الفصل الثلاثون

اغتيال الملك سيف بأحراش الدلتا

ما إن عادت الأميرة مهردكار، من تلك الزيارة العاصفة، التي قلبت كيانها كله رأسًا على عقب؛ لقصر والدها الملك بهرام، حين استدعاها ذات مساء ليسألها عن أحوالها وما انتهت إليه أمورها بعد زواجها من الملك التَّبْع سيف بن ذي يزن، حتى فوجئت مهردكار بعاصفة أشد تأججًا داخل قصر زوجها الملك سيف.

– الملك سيف قرر العودة إلى ديار مصر.

توقفت مهردكار وهي تصعد سلالم القصر — التاريخي — أو القلعة الرخامية التي اتخذها الملك سيف مقرًّا لحكمه، والتي فرشت بفاخر الطنافس الفارسية.

مضت متطلعة في رهبة لما يجري على طول ساحات القصر، الذي استحال إلى خلية نحل هائلة نتيجة لحركة الحراس وجند التَّبْع والحُجَّاب والوزراء والوصيفات، وهدير المركبات المحملة بنفيس الكنوز والعروش التي سباها الملك سيف.

وكان يقطع كل هذا صهيل قطعان الجياد ونداءات الناضورجية والبحارة على ظهر السفن والمراكب.

تطلعت ببصرها باتجاه شرفات جناحها الملاصق لجناح الملك، إلى أن طالعها وجهه المشع حضورًا، وكان يمعن النظر في عينيها الذابلتين المنكسرتين بعد لقائها بأبيها بهرام وما جرى من حديث قاسٍ.

وتمنت حين احتوتها غرفتها، وبعدما ألقت بنفسها دامعة العينين على مخدعها البديع المخملي القاني الاحمرار، لو أنها لم تذهب لملاقاة والدها — بهرام — الليلة ومدى المذلة التي عاملها بها.

– ما أنتِ سوى وصيفة في ركب التَّبْع.

ثم تهديده لها بالحرق.

استدارت مهردكار فجأة جالسة متطلعة وهي في منتصف فراشها، على صوت دخول الملك سيف استعدادًا للرقاد، ثم بادرها قائلًا وعلى ثغره ابتسامة عريضة: نرحل غدًا يا مهردكار … إلى ديار مصر.

احتضنته فرحة من كل قلبها.

– أحقًّا … مصر … حلمي القديم.

أجلسته إلى جانبها وهي تلاطفه: هل سأمخر عباب النيل إلى جانبك يومًا، يا مليكي الجميل؟

ولما كان الملك سيف لا يزال يعاني من أحزانه بسبب اختفاء ابنه وخبل زوجته شامة، فقد آثر الاستئذان من مهردكار عائدًا من حيث أتى؛ بحجة استكمال مستلزمات الرحيل، وما يتطلبه من أعباء نقل المهام وتجهيز السفن والاجتماع بعماله المعينين من قبله، ثم مسار تلك الرحلة المضنية من إيران إلى ديار مصر العدية.

كان الملك سيف — ذاته — لا يزال يضرب أخماسًا بأسداس حول مصير ابنه المفقود دمر على ذلك النحو الغامض الأليم.

– فليته قُتِلَ وانتهى أمره مثل من قُتِلوا من أشجع الرجال والأشبال، من أولادي.

غمغم لنفسه من كوة قصره العُليا مطلًّا على حركة الاستعداد الواسعة التي شملت منطقة أصفهان بأكملها تمهيدًا للرحيل والعودة.

– العودة، أين؟

وعرج بنفسه على ميناء بانياس بسوريا الشمالية بأكملها مفتشًا مرة أخرى عن ولده دمر، وتحرى حقيقة ما حدث له، ومعرفة مصيره المؤلم هذا، خاصة بعد الذي أصاب أمه شامة وانهيارها على هذا النحو المفجع.

حتى إذا ما انتهت مسيرة البحث إلى حيث نقطة بدئها جاءته الإجابة من كل فم وصوب.

– لا نعلم!

اتخذ الملك التَّبْع طريقه إلى مصر عبر الساحل الفلسطيني، وكان كلما اقتربت أيام وساعات الوصول، غلبه أكثر التفكير في زوجته شامة.

– كيف ستلتقي بمهردكار؟

تساءل: كيف؟

وحين أشرف ركب الملك سيف على مينا «فاروس» الذي أصبح الإسكندرية فيما بعد، طالعته المدينة بفناراتها وحصونها وأسوارها، عتيدة باهرة.

وجرت طقوس استقبالات الملك سيف وجنده العائد المظفر بالنصر، كما لم تَجْرِ لملك أو فاتح من قبل.

– مرحبًا بعودة ابن ذي يزن.

– مرحبًا بعودة أبو الأمصار.

ووصل انبهار مهردكار من حرارة استقبالات الملك سيف على طول ديار مصر ونيلها على الضفتين إلى حد لم يصدقه عقلها.

– يا للروعة.

إلا أن رعبًا خفيًّا كان يسري في بدنها وبخاصة ارتعاش ركبتيها، حتى لتكاد تسقط أرضًا، لولا ذراع الملك سيف الحانية التي سارعت إليها تحفظ لها توازنها في مواجهة الجموع المحبة له، وهو العائد بأكاليل النصر؛ إذ كان يتحرك وسط الناس على هذا النحو الواضح من التواضع وطيبة الخلق والمعاشرة!

– أبو الأمصار.

حتى إذا ما حان موعد لقاء الملك سيف بزوجته شامة هبت لاستقباله وهي مهيضة الجناح طريحة الفراش.

– شامة حبي … لم تعد هناك أحزان؛ سننعم بالسلم معًا.

بادرته ملقية بخدها الأحمر على كف يده كمثل حمامة وديعة.

– دمر … ولدي … أين؟

أطرق الملك سيف مجيبًا: قطعت الشام بأسرها يا شامة بحثًا عنه قبل وصولي إليك.

– ماذا؟

– لا أحد يعلم.

امتقع وجه شامة، مبتلعة صمتها ذاته وتوارت بأفكارها بسرعة عن الملك العائد، نهبًا لهواجسها.

وبعد برهة من الزمن قضتها شامة بصحبة الملك، تملصت رافضة مقابلة الزوجة الجديدة.

– مهردكار!

– ما أنا سوى مريضة … تهذي يا سيف.

ثم قفلت شامة عائدة إلى بلادها — أفراح — واكتف بمراسلة الملك سيف عن بعد.

أما مهردكار فقد واصلت التقرب من الملك سيف، بعد أن خلا لها الجو «لتبيض وتفرخ وحدها»، وكان الملك يعمل جاهدًا على تكريمها؛ فهي الآن وحيدة، وأكثر عزلة، وهو الذي أكبر فيها مدى ترحيبها بمصاحبته إلى أرض مصر، فقدمها على الجميع واصطحبها في حفلاته واستقبالاته، بل في زياراته لجبله المفضل الذي سمي باسمه — الجيوشي — فهو: أبو الجيوش.

وعانت مهردكار طويلًا من إقدامها على مهمتها التي كان قد ألقاها على كاهلها والدها الملك بهرام.

– إما أن تسمميه، وإما أن أجعلك أنت تتجرعين السم يا مهردكار أينما كنت، بعد ثمانية أشهر بتمامها منذ اليوم.

حتى إذا ما حل الأسبوع الأخير المحدد لمهمتها الدامية، وحاولت مهردكار تجرع سمومها، انفتح باب مخدعها على مصراعيه ودخل الملك سيف.

بادرته من فورها محتضنة: الليلة موعد مشوارنا البحري في ليل النيل الهادئ.

أشارت بذراعها كله إلى حيث يتلوى النهر العميق الأسرار تحت شرفاتها.

– تأمل.

– حقًّا يا مهردكار، هلمي بنا دون تفكير، هيا … لنهرب معًا ساعة من الزمن.

حتى إذا ما احتوتهما مقصورتهما داخل «ذهبية» الملك سيف، التي انزلقت على صفحة النيل الملساء وعبر أدغاله وزهوره البرية العطرة الحانية، أشارت مهردكار إلى دغل محدد قريب، وأومأ لها كبير ربابنة سفينة الملك إلى حيث المرسى المتفق عليه قائلًا: يا للهدوء، العشاء جاهز.

وحين أبدى الملك عدم رغبته في تناول شيء من عشائه وهو يفيق من إغفاءة واهنة داعبت أجفانه.

– ليس بي رغبة للطعام الليلة.

– فقط تلك الكعكة التي تحبها، أعددتها لك بنفسي.

ضاحكته مقاربة وهي تفرد كفي يديها في براءة ملقية بشيء ثقيل في الماء من جانب السفينة لم يتبينه الملك سيف.

– بكلتا يدي هاتين.

ابتسم الملك سيف في وهن وهي تقدم له طبق الحلوى «المسمومة» آكلًا من يدها مستريحًا كمن يقاوم نعاسًا يسبقه خدر النوم.

– استرح يا مليكي الجميل.

حتى إذا ما استسلم الملك سيف لخدر نعاسه بين يدي مهردكار، انسلت في نعومة طاغية هاربة عبر باب جانبي في غفلة عن البحارة الثلاثة، واختفت دون أثر في ظلام ذلك الدغل «الكمين»، إلى أن حاوطتها شلة من فرسانها الفرس التابعين لها، الذين كمنوا بانتظار تلك اللحظة التي اهتز لها العالمان.

– مات الملك سيف بن ذي يزن، يا للخيانة!

•••

روعت ديار مصر على خبر غدر «تلك الجارية الفارسية» بملكهم المحبوب سيف بن ذي يزن، وكثرت الأقاويل والآراء والشائعات التي سرت من فم إلى فم على طوال البلاد وعرضها.

– تلك الفارسية القاتلة.

– أيصل الغدر إلى هذا الحد، وبعد كل ما قدمه الملك سيف لتلك الحية الرقطاء؟

وذهب البعض إلى أن ما حدث للملك سيف الليلة أمر قديم التدبير، منذ قبول الفرس وعلى رأسهم والدها للهدنة الأخيرة.

كما ذهب البعض الآخر إلى أنها مجرد مكيدة نسائية، برغم هرب الفارسية القاتلة ووصولها إلى حراسها الكامنين بالأدغال القريبة لشط النيل، الذي شهد أبعاد وخبايا تلك المأساة التي قضى فيها أقرب أقربائه — أي النيل — سيف بن ذي يزن.

وهكذا رُوِّعَ الجميع في مصر والشام واليمن وبلاد الشرق وعبادة، لذلك المصير الفاجع الذي أنهى حياة ذلك الملك المناضل المحب للناس والأحياء، سيف اليزن، دون أن يتمكن أحد من الإيقاع بالقتلة.

– «الخونة … للعيش والملح.»

ولم يطل الأمر كثيرًا بمصر والشام، حول معرفة حقيقة أبعاد ذلك المخطط، إلا عندما حملت الأخبار المتواترة عودة مهردكار وحراسها التي عمت بلاد أصفهان، ثم أخبار الاحتفالات التي عمت بلاد الفرس ابتهاجًا بنجاح المهمة التي نفذتها تلك المرأة الأفعى، بينما فشلت في تحقيقها أعتى جيوشهم في ساحات القتال والمجابهة.

– يا للغدر … يا للدناءة.

بل إن المخطط الفارسي لم يطل مداه؛ إذ سرعان ما تكشف عن نواياه المبيتة، بعودة جحافل الفرس الغزاة إلى ربوع مصر وبلاد العرب.

حتى إذا ما انتهت مراسم دفن جثمان الملك سيف بمدفنه المقام بجبله الذي شهد تدريبات جيشه، والذي دُعِيَ باسمه «جبل الجيوشي» المتاخم للمقطم، تَعاهَدَ فرسانُه وكبار قادته على العمل بوصيته في التصدي للفرس وأطماعهم مهما طال الأمد.

فما إن ضرب أربعة من ملوك الفرس وأمرائه المتحالفين حصارهم على ديار مصر حتى تصدى لهم أمير دمياط، والقائد الوحيد الذي كان مقربًا من الملك سيف والمدعو «دمنهور الوحشي».

figure

إلا أن سطوة الفرس، وعتادهم هذه المرة، بعد غياب الملك سيف حقق لهم الانتصار بدخول مصر وتخريب حصونها وتشتيت بقايا فلول جيش الملك سيف.

إلى أن هُرِعَ لنجدتهم «أسيوط ملك إيليا وفلسطين» فشدد من ساعد المقاومة الشعبية التي نمت ضد الفرس، خاصة عقب محاولة نهب مدفن ملكها الراحل سيف ذو اليزن بجبل الجيوشي.

هنا استشاطت مصر غضبًا من مدى الحقد المبيت للملك التَّبْع، حتى بعدما نفذوا فيه مكيدتهم الغادرة التي اضطلعت بها تلك الفارسية الشريرة: مهردكار.

إلى أن فجر ذلك الغضب الشعبي ثورته ضد أولئك الفرس، ناهشي جثث الموتى قبل الأحياء على طول مصر، التي أصبحت نهبًا لمطامعهم، بينما كانت تعاني بلاد الشام وفلسطين بدورها أبعاد تلك الحرب الانتقامية القبائلية، التي عرفت بحرب البسوس التي قادها ذلك الشاعر المحارب الزير سالم والتي استمرت ٤١ عامًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١