الفصل الثامن

عبور المياه السوداء: الهندوسية خارج الهند

في الوقت الذي تَحدَّتْ فيه أصواتُ الطوائف الدنيا والجماعاتُ النسائيةُ حدودَ الهندوسية، طُرِحت أسئلة حول مكان هذه الحدود ومدى استقرارها في ظل هجرة الهندوس وتصدير الروحانية الهندوسية إلى أماكن أخرى.

نظر الباحثون، الذين سعَوْا إلى تصنيف الأديان وأبعادها المتعددة وتنميطها، إلى الهندوسية على أنها دين «عِرقي»؛ أي دين لناس محددين، ويرتبط بأرضهم أو مكانهم. ووفقًا لوجهة النظر هذه، يكون الشخص هندوسيًّا بفضل مولده داخل طائفة هندوسية هندية. ويخضع هذا الشخص، وفقًا للتقليد، للدارما الخاصة بمجتمعه؛ أي قواعده وعاداته. وقد عُرِف نطاق الدارما، أي العالم الهندوسي، باسم «بهارات»؛ أي الأرض التي طهَّرها البراهمة طقسيًّا وتُحيط بها «كالا باني»؛ أي المياه السوداء.

fig16
خريطة ٢: هجرات الهندوس من الهند.

تاريخيًّا، نَشَرَ البوذيون والمسيحيون والمسلمون أفكارهم وممارساتهم الدينية عن طريق الدعوة والغزو، وصاروا الآن يمثلون الأغلبية بين سكان العديد من الدول المختلفة، أما الغالبية العظمى من هندوس العالم، فيعيشون في دولة الهند العلمانية؛ حيث يمثِّلون نحو ٧٨ بالمائة من إجمالي عدد السكان البالغ ٩٠٠ مليون نسمة، وفي نيبال، حيث الهندوسية دين الدولة، ٩٠ بالمائة من النيباليين هندوس. يبدو أن ذلك يدعم بقوةٍ فكرةَ أن الهندوسية دين عِرقي أكثر من كوْنه دينًا عالميًّا يحمل رسالة لكل البشر بغض النظر عن ميلادهم ومكانهم.

لكنْ على مرِّ تاريخ بهارات؛ الأرضِ المقدسةِ التي نطلق عليها الآن اسم الهند، كان ثمة أشخاص — أمثال غاندي وأمبيدكار — تركوا أرضها من أجل التعليم أو التجارة أو العمل، ليستقروا أو يعملوا ثم يعودوا إلى موطنهم. فكيف برَّر وأدار هؤلاء رحلاتهم وفترة إقامتهم فيما وراء المياه السوداء؟ من القصص المفيدة في هذا الشأن قصة يرويها عالم الأنثروبولوجيا ريتشارد برهارت في كتابه «الهندوسية في بريطانيا العظمى»:

في عام ١٩٠٢، دُعي مهراجا جايبور مادهو سينج إلى لندن لحضور حفل تتويج الملك إدوارد السابع، وكان من اللائق أن يحضر مادهو سينج الحفل؛ لأن إدوارد كان إمبراطور الهند، وكان حاكم جايبور يَدين له بالولاء، لكن الملك الهندوسي ملأه الخوف بشأن فكرة عبور المحيط وقبول الدعوة البريطانية؛ ففي نظره، كانت بريطانيا العظمى دولة بربرية قصية تقع في القطاع الشمالي الغربي من «البحر الأسود» غير المبارك. وما كان مادهو سينج ليحافظ على شخصه المقدس في تلك البيئة الغريبة. وكانت تلك الرحلة ستعرِّض رعاياه للخطر؛ لأنه عند تتويجه ملكًا صار أهل جايبور جزءًا من جسده عن طريق الطقوس المصاحِبة لهذا التتويج، وإذا أصاب مادهو سينج الدنس شخصيًّا في أثناء رحلته، فسوف تُدنَّس أرضه وشعبه أيضًا؛ ومن ثَم، واجَهَ مادهو سينج معضلة، فكان بإمكانه السفر إلى بريطانيا العظمى، لكن بشرط ألَّا يترك الهند. وتوصَّل في النهاية إلى حلٍّ لمشكلته باستئجار سفينة، هي «إس إس أوليمبيا»، وأمر بتطهيرها بالكامل وتقديسها طقسيًّا على يد كاهن جايبور الملكي، ونُقِل الأرز والفاكهة المجففة والخضراوات والماء إلى السفينة، إلى جانب الأبقار والعلف لإمداد الملك باللبن الطازج يوميًّا، وجُلِب بعض التراب من أرض الهندوس المقدسة (بهاراتافارشا) وماء من نهر الجانج لتخزينه على السفينة كي يتمكن الملك من أداء طقوس الاغتسال اليومية الخاصة به وتطهير الأشياء الغريبة المحيطة به، وفي تلك البيئة المباركة، نُقِل مادهو سينج بأمان إلى بريطانيا.

لكن مادهو سينج، مثلما سيُشير برهارت بعد ذلك، لم يكن أول هندوسي يواجه هذه المشكلة؛ ففي القرون الميلادية الأولى، سافر براهمة إلى جنوب شرق آسيا (مَا يُعرَف الآن بكمبوديا وتايلاند وبالي) بدعوة من الحكام المحليين لتلك المناطق لإضفاء القدسية على ممالكهم، وبقوا في تلك المناطق، وتزوَّجوا من نساء محليات، ليوسِّعوا بذلك الحدود الطقسية لأرض «بهارات» المقدسة ويرسخوا جوانب الثقافة البراهمية — على سبيل المثال؛ آلهتها ونصوصها المقدسة — لذا، اليوم في تايلاند، لا تزال الأهمية التاريخية للإله براهما تتجلَّى في معبد ديفا ساترن في بانكوك وفي المراسم الملكية، ولا تزال ملحمة «رامايانا» — أو «راماكين» كما تُعرَف في تايلاند — ذات أهمية في الأنشطة الثقافية الشعبية، وعلى الرغم من هذا الإرث، لم تتحوَّل هذه الدول اليوم إلى صور مصغَّرة من الهند، والكهنة البرهميون الذين ظلوا يعيشون ويمارسون طقوسهم فيها صاروا الآن تايلانديين أو باليين في كل شيء عدا إرثهم الديني.

أما انتقال التجَّار إلى الدول الأخرى المجاوِرة للهند من أجل العمل، فكان أمرًا مختلفًا تمامًا؛ فوسَّع التشتيار، وهم جماعة تاميلية تعمل في مجال المصارف، أعمالَهم لتصل إلى بورما ومالايا (المعروفة الآن باسم ماليزيا) وموريشيوس ومناطق أخرى في جنوب شرق آسيا. علاوةً على ذلك، امتدَّت روابط تجارية قوية على مدار عدة قرون بين غرب الهند وشرق أفريقيا، وفي وقت سابق من هذا القرن، انجذب المهاجرون الجوجاراتيون والبنجابيون (السيخ والمسلمون، وكذلك الهندوس) لفُرَص العمل التي أُتيحت لهم في ظل الإدارة البريطانية في إنشاء السكك الحديدية الجديدة، وأقام صغار التجَّار أعمالهم أيضًا في المدن والقرى الناشئة في كينيا وأوغندا وتنجانيقا (المعروفة الآن باسم تنزانيا) ونياسالاند (المعروفة الآن باسم مالاوي).

كان أغلب هؤلاء المهاجرين اللاحقين تجَّارًا وحرفيين، لا براهمة، وسعدوا في البداية بتركهم الواجبات الدينية المعتادة لأُسَرهم في وطنهم، لكنهم فيما بعد عندما صاروا أكثر استقرارًا وانضم إليهم أقاربهم، بدءوا في إقامة مؤسسات اجتماعية ودينية من أجل الدعم المتبادل والتعليم والأنشطة الثقافية والتنشئة الدينية. وعبر المعلِّمون الروحانيون والسوامي البحارَ لزيارة هذه المجتمعات وتشجيع ممارساتها الدينية، وكانوا عادةً ما يؤسسون معابد جديدة، ويقيمون الأعياد وغيرها من التجمُّعات التعبُّدية.

وعلى الرغم من أن دول شرق أفريقيا كانت مُستعمرة — شأنها شأن الهند — من بريطانيا، سافر إليها الهندوس، وغيرهم من الهنود ذوي القناعات الدينية الأخرى، بحُرية بحثًا عن العمل والمكسب الماليِّ، وتمكَّنوا من الحفاظ على الروابط التي تصلهم بوطنهم، لكنَّ مَن وظَّفهم البريطانيون والهولنديون بعقود عمل طويلة بعد إلغاء العبودية في منتصف القرن التاسع عشر، ونُقِلوا إلى المزارع في ترينيداد وجويانا البريطانية (المعروفة الآن باسم جويانا) وجويانا الهولندية (المعروفة الآن باسم سورينام) وفيجي وموريشيوس وجنوب أفريقيا؛ لم يكونوا بالقدر نفسه من الحظ، وعلى الرغم مما حصلوا عليه من وعود بإمكانية العودة إلى الهند، فلم يتمكَّن سوى القليل منهم من فعل ذلك، بينما استقر معظمهم في دُوَلهم الجديدة وحصلوا في النهاية على استقلالهم وحقِّهم في امتلاك الأراضي. والمجتمعات الهندوسية، التي نشأت في هذه الدول، تطوَّرت على نحو مختلف تمامًا بعضها عن بعض، وذلك حسب عوامل معينة مثل التكوين العِرقي والطائفي، وحجمها النسبي مقارنةً بالمجتمعات المحلية الأخرى، وتأثير المؤسسات الدينية والاجتماعية والسياسية المحلية عليها، وقدرتها على اكتساب السلطة والمكانة.

ثمة دراسة زاخرة بالمعلومات عن إحدى الدول التي استقر فيها الهندوس الهنود الذين تمَّ توظيفهم بعقود عمل طويلة، وهي «ترينيداد الهندوسية». يتناول الباحث الذي قام بتلك الدراسة ويُدعَى ستيفن فيرتوفيك الحياة التعبُّدية الحافلة للهندوس، واصفًا على وجه التحديد العروضَ الموسيقية لملحمة «رامايانا» التي شاعت في ستينيات القرن العشرين، وطقوس التضحية (ياجنا) العظيمة التي كانت تستمر لمدة أسبوع وترعاها العائلات التي صارت ثرية في ظل طفرة النفط في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. ذكر فيرتوفيك أيضًا الكهنة الذين هاجروا مع عمَّال عقود العمل الطويلة لِيُلَبُّوا احتياجاتهم الدينية، وكيف سمحتِ التقاليد الإقليمية والعائلية، مثل عبادة كالي، في أغلب الأحيان بالطقوس التي دعمها البراهمة. ويختم الباحث دراسته بمطالبة الهندوس الشباب باكتساب هوية هندوسية قوية وواثقة، من شأنها المنافسة بنجاح مع الجماعات الطموحة الأخرى في ترينيداد.

منذ وصول العمَّال الهندوس إلى ترينيداد عام ١٨٤٥، صارت الهندوسية ديانة راسخة، واستمر هذا إلى الآن ولمدة تزيد على ١٥٠ عامًا. وقد كان وصول الهندوس إلى بريطانيا وأمريكا الشمالية وأسترالاسيا ظاهرة أحدث، وأدت التقاليد الاستعمارية وسياسات الهجرة المختلفة إلى تنوع صور الاستيطان والمجتمعات في هذه الأماكن. على سبيل المثال، إذا قارنَّا بين الهندوس في بريطانيا والولايات المتحدة، فسنجد أن الاستيطان بدأ في وقت مبكر في بريطانيا نتيجة لعلاقة بريطانيا الاستعمارية مع الهند. ووصل أغلبية الهندوس، بوصفهم حَمَلة لجوازات سفر بريطانية، إلى بريطانيا من شرق أفريقيا في ستينيات وأوائل سبعينيات القرن العشرين بعد تأثير سياسات بناء الأمم في الدول المستقلة حديثًا. أما الهندوس في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد جاءوا مباشرةً من الهند بوصفهم مهنيين، ودخلوا البلد لشَغْلِ وظائف في الرعاية الصحية والتعليم والعمل التجاري. ووصل الهندوس في الغرب، بوجه عام، إلى مستوًى تعليميٍّ عالٍ للغاية ومستوَى معيشةٍ جيدٍ، وإن تعرَّض الكثيرون منهم — للأسف — للتمييز العرقيِّ والعنصرية.

وقد أُثيرت مسائل مهمة بشأن طبيعة الهندوسية بوصفها ديانة في ظل وجود المجتمعات الهندوسية خارج الهند (صار الهندوس سكانًا في ٦٨ دولة بحلول عام ١٩٨٠). من الجلي أن الهندوس أثبتوا براعتهم ومرونتهم، وتمكَّنوا من العيش والعمل وتأسيس مجتمعات في الكثير من الظروف المختلفة اختلافًا هائلًا. ووجود هذا الشتات الهندوسي يشير إلى أن الهندوس كان لديهم استعداد لمخالفة الأمر البرهمي المذكور في «مانوسمريتي» بعدم عبور المياه السوداء، أو على الأقل إعادة تأويله.

على الرغم من أن ذلك لا يناقض الادعاء بأن أفضل وصف للهندوسية هو أنها دين عِرقي — إذ حافظ معظم الهندوس المهاجرين على تقليد الزواج من الطائفة نفسها، ولم يسعَوْا لتوسيع نطاق تعريف مَن هو الهندوسي — فإنه يدعو الباحثين بلا شك إلى مراجعة الأفكار المتعلِّقة بالمكان الذي يجوز فيه ممارسة الهندوسية وكيفية فعل ذلك. فتأسيسُ المعابد، وهجرةُ كهنة البرهمية القادرين على إقامة طقوس دورات الحياة وطقوس التضحية (ياجنا) وطقوس تمجيد الآلهة (بوجا)؛ سَمَحَا للهندوس بإقامة أماكن مقدسة وأداء الأنشطة الطقسية الضرورية خارج الهند؛ فهل يمثِّل ذلك امتدادًا للأرض المقدسة (بهارات)، مثلما رأينا في حالة مادهو سينج والمهاجرين البراهمة الأوائل إلى جنوب شرق آسيا؟ لكن ماذا عن المنظمات الدينية الموجودة في الكثير من الدول، والتي أسسها وأدارها وقادها أشخاص عاديون، لكنهم متحمسون ومَهَرة، الذين جمعوا التبرعات واشتَرَوا المنشآت ونظَّموا الاحتفالات وجمعيات الشباب والنساء وزيارات الزعماء الروحانيين وتوظيف الكَهَنة؟ على الرغم من أن هؤلاء الأشخاص العاديين كانوا، بوجه عام، منسِّقين للحياة الدينية العامة لا رؤساء لها، فقد كانوا يمارسون العبادة ويخدمون الآلهة مباشرةً في بعض الأحيان ليُظهِروا أن الرغبة في عيش الحياة التعبُّدية اعتُبِر في بعض الأحيان أكثر أهمية من الممارسة البرهمية التقليدية. ومثلما رأينا في الفصلين الخامس والسابع، يقدم تقليد بهاكتي الموجود في الهندوسية السَّبق والسياق لفعل ذلك. ويمكننا القول إن هؤلاء الهندوس ألهمَتْهم روح الدين أكثر من كلماته.

الشتات

كان يشير مصطلح «الشتات» في الأصل إلى اليهود الذين عاشوا خارج يهودا، ويرتبط الشتات في اليهودية بفكرة النفي. ويُستخدَم المصطلح الآن بوجه عام للإشارة إلى أي شعوب أخرى تعيش خارج موطنها الأصلي، وإنِ اختلفتْ أسباب فعلهم ذلك؛ فبعضهم قد يكونون لاجئين أُجبِروا على ترك أوطانهم؛ بينما قد يكون البعض الآخر مهاجرين اختاروا الرحيل عن بلادهم لأسباب اقتصادية. وقد تألَّفت المجتمعات الهندوسية خارج الهند من أشخاص ذوي دوافع كثيرة مختلفة لترك الوطن.

صُمِّمت المعابد (ماندير) في الدول الأخرى خارج الهند عادةً من منشآت تمَّ تحويلها لخدمة هذا الغرض، مثل المدارس والكنائس التي أُلغي تقديسها والمنازل، بل والمصانع أيضًا. ومع ازدياد المجتمعات الهندوسية ثراءً، أقاموا معابد بُنيت خِصِّيصَى لهذا الغرض، وصُمِّمت إما وفقًا لطُرز محلية أو على نحو مُحَاكٍ للطُّرز الموجودة في الهند. وفي أغسطس عام ١٩٩٥، شهد السكان المحليون لضاحية نيزدين بشمال لندن، إلى جانب عدة آلاف من المتعبِّدين الهندوس والضيوف المدعوِّين، افتتاحَ ما وصفتْه مجلة «ريدرز دايجست» بأنه «ثامن عجائب الدنيا» و«رد لندن على تاج محل»؛ فكان معبد شري سواميناريان ماندير أول معبد هندوسي تقليدي يُبنَى في أوروبا، وقد بُني من مواد طبيعية وفقًا لمواصفات النصوص الهندوسية المقدسة، وشُيِّد بالكامل على أيدي عمَّال متطوِّعين. ويُستخدَم هذا المعبد لأداء طقوس العبادة العادية واجتماعات إرسالية سواميناريان الهندوسية، وهي حركة هندوسية جوجاراتية أو سامبرادايا يرأسها معلِّم روحاني هندي شهير يُدعَى براموك سوامي مهاراج، لكن هذا المعبد مهم على الأقل بوصفه مزارًا سياحيًّا. يعبِّر هذا المعبد، الذي يصل إليه الزوَّار عبر صفوف من المنازل المتجاورة ويقع على مقربة من أكثر طرق لندن ازدحامًا، عن الهندوسية بكل عظمتها لغير الهندوس، ويوضح ما يمكن تحقيقه عن طريق الخدمة التعبُّدية للإله، وبالإضافة إلى القيام بجولة في أرجاء هذا المعبد الرائع بنقوشه المصنوعة من الرخام والحجر الجيري وخشب الساج، يمكن للزائر أيضًا مشاهدة فيديو يوضح معمار المعبد ورؤية معرض للتراث الهندوسي. وعلى الجانب الآخر من الطريق، يمكن رؤية مدرسة سواميناريان، إحدى المدرستين النهاريتين الهندوسيتين الوحيدتين في المملكة المتحدة.

الهندوس خارج الهند: الإحصائيات السكانية

يشكِّل الهندوس نحو ١٥ بالمائة من سكان العالم، لكن لا توجد بيانات دقيقة لأعداد الهندوس الذين يعيشون خارج الهند؛ ويرجع أحد أسباب ذلك إلى أن الكثير من الدول لا يحتفظ بإحصائيات للانتماءات الدينية. ترجع البيانات التالية إلى عام ١٩٨٠، وقد نُشِرت في الموسوعة المسيحية العالمية التي قَدَّمت تقديرات لمعتنقي كل الأديان حسب الدولة.

الدولة عدد الهندوس النسبة المئوية من السكان
الهند ٥٤٧١٢٣٥٠٠ ٧٨٫٨
نيبال ١٢٧٥٧٤٣٠ ٨٩٫٦
بنجلاديش ١٠٧٧٠٠٠٠ ١٢٫٧
سريلانكا ٢٤٧٤٤٠٠ ١٦
باكستان ١٠٧٨٤٠٠ ١٫٣
إندونيسيا ٣٢٥٠٠٠٠ ٢٫٣
ماليزيا ١٠٣٥٨٠٠ ٧٫٤
فيجي ٢٥٩٧٠٠ ٤٠٫٩
موريشيوس ٤٤٦٧٠٠ ٤٦
جنوب أفريقيا ٥٦٥٠٠٠ ٢
كينيا ٨٠٠٠٠ أقل من ١
تنزانيا ١٩٠٠٠ أقل من ١
ترينيداد وتوباجو ٢٦٨٧٠٠ ٢٥٫٣
جويانا ٣٠٤١٥٠ ٣٤٫٤
بريطانيا العظمى ٣٨٠٠٠٠ أقل من ١
كندا ٤٥٠٠٠ أقل من ١
الولايات المتحدة الأمريكية ٥٠٠٠٠٠ أقل من ١

تقدم هذه التقديرات لمحة عن الهندوس في العالم في مرحلة زمنية معينة، لكن يمكن للمعلومات الإضافية المساعَدةُ في تصوِّر سياق هذه التقديرات. على سبيل المثال، كان سكان الهندوس فيما يُعرَف الآن ببنجلاديش وباكستان أعلى بكثير قبل تقسيم الهند عام ١٩٤٧.

ذُكِر كذلك العديد من الدول الأفريقية أعلاه، لكن ليس من ضمنها أوغندا، على الرغم من أن الكثير من الهندوس هاجروا إلى هناك في بدايات هذا القرن. وبحلول نهاية السبعينيات، كان عدد الهندوس الذين يعيشون هناك نحو ٦٥ ألفًا، لكنهم تعرَّضوا للنفي جميعًا بعد بضعة أعوام على يد عيدي أمين. وفي أواخر التسعينيات، عاد بعض الهندوس إلى أوغندا للعيش والعمل.

تُعَد تقديرات الهندوس في أمريكا الشمالية قديمة أيضًا الآن؛ إذ استمروا في دخول أمريكا الشمالية بوصفهم مهاجرين مهنيين. وهناك كذلك بعض الأقليات الهندوسية الصغيرة في دول غير مذكورة هنا، مثل سنغافورة وأستراليا ونيوزيلندا وتايلاند وهولندا.

إن منظمة بوشاسانواسي أكشار بوروشوتام سانسثا، التي تُعَد إرسالية سواميناريان الهندوسية فرعًا لها في بريطانيا، هي أسرع الحركات الدينية نموًّا بين الهندوس الجوجاراتيين في أنحاء العالَم؛ فمِن خلال شبكة مكوَّنة من ٣٧٠ معبدًا ومئات الآلاف من التابعين، أقامت هذه الحركة مهرجانات ثقافية مهمة في شرق أفريقيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى الهند. وهي حركة تعبُّدية تُحْيي تقليد رامانوجا اللاهوتي، ويَعبد فيها التابعون إلهًا يُعرَف باسم سواميناريان بوصفه إلههم الأعلى. وتقدِّم الحركة برامج تعليمية وروحانية يُفصَل فيها بين الجنسين للأطفال والشباب ومَن ينتمون لفئات عمرية أكبر، وتقيم مسيرات شعبية، وتشارِك بفعالية في العمل التطوعي في كل الدول التي توجد فيها؛ وهي ليست سوى واحدة من السامبرادايا أو الجماعات الطائفية المشهورة التي تعمل داخل الشتات الهندوسي.

fig17
شكل ٨-١: بطاقة بريدية توضح معبد شري سواميناريان ماندير الهندوسي في نيزدين.

لا يزال بعض هذه الحركات مقصورًا إلى حدٍّ كبير على «الهنود»، وإن كانت عضويتها تشمل مَن ينتمون للجيل الثاني والثالث، بل والرابع أيضًا، من الهنود الأمريكيين والهنود الكاريبيين والهنود البريطانيين والهنود الأفارقة، بَيْدَ أن عضوية بعض الحركات الهندوسية العالمية الأخرى مختلطة؛ فتتضمن هندوسًا هنودًا ومَن لديهم أيضًا خلفيات عرقية أخرى. وتحمل هذه الحركات رسالة روحانية تعرض الأفكار والممارسات الهندوسية لمَن لم يولَدوا أو ينشئوا هندوسًا، ولقد شهدنا نشأة هذه الرسالة في الفصل السادس مع مبادرة فيفيكاناندا. وصارت جمعية فيدانتا، التي أسسها فيفيكاناندا في أمريكا، تضم الآن أعضاءً من الهنود وغير الهنود. وثمة ميول مماثلة لدى الجمعية الدولية للوعي بكريشنا، وكنيسة شايفا سيدهانتا، وحركة ساي بابا، لكن توجد حركات يكاد يكون كل أتباعها من الغربيين؛ وهي: حركة معرفة الذات الأمريكية التي أسسها يوجانندا برمهنسا؛ وحركة التأمل المتسامي (التي أثارت اهتمام فرقة البيتلز في أواخر الستينيات)؛ وحركة سيدها يوجا التي أسسها سوامي موكتاناندا؛ وبرنامج السنياسيين الجدد الذي أسسه بهاجوان راجنيش (المعروف أيضًا باسم أوشو)؛ والساهاجا يوجا التي أسستْها ماتجي نيرمالا ديفي؛ وإينجار يوجا. تدرك كل هذه الحركات، بالإضافة إلى جماعات العضوية المختلطة، اهتمام الغربيين بجوانب الروحانية الهندوسية، لا سيما إنشاد المانترا، وتأمُّل الكونداليني، والهاثا يوجا، والإيمان بالتناسخ، واتِّباع نظام غذائي نباتي. وقد ظهرت هذه الحركات في الغرب في الوقت المناسب؛ إذ ساعدت على ملء الفراغ الروحي وتقديم أفكار وممارسات لمَن يسعَوْن إلى بدائل للأديان الغربية والعلمانية.

أثار هذا التوجُّه جدلًا بين الهندوس بشأن طبيعة الهندوسية وحدودها؛ فهل الحركات، التي تقدِّم جوانب محددة فقط من الروحانية الهندوسية ولا تشير إلى العالم الاجتماعي الهندوسي، هندوسية أصيلة؟ هل تغيرت الأفكار والممارسات الهندوسية في ظل هذه العملية؟ هل أعضاء هذه الجماعات «هندوس» أم إن الهوية الهندوسية لا يمكن اكتسابها إلا بالميلاد في أسرة هندية أو هندية تعيش في الشتات؟ سوف أعود إلى هذه الأسئلة في الفصل الأخير من هذا الكتاب.

لا شك أن دور المعلِّم الروحي كان مُهِمًّا في معظم هذه الحركات المعاصرة، بغض النظر عن أعضائها؛ فكان هؤلاء المعلِّمون محورَ التعبد، ووسطاءَ التقليد فيما بدا عادةً بيئة غربيَّةً غريبَةً، ومصدر السلطة لمَن يسعَوْن للمعرفة أو الإرشاد. وقدَّم بعضهم أنظمة للانضباط الروحي تتطلب قدْرًا كبيرًا من المجهود والالتزام؛ بينما قدَّم آخرون تكرارًا لمانترا بسيطة أو عبادة قصيرة باعتبارها محورًا للسعادة أو إدراك الذات. وكان لبعض المعلمين الروحانيين شخصيات مثيرة للجدل ومُبهِرة، بينما تَمتَّع آخرون بشخصيات جذَّابة للغاية. وأَظهَر جميعهم وعيًا ذكيًّا بالمطالب التي يَفرِضها السياق الغربي.

لكن المعلِّمين الروحانيين لم يكونوا الوحيدين الذين لعبوا دورًا في إحياء الهندوسية خارج الهند؛ ففي أرض الشتات الهندوسي الهندي، كان لأفراد الأُسَر، لا سيما النساء، دور كبير في تعريف الأجيال الجديدة بالهندوسية. صحيح أن المعابد تُقِيم فصولًا لتدريس لغات المجتمع، وتكوِّن السامبرادايا جماعات شبابية لتعزيز معرفة الأطفال بالنصوص المقدسة والعقيدة، لكن المنزل هو المكان الذي يتلقَّى فيه الأطفال أولى دروسهم الدينية؛ ففيه يروي لهم الكبار قصصًا عن الآلهة والإلهات، أو يقرءونها في الكتب المصوَّرة، أو يشاهدونها في مقاطع فيديو، ويتعرَّفون على الأعياد الهندوسية، مثل ديفالي وماهاشيفراتري ودورجا بوجا وبونجال وجاناماشتامي، ويعرفون التقاليد العائلية المرتبطة بكل عيد من هذه الأعياد. وشأنهم شأن الأطفال الصغار في الهند، يتعلَّمون أيضًا — عن طريق الممارسة والمحاكاة — كيفية أداء طقس البوجا في محراب المنزل وكيفية المداومة على الصيام. وكما هو الحال مع مادهور جافري (انظر الفصل الرابع)، يقوم بعض هؤلاء الأطفال بتمثيل القصص أو الطقوس الهندوسية، والفتيات الصغيرات على وجه التحديد قد يكون لهنَّ أدوار حقيقية يؤدِّينها كخادمات الإلهة ديفي في المراسم المرتبطة بعبادتها. بالرغم من ذلك، فإن هؤلاء الأطفال لن يحصلوا أبدًا على الخبرة نفسها التي يحصل عليها الأطفال في الهند فيما يتعلق بمعرفة التقاليد الأخلاقية والاجتماعية والثقافية الهندوسية الموجودة في العالم من حولهم؛ وذلك لأن الهندوس يعيشون كأقليات في معظم الدول التي هاجروا إليها. هناك تسامح مع دينهم في بعض الدول، لكنه يحظى بقدر ضئيل من الاعتراف — هذا إن حظي به أصلًا — في وسائل الإعلام والتعليم الحكومي؛ وفي دول أخرى، عملت سياسات التعددية الثقافية لتعطي الهندوس فرصة محدودة، إلى جانب الجماعات الدينية الأخرى، لتوصيل أصواتهم والتعبير عن دينهم.

fig18
شكل ٨-٢: مسيرة «راثا ياترا» في ميدان ترافالجار نظمتْها الجمعية الدولية للوعي بكريشنا.

لقد نشأ توتر في أرض الشتات الهندوسي، مثلما حدث في الهند، بين مطلبَيْن مهمَّيْن؛ أحدهما: هو الحاجة لخلق هوية هندوسية قوية موحَّدة يمكن التعبير عنها علانيةً ومقارنتها بالأديان العالمية الرئيسية الأخرى، والآخر: هو رغبة العديد من الهندوس في التأكيد على انفتاح الهندوسية تجاه الأديان الأخرى وتنوع السبل داخلها. وتدعم منظمة فيشوا هندو باريشاد المطلب الأول، وتعمل بنشاط في أنحاء العالم للترويج للهوية الهندوسية («هيندوتفا») وشعور بالفخر بين الهندوس. على الجانب الآخر، طرح عدد من الباحثين والكتَّاب الهندوس والجماعات النسائية الهندوسية خارج الهند وجهةَ النظر المعارِضة القائمة على فكرة الاختلاف الديني والثقافي، التي ترى أن فكرة وحدة الهندوسية لا علاقة لها بالتاريخ، ولا فائدة لها فيما يتعلق بتمكين الهندوس من العيش بإيجابية مع معتنقي الأديان الأخرى، بل ومع مَن ينتمون لمجتمعهم الإيماني نفسه ممَّن لديهم وجهات نظر مغايِرة.

ما من صورة واحدة للهندوسية يطبقها الهندوس في أرض الشتات؛ فقد هاجر هندوس من طوائف وفرق مختلفة ومن الكثير من الأماكن في الهند، حاملين معهم التقاليد التي اعتادوا عليها في وطنهم. وقد تأثَّروا أيضًا في إحيائهم لممارساتهم ومعتقداتهم الدينية بالمكان الذي استقروا فيه وطابعه الاجتماعي والديني الخاص، لكن في أثناء تطويرهم لمجتمعاتهم المحلية الخاصة بهم، ظلوا على اتصال بالهندوس في جميع أنحاء العالم عن طريق روابط الدم والطائفة والفرقة، وعن طريق الصحف والمجلات التي تنشرها عالميًّا جماعات هندوسية واتحادات طائفية، ومؤخرًا عن طريق مواقع الإنترنت والبريد الإلكتروني. وقد كانت هذه الشبكات المحلية والعالمية مفيدة في إبقاء الهندوس على اطِّلاع بالأخبار والأحداث، وفي نقل الأفكار أيضًا.

تُعَد «هيندويزم توداي» أحد الأمثلة على ذلك، وهي صحيفة شهرية تُنشَر في طبعات إقليمية متعددة (ولها أرشيف على الإنترنت) للهندوس في جميع أنحاء العالم. ويروَّج لها بأنها «صحيفة العائلة الهندوسية التي تؤكد على الدارما وتسجِّل التاريخ المعاصر لنحو مليار شخص معتنق لدين عالمي في مرحلة النهضة.»

تَنشر هذه الصحيفة مقالات عن المفاهيم والممارسات والأعراف والشخصيات الهندوسية، وقصصًا عن الهندوس في دول مختلفة. وفي إصداراتها الإقليمية، تتضمن أيضًا إعلانات وإفادات مهمة للهندوس المحليين؛ فعلى سبيل المثال، في عدد أبريل عام ١٩٩٣، تمَّ إعلام القرَّاء بموضوعات عديدة ذات أهمية للهندوس في كل مكان، وفي ذلك اجتماع للزعماء الهندوس بشأن موقع معبد راما في أيوديا ومرجع جديد للمساعدة في التنشئة الدينية للهندوس الشايفا. وبعد قرن من حضور سوامي فيفيكاناندا برلمان الأديان العالمي في شيكاجو، تمَّ الاحتفاء بإنجازاته مع نشر رؤَى الهندوس الموجودين في الولايات المتحدة وماليزيا والهند عنها، واحتوت الصحيفة أيضًا على مقالات عامة قَدَّمت معلومات ليستفيد منها القرَّاء الهندوس ثقافيًّا حول أفراد القبائل العالمية وديانات العالم، ونشرت أيضًا خطابات ومراجعات نقدية للكتب، ودُعي القرَّاء لتقديم التبرعات لتمويل بناء معبد في هاواي. واخْتُتِم العدد بمقال مدعم بالصور بعنوان ««رامايانا» بالرسوم المتحركة» عن فيلم ياباني جديد يتناول قصة راما وسيتا الشهيرة.

مثلما يتضح من محتويات صحيفة «هيندويزم توداي»، تخضع الهندوسية داخل الهند وخارجها لاستمرارية تقاليدها وتغيُّرها الديني؛ فتظهر مخاوف جديدة، مثل المسائل الأخلاقية المتعلقة بالإنجاب والهندسة الوراثية، وتتطلب السياقات الجديدة توجهًا جديدًا. ووجود الهندوسية بوصفها دينًا إلى جانب الأديان الأخرى يستلزم من الهندوس التفكير فيما هو مهم لهم، وتحديده بأساليب يمكن لغير الهندوس فَهْمُها. لكنَّ تحدِّيَ نَقْلِ ما هو مقدس للأجيال الجديدة من الهندوس يظل قائمًا، مثلما توضح الكلمات التالية لامرأة هندوسية بريطانية تنتمي إلى الجيل الأول:

حسنًا، لقد ولِد ونشأ والداي في الهند، وكانت حياتهما مختلفة، أما أنا، فلديَّ الكثير من الأدوار التي عليَّ أداؤها، ليس فقط بوصفي أمًّا، وإنما أيضًا بوصفي زوجة عاملة. أما أمي وجدَّتي، فلم يكن لديهما سوى حياة واحدة؛ ألَا وهي حياة ربة المنزل التي تقوم بتنشئة الأسرة. لقد بذلتُ أقصى ما في وسعي لنقل ثقافتي وديني إلى أبنائي؛ لأنهم لا يمكنهم في هذا البلد اكتساب هذه الخبرة أو الثقافة الدينية من العالم الخارجي. لم تُضطَرَّ أمي وجدتي إلى مواجهة ذلك؛ لأن الأطفال في الوطن (الهند) كانوا يحصِّلون الدين بأنفسهم. فهُم يولَدون ويَنشئون في ظلِّه، ويُحِيط بهم في كل مكان. أما أبنائي، فقد ولِدوا في بيئة معينة، وتعرَّضوا لبيئة مختلفة تمامًا خارج المنزل. لستُ متأكِّدة إذا ما كنتُ قد نجحتُ في مهمتي هذه أم لا، لكنني أعتقد أنني بذلتُ قصارى جهدي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠