نقد الأوپرا إحسان

للشاعر المطبوع زكي أبو شادي

بقلم  الأستاذ الأديب محمد علي حماد
figure
الأستاذ حماد.
  • أولًا: لم تجر العادة بعد أن تحدث وقائع الروايات التي من هذا النوع — الأوپرا — في أجواء عصرية وبين قوم معاصرين، بل تلتمس مواضيعها دائمًا في ثنايا التاريخ أو في أوساط غريبة غير مألوفة، كأن تحدث بين أصناف من مخلوقات الله لا عهد لنا بها كالجن مثلًا أو يكون قوام القصة خرافة شائعة أو أقصوصة متداولة.

    والمهم في كل هذا شيئان؛ أولًا: يحسن أن يرجع المؤلف الفاضل بوقائع قصته إلى التاريخ القديم — تاريخ الفراعنة — وليس عليه في هذه الحالة إلا أن يغير أسماء أبطاله ويبقي للقصة قوامها الأصلي من الحرب بين مصر والحبشة. فتاريخنا القديم مملوء بمثل هذه الحروب كما ستظل الصلة كما هي بين أبطالها من سفر أمين بك إلى الحرب، ثم خيانة صديقه له ثم رجوعه.

    وثانيًا: يستطيع المؤلف إذا غير في عهد حدوث روايته على النسق الذي تقدم أن يعين الفرقة التي ستتولى إخراجها على وضع مناظر فخمة لها. وما أظن منظرًا من مناظر غرف قصورنا العصرية مهما كان بهاؤه ورواؤه يعادل في الفخامة والجلال أو على الأقل في الإعجاب لدى الجمهور منظرًا مصريًّا قديمًا بأعمدته وهيكله وأنموذجه الخاص.

    ولا يفوت المؤلف الأديب أن قوام الأوپرا ثلاث: (١) فخامة المناظر والملابس. (٢) سلاسة الشعر والحادثة. (٣) جلال الموسيقى وقوة تعبيرها.

    أما عن الثاني فالأستاذ زكي خير من يركن إليه في هذا السبيل، وأما عن الثالث فوديعة بين يدي الملحن، وأما عن الأول فأمره موكول إلى الفرقة التي ستخرج الرواية. فيا حبذا لو أعانها المؤلف فوضع قصته في العهد الفرعوني؛ ليتسع لها مجال إعداد المناظر الفخمة الرائعة والملابس الثمينة المنتقاة.

    وأريد أن أشير هنا إلى نقطة بسيطة سأعود إلى شرحها بعد قليل: تلك أن الرواية مع أنها أوپرا تكاد تخلو من الفرق المنشدة (كورس Chorus)، ولعله وجد صعوبة في إيجادها في وسط مصري عصري تمنع التقاليد والعرف السائد من اختلاطه مع غيره، كما في الفصلين الأول والثالث، ولكن في الجو المصري القديم ممكن أن توجد الفرق المنشدة في كل فصل في الرواية وبمناسبات معقولة: فمثلًا في الفصل الأول يصح أن تدخل جماعة: (١) في ثوب أصدقاء أمين بك آتين لوداعه قبل رحيله. (٢) أو بعض زملائه الراحلين معه إلى الحرب. بل ويمكن للمؤلف إن شاء أن يدعو أفراد قرية أمين بك كلهم نساء ورجالًا لوداعه، فيكون ثمة منظر جميل وتسدل الستار في روعة وجلال.

    ويمكن مثلًا في الفصل الأخير: (١) أن نرى جماعات الكهنة من قدماء المصريين يطيبون إحسان بأدعيتهم وبخورهم، ويسألون السماء شفاءها، وكل هذا في لحن بديع يأخذ بالقلوب. (٢) وممكن مثلًا أن تسدل الستار على لحن مفجع حزين بعد موت بطلة القصة ينشده الجميع.

    كل هذا في حيز الإمكان وكل هذا يكسب الأوپرا:
    • (١) جوًّا ممتعًا لدى الجمهور.
    • (٢) ويريح أبطالها من الغناء المتصل، وسأشرح هذه النقطة أيضًا.
    • (٣) ويعطي الملحن فرصة للتنويع والإجادة.

    وكل هذا ممكن أن يتم بإدخال تعديل بسيط على (الهيكل) الموضوع الآن لا يئود المؤلف الفاضل ولا يشق عليه، والأمر بين يديه …

  • ثانيًا: مع اعتراف المؤلف الفاضل في كلمة «تصديره» بأن الأوپرا مجهدة بغنائها المتواصل فإنه يرهق أبطاله بالغناء.
    • (١) المشهد الأول من الفصل الأول بين أمين بك وإحسان مسهب طويل أخشى أن يرهق المنشدين. ثم الرسالة التي تأتي لأمين بك من صديقه أظن من الخير لو كانت كلامًا مرسلًا يوقع على الموسيقى؛ لأني أظن أنه من العسير على الملحن أن يضع موسيقى لأبياتها الإحدى عشر، وفي لهجة من يقرأ رسالة. هذه القطعة يجب أن لا تغنى بل يجب أن تكون طبيعية ما أمكن، وأن يلمس فيها الجمهور لهجة الرجل الذي يقرأ رسالة لا نغم الذي ينشد؛ ولذلك يجب أن تقتضب في بيتين أو ثلاثة أو توضع كلامًا مرسلًا.
    • (٢) وكذلك المشهد الأول من الفصل الثالث بين أمين بك والحاج رضوان فهو طويل، ولكنه على العموم محتمل قد يسهل على أفراد الرواية القيام به دون تعب أو مشقة.
    • (٣) أرجع إلى نقطة أشرت إليها في سياق الحديث، وتلك هي خلوُّ الرواية من الفرق المنشدة (كورس Chorus)، فدعا ذلك المؤلف إلى إطالة المواقف بين أفراد الرواية، ولو أتى لنا بهذه الفرق المنشدة لاستطاع أن يختصر في غناء أبطاله، فيريحهم من ناحية ويكسب روايته مظهرًا جميلًا من ناحية أخرى.
    • (٤) طول البحور الشعرية التي لجأ إليها المؤلف، فإن فيها صعوبة كبرى على الملحن وعلى المغني معًا، ويا حبذا لو لجأ إلى بحور صغيرة ومتغيرة من حين لآخر، وأجدني هنا مضطرًّا إلى أن أعجب كل الإعجاب ببعض مقطوعات الرواية:
      • (أ) قطعة الغناء التي تنشدها إحسان في الفصل الأول:
        اسمع إذن يا حياتي
        عهد الفؤاد … …
      • (ب) عمر بك:
        ماذا جرى يا بني؟!
        «ماذا جرى يا فتاتي»؟!
      • (جـ) أمين بك «الفصل الثاني»:
        إني المقدر جهدي
        فرضي وحق بلادي
      • (د) إحسان «الفصل الثالث»:
        يا حياتي أي قلْب لي هَلكْ
        … … … …
    • (٥) لست بالشاعر وما أظنني أكونه يومًا، ومع ذلك إذا سمح لي المؤلف الأديب أبدت له إعجابي بسلاسة شعره وجزالته، اللهم إلا في بعض ألفاظ قليلة من السهل إبدالها، واللهم أيضًا في هذا البيت من الفصل الأول، على لسان إحسان:
      روحي فداؤك ما حييتُ فإن أمتْ
      فلسوف تخلصك الوفاءَ عظامي!

      ليس لي من اعتراض على هذا المعنى الجميل الذي تضمنه البيت غير أني أخشى أن يتقول عليكم دعيٌّ فيقول: إنه هو هو البيت المشهور:

      فلأشكرنك ما حييتُ فإن أمتْ
      فلتشكرنَّك أعظمي في قبرها!

      هذا مجمل ما أردت قوله عن الأوپرا (إحسان) مع ملاحظة أني لم أتعرض لوضع القصة المسرحي؛ لأن الأوپرا عادة لا يتطلب في مسرحها الكثير من الدقة والتتابع.

وأقرئ سيدي المؤلف تحياتي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤