أنا لا أُفكِّر إذن أنا موجود!١

(١) عن الإرهاب الفكري

من أجل الوجود في عصرنا الحديث (أو ما بعد الحديث) أَسْبغ الله عليَّ نعمة عدم الانتماء إلى هذه الفئة الرفيعة القدْر، والتي يُطلَق عليها لقب «المفكرون». وقد أصبح «التفكير» مهنة خطرة، مثل التعامل مع المتفجرات أو اقتلاع الألغام من الأرض بعد انتهاء الحرب. وقد تعرَّضت مثل الكثيرين غيري من النِّساء والرِّجال من عامة الشعب إلى الوقوع تحت طائلة التفكير أو ما يُسمِّيه أهل قريتي «الفكر»، يقولون: فلان عنده فكر أو فلانة عندها فكر، بمعنى غياب العقل.

لا شكَّ أنَّ الإرهاب الفكري في عصرنا هذا لم يكن كله منتميًا إلى التيارات السياسية الدينية المسماة بالأصولية النصوصية، المشتقة من كلمة «النص»، وقد أصبح في عصرنا أصوليات نصوصية متعددة تقلب المنطق والأوضاع الطبيعية، بحيث تكون المعرفة الإنسانية نابعة من حروف المطبعة وليس من الحواسِّ الستة للإنسان، ومنها السمع والبصر والبصيرة والفؤاد يعني القلب، أليس لهم أفئدة يفقهون بها؟ وهذا يعني إلغاء حواسِّنا وتجارِبنا الذاتية في الواقع الذي نعيشه لنكتسب المعرفة من الكتب أو كتابات الآخرين.

كثيرون تناولوا ما عُرف باسم «التفكير الديني» لبعض المفكرين من النساء والرجال في بلادنا، قليلون الذين تناولوا ما يمكن أن يُسَمَّى «التفكير العقلاني»؛ فالعقل المفصول عن الحواسِّ والجسد والقلب والفؤاد قد يتحول إلى سيف أشد قسوة من السيوف المادية الحقيقية التي تقطع رأس من يفكر في المقدسات العليا في السماء أو فوق الأرض.

في ربيع عام ١٩٩٤م في جامعة ديوك الأمريكية بولاية نورث كارولينا، جاءنا المفكر الفرنسي المشهور في العالم «جاك ديريدا» ليلقي علينا محاضرة عن صراع الثقافات في عصر ما بعد الحداثة. يمكن القول — دون مبالغة — أن لغة المحاضرة كانت معقدة شديدة التعقيد، غامضة شديدة الغموض، فلم يفهمها أحد من الأساتذة الكبار أو الصغار أو طلبة الجامعة وطالباتها. أحد زملائنا الأساتذة كان معارًا من الأرجنتين، أصابه إحباط أو الشعور بالنقص أو الغباء، فلم يملك الشجاعة ليسأل سؤالًا واحدًا أثناء المحاضرة. لكن بعض الأسئلة طُرحت ولم تفعل إجابات جاك ديريدا شيئًا سوى زيادة التعقيد والغموض، تلك الليلة رأى زميلنا الأرجنتيني وهو نائم كابوسًا له أصابع جاك ديريدا تحوط عنقه وتخنقه، هب من النوم مفزوعًا وهو يصيح: هذا إرهاب فكري!

سمعت العبارة ذاتها في مصر منذ أيام قليلة، في إحدى الندوات الفكرية عن الكونية، كان المحاضر من كبار المفكرين المصريين، لم يقدم لنا فكرة واحدة نابعة من عقله أو من تجارِبه المُعاشة في الواقع المصري، لكنه راح يردد علينا أقوال المفكرين في أمريكا وأوروبا، ابتداءً من أرسطو إلى كارل ماركس إلى فرانسيس فوكاوياما وروبرت كابلان وبرنارد لويس وصامويل هانتنجتون بالطبع، هذه الأسماء مع جاك ديريدا وميشيل فوكو وفردريك جيمسون وغيرهم.

أعطَوْا أنفسهم لقب «فلاسفة الكون»، اعتبروا أنفسهم رأس العالم المفكر وبقية البشر لا يفكرون، مجرد جسد بلا رأس، تمامًا كما حدث للعبيد والنساء في العصور القديمة؛ إذ اعتبرهم فلاسفة العبودية (ومنهم أرسطو) الجسد بغير رأس.

وفي خريف ١٩٩٤م — في جامعة ديوك أيضًا — شاركت في مؤتمر دولي عن الكونية والثقافة، شارك فيه فردريك جيمسون وعدد آخر من المفكرين المعروفين في جامعات هارفارد وييل وستانفورد وأكسفورد وكيمبردج والسوربون وغيرها. جلسوا بكبرياء شديد فوق المنصة العالية، تفوح منهم رائحة كولونيا ما بعد الحلاقة الحديثة، يتحدثون عن عصر ما بعد الحداثة أو ما بعد الاستعمار، كأنما الاستعمار انتهى من العالم، وخلعوا على الشعوب فيما سمَّوْه العالم الثالث لقبًا جديدًا Subaitern وتعني «الناس اللي تحت». أصبحنا نحن سكان أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية في نظرهم الغلابة الفقراء ماديًّا وفكريًّا، وأنهم يقدمون المعونات لنا، وينوبون عنا في التفكير لنا. يضعون لنا الأسئلة والأجوبة لمشاكلنا المادية والفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية؛ ذلك لأنهم يملكون العقل المفكر، أمَّا نحن فلا نملك إلا الجسد الذي يشغل الكرسي في صمت واستماع جيد، أو الذي ينهض في المهرجانات الثقافية يقدم الرقصات الأفريقية على دقات الطبول، ويرتدي الجلاليب أو الشخاليل أو الأحجبة المؤكِّدة للهوية الأصلية أو التي ترمز إلى الخصوصية الثقافية أو الدينية أو العرقية أو غيرها.

لا شكَّ أنَّ موضوعهم الأثيري الحديث أو بعد الحديث هو «علاقة الذات بالآخر»، وهي علاقة بسيطة مفهومة بمنطق العدل «أخذًا وعطاءً» في العلاقات المادية والفكرية بين الدول أو الجماعات أو الأفراد نساءً ورجالًا، بحيث لا تكون هناك يد عليا تعطي ويد سفلى تأخذ، تعتمد كل «ذات» على نفسها لإعالة نفسها وللتفكير في أمورها ومصالحها بالشكل الذي يحقق لها الكرامة والحرية والاستقلال المادي والفكري عن «الآخر».

(٢) مشكلة الفكر والمفكرون

تكمن المشكلة في رأيي في سيادة النقل عن الكتب والنصوص أكثر من سيادة التجارِب الذاتية في الواقع المُعاش؛ لهذا السبب تغيب البديهيات أو الأسئلة الطفولية الذكية قبل الضرب بالعصا في المدارس والبيوت، أو العبارات الشعبية البسيطة التي سمعتها من جدتي الفلاحة مثل: «ربنا هو العدل، عرفوه بالعقل.» إنَّنا نفقد هذا الذكاء الفطري من المهد إلى اللحد؛ بسبب طغيان القيم الطبقية الأبوية على القيم الإنسانية العادلة في حياتنا العامة والخاصة.

إن هذه القضايا التي تشغل المساحات في الصحف والكتب، من نوع الكونية والصراع بين الحضارات أو الثقافات، أو الدفاع عن الهُوية الأصلية أو التراث أو الثقافة القومية أو الوطنية، هذه كلها قضايا فكرية مفروضة علينا من «الآخَر»، لا ينشغل بها الملايين من النساء والرجال العاملين والعاملات في البيوت والحقول والمصانع والمتاجر والمستشفيات والطرق والمرافق الحيوية والإنتاجية.

ألهذا السبب يدور الحوار الفكري دائمًا في القاعات المغلقة على القلة القليلة ممن يُطلَق عليهم «المفكرون»؟ أو الذين ينتمون إلى مهنة «التفكير»؟

هل أصبح الفكر مهنة القلة أو سلعة للاستهلاك مثل السلع الكمالية الأجنبية التي تُغرِق أسواقنا؟!

هل يؤكد هذا الفكر الانفصال بين الإنتاج والاستهلاك، ويقسم البشر إلى قسمين:
  • (أ)

    أسياد يفكرون وينتجون الفكر.

  • (ب)

    تابعون لا يفكرون ويستهلكون فكر الآخرين.

تحدث هذه التقسيمة على المستوى الدولي الكوني بمثل ما تحدث على المستوى المحلي، وبمثل ما تحدث أيضًا على مستوى العائلة.

وتذكِّرنا هذه القسمة بأرسطو (٣٨٤–٣٢٢ق.م) الذي قسَّم الموجودات في المجتمع اليوناني القديم إلى قسمين:
  • (أ)

    الأشخاص: وهم الأسياد الذين يملكون الأرض والعقل والسلطة.

  • (ب)

    الأشياء: وهم العبيد العاملون في الأرض، والنساء، والحيوانات.

ويُعتبر أرسطو النموذج العقلاني لكثير من المفكرين حتى اليوم، رغم أنه قال إن العبودية أمر عادل تتطلبه طبيعة العبد وطبيعة المرأة. هكذا تم إحلال الطبيعي أو البيولوجي محل الاجتماعي والسياسي لتكريس الظلم والتفرقة على أساس الطبقة والجنس، وأصبح الثائرون والثائرات ضد الظلم كأنما هم ثائرون أو ثائرات ضد الطبيعة أو القانون الإلهي.

ومن أجل التمويه وسيادة اللفظ على المعنى أو اللغة على الاقتصاد أو الثقافة على ضرورات الحياة المادية، تحولت الفلسفة أو الفكر منذ نشوء الرق والعبودية إلى رياضة كلامية لغوية ذهنية منعزلة عن حياة الملايين من النساء والرجال المظلومين. وقد لجأ أحد هؤلاء المظلومين إلى أرسطو بعد أن استولى أحد السادة الكبار على قطعة أرضه الصغيرة، لكن أرسطو لم يعبأ بهذا الظلم أو هذه القطعة الصغيرة من الأرض؛ لأنه كان يفكر في الكرة الأرضية كلها. وهكذا استمر الظلم في العالم حتى يومنا هذا، واستمر معه هذا التمويه الفكري من أجل تزييف الوعي لدى الملايين من الناس وإقناعها أن اللغة أو الحروف أو النصوص أهم في حياتهم من لقمة العيش أو قطعة الأرض.

وفي مصر وبلادنا العربية تيارات فكرية متعددة كان يمكن أن تلعب دورها في تطوير الفكر وتشجيع الإبداع والخيال المادي والفكري، إلا أن أغلبها اعتنق النصوص وتجمد عندها، سواء كانت نصوصًا عقلانيةً ديكارتية أو ماركسية أو إسلامية أو قومية عربية اشتراكية أو رأسمالية، حتى نصوص هانتنجتون أصبحت هي الدين الجديد لعدد غير قليل من المفكرين في بلادنا، ولهذا حديث آخر.

١  نُشر في جريدة الأهرام، القاهرة، ٦ فبراير ١٩٩٧م، ص١٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠