأوپرا تأليفًا وتلحينًا وتوقيعًا، وإخراجًا وتمثيلًا ورقصًا إلخ. وقد صدق المستر ماكنلي في سؤاله الإنكاري:
منذ أي عهدٍ كان الفنُّ عالةً على الفخامة؟ وكيف يمكن تطبيق ذلك التعريف على الفصل الأول من (البوهيمية La Bohéme) حيث يمثل المنظر غرفة في سطح البيت؟ لا! إن كلمة الفخامة للمناظر واجبة الحذف من تعريف الأوپرا.
ولم يكن شاقًّا علي خلق المناظر الفخمة الرائعة وتجديد قصر إسماعيل في الجزيرة وغيره مثلًا، ولكننا أحوج من الأوروبيين إلى تجنب البهارج المفسدة للذوق الفني، ويجب أن ننتفع بخبرتهم النقدية وأن نتحاشى المغالاة في الزخرفة التي قد تسقط بالأوپرا إلى البنتوميم (Pantomime) أو إلى مجرد الاستعراض (Revue) الذي لا روح له من الفن الحقيقي. وقد دلت الخبرة على أنه كلما قلت المبالغة بالزخرفة استطاع الجمهور أن يلتفت إلى موضوع القصة، وأن يتذوق بلذة معانيها الأدبية وتعابيرها الموسيقية بل وحدتها الفنية الكاملة، وهذا ما نزعت إليه في هذه الأوپرا وإن ترك فيها مجال كافٍ لإخراج مناظر شائقة ومؤثرة، وأرجو أن أكون قد هيأت بذلك سببًا آخر قويًّا من أسباب نجاحها.

التمثيل والتلحين

التمثيل للأوپرا (ويشمل الغناء) والتلحين (الذي هو إمام الموسيقى والمغني الممثل) خارجان بطبيعة الحال عن دائرة نفوذ المؤلف، اللهم إلا من قبيل الإرشاد العام. ولعلي بما قدَّمت من تعابير شعرية منظومة متنوعة الأوزان، وبما ذكرته من الإرشاد التمثيلي قد نقلت إلى الملحن العواطف الجياشة في نفسي حينما تخيلت هذه القصة ونظمتها، كما أرجو أن يكون منها المعين أيضًا للمغني الممثل، وكذلك أن تكون في هذه النظرات والملاحظات فائدة ذهنية تساعد على إخراج الأوپرا بحماسة فنية وتقدير صحيح، ولن يكون ذلك ما لم يعرف أهل المسرح حق المعرفة مغزى الأوپرا ومرماها، وما لم تتَّسع معارفهم بتاريخ الأوپرا ونهضتها وبالواجب القومي المنشود منهم في هذا المجال؛ ولهذا لم أدخر وسعًا في إنشاء هذا البحث النقدي ليكون جامعًا أقصى المستطاع — في الفراغ المتيسر — للضروري من معلومات عن الأوپرا مما هي خليقة بعناية الأدباء وأهل التمثيل معًا. ولفرقنا مديروها الغنيون الذين بخبرتهم الطويلة واطلاعهم المستمر على المؤلفات الغربية النقدية يستطيعون أن يخدموا تمثيل الأوپرا في مصر خدمة جليلةً نازعة دائمًا إلى التقدم المستمر.

تلخيص

تمثل الأوپرا (إحسان) نموذجًا متواضعًا للأوپرا المصرية الصميمة التي تفتقر إليها موضوعًا وتفكيرًا وأسلوبًا، والغرض من إظهارها خدمة الشعر العصري والأدب المسرحي معًا، والتعاون على إيجاد أوپرا مصرية أصيلة واعتبارها فرعًا ساميًا جديرًا بالإكبار من الثقافة الحديثة، بدل أن نعيش عالةً على المتقدمين لا نتعدى حدود تبويبهم وتفكيرهم وتعريفهم لمعنى الأدب الفكري، ومن أجل ذلك كله ونظرًا لكونها الأولى من نوعها في العربية تحاشيت كل تعقيدٍ في إخراجها المسرحي وكل ما يمكن أن يقف في سبيل إظهارها وتحبيبها إلى الجمهور، فتجنبت الإطالة وتحاشيت ما يستدعي النفقة الباهظة، وراعيت سهولة التعبير مع المحافظة جهدي على سمو التفكير، وضمَّنتها أخلص العواطف الوطنية التي يصونها فؤاد مثلي الذي يعتقد أيضًا بأن الإنسانية لا تتجزأ. وإذا كان الرأي الشائع أن المجتمع هو الذي يكيف أدباءه قبل أن يكيف الأدباء المجتمع، فقد تخطيت هذا الرأي ولم أتخذه عذرًا للتواني، وقمت رغم شواغلي العلمية بفرض الزكاة الأدبية الواجبة على كل أديب، والآن أنتظر بدوري تشجيع المجتمع الذي كنت الأسبق إلى خدمته برًّا بنفعه قبل نفعي، حتى استمر بالعزيمة الواجبة في خطة التأليف المسرحي التي أقدمت عليها بقلبٍ مخلص ووجدانٍ غيورٍ يعشق الفن للفن،

أحمد زكي أبو شادي

هوامش

(١) اقتبس العرب اسم «الموسيقي» (بكسر القاف) أو «فن الألحان» من الاسم اليوناني Mousiké (موزيكي — بكسر الكاف)، ولكن أدباء القرن الماضي اختاروا فتح القاف تعريبًا للكلمة من اللفظ اللاتيني Musica (ميوزيكا)، وبينهم من عربها «موسيقى» بفتح القاف. ولا نرى مانعًا من استعمال الكلمات الثلاث وإن كان لفظ الموسيقى (بفتح القاف) أخف على السمع، وقد أصبح مألوفًا مستحبًّا في عصرنا، وهو يمنع الالتباس أحيانًا بكلمة الموسيقيِّ (بتشديد الياء). ومن شواهد الاصطلاح القديم على ضبط الكلمة قول أبي الفرج الأصفهاني (صاحب «الأغاني») في رثاء ديك من قصيدته التي مطلعها «خطب طرقت به أمر طروق»:
وكأنَّ مَجْرَى الصوتِ منكَ، إذا نبتْ
وجَفَتْ عن الأسماعِ بُحُّ حُلُوقِ
نايٌ دقيقٌ ناعمٌ قُرنَتْ به
نَغَمٌ مَؤلَّفَةٌ من الموسيقي!
(٢) ولد سنة ١٨٥٨م. توفي سنة ١٩٢٤م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠