ولماذا لا تدخل المرأة مجمع البحوث الإسلامية؟١

الاختلاف في الرأي ظاهرة صحية تحتاج إلى الرعاية لتنمو وتزدهر إرساءً لقواعد الديمقراطية الصحيحة. وأنا أختلف مع الدكتورة سهير القلماوي في رؤيتها لعدد من أمور الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية، ومنها مشكلة المرأة المصرية.

إلا أن هذا الاختلاف في الرأي لا يحول دون الصداقة والعلاقة الإنسانية الواجبة بين الأفراد، وخاصةً بين حملة الأقلام والمدافعين عن حرية الرأي والديمقراطية.

ولن أتعرض في هذا المقال لما أقرؤه أحيانًا على لسان د. سهير القلماوي في تحقيقات صحفية، ووصفها للاجتماعات النسائية غير الحكومية بأنها مجرد شغب أو شرذمة نساء، لن أتعرض لهذا؛ فالتحقيقات قد تنقل بعض الكلمات أحيانًا على نحو غير دقيق.

ولكني أتعرض هنا فقط لما قرأتُه بقلم الدكتورة سهير القلماوي في مقالها بجريدة الأخبار ١٩ / ٦ / ١٩٨٥م، حول قانون الأحوال الشخصية.

ولا أظن أنني أختلف كثيرًا مع د. سهير القلماوي في تفاصيل رؤيتها لمشروع القانون، أو فهمها العميق لجوهر الشريعة. وأتفق معها تمامًا في أن الإسلام لم يُبِح للرجل أن يستعمل رخصة الزواج كيفما أراد، وأن التعدد رخصة مشروطة بالضرورة وبالعدل، وأن الإسلام مسئولية وإرادة وتحكم في الشهوات وليس إطلاقها بغير مسئولية.

وأتفق أيضًا مع د. سهير القلماوي في أن الزوجة المسلمة تعيش في قلق شبه دائم، وقد تدخر المال أو الذهب بغير علم زوجها توقُّعًا ليوم يطلقها فيه أو يتزوج عليها بأخرى، لكن الأخت المسيحية (لأنها آمنة من هذين الخطرين) تضع مالها على مال زوجها من أجل مشروعات مشتركة تفيد الأسرة.

أمَّا اختلافي مع د. سهير القلماوي فيتركز في نقطة جوهرية، هي كيفية حصول فئات الشعب (ومنهم النساء) على حقوقهن وتغيير التشريعات والقوانين لصالحهن.

ترى الدكتورة سهير القلماوي أن الحكومة هي الجهة المسئولة عن ذلك، والحكومة — في رأيها — تتصرف بكل الحكمة والغيرة على صالح الشعب. وعلى الشعب — ومنهم النساء — أن ينتظروا ما تفعله الحكومة، وكل شيء يجب أن يسير في القنوات الرسمية.

ولا يمكن لأحد أن ينكر أن الطريق عبر القنوات الرسمية هو أحد الطرق، وليس الطريق الوحيد لتوصيل رأي الشعب إلى حيث يصنع القرار.

لكن الديمقراطية الحقيقية تتناقض مع هذه الفكرة القائلة بانتظار الناس حتى تأتيهم القوانين من أعلى؛ فالقانون الذي يأتي من أعلى يمكن أن يضيع من أعلى أيضًا.

تريد د. سهير القلماوي أن يتحول الناس إلى متفرجين، لا مشاركين في صنع القرار، وأن مشاركة النساء في الديمقراطية تكون عن طريق أن ترسل كل سيدة مذكرة برأيها إلى مجمع البحوث الإسلامية؛ فهل الديمقراطية هي مجرد إرسال المذكرات أم أنها مشاركة في صنع القرار؟

ولا تنزعج الدكتورة سهير القلماوي لأن المرأة غائبة في عضوية مجمع البحوث الإسلامية؛ لأن العلماء — في رأيها — لا يمكن أن يدخلوا في لُعبة الحرب بين الرجل والمرأة، القادمة من الغرب.

وهنا أختلف أيضًا مع د. سهير القلماوي، وأعتقد أن المرأة المصرية يجب أن تكون حاضرة في عضوية مجمع البحوث الإسلامية، وفي جميع الهيئات الدينية والتشريعية العليا، وأن حضورها يجب أني يكون متناسبًا مع كونها نصف المجتمع، ولا تكون أقلية هامشية يضيع صوتها في زحمة الأصوات.

إن مشاركة النساء في صنع القرارات العليا ليس بدعة من الغرب، وليست حربًا بين الرجل والمرأة، ولكنها ضمن الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسياسية وجوهر الإسلام أيضًا. لقد شاركت السيدة خديجة زوج الرسول في صنع القرارات العليا الأولى للدعوة الإسلامية، بل إنها هي أول من آمن بنبوة محمد، وهي أول من قرر أن مُحَمَّدًا رسول الله، قالت له: «انهض، أنت رسول الله، اذهب وانشر دعوة الإسلام.» لولا السيدة خديجة ربما ما جاء الإسلام ولا انتشر … فكيف تصبح المرأة عندنا (بعد خمسة عشر قرنًا من حياة السيدة خديجة) خارج دوائر صنع القرار، بل خارج الهيئات الدينية جميعًا، بما فيها مجمع البحوث الإسلامية؟!

١  نُشر بجريدة الأخبار ٢٥ / ٦ / ١٩٨٥م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠