العدل مطلوب في جميع القوانين الخاصة والعامة١

في مقالِه بالأهرام (١٨ نوفمبر ١٩٩٧م) يقسم فهمي هويدي البشر إلى قسمين:
  • (١)

    العلمانيون؛ الذين لا يُؤمنون بالمطلق الثابت وكل شيء عندهم نسبي؛ ولذلك تتغير قيمهم الأخلاقية بلا رابط ولا ضابط مثل كائنات الغابة.

  • (٢)

    المتدينون؛ الذين يؤمنون بالمطلق الثابت؛ ولذلك فإن أخلاقهم رفيعة لأنها تعود إلى مرجعية ثابتة.

وهذا في رأيي تقسيم تعسُّفي وخطير للمجتمع والناس، وقد ينطوي — بوضوح أو بغير وضوح — على دعوة للصراع على أساس الدين أو التدين، هذا الصراع الذي يفرخ الحروب الأهلية في كثير من الأحيان، ويمكن أن يغذي الفكر الإرهابي، أو قتل الأبرياء لأسباب دينية؛ فالذين قُتلوا من السياح الأجانب في الأقصر يمكن أن يندرجوا (في هذا الفكر) إلى العلمانيين، بل إن الذين يختلفون معه في الرأي من المسلمين يمكن أن يندرجوا أيضًا تحت قسم العلمانيين، هكذا يتم الحكم على الناس بالكفر أو الفساد الأخلاقي لمجرد الاختلاف في الرأي حول مفاهيم كلمات صعبة مجردة مثل المطلق الثابت عند فهمي هويدي، ويتلقى الإنسان رصاصة في صدره بسبب هذا الاختلاف النظري حول المطلقات دون أن يفهم شيئًا منها.

وفي مقاله يقول فهمي هويدي: إن النبي مُحَمَّدًا قد رفض أن يتزوج عليُّ بن أبي طالب على ابنته فاطمة، واشترط عليه أن يُطلقها إذا تزوج امرأة أخرى، فلماذا إذن لا يكون سلوك النبي هو القاعدة القانونية وليس الاستثناء؟ وإذا كان الرِّجال لا يمارسون تعدد الزوجات إلا في ٢٪ من الحالات (كما يؤكد فهمي هويدي نفسه)، فلماذا يبيح القانون التعدد؟! لقد ثُرنا أيام الملك فاروق حين رأينا أنَّ القوانين في بلادنا تخدم ٢٪ من المجتمع المصري فقط، فكيف نسكت على قانون يمس صميم الحياة الشخصية للرجال والنساء والأطفال، ويخدم فقط ٢٪ من الرجال، بالإضافة إلى أن هذا القانون يقنن الظلم أو الازدواجية أو الكيل بمكيالين؛ لأن الطلاق أو التعدد يُعطَى كحق مطلق ثابت لطرَف دون الطرَف الآخر.

إن فكرة الطلاق أو التعدد (على حد قول فهمي هويدي نفسه) قد قامت أصلًا لمجرد حل بعض المشكلات التي قد تعترض الحياة الزوجية، لكن هل الحياة الزوجية تتكون من طرف واحد هو الرجل؟ ولماذا تُحَل هذه المشاكل على حساب طرف واحد؟ ولماذا يصبح الزوج هو الحكم أو صاحب الحل والربط مع أنه أحد أطراف النزاع؟! لقد استطاعت السيدة فاطمة أن تحمي نفسها وأسرتها ضد الطلاق وتعدد الزوجات بسبب وجود أبيها النبي محمد وقدرته على فرض الشروط على زوجها عند توقيع العقد، وهل يمكن لأي أب أن يكون في قوة النبي وقدرته على حماية ابنته؟ ومَنْ يحمي النساء الضعيفات والبنات الصغيرات، ومعظمهن يتزوجن في أوضاع اجتماعية لا تؤهل لهن فَهْم بنود القانون، فما بال أن تُفرض الشروط في العقد؟

والسؤال هو: لماذا لا يَنص القانون بوضوح على زوجة واحدة لكل رجل؛ فيصبح التعدد هو الاستثناء، ويمكن لمن شاء من اﻟ ٢٪ من الرجال أن يشترط التعدد عند توقيع العقد، وهذا أسهل وأعدل؛ لأن الرجال أكثر قوةً من النساء، ويمكن لهم أن يفرضوا شرطهم هذا في العقد، كما أنهم أقلية نادرة (٢٪ فقط).

إن إباحة الطلاق والتعدد قانونًا لجميع الرجال يجعل جميع النساء مهدَّدات، وجميع الأسر مهددة بالتفكك، والمشكلة ليست مقصورة فقط على اﻟ ٢٪ أو ٣٪، ولكنها تشمل الجميع؛ لأن التهديد في حد ذاته دون وقوع الطلاق أو التعدد يؤدي إلى كثير من المشكلات النفسية للنساء والأطفال، وهناك مثل شائع يقول: «وقوع البلاء ولا انتظاره.»

إن إعطاء الرجل وحده الحق المطلق في الطلاق أو التعدد أو النسب قد يشجع ضعاف النفوس من الرجال على سوء استخدام هذا الحق. واقرءوا معي ما نُشر بجريدة الأهرام ١٥ نوفمبر الماضي صفحة ١١ و١٨: «هذا الولد ليس ابني، وأرفض نسبه إليَّ …» عبارة أصبحت تتردد كثيرًا داخل محاكم الأحوال الشخصية، أطلقها الرجال وتستروا وراءها، استخدموا سلاحًا مدمِّرًا لتصفية الحسابات مع شريكة العمر ورفيقة الحياة لتخرج من حياته دون أن تحصل على مليم واحد من حقوقها الشرعية، وهي تجر خلف أذيالها أطفالًا بلا أب أو هُوية أو نسب، ويكون هؤلاء الأبرياء هم الضحايا. وتسوق الجريدة أمثلة لزوجاتٍ، منهن الطبيبة والمهندسة التي عاشت مع زوجها ٦ سنوات كاملة، فإذا به يعاقبها لأنها رفضت التنازل له عن ميراثها من أبيها لكي يشتري لنفسه سيارة، والعقاب هو إنكار نسب أطفاله منها، ودفعها إلى المحاكم لتثبت هذا النسب، وكأنها هي تدخل عش الدبابير، وعليها أن تدوخ السبع دوخات داخل سراديب القانون مع المطلقات والثكالى واليتامى، وقد تَحصُل على حقها بعد سنين طويلة أو لا تحصل عليه؛ فالرجال أكثر من النساء فهمًا للقانون وقدرةً على التلاعب به.

لا شك أن العدل مطلوب في جميع القوانين الخاصة والعامة المحلية والدولية؛ لأن الله هو العدل «عرفوه بالعقل»، كما يقول المثل الشائع؛ فالعدل إذن هو المطلَق الثابت المقدس في جميع الأديان والمواثيق الدولية والدساتير المحلية، إلا أن هذا العدل يُنتهك أمامنا كل يوم في حياة الأفراد والشعوب والدول. ويكيل القانون الدولي بمكيالين، ولا يختلف في ازدواجيته عن قانون الأحوال الشخصية، مثلًا تُضرَب العراق حتى الموت لأنها خالفت قرارات الأمم المتحدة، ويموت يوميًّا خمسمائة طفل عراقي بسبب الحصار الاقتصادي المفروض بقرار دولي، أمَّا دولة إسرائيل فهي تخالف قرارات الأمم المتحدة كل يوم، وتقتل الأطفال والشباب الفلسطينيين، وتهدم البيوت وتبني المستوطنات، ومع ذلك لا يعاقبها أحد، بل تكافأ بالأموال والمعونات والمعدات العسكرية النووية.

هكذا لا يختلف العالم الذي نعيش فيه عن الغابة؛ لأن القوة هي التي تسود وليس الحق، ولأن الكيل بمكيالين أو الازدواجية هي منطق القوة، هي المطلَق الثابت المقدس لهذه القوة، تفرضه على الضعفاء تحت شعارات دينية أحيانًا، أو تحت شعارات علمانية، حسب مصلحة الأقوى؛ مما يؤكد عدم صحة هذه التقسيمة التي يتبناها فهمي هويدي، وهي معروفة في التاريخ، وكم أدت إلى مذابح دينية في الغرب والشرق.

١  نُشر في جريدة الأهرام، ٨ ديسمبر ١٩٩٧م، ص١٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠