حديث مع توفيق الحكيم١

(١) حوار فكري أم مونولوج داخلي؟

درج القراء في بلادنا على الإنصات «صامتين» إلى أحاديث الكُتَّاب الكبار في مجالات الفكر؛ وبذلك يبدو الكاتب أو المتكلم وكأنه يتحدث مع نفسه (أو مع الله)، فالفرق الوحيد بين الحديث مع النفس (أو مع الله) والحديث مع القراء هو أنه في الحالة الأولى لا يكون هناك «رد»، ويظل الحديث على شكل مونولوج دائم، أمَّا في الحالة الثانية فلا بد أن يكون هناك «رد» ليتحول المونولوج إلى «حديث مع» أو «حوار» بالمعنى الصحيح.

لكن علاقة الكاتب بالقارئ في بلادنا لا تزال تأخذ شكل الكلام من جانب واحد، إنها تشبه العلاقة بين الفرد والإله، أو علاقة المحكوم بالحاكم.

والمفروض على الأقل في مجال الفكر والكتابة أن يكون «التبادل» هو أصل العلاقة، حتى يمكن أن يتحول القارئ من آلة استقبال إلى إنسان يتفاعل ثُمَّ يفكر، ثُمَّ يشارك في صياغة الفكر وتطويره.

بغير هذا التحول، بغير أن يصبح «الصامت» ناطقًا، لا يمكن أن يحدث حوار فكري في بلادنا، هذا الشعار الذي نردده طوال الوقت؛ مما يؤكد غيابه طوال الوقت.

لذلك فإني ما زلت أطلب من كبار الكُتَّاب في بلادنا أن يفتحوا قلوبهم وعقولهم للقراء، وأن يشجعوا القراء على أن يخرجوا من مجال الصمت إلى مجال النطق.

إنهم بذلك يسهمون في زحزحة أكبر حجر تقوم عليه أزمة الفكر في بلادنا، وربما لو فعل ذلك كاتب كبير مثل توفيق الحكيم منذ بدأ الكتابة في الثلاثينيات لما اضطر إلى إعادة نشر ما كتب منذ أربعين عامًا؛ ذلك أن فكره كان لا بد أن يتغير ويتطور من خلال التفاعل مع آلاف العقول الأخرى على مدى نصف قرن أو أقل أو أكثر.

(٢) الثُّقوب الواسعة في غربال العلم

سوف أسهم بدوري كقارئة لما نشره الحكيم، وسأحاول الرد على بعض أفكاره:

كتب الحكيم مؤيِّدًا نظرية «أ. م. جود» عن عجز العلم للتوصل إلى فهم شخصية الإنسان، أو الصداقة، والحب، ويقول في هذا الحديث:

فالإنسان ليس هو مجموعة الدقائق التي يتكون منها تركيبه المادي والحيوي والنفساني، إنه أكثر من هذه المجموعة، إنه شخصية! … الشخصية شيء يفلت دائمًا من غربال العلم، ومن الأشياء التي لا يمكن أن يحسها العلم …

ويستمر الحكيم قائلًا:

ويمضي «جود» بعدئذٍ يُحدِّثنا عن نتائج التحليل العلمي لنكتة فكاهية، فيقول: إنَّ السير «آثر أونجتون» حاول أن يبحث في طبيعة «النكتة»، وقد رأى أنها قابلة للتحليل شأن أي مركب كيميائي؛ ففك أجزاءها، وقرر ما ينبغي أن يكون التركيب والنموذج لنكتة فكاهية، وكان المنطق يقضي أن نضحك لهذه النكتة، ولكننا لم نضحك، شيء فيها تبخر عند التحليل، هذا الشيء أُسَمِّيه أنا «الروح».

كان يمكن لمثل هذا الكلام أن يُنشر خلال الثلاثينيات، أو قبل إدراكنا لحقائق العلوم الحديثة، وخاصةً علم الاجتماع الحديث وعلم النفس. لقد أدرك العلماء الجدد ومنهم «رونالد لينج» في إنجلترا «وتوماس زاس» في أمريكا (وغيرهما) خطأ السير آثر أونجتون و«أ. م. جود»؛ ذلك أن الذي تبخَّر في المعمل الاختباري لم يكن هو «روح» النكتة، ولكنْ شيء آخر أُطلق عليه اسم «المُناخ الثقافي والاجتماعي العام».

فقد اتضح لهم أثناء البحث أن النكتة التي ضحك عليها الإنجليز في سنة ١٩٣٢م ليست هي النكتة التي ضحكوا عليها سنة ١٩٤٢م، كما وجدوا أيضًا أن النكتة التي ضحك عليها الإنجليز سنة ١٩٤٢م اعتبرها غيرهم نكتة غير مضحكة أو باردة تمامًا (نكت الإنجليز تبدو لنا باردة).

وبذلك اكتشف العلماء الجدد أن الذي غاب عن «وعي» السير آثر أونجتون ليس هو «روح» النكتة، وإنما هو المُناخ الثقافي والاجتماعي العام الذي يلعب دورًا أساسيًّا في عملية فهم النكتة وبالتالي الضحك أو عدم الضحك.

وبالمثل أيضًا اكتشف هؤلاء العلماء الجدد ومنهم «رولو ماي» (في جامعة هارفارد) وغيره من أساتذة علم النفس الحديث، أن «الحب» ليس أعمى كما تصور العلماء السابقون، وأنه ليس هناك ما يُسَمَّى «الوقوع في الحب من أول نظرة»، وأن ما يبدو في «الوعي» النظرة الأولى ليس في الحقيقة إلا عددًا يُحصى أو لا يُحصى من الصور المتشابهة والمتراكمة في الذاكرة أو اللاوعي منذ الطفولة ومراحل العمر المختلفة. إن الثقوب في غربال العلم الحديث أصبحت أضيق مما كانت منذ ثلاثين عامًا، وهي تضيق على الدوام.

(٣) المرأة المصرية العاجزة عن التفكير

كتب توفيق الحكيم تحت عنوان «المرأة ومواهبها»، يقول: «هذان النوعان بالذات: التفكير والتركيز» لم أجد للمرأة فيهما أثرًا بارزًا … كل شيء قد برزت فيه وسادت فيه الرجل … نعم، كل شيء استطاعتْه المرأة خلا شيئين: أن تكون «فيلسوفة»، وأن تكون «مؤلفة تمثيلية»، أترى التفكير والتركيز صفتين ناقصتين عند المرأة؟ أمَّا «الرواية»، فالمرأة توشك أن ترفع عليها علم السيادة؛ فالمرأة تُمسك «بالقلم» لتصنع قصة روائية كما تُمسك «بالإبرة» لتصنع ثوبًا من «التريكو».

فالقصة النسوية بما فيها من التفاصيل لشئون الحياة اليومية ومن إسهاب لتفاهات الحياة المنزلية … «كل هذا ليس في حقيقة الأمر سوى نوع من شغل الإبرة.»

وماذا نفهم من هذا الكلام؟ أيقول الحكيم إن التأليف الروائي لا يحتاج إلى تفكير؟ أم يقول إن الرجل الروائي يفكر، أمَّا المرأة الروائية فهي عاجزة عن التفكير، وإنتاجها ليس إلا نشاطًا غير فكري أو نشاطًا آليًّا مثل «التريكو» وحياكة تفاهات الحياة المنزلية؟ ومن هي المرأة العاجزة عن التفكير؟

هل هي المرأة المصرية أو المرأة بصفة عامة في العالم كله؟

وهل قرأ الحكيم إنتاج النساء في العالم ليُصدر حكمًا عامًّا على المرأة؟ وإذا كان حكمه يخص المرأة المصرية فقط، فهل قرأ الحكيم إنتاج المرأة المصرية من الروايات خلال نصف القرن الأخير؟

ونفهم من الجزء الأخير في مقال الحكيم أنه يخص المرأة المصرية فحسب بتلك الصفة «العجز عن التفكير».

(٤) تمجيد المرأة الأوروبية!

في ختام مقاله يقول الحكيم تحت عنوان «أثر المرأة في أدبائنا»:

وهناك أدباء أثَّرت في تكوين ثقافتهم نساء فضليات، أن يجريَ على أقلامهم وصف لامرأة … من بين هؤلاء الشيخ مصطفى عبد الرازق، ومنهم أيضًا «أحمد أمين»، وقصته عجيبة، فإني أسأل نفسي: كيف استطاع هذا الباحث الجادُّ في تاريخ العقلية الإسلامية أن يكون أديبًا تنم كتاباته أحيانًا عن فهم للقلب والعواطف؟ فتحرَّيت منه فكشَف لي الأمر عن حقيقةٍ أدهشتْني، نعم، هو أيضًا قد أثَّرَت في حياته امرأة … أستغفر الله! بل امرأتان، هما سيدتان إنجليزيتان، إحداهما في ذهنه وتفكيره بثقافتها الواسعة، والثانية أثَّرَت في قلبه ومشاعره بجمالها ونُبلها! وأخيرًا أقول إن المرأة التي أثَّرَت في عمل أدبائنا المعاصرين هي في أغلب الأحوال امرأة أوروبية فرنسية أو إنجليزية. ولنا أن نتساءل: أين المرأة المصرية؟ مشغولة أينَ وبماذا عن صنعِ العقول وقيادة القلوب واللعب بمصائر الرجال وأقدار المشاهير؟

وماذا نفهم من هذا الكلام؟ ها هي ذي المرأة التي سبق أن وصفها الحكيم بالعجز عن التفكير تصبح هي التي تؤثر في الرجل وفي ذهنه بثقافتها الواسعة.

لكنها هنا المرأة الأوروبية، والرجل الأوروبي.

وماذا يقصد الحكيم؟ هل يقصد أن المرأة المصرية لا تؤثر في عقل الرجل المصري لأنها أقل منه ثقافةً وفكرًا، وأن المرأة الأوروبية أكثر ثقافةً وفكرًا من الرجل المصري؛ وبالتالي يمكنها التأثير في عقله وذهنه؟

وهل تؤثر المرأة الأوروبية في عقل الرجل الأوروبي بمثل ما فعلتْه بالرجل المصري؟

من الحقائق المعروفة اليوم أن نساء أوروبا (وأمريكا أيضًا) قد بدأن الثورة على الرجل في منتصف هذا القرن لسبب أساسي هو: عدم الاعتراف بعقل المرأة (واعتبارها جسدًا فحسب مثل حواء). وبقراءتي لمعظم كتابات النساء (في أوروبا وأمريكا) خلال العشرين عامًا الماضية وجدت أن المرأة الأوروبية (والأمريكية أيضًا) تنقد كتابات الرجل الأوروبي، الذي اتهمها بالعجز عن التفكير ونقصان العقل والتركيز، وأنه كان يهرب منها إلى بلاد أفريقيا وآسيا؛ سعيًا وراء امرأة تؤثر في عقله وقلبه! يا ترى ما المشكلة؟ أهي مشكلة الرجل؟ أم المرأة؟ أم كليهما؟!

(٥) المفهوم الجديد للمرأة والإبداع الفكري!

لم تعد الفروق البيولوجية أو الجنسية بين الرجل والمرأة هي التي تحدد مفهوم الإبداع الفكري عند كل منهما، لقد وُجد أن إنتاج النساء الأدبي في أوروبا سنة ١٩٤٢م يختلف عن إنتاج النِّساء في مصر في العام نفسه، ولا يرجع ذلك إلى اختلافات بيولوجية بين المرأة الأوروبية والمرأة المصرية، ولكنه يرجع إلى أن الضغوط الثقافية والأخلاقية على المرأة الأوروبية كانت أقل، وكانت المرأة الأوروبية تمارس من الحريات الاجتماعية والشخصية ما يسمح لها بمخالطة الرجال الأجانب، مصريين وغير مصريين؛ وبالتالي القدرة على التأثير في عقولهم وقلوبهم.

أمَّا المرأة المصرية في سنة ١٩٤٢م فكانت حريتها أقل، ولم يكن في إمكانها مخالطة الرجل المصري، فما بال الرجل الأجنبي.

لهذا فإني أرى أن الحكم على المرأة المصرية دون مراعاة الظروف الاجتماعية والثقافية في البيئة التي تعيشها يصبح حكمًا غير صحيح، أو حكمًا خطأً؛ وبالتالي غير مفيد، بل ضار.

لأنه يُشعر المرأة المصرية بالنقص، أو العجز عن التفكير والتركيز. ويبدو النقص لها كأنه صفة طبيعية خاصة بها وحدها، أو بسبب عيب فيها هي بالذات وليس لأسباب ثقافية واجتماعية هي تعاني منها أصلًا، وتحاول التخلص منها؛ فهل يساعدها الرجل المصري على هذا؟

ويحكم توفيق الحكيم على الرجل المصري بالنقص في التفكير بالنسبة للمرأة الأوروبية، بمثل ما يقول إن أوروبا هي «العقل» والشرق هو «النفس» أو الروح. وكأنما الشرق ليس له عقل. وهذا الحكم أيضًا غير مفيد لأنه يُشعر الرجال في بلادنا أن عقولهم أقل من عقول النساء في أوروبا، وأن العقل المصري أو العقل العربي يعاني نقصًا بالطبيعة وليس بالضغوط الاجتماعية والثقافية والسياسية.

إن التشخيص الخطأ لأسباب أي مشكلة يقود بالضرورة إلى العلاج الخطأ؛ ولهذا لا نزال نعاني الأزمة الفكرية بين رجالنا ونسائنا معًا.

١  مجلة أكتوبر، ٢٤ ديسمبر ١٩٩٥م، ص٧٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠