المرأة المصرية والمشكلة الاقتصادية١

لا يمكن لأي عين مهما ضعف بصرها ألا تلاحظ ذلك التغير السريع الذي أصبح يصيب ملامح المصريين والمصريات، وعلى الأخص المصريات، أول ما يلفت النظر هو عضلات الوجه المتقلصة والبشرة الشاحبة والعيون القلقة للنساء المصريات الواقفات أمام بائع الخضروات أو الفاكهة أو الجزار، أو حتى محل البقالة المتواضع البسيط في أي حي من الأحياء الشعبية.

بالطبع هناك نسبة كبيرة من النساء المصريات لا يذهبن إلى تلك الأماكن إلا مرة في العام، في العيد مثلًا حين تحتفل الأسرة بشراء كيلو أو نصف كيلو من اللحم، لم تذُق طعمه طوال العام.

وأنا لا أتحدث في هذا المقال عن هذه الشريحة الضخمة من المجتمع المصري، والتي تمثل حسب تقارير الاقتصاديين ٧٠٪ من عدد السكان، ويتراوح دخل الأسرة فيها ما بين ٤٥ إلى ٩٠ قرشًا في اليوم الواحد، ولا يقل عدد أفرادها عن سبعة أو ثمانية أشخاص، حسب الإحصاءات الرسمية، ولكن أتحدث الآن عن تلك الطبقة التي سُمِّيَت في الماضي القريب بالطبقة المتوسطة، ومنها هؤلاء الموظفون والموظفات والمهنيات من خريجي الجامعات والمدارس. إن المرأة في هذه الطبقة كانت بصورة عامة تشتري الخضروات واللحم، وتمارس تلك العملية الطبيعية المسماة «الطبخ» بصفة منتظمة كلَّ يوم أو كل يومين على الأكثر، ولم يكن شراء اللحم أو البطيخ أو الجبنة يمثل لها أي مشكلة أو مأساة، ولكن كم هي مأساة اليوم عملية شراء المواد الأساسية للطعام لدى جميع الطبقات في مصر، بدءًا بالطبقات الدنيا إلى الطبقات المتوسطة إلى ما فوق المتوسطة. لا شك في أن التركيبة الطبقية في مصر قد تغيرت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. كُنَّا في الماضي القريب؛ أي منذ سبع أو ثماني سنوات، نلاحظ أن عندنا أربع طبقات مختلفة: الطبقة الدنيا، والطبقة المتوسطة، والطبقة فوق المتوسطة، والطبقة العليا، أمَّا الآن فقد انصهرت الطبقات الثلاث الأولى داخل طبقة واحدة يمكن أن تُسَمَّى «الطبقة ذات الدخل المحدود»، وهذا لفظ مؤدب نوعًا ما، أمَّا اللفظ الواقعي فهو «الطبقة التي تعاني اقتصاديًّا»، وهذه الطبقة تحتل الآن أكثر من ٩٥٪ من الشعب المصري، أمَّا اﻟ ٥٪ الباقية فيمكن أن نطلق عليهم اسم «الطبقة ذات الدخل غير المحدود»، أو «الطبقة العليا» أو الطبقة المرتاحة اقتصاديًّا … وإذا كان الشعب المصري قد بلغ ٤١ مليون نسمة، فإن الطبقة التي تعاني يصل تعدادها إلى ٣٨٩٥٠٠٠٠ نسمة، وهذا العدد يشمل الذكور والإناث. وعلى هذا يمكن القول إن ١٩٤٧٥٠٠٠ امرأة مصرية تُصاب بتقلص في عضلات وجهها وشحوب في البشرة إذا ما فكرت في تلك العملية التي أُطلِقَ عليها اسم «الطبخ».

في أحد الأيام خلال عام ١٩٧٦م قالت لي «أم محاسن»، وكانت امرأة تأتي إلى منزلي مرة في الأسبوع لتقوم بأعمال النظافة نظير ٢٠٠ قرش في كل مرة، وهي لم تعد تأتي من ١٩٧٦م، وأصبحتُ أقوم بما كانت تقوم به، قالت أم محاسن وهي تلطم خديها: «يا ناس يا هوه إذا طبخت في يوم «عدس»، والله «عدس» لا غير، فإنني أنفق ١٠٠ قرش!» كان ذلك من عامين، أمَّا اليوم — ونحن في سنة ١٩٧٩م — فقد تضاعف سعر العدس أيضًا، أمَّا أكلة «الفول المدمس» فكانت تكلف أم محاسن بمثل ما تضاعف سعر العدس. وكانت أسرة أم محاسن خمسة أفراد فقط، أي أنها تُعتبَر أسرة صغيرة الحجم بالنسبة إلى أغلب الأسر المصرية.

أمَّا «الجبنة البيضاء» التي كانت في متناوَل الأسر المحدودة الدخل، فقد اختفت من السوق المصرية بمثل ما اختفت معظم المنتجات المصرية المحلية، وحلت مكانها منتجات مستوردة دخلت مصر من «الباب المفتوح» على مصراعيه على أنواع الجبنة الفرنسية والإيطالية والمعلبات الأمريكية والهولندية والدانماركية، والتي لا يقدر على شرائها بالطبع إلا ذوو الدخول غير المحدودة، من الشريحة العليا في المجتمع. وقد تظهر «الجبنة البيضاء» أحيانًا في بعض محلات البقالة من ذوي الروح الوطنية المشجعين للصناعات المحلية، لكن الكيلو أصبح ثمنه ٢٠٠ قرش على الأقل، أي ما يوازي دخل الأسر المصرية الكادحة في أربعة أيام.

ولعل أغلب ما يحدث في مصر أن الأسعار تختلف من تاجر إلى تاجر ومن محل إلى محل، هذه هي الحرية أو الديمقراطية التي يتمتع بها الشعب المصري، والتي لا يمارسها إلا فئة التجار وأصحاب محلات البقالة والخضر والفاكهة واللحوم، كل تاجر أعطى نفسه الحرية في أن يضع الثمن للشيء الذي يبيعه، ومَن هي تلك المرأة المصرية الشجاعة التي تستطيع أن تناقش الجزار أو بائع الخضروات أو الفاكهة؟ إن أقل ما يمكن أن يصيبها هو سلسلة من أقبح أنواع السباب تصيب أباها وأمها قبل أن تصيبها هي.

أمَّا الفاكهة فلم تعد تدخل إلا بيوت ذوي الدخل غير المحدود، حتى «البطيخ» أو «الخيار» — فاكهة الفقراء — أصبح اليوم من السلع التي يُكتفى بالنظر إليها من بعيد. وهناك من السلع ما لا يُنظَر إليها على الإطلاق، مثل الجوافة والعنب والبرتقال والبرقوق أو المانجو، فهذه أسماء لم يعد لها مكان في ذاكرة أكثر من ثمانية وثلاثين مليون مصري ومصرية.

وكانت لي صديقة عُرِفَ عنها هدوء الأعصاب والتريث في الحكم على الأشياء وعدم نقد المسئولين طالما هم يملكون السلطة، وبالطبع كانت مما يؤيدون سياسة «الباب المفتوح»، رأيتها منذ أسبوعين تشد شعرها وتقول: «يا ناس يا هو، كل يوم نقرأ في الصحف عن الجهود التي تُبذل من أجل «الأمن الغذائي»، ولكن الأسعار تزداد بازدياد المساحات المخصصة للأمن الغذائي في الصحف!» وأصبحت صديقتي هذه — وهي جامعية محترمة — تقف أمام الجزار أو الخضري وهي «شاحبة اللون وعضلات وجهها متقلصة».

أمَّا هؤلاء المصريات المنتميات إلى الشريحة الرقيقة ذات الدخل غير المحدود، فإن الواحدة تجلس في الشرفة المطلة على النيل تتسلَّى بحبات البرقوق أو الكريز (نوع ما من الفاكهة سمعت عنه) وتقول لمن حولها في دهشة: «مين قال في مصر أزمة اقتصادية، هذه إشاعات يروجها أعداء الباب المفتوح، أعداء الشعب غير المعترفين بكارتر وبيجين وكامب ديفيد.» وتلتهم قطعة أخرى من «المانجو» (هذه فاكهة ليس لنا بها أي علاقة إلا نظريًّا فحسب)، وتقول بصوت ناعم حريري: «تمام يا فندم.» (هذا اللقب شائع بين الطبقة العليا)، إنهم يدَّعون وجود أزمة اقتصادية، والحقيقة يا فندم أنها ليست إلا مشكلة هؤلاء النساء المصريات الجاهلات اللائي يلدْن بسرعة الأرانب، إنهم مشكلة اﻟ the mob (تنطقها بالإنكليزية)، وعلينا بحبوب «منع الحمل»، وتردُّ واحدة أخرى تدغدغ بين أسنانها قطعة من الخوخ (نوع من الفاكهة أيضًا): تمام، تمام يا فندم، المشكلة هي كيف نوقف الأرانب، ولكن ماذا نفعل والمرأة المصرية مهما جاعت ومهما ضمرت ونحلت من الجوع فإن شهيتها للحمل لا تقل أبدًا؟

وترن الضحكات الرقيقة الناعمة في الليل مع نسمات النيل الهادئة إلى حيث لا يعلم أحد …

١  نُشر بمجلة الأسبوعي العربي، بيروت، ٢٠ / ٨ / ١٩٧٩م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠