الفصل العاشر

بقية حروب الردة

البحرين، عمان ومهرة، اليمن، كندة وحضرموت

قضى خالد بن الوليد على المرتدين في بني أسد وبني تميم وفي ربوع اليمامة، وأعاد من بقي حيًّا من هذه القبائل إلى حمى الدين القيم، ومنازل هذه القبائل تمتد من الشمال الشرقي لبلاد العرب حتى تتاخم خليج فارس في شرقها، وهي تقع لذلك إلى شمال المدينة من الشرق، ثم تنحدر حتى الجنوب الشرقي من مكة، وقد فسح عودها إلى الإسلام رقعة الدولة التي تدين بالولاء لأبي بكر، والتي كانت حين الردة مقصورة على مثلث من الأرض رأسه المدينة وقاعدته بين مكة والطائف.

ولم تكن ثورة القبائل النازلة إلى شمال المدينة بذات خطر تخشى آثاره، فلم يتحدث المؤرخون عن إصرار أهلها على الردة وقتالهم بسببها ما تحدثوا عن بني أسد أو عن اليمامة، ليس يستثنى من ذلك إلا دومة الجندل وعلى رأسها أكيدر الكندي؛ فقد أصرت دومة وقاتلت حتى أخضعها ابن الوليد وأسر أكيدر وفرغ منه؛ وكان إخضاعه إياها أثناء فتحه العراق، أما في الجنوب فقد بقيت الثورة على أبي بكر والردة عن الإسلام مشبوبتين، وبقي القتال ناشبًا بسببها بين جيوش المسلمين وأهل هذا الجنوب زمنًا غير مديد، وإذا قلت الجنوب قلت النصف من بلاد العرب، والنصف الذي لا يستهان به، وهذا النصف بشاطئ خليج فارس فخليج عدن فالبحر الأحمر إلى شمال اليمن، وتقع فيه ممالك البحرين فعمان فمهرة فحضرموت فكندة فاليمن، وأنت لا تستطيع أن تتخطى هذه الممالك من الشرق إلى الغرب أو من الغرب إلى الشرق إلا أن تخترقها جميعًا، فكلها تقع تباعًا على شاطئ الخليجين والبحر الأحمر، وكلها فيما خلا اليمن قليلة العرض، فما بين حدودها والشاطئ أميال معدودة، أما سائر الجنوب من شبه الجزيرة مما تحيط به هذه الممالك وتفصله عن الماء فبادية الدهناء، هذه الصحراء المخوفة يوم ذاك، والمخوفة إلى يومنا الحاضر، والتي يطلق عليها اسم الربع الخالي.

أما وذلك موقع هذه البلاد فمن اليسير أن تدرك ما كان بينها وبين فارس من اتصال، وما كان بينها وبين الشمال من بلاد العرب من شقة لا يسهل قطعها، فاجتياز الدهناء لم يكن ممكنًا، والمجيء من الحجاز إلى عمان أو كندة أو حضرموت كان يقتضي السير إليها من بلاد البحرين شرقًا أو من اليمن غربًا، هذا الموقع الجغرافي لتلك البلاد جعل لبلاط كسرى من الصلة بها، بل من السلطان فيها، ما لم يكن له بغيرها من بلاد العرب.

أشرنا في غير موضع إلى أن اليمن ظلت في سلطان فارس إلى أن دخل بدهان في الإسلام وصار عامل النبي (عليه السلام) على اليمن بعد أن كان عامل كسرى عليها، وكان سلطان فارس أكثر وضوحًا في البحرين وعمان، وكان من أبناء فارس عدد عظيم استوطن البحرين وعمان وعلت كلمته بين أهليهما، وكانت فارس تمد أبناءها هؤلاء بنفوذها وبقواتها كلما خشيت ثورة العرب الخلص بهم، أو محاولة هؤلاء العرب القضاء على سلطانهم في ربوعهم، ليس عجيبًا إذن أن تكون هذه البلاد آخر من دان بالإسلام على عهد رسول الله في عام الوفود، وأن تكون أول من ارتد حين قبض، ثم تكون آخر من يعود إلى الإسلام بعد حروب طاحنة تختم حروب الردة تعيد إلى البلاد العربية وحدتها الدينية وتقيم فيها الوحدة السياسية.

وقد اختلفت الروايات متى كانت حروب الردة في هذه الأنحاء: أكانت في السنة الحادية عشرة للهجرة كما كان ما سبقها من تلك الحروب، أم كانت في السنة الثانية عشرة، ولا غناء في الوقوف عند هذا الخلاف؛ فالثابت أن حروب الردة اتصلت منذ بيعة أبي بكر إلى أن انتهت بلاد العرب كلها بالإذعان، وأن بلاد الجنوب شاركت من بعد في تنفيذ سياسة أبي بكر، قوية الإيمان صادقة العزم في الجهاد، حريصة على الظفر والاستشهاد حرص السابقين الأولين من أصحاب رسول الله.

لا مفر، وموقع البلاد الجغرافي ما رأيت، أن يبدأ المسلمون للقضاء على الردة فيها بالسير من البحرين إلى عمان فمهرة حتى اليمن، أو من اليمن إلى كندة فحضرموت حتى البحرين، وقد آثروا أن يبدءوا بالبحرين؛ لأنها كانت تجاور اليمامة، فكان انتصارهم في موقعة عقرباء ذا أثر فيها، ثم إنها كانت أيسر من اليمن أمرًا، فكان البدء بها أدنى إلى فوز يجر وراءه فوزًا مثله في جميع البلاد التي تجاورها.

•••

مع ذلك لم يكن المجهود الذي بذله المسلمون للقضاء على الردة بالبحرين يسيرًا.

والبحرين شقة ضيقة من الأرض تشاطئ مع هجر خليج فارس، وتمتد من القطيف إلى عمان، والصحراء في بعض أنحائها تكاد تتصل بماء الخليج، وهي تتصل باليمامة في جزئها الأعلى، لا يفصل بينهما إلا سلسلة من التلال يهون انخفاضها اجتيازها، وكان بنو بكر وبنو عبد القيس من قبائل ربيعة يقيمون بالبحرين وهجر، وكان يقيم بهما معهم جماعة من التجار جاءوا من الهند وفارس وتوطنوا الثغور من مصب الفرات إلى عدن، وقد تزاوج هؤلاء مع أبناء البلاد فاستولدوا بها طائفة دعيت الأبناء، وكان ملك هذه الأنحاء، المنذر بن ساوى العبدي، نصرانيًّا دان بالإسلام حين دعاه إليه العلاء بن الحضرمي رسول النبي إلى أهل البحرين في السنة التاسعة من الهجرة، وقد ظل المنذر ملكًا على قومه بعد إسلامه، فكان يدعوهم إلى دين الله كما كان يدعوهم إليه الجارود بن المعلى العبدي، وكان الجارود قدم على النبي بالمدينة فأسلم وفقه الدين، وعاد إلى قومه يدعوهم إلى دين الحق ويفقههم فيه.

مات المنذر بن ساوى في الشهر الذي مات فيه النبي، فارتد أهل البحرين جميعًا عن الإسلام، كما ارتد غيرهم من سائر أنحاء شبه الجزيرة، وأدت ردتهم إلى فرار العلاء بن الحضرمي من البحرين، كما فر غيره من رسل النبي في البلاد التي ارتدت، لكن الجارود العبدي أصر على إسلامه، وقام في قومه بني عبد القيس يسألهم عن سبب ردتهم، قالوا: لو كان محمد نبيًّا لما مات، فقال لهم: تعلمون أنه كان لله أنبياء فيما مضى، فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال الجارود: إن محمدًا مات كما ماتوا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فشهد قومه كشهادته وعادوا إلى إسلامهم وثبتوا عليه.

لم يثن رجوع بني عبد القيس إلى الإسلام سائر أهل البحرين عن ردتهم، بل اجتمع الذين أصروا على الردة بزعامة الحطم بن ضبيعة أخي بني قيس بن ثعلبة، فردوا الملك في آل المنذر بن النعمان بن المنذر، وكان يسمى الغرور، ثم إنهم حاولوا أن يصرفوا الجارود والذين معه عن إسلامهم، فذهبت محاولتهم سدى، عند ذلك خرج الحطم حتى نزل القطيف وهجر واستغوى من بهما من الأبناء، كما ضم إليه من لم يكن دخل في الإسلام من قبل، وحاصر الجارود ومن معه في ناحية جواثي، مؤيدًا من فارس وبلاطها، ولقد ألح عليهم في الحصار حتى اشتد عليهم الجوع وكادوا يهلكون، مع هذا لم يرجع عن إسلامه منهم أحد، وهانت عليهم الحياة في سبيل دينهم الحق.

وفيما هم كذلك كان أبو بكر قد رد العلاء بن الحضرمي إلى البحرين على رأس لواء من الولاية الإحدى عشرة لقتال المرتدين فيها، ولم يذهب العلاء إليها حتى كان خالد بن الوليد قد قضى على مسيلمة وأتباعه، لذلك أسرع من عاد إلى الإسلام من بني حنيفة ينضمون إلى العلاء حين مر باليمامة، لحق به ثمامة بن أثال في المسلمين من قومه، وقيس بن عاصم المنقري كذلك، كما جاء كثير من أهل اليمن ومن سائر القبائل التي شعرت بقوة المسلمين وبأن سلطانهم لا محالة عائد كما كان، ولا عجب! فذلك شأن الناس في كل أمة وعصر، يتبعون القوة؛ لأنهم يحسبون أن الحق يدعمها كما تدعمه، ويرون أنها لا تستطيع أن تقوم وحدها إذا كان أساسها الجور والظلم، ولقد كان قيس بن عاصم قبل أن ينضم مع قومه إلى العلاء، فيمن منعوا الزكاة وردوا الصدقات إلى الناس، فلما مر العلاء باليمامة بعد انتصار خالد، عاد قيس فجمع الصدقات وساقها إليه، ونزع عن الأمر الذي كان هم به وخرج معه إلى قتال أهل البحرين.

وانحدر العلاء بمن معه من الجند، وسلك بهم مفاوز الدهناء إلى غايته، فلما جن الليل أمر الناس بالنزول حتى لا يضلوا في تيه الصحراء، فلما نزلوا نفرت إبلهم وتفرقت في الصحراء بما عليها من الزاد والماء، ولم يجد الجند ما يقتاتون منه أو يطفئون به ظمأهم، هنالك ركبهم من الهم ما ركبهم، وأيقنوا الموت فأوصى بعضهم إلى بعض، وتحدث إليهم العلاء فقال: «ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم؟!» وأجاب الناس: «كيف نلام ونحن إن بلغنا غدًا لم تحم شمسه حتى نصير حديثًا.» ورد عليهم العلاء ممتلئ القلب إيمانًا يقول: «أيها الناس لا تراعوا! ألستم مسلمين؟! ألستم في سبيل الله؟! ألستم أنصار الله؟!» قالوا: «بلى!» قال: «فأبشروا، فوالله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم.»

وهنا تجري الرواية بأنهم بعد أن صلوا الفجر نصبوا في الدعاء، حتى إذا بزغت الشمس لمع لهم سراب ثم آخر ثم ثالث، قال رائدهم: إنه الماء، فمشوا حتى نزلوا عليه فشربوا واغتسلوا ونالوا منه ما شاءوا، وتعالى النهار، فإذا إبلهم تعود إليهم من كل صوب وتبرك؛ فقام كل رجل إلى رحله فركبه، ثم إن أبا هريرة وصاحبًا له من أهدى العرب بهذه البلاد كرا راجعين إلى المكان الذي كان به الماء فإذا هو لا غدير به ولا أثر للماء فيه، وقال الذي له علم بهذه الأنحاء إنه يعرف هذا المكان وإنه لم ير به ماء ناقعًا قبل اليوم، ومن ثم قيل: إنما كان ذلك من آيات الله، وإن الماء إنما كان منًّا من الله.

ويبدي بعض المستشرقين الشك في هذه الرواية، وسواءً أكان لهذا الشك موضع أم لم يكن، فقد ارتحل العلاء وجيشه إبلهم وتابعوا السير حتى بلغوا البحرين، وأرسل العلاء إلى الجارود يشد من عزيمته وعزيمة من معه، ووقف هو من الحطم موقف المتأهب للقتال، لكنه رأى المرتدين في عدد وعدة يجعلان المواجهة والهجوم عسيرين؛ لذلك خندق المسلمون وخندق المرتدون، وجعلوا يتراوحون القتال ثم يرجعون إلى خنادقهم، وأقاموا كذلك شهرًا لا يدري أيهم ما يكون المصير، وإنهم لكذلك إذ لاحت للمسلمين ذات ليلة فرصة غنموها، فكانت القاضية على خصومهم قضاءً حاسمًا.

ذلك أنهم سمعوا في عسكر المشركين ضوضاء، شديدة كأنها ضوضاء هزيمة أو قتال، فبعث العلاء من قص له الخبر، وعرف أن القوم أمعنوا تلك الليلة في الشراب، وأنهم سكارى لا يملك أحدهم دفعًا عن نفسه، عند ذلك خرج المسلمون من خنادقهم واقتحموا عليهم عسكرهم ووضعوا السيوف فيهم، وجعلوا يقتلون منهم كل من أصابوا، وفر المرتدون هربًا، فإذا هم بين مترد في الخندق، ودهش مقتول، ومأسور، وناجٍ لا يعرف لنفسه مستقرًّا، ومر قيس بن عاصم على الحطم ملقى على الأرض فقتله، وأسر عفيف بن المنذر الغرور، فقال له العلاء: أنت غررت هؤلاء! فأسلم الغرور وهو يقول: إني لست بالغرور، ولكني المغرور! وعفا العلاء عنه.

وفر الذين نجوا من الموت أو الأسر، وركبوا الشراع إلى جزيرة دارين، فتركهم العلاء بها ريثما جاءته الكتب تنبئه بأن من بقي بالبحرين من القبائل قد فاءوا إلى أمر الله، وكان جيشه قد ازداد عدده بمن انضم إليه من أهل البلاد ومن الأبناء الذين بها، عند ذلك أمر الناس بالذهاب إلى دارين حتى لا يبقى لمرتد في الأرض ملجأ.

ودارين جزيرة من جزر الخليج الفارسي، تواجه البحرين، كان بها أديار خمسة لخمس شُعَب من النصارى، وتجري الرواية بأن العلاء لما أمر المسلمين بالذهاب إليها لم تكن لديهم سفن يركبون البحر عليها، فنهض فيهم فقال: «قد أراكم الله من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر؛ فانهضوا إلى عدوكم ثم استعرضوا البحر إليهم فإن الله قد جمعهم.» وأجاب قومه: «نفعل ولا نهاب بعد الدهناء والله هولًا ما بقينا!» وارتحلوا، حتى إذا أتوا ساحل البحر اقتحموا على الخيل والبغال والحمير والجمال ودعوا الله، فاجتازوا البوغاز يمشون على مثل رمله ميثاء فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل، أفكان ذلك ساعة جزر الخليج الفارسي، أم في الرواية مبالغة وأن الأبناء الذين انضموا إلى المسلمين أعاروهم سفنًا عبروا البحر عليها؟ لم تجر الرواية بهذا التصوير الأخير وإن كان في رأي بعض المؤرخين محتملًا، وأيًّا ما يكن الأمر، فقد بلغ المسلمون دارين والتقوا فيها بالفارين فقاتلوهم أشد القتال، حتى أتوا عليهم لم يتركوا منهم مخبرًا، وسبوا الذراري وساقوا الأموال التي بلغت كثرتها حدًّا جعل نفل الفارس ستة آلاف والراجل ألفين.١

وعاد العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وعاد الناس معه إلا من أحب المقام، وكتب العلاء إلى أبي بكر بنصره، وأقام بالبحرين وقد قضى على الردة فيها، من ثم لم يكن يخشى شيئًا إلا غارة قبائل البادية التي ألفت الغزو للسلب، ودسائس الفرس الذين تقلص نفوذهم في جنوب شبه الجزيرة، على أنه كان مطمئنًا من هذه الناحية؛ إذ انضم إليه قبل ذهابه إلى دارين من قبائل البحرين ومن الأبناء من كفوه مئونة ما يخشى. وكان عُتَيبة بن النهاس والمثنى بن حارثة الشيباني على رأس المنضمين إليه، وقد قعدوا بكل طريق للمنهزمين والذين يعيثون في الأرض فسادًا، بل لقد تابع المثنى السير على شاطئ الخليج الفارسي يقاوم دسائس الفرس ويقضي على أنصارهم من القبائل ومن الأبناء حتى بلغ مصب الفرات، فكان لبلوغه هذا المصب ولاتصاله بأرض العراق ولدعوته إلى الإسلام هناك أثر لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنه كان المقدمة لفتح العراق.

•••

لسنا نسبق الحوادث بالكلام عن هذا الفتح، وما لنا نفعل وعمان تجاور البحرين، وشأن الردة فيها ليس أقل استغلاظًا منه في غيرها! فلنتابع جيوش المسلمين إليها حتى تثوب وتنيب هي كذلك.

كانت عمان على عهد النبي تابعة لفارس، وكان جيفر أميرًا عليها، وقد بعث النبي عمرو بن العاص يدعوه إلى الإسلام، ولما أبدى جيفر مخافته أن يتمرد قومه على الزكاة يدفعونها إلى المدينة، اتفق عمرو معه على أن تقسم بين فقراء بلاده، وأقام عمرو بين القوم، حتى إذ ارتدوا إثر وفاة النبي فر عائدًا إلى المدينة، وفر جيفر إلى الجبال فاعتصم بها.

وكان قائد الثورة بالردة في عمان ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي، وقد ادعى من النبوة ما ادعى غيره، وكان أبو بكر قد وجه حذيفة بن محصن الغلفاني من حمير إلى عمان ووجه عرفجة بن هرثمة البارقي من الأزد إلى مهرة، وأمرهما أن يسيرا معًا وأن يبدآ بعمان فتكون القيادة فيها لحذيفة، وأن يثنيا بمهرة فتكون القيادة فيها لعرفجة، وأنت تذكر أن عكرمة بن أبي جهل كانت وجهته اليمامة، وأنه لم ينتظر شرحبيل بن حسنة يعاونه، بل أسرع بلقاء مسيلمة ليعود بفخار النصر فرده مسيلمة هزيمًا، وأنت تذكر كذلك أن أبا بكر أبى على عكرمة أن يعود إلى المدينة، وأمره أن يلحق بعمان يعين حذيفة وعرفجة على أهلها … وقد أبلغ أبو بكر هذا الأمر إلى هذين القائدين، وعهدا إليهما أن ينتهيا إلى رأي عكرمة، وأسرع عكرمة فأدرك القائدين قبل أن يبلغا عمان، وتشاور وإياهما، فراسلوا جيفرا وأخاه عبادًا٢ حيث كان معتصمين، وطلبوا إليهما أن ينضما مع أصحابهما إليهم.

وبلغ لقيطًا مجيء فجمع جموعه وعسكر بدبا، وخرج جيفر وعباد ومن معهما إلى صحار وبعثا إلى عكرمة وصاحبيه فقدموا عليهم بها، والتقى الجيشان بدبا في معركة حامية الوطيس كاد الظفر يتوج فيها لقيطًا وأصحابه، وإنهم لكذلك، وإن المسلمين ليضطربون ويتمشى الخلل في صفوفهم؛ إذ أقبل عليهم مدد عظيم من بني عبد القيس ومن غيرهم من قبائل البحرين حمى ظهرهم وشد أزرهم وضاعف قوتهم ودفعهم يهاجمون لقيطًا ومن معه ويركبونهم ويقتلون منهم عشرة آلاف، ويسبون نساءهم وأبناءهم، ويقتسمون بينهم أموالهم، بذلك تمت كلمة ربك في عمان، واستقر للمسلمين فيها الأمر.

وأقام حذيفة بعمان يوطئ الأمور ويسكن الناس، وسار عرفجة إلى المدينة يسوق خمس الغنائم إلى أبي بكر، أما عكرمة فمضى في جيشه إلى مهرة ليرد الأمر فيها إلى نصابه، وليعيد إليها كلمة الإسلام.

•••

ترك عكرمة حذيفة بعمان، أقصى الشرق من جنوب شبه الجزيرة، وسار غربًا إلى مهرة حيث ارتد الناس، سار في جيش لجب تضاعف عدده بانضمام رجال القبائل التي عادت إلى الإسلام بعد أن بهرهم نصره، وبلغ مهرة فألفى جمعين مختلفين يدعو كل منهما الآخر أن يذعن لرياسته، وقد اختار عكرمة أضعف الجمعين وأقلهما عددًا، فدعاهم الرجوع إلى الإسلام فأسرعوا إلى دعوته، وخرج عكرمة في جيشه وفيمن رجع إلى الحق من أهل مهرة، فلقوا الجمع الآخر واقتتلوا أشد من قتال دبا، وانتصر المسلمون فقتلوا وأسروا وغنموا، وكان فيما غنموا ألفا نجيبة.

وبعث عكرمة الخمس إلى أبي بكر مع رئيس الجمع الذي حالفه، ثم أقام زمنًا لتسكين الناس، فلما سكنوا واطمأن الأمن وعاد النظام، خرج في جيشه الذي ازداد كرة أخرى أضعافًا مضاعفة بمن انضم إليه من أهل مهرة، وسار يلقى المهاجر بن أبي أمية المخزومي تنفيذًا لأمر الخليفة حتى يتعاون معه على رد الأمر إلى الإسلام في اليمن وفي حضرموت.

•••

ترى أيسير عكرمة من مهرة إلى حضرموت وكندة؟ ذلك أدنى إلى التصور، فحضرموت تجاور مهرة وتتاخمها، لكن المهاجر بن أبي أمية كان ينحدر من الشمال إلى اليمن؛ فلم يكن لعكرمة بد من أن يسرع ليلقاه بها. هذا إلى ثورة اليمن كان قد طال مداها واستفحل أمرها، فالإسراع بالقضاء عليها يهون القضاء على من بقي بكندة وحضرموت من المرتدين.

وقد تحدثنا فيما سلف عن ثورة الأسود العنسي في اليمن، وعن ادعائه النبوة وخروجه إلى صنعاء، وعن انتشار أمره كالحريق حتى بلغ مكة والطائف، ثم عن قتله غيلة في مؤامرة اشتركت فيها زوجه آزاد التي كانت قبله تحت شهر بن بازان ملك صنعاء، وقد جرت الروايات بأن قتل الأسود انتهى إلى المدينة يوم مات النبي، فأقام أبو بكر فيروز حاكمًا لليمن، لكن ذيوع النبأ بموت النبي بعد قليل أعاد الثورة فيها أشد مما كانت، وتضافرت عوامل كثيرة زادت هذه الثورة ضرامًا واستعارًا.

أول هذه العوامل تفرق السلطة في هذه الأنحاء تفرقًا أضعفها، فمذ مات بازان ووزعت السلطة في اليمن بين ابنه شهر بصنعاء، وجماعة من المسلمين بنجران وهمدان وغيرهما، فكان ذلك مما شجع العنسي على الانتقاض والثورة، وكان الأمر في شمال اليمن إلى مكة والطائف كأمر اليمن في تفرق السلطة، فكان لتهامة مما يحاذي البحر حاكم، وللداخل في مختلف القبائل حكام متفرقون، وكان طبيعيًّا بعد أن أخفقت ثورة الأسود أن يحاول كل واحد من هؤلاء الحكام العود إلى إمارته واسترداد السلطان فيها، وأن يقاتل في سبيل ذلك ما أطلق القتال، وكان طبيعيًّا كذلك ألا يهدأ أنصار الأسود العنسي وأن يعملوا جهدهم ليثيروا الأرض، لعل الأمر يعود إليهم كما كان للأسود، أما وقد مات النبي وانتشرت في بلاد العرب كلها فكرة الردة، وصح لكل قبيلة ولكل فخذ من قبيلة أن يطمع في استقلاله القديم، فقد بلغ الاضطراب غايته في اليمن وما حولها من البلاد التي كانت مسرحًَا لنشاط العنسي وأنصاره.

والذي حدث أن هؤلاء الأنصار لم تهدأ بموت العنسي ثائرتهم، بل جعل فرسانهم يجوبون البلاد فيما بين نجران وصنعاء، لا يأوون إلى أحد، ولا يأوي إليهم أحد، وكان عمرو بن معدي كرب البطل الشاعر صاحب الصمصامة ممن انتهزوا هذه الفرصة، فحاول اقتناص السلطان من طريق الثورة، كما حاول اقتناصه أيام العنسي بالانضمام إليه، وقام قيس بن عبد يغوث من ناحيته، وكان على رأس من ائتمروا بقتل العنسي، فطرد فيروز عن الملك وطرد معه داذويه، بذلك عم الاضطراب، وتعذر رد السكينة والأمن إلى هذه الأرجاء.

كيف السبيل إلى معالجة هذه الحال؟! إن أول ما يجب عمله تأمين الطريق بين المدينة واليمن، وقد قامت قبائل عك وبعض الأشعريين على هذا الطريق الذي بساحل البحر فقطعوه مستعينين بمن انضم إليهم من الأوزاع، وأقرب مدن المسلمين إلى هذا الطريق الطائف، لذلك كتب حاكمها الطاهر بن أبي هالة إلى أبي بكر، وسار إليهم في جند قوي، واصطحب معه مسروقًا الكلبي؛ فلما لقيهم أكثر القتل فيهم، حتى قيل: إن الطريق تعطل بجثثهم، وكتب أبو بكر إلى الطاهر قبل أن يأتيه هذا الفتح يشجعه ومن معه على القتال، ويأمرهم أن يقيموا بالأعلاب،٣ حتى يأمن طريق الأخابث، ومن يومئذ سميت جموع عك هذه جموع الأخابث، وظل هذا الطريق يسمى طريق الأخابث زمنًا طويلًا.

أما العامل الثاني الذي زاد الثورة في اليمن استعارًا فالخلاف في الجنس، فقد أقام أبو بكر فيروز على صنعاء مقام شهر حين قتل ذو الخمار، وكان شركاء فيروز في المؤامرة بقتل الأسود داذويه الذي كان وزيرًا معه لشهر، وجشنس صاحبهما، وقيس بن عبد يغوث قائد الجند، وكان فيروز وداذويه وجشنس من الفرس، وكان قيس عربيًّا من حمير اليمن، لذلك نفس قيس على فيروز أن أسند أبو بكر إليه الأمر من دونه وعزم قتله …

لكنه رأى حين أمعن النظر أن قتل فيروز قمين أن يجر إلى فتنة يقاومه فيها الأبناء جميعًا، والأبناء هم طائفة الفرس التي استقرت باليمن منذ حكمها الأكاسرة، وقد كبرت هذه الطائفة وعلت مكانها أن كان الحكام منها، فإذا لم يستنفر قيس عرب اليمن جميعًا للقضاء على الفرس جميعًا كان حريًّا أن يصيبه ما أصاب الأسود من الإخفاق، وأن يفقد حياته كما فقد الأسود حياته.

لذلك كتب إلى ذي الكلاع الحميري وأضرابه من زعماء العرب باليمن يقول: «إن الأبناء نزاع في بلادكم، فضلاء فيكم، وإن تتركوهم لن يزالوا عليكم، وقد أرى من الرأي أن أقتل رءوسهم وأن أخرجهم من بلادنا فتبرءوا.» لكن ذا الكلاع وأصحابه لم يمالئوه ولم ينصروا الأبناء، بل اعتزلوا وأبلغوا قيسًا يقولون: «لسنا من هذا في شيء، أنت صاحبهم وهم أصحابك.» ولعلهم كانوا يمالئون قيسًا وينصرونه على الأبناء لولا أنهم رأوا أبا بكر والمسلمين يمالئون هؤلاء ويكلون الأمر إليهم، ورأوا الأبناء يحتفظون بإسلامهم وبالولاء لأبي بكر وسلطان المدينة، ما لهم إذن ولخلاف لا يدري أحد ما تكون نتائجه، وبخاصة بعد أن سرت الردة في اليمن فأصبحت معرضة لجيوش المسلمين، وبعد أن تجاوبت أرجاء شبه الجزيرة جميعًا بنبأ هذه الجيوش ويسير النصر في ركابها!

لم يثنِ قيسًا عن عزمه قعود ذي الكلاع وأصحابه عن نصرته، بل كاتب العصابات التي كانت مع الأسود سرًّا، والتي كانت تصعد في البلاد وتصوب محاربة جميع من خالفهم، وطلب إليهم أن ينضموا إليه ليكون أمره وأمرهم واحدًا، وليجتمعوا على نفي الأبناء من بلاد اليمن، ولم يكن في ريب من إجابة هذه العصابات طلبته، أولم تكن طِلبة الأسود وعلى أساسها انتصر؟! وكتبت العصابات بالاستجابة إليه وأخبروه أنهم إليه سراع، ولما كان ذلك كله قد حدث سرًّا فقد فجأ صنعاء خبر دنو هذه العصابات منها، فاجتمع أهلها يتشاورون ماذا يصنعون.

وأسرع قيس إلى فيروز، وكأنما فجأة الخبر فأزعجه واستشاره واستشار داذويه ليخدعهما ولئلا يتهماه، ودعاهما في الغد ودعا جشنس معهما إلى طعام الغداء، وأقبل داذويه قبل صاحبيه، فلم يلبث حين دخل على قيس أن عاجله فقتله، أما فيروز فجاء بعد صاحبه فسمع الهمس بأصحابه ففر يركض، ولقيه جشنس في طريقه فركض معه يطلبان النجاة، وركضت خيل قيس تلاحقهما فلم تدركهما، فعادت أدراجها تستنزل غضب قيس عليها، وبلغ الفارسان جبل خولان منزل أخوال فيروز، ولا يكاد يصدقان أنهما صارا من الهلاك بمنجاة.

وثار قيس بصنعاء فدانت واطمأن له الأمر فيها، كما اطمأن الأسود من قبل ولم يدُر بخاطره أن أحدًا سيقدر عليه فينزل عن عرشه، بلغه أن فيروز يزعم أنه سيستعين أبا بكر ويهاجم قيسًا بقوة من بني خولان، فسخر وقال: «وما خولان! وما فيروز! وما قرار أووا إليه!» وانضم إليه عوام القبائل من عرب حمير وإن بقي الرؤساء في عزلتهم، وإذا أنس في نفسه القوة عمد إلى الأبناء ففرقهم ثلاث فرق.

فأما من أقام ولم يظهر الميل إلى فيروز فأقرهم وأقر عيالهم، وأما من فر إلى فيروز فقسم عيالهم فرقتين، وجه إحداهما إلى عدن ليحملوا في البحر، ووجه الأخرى في البر إلى مصب الفرات وأمر بهم أن ينفوا إلى بلادهم وألا يقيم باليمن منهم أحد.

وعرف فيروز ما أصاب بني وطنه، فاستنهض القبائل التي بقيت على إسلامها لينصروه، وإنما فعل ذلك ليصد بعصبية الدين نعرة الوطن، وأجابه بنو عقيل بن ربيعة كما أجابته عك، وساروا يستنقذون عيال الأبناء الذين قرر قيس نفيهم، وخرج فيروز على رأسهم، فرد أبناء فارس، والتقى بقيس دون صنعاء فأجلاه عنها، وعاد أميرًا عليها من قبل خليفة المسلمين، وخرج قيس هاربًا في جنده، وعاد إلى المكان الذي كانوا به حين مقتل العنسي، فقضى بفراره على الفكرة القومية التي كانت أساس دعوته، وقد عزز أبو بكر مكانة فيروز إذ بعث إليه طاهر بن أبي هالة في جيشه فأقام إلى جواره.

لكن انتصار فيروز ودفعه عن الإمارة لم يوطد السلم ولم يعد الأمن فيما وراء صنعاء من ربوع اليمن؛ فقد بقي المرتدون بها أشد ما يكونون تحمسًا لردتهم، وهنا موضع الكلام عن العامل الثالث من العوامل التي زادت الثورة في هذه الأرجاء استعارًا، فلم تنس اليمن يومًا ما كان بينها وبين الحجاز من تنافس جعل لها أغلب الأمر الكلمة العليا، ولم تقم بين اليمن والحجاز في عهد الرسول حروب تنكس نتائجها رءوس بني حمير، ولئن دوى في أنحاء اليمن نصر خالد وعكرمة على قبائل العرب وملوكهم، لقد كان في عشائر اليمن من الأبطال والقواد من تفاخر هذين البطلين الحجازيين، ومن تهتز لسماع أسمائهم صناديد العرب فرقًا، وحسبك من هؤلاء عمرو بن معدي كرب صاحب الصمصامة، لقد كان فارس بني زيد وحاميهم، إذا ذكر اسمه فزع الأبطال وهابوا لقاءه؛ وكان له من بعد في وقائع الفتح الإسلامي على عهد عمر بن الخطاب مواقف لا يزال التاريخ يذكرها، ولم يغير تقدم سنه يومذاك من شدة بأسه، شهد غزوة القادسية وقد جاوز حد المائة فكان له فيها بلاء أحسن البلاء.

قام عمرو بالثورة مع من تابعه وانضم إليه قيس بن عبد يغوث، وتضافر الرجلان يعيثان في أنحاء البلاد فسادًا، ويجدان من أهلها عونًا ومددًا، لم يند منها غير نجران التي تثبت بمن فيها من النصارى على عهدها لمحمد، ثم أكدت نياتها بتجديد هذا العهد مع أبي بكر.

أفيذر المسلمون اليمن وذلك شأنها يعيث بها هذان الثائران ومن سار سيرتهم، حتى يأكل بعضها بعضًا وتأكل الثورة أبناءها؟ كلا! بل سار عكرمة بن أبي جهل من مهرة إلى اليمن حتى ورد أبين في جيشه اللجب زاده المنضمون من مهرة عددًا وعدة، وسار المهاجر بن أبي أمية منحدرًا من المدينة إلى الجنوب مارًّا بمكة والطائف، وفي اللواء الذي عقده أبو بكر له، والذي تأخر عن السير بضعة أشهر لمرضه، وقد اتبعه من مكة والطائف ونجران رجال لهم في الحرب دربة وشهرة، فلما سمع أهل اليمن بمقدم هذين القائدين، عكرمة والمهاجر، وبأن المهاجر قتل قومًا حاولوا مقاومته، أيقنوا أن ثورتهم مقضي عليها لا محالة، وأنهم إن قاتلوا قتلوا وأسروا ولم تغن عنهم المقاومة شيئًا، ولقد بلغ بهم الأمر أن اختلف قيس وعمرو بن معدي كرب وتهاجيا وأضمر كل لصاحبه الغدر، وذلك بعد أن كانا متحالفين على لقاء المهاجر وقتاله، وأراد عمرو أن ينجو بنفسه، فهاجم قيسًا ذات ليلة وأخذه إلى المهاجر أسيرًا، عند ذلك قبض المهاجر عليهما جميعًا وبعث بهما إلى أبي بكر ليرى فيهما رأيه.

وهم أبو بكر بقتل قيس قصاصًا لداذويه وقال له: «يا قيس، أعدوت على عباد الله تقتلهم وتتخذ المرتدين والمشركين وليجة من دون المؤمنين؟!» وأنكر قيس قتل داذويه، ولم تكن عليه بينة، أن تم هذا القتل في سر من الناس، لذلك تجافى أبو بكر عن دمه ولم يقتله، ونظر الصديق إلى عمرو بن معدي كرب وقال له: «أما تخزى أنك كل يوم مهزوم أو مأسور؟! لو نصرت هذا الدين لرفعك الله!»

قال عمرو: «لا جرم، لأفعلن ولن أعود.» وأخلى أبو بكر سبيلهما وردهما إلى عشائرهما.

وسار المهاجر من نجران حتى نزل صنعاء، وأمر جنده أن يتعقبوا العصابات المتمردة التي أثارت الفساد في الأرض من عهد الأسود، وأن يقتلوا من ثقفوه منهم لا يقبلون منه توبة ولا إنابة، وإنما قبل توبة من أناب من غير المتمردة، أما عكرمة فقد بقي في جنوب اليمن بعد أن استبرأ النخع وحمير، وبذلك عادت اليمن كلها آمنة مطمئنة، ورجع أهلها إلى دين الله الحق؛ وبذلك لم يبق من المرتدين في شبه الجزيرة كلها إلا أهل حضرموت وكندة.

وقبل أن نسير مع عكرمة والمهاجر للقاء المرتدين فيهما ندفع شبهة قد ترد إلى بعض النفوس حين يذكرون ما حدث باليمن، فكيف نصر أبو بكر الفرس على العرب فيها؟ وكيف ناصر فيروز ومن معه على قيس ومن اتبعه؟ ودفع هذه الشبهة يسير؛ فأنت تعلم أن الإسلام لا يرى فرقًا بين عربي وعجمي إلا بالتقوى، وأن أكرم الناس عند الله أتقاهم، على أن ذلك لم يكن وحده الذي دعا أبا بكر لنصرة فيروز، بل دعاه لنصرته كذلك أن الفرس أول من أسلم باليمن، والسابقة في الإسلام لها قدرها، ثم إن العرب من أهل تلك البلاد هم الذين قاموا بالثورة على الدين الجديد، قام بها الأسود العنسي مدعيًا النبوة في عهد الرسول، وقام بها أنصار الأسود من بعده، وفي جملتهم عمرو بن معدي كرب ثم قيس بن عبد يغوث.

وبازان وشهر وفيروز والفرس من حولهم هم الذين قاموا بالدعوة للإسلام في هذه الربوع، وهم الذين استمسكوا به وقاوموا خصومه، وهم الذين أقاموا على الولاء لسلطان المدينة والخليفة رسول الله حين ارتدت العرب كلها وتضرمت الأرض في شبه الجزيرة نارًا، فلا عجب إذن أن يؤيد أبو بكر فيروز بسلطانه، وأن يمده بجنده وقواده، وأن يقيمه أميرًا على صنعاء، كما أقامه النبي شهرًا أميرًا عليها، وكما أقام أباه بازان أميرًا على اليمن كلها من قبله.

•••

والآن فلنخط الخطوة الأخيرة في حروب الردة، ولننتقل مع المهاجر وعكرمة إلى كندة وإلى حضرموت.

ونذكر تمهيدًا لذلك أن رسول الله قبض وعماله على هذه البلاد زياد بن لبيد على حضرموت، وعكاشة بن محصن على السكاسك والسكون، والمهاجر بن أبي أمية على كندة، وقد رأيت أن المهاجر كان مريضًا بالمدينة فلم يخرج إلى عمله بكندة ولا خرج في لوائه إلى المرتدين باليمن إلا بعد أشهر من وفاة الرسول.

لذلك أناب عنه زياد بن لبيد في عمله منذ استعمله الرسول على كندة إلى أن خرج في جيشه إلى اليمن.

وقصة تولية المهاجر أمر كندة طريفة، فقد كان أخا أم سلمة زوج رسول الله أم المؤمنين، وقد تخلف مع ذلك عن الخروج مع النبي إلى غزوة تبوك، وغضب رسول الله لتخلفه وأقام زمنًا عاتبًا عليه، وحز في نفس أم سلمة أنها لم تفلح في استرضاء زوجها عنه، وإنها يومًا لتغسل للنبي رأسه وتحدثه ويتلطف بها إذ قالت له: كيف ينفعني شيء وأنت عاتب على أخي! ورأت منه رقة فدعت أخاها، فلم يزل برسول الله ينشر عذره حتى رضي عنه وأمَّره على كندة وقام زياد في الإمارة مقامه حتى ذهب إليه في خلافة أبي بكر.

وكانت كندة لمجاورتها اليمن قد استجابت لدعوة الأسود العنسي أول ما قام بها، لذلك أمر رسول الله أن توزع بعض صدقات كندة في حضرموت، وبعض صدقات حضرموت في كندة، واشتد زياد في اقتضاء هذه الصدقات شدة أثارت الخواطر، ولقد استطاع أن يتغلب على المتذمرين في كندة بمن ناصره من رجال السكون الذين حافظوا على إسلامهم وعلى ولائهم فلم يخرج عليه منهم أحد، فلما مات النبي وفشت الردة في العرب، أراد زياد قمعها قبل أن يستفحل في إمارته أمرها، وشجعه على ما أراد أن التقت حوله القبائل التي بقيت على إسلامها ودفعوه لمقاتلة المتمردين عليه، وهاجم زياد بني عمرو بن معاوية في غفلة منهم فقتل رجالهم وسبى نساءهم، وسار بهن وبالأموال في طريق يفضي إلى عسكر الأشعث بن قيس زعيم كندة، وكان بين أولئك النسوة ذوات مكانة في قومهن لم يعرفن قبل ذلك اليوم إلا العزة والكرامة، فلما مررن بالأشعث نادين منتحبات: «يا أشعث، يا أشعث! خالاتك، خالاتك!» هنالك ثار في عروق الأشعث دمه، وأقسم لينقذهن أو يموت دونهن.

وكان الأشعث زعيمًا قويًّا محبوبًا من قومه عظيم المكانة فيهم، ولعلك تذكر أنه ذهب عام الوفود إلى المدينة، فلقي رسول الله بها على رأس ثمانين رجلًا من كندة قد لبسوا كلهم الحرير، وأنه أسلم وخطب إلى أبي بكر أخته أم فروة، فعقد أبو بكر الزواج ثم تأجل تنفيذه حتى يطمئن أهل العروس إلى فراقها، لا عجب وهذه مكانته أن يغضب قومه لغضبه، وأن يخرجوا مقاتلين معه، وقد خرجوا وقاتلوا زيادًا واستردوا السبي وردوا إليهن عزتهن وكرامتهن.

من يومئذ أثارها الأشعث في كندة وحضرموت ضروسًا شعواء، حتى خاف زياد مغبتها، فكتب إلى المهاجر بن أبي أمية يستنصره، وكان المهاجر قد انحدر من اليمن، كما انحدر منها عكرمة، للقضاء على ما بقي من الردة في شبه الجزيرة، وسار المهاجر من صنعاء، وسار عكرمة من اليمن وعدن، والتقيا بمأرب، وقطعا معًا مفازة صيهد، وعرف المهاجر ما أصاب زيادًا، فاستخلف عكرمة على الجيش، وتعجل في كتيبة سريعة، حتى إذا التقى بجيش زياد هاجم الأشعث فهزمه وقتل رجاله، وفر الأشعث والناجون معه فالتجئوا إلى حصن النجير.

كانت النجير مدينة منيعة ليس من اليسير أخذها عنوة، وكان لها ثلاثة سبل تتصل عن طريقها بما وراء الحصن، فجاء زياد فنزل على أحدها، ونزل المهاجر على الثاني، وظل الثالث مفتوحًا لأهل الحصن يجيء إليهم منه المدد، على أن عكرمة قدم في جيشه فنزل على ذلك الطريق فقطع عنهم الميرة ورد الرجال.

ولم يكتفِ بهذا، بل بعث فرقًا من الفرسان تفرقت في كندة إلى الساحل، وجعلت تمعن في الناس قتلًا، ورأى المتحصنون بالنجير ما لقي قومهم، فقال بعضهم لبعض: «الموت خير مما أنتم فيه، جزوا نواصيكم حتى كأنكم قوم قد وهبتم لله أنفسكم فأنعم عليكم فبؤتم بنعمته، لعله أن ينصركم على هؤلاء الظلمة.» وجز القوم نواصيهم وتواثقوا ألا يفر بعضهم عن بعض، وخرجوا حين تنفس الصبح فاقتتلوا في الطرق الثلاثة المؤدية إلى الحصن مستميتين. ما تجدي الاستماتة وجيوش المهاجر وعكرمة لا تغلب عددًا وبأسًا؟! وأيقن أهل النجير حين رأوا المدد لا ينقطع عن المسلمين أن القضاء نازل بهم لا محالة، فتولاهم اليأس فخشعت نفوسهم وخافوا الموت، وخاف الرؤساء على أنفسهم فهانت عليهم نخوتهم، فخرج الأشعث إلى عكرمة ليستأمن له المهاجر على نفسه وعلى تسعة معه على أن يفتح للمسلمين الحصن ويخلي بينهم وبين من فيه، وأجابه المهاجر إلى ما طلب على أن يكتب كتابًا تكون فيه أسماء التسعة الذين يطلب أمانهم، وكتب الأشعث أسماء أخيه وبني عمه وأهليهم، ونسي أن يكتب اسمه معهم، ثم جاء بالكتاب فختمه وتسلمه المهاجر، وسرب الأشعث التسعة من الحصن وفتح أبوابه للمسلمين، فاقتحموه فلم يدعوا فيه مقاتلًا إلا ضربوا عنقه، وسبى المسلمون النساء ممن في النجير، فكانت عدتهن ألف امرأة، ووضع المهاجر الحرس على الأسرى وعلى الأموال حتى يحصيهم ويبعث بالخمس إلى المدينة.

يا عجبًا للحياة وتصاريفها! فهذا الأشعث الذي ارتكب هذه الخيانة النكراء، والذي أسلم قومه للقتل وأسلم ألف امرأة للسبي، هو هو الأشعث الذي لم يطق أن يسمع نداء خالاته نساء بني عمرو بن معاوية: «يا أشعث، يا أشعث، خالاتك، خالاتك!» فخف للثأر لهن وأنقذهن من أسر زياد، والأشعث الذي ذهب إلى النبي فيما عرفت من كرامة فأكرمه المسلمون، هو هو الأشعث الذي تدلى إلى هذا الحضض فلعنه المسلمون ولعنه سبايا قومه وسمَّيْنَه: «عرف النار» وهي كلمة معناها في لغة اليمن: الغادر. لكنه التعلق بالحياة والخوف من الموت إذا ركبا نفسًا أذلاها فهانت فسقطت فيما هو شر من الموت.

ودعا المهاجر النفر الذين ذكرهم الأشعث في كتابه فأطلق سراحهم، ولما لم يكن اسم الأشعث في الكتاب الذي ختمه أمر به فشد وثاقه وهم بقتله وقال له: «الحمد لله خطأك فاك يا أشعث! قد كنت أشتهي أن يخزيك الله.» على أن عكرمة بن أبي جهل تدخل في الأمر وقال: «أخِّره وأبلغه أبا بكر فهو أعلم بالحكم في هذا، وإن كان رجلًا نسي اسمه أن يكتبه هو ولي المخاطبة أفذاك يبطل ذاك!»

وأخَّره المهاجر لا عن رضا، وبعث به إلى أبي بكر مع السبي، فجعلوا يلعنونه ويلعنه المسلمون طول الطريق.

وتحدث أبو بكر إلى الأشعث فأنبه على ما صنع، وسأله: «ما تراني صانعًا بك؟» وأجاب الأشعث: «إنه لا علم لي برأيك وأنت أعلم به.» قال أبو بكر: «فإني أرى قتلك.» قال الأشعث: «فإني أنا الذي راوضت القوم فما يحل دمي.» وخشي الأشعث حين طال الحوار بينه وبين أبي بكر أن يقتل فقال: «أوتحتسب فيَّ خيرًا فتطلق أساري وتقيلنَّ عثرتي وتقبل إسلامي وتفعل بي مثل ما فعلته بأمثالي وترد عليَّ زوجتي؟» وزوجته التي يتحدث عنها هي أم فروة أخت الصديق، وتردد أبو بكر هنيهة في الإجابة، فأردف الأشعث: «افعل تجدني خير أهل بلادي لدين الله.» وبعد أن فكر أبو بكر في الأمر غفر له وقبل منه ورد عليه أهله وقال: «انطلق فليبلغني عنك خير.» وأقام الأشعث مع أم فروة بالمدينة لم يبرحها إلا في عهد عمر لفتح العراق والشام، ثم كان له في حروب ذلك الفتح من البلاء ما أعاد إليه اعتباره في أعين الناس.

وأقام المهاجر وعكرمة بحضرموت وكندة حتى اطمأنت واستقر الأمن، فكان ذلك آخر حروب الردة، وكان القضاء على الثورة في بلاد العرب، ثم كان التوطيد لوحدتها السياسية، وحدة استمرت بعد ذلك زمنًا ثم شابتها الشوائب، ولم يكن عمل المهاجر في القضاء على أسباب التمرد في هذه الأرجاء بأقل شدة منه في اليمن؛ فقد قطع دابر المتمردين، وأنزل أشد العقاب بالثائرين، ويكفيك مثلًا يدل على أمثاله أن مغنيتين تغنت إحداهما بشتم رسول الله، وتغنت الأخرى بهجاء المسلمين، فقطع المهاجر يديهما ونزع ثناياهما، وقد كتب إليه أبو بكر يكشف له عن خطئه فيما صنع، ويذكر أنه كان الأولى به أن يقتل الأولى؛ لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، وأن يصفح عن الثانية إن كانت ذمية، «فلعمري لما صفحت عنه من الشرك أعظم، فاقبل الدعة، وإياك والمثلة في الناس فإنها مأثم ومنفرة إلا في قصاص.» وقس على ما صنع المهاجر بالمغنيتين ما صنع بالمتمردين والمرتدين.

وبعث أبو بكر إلى المهاجر يخيره بين إمارة حضرموت وإمارة اليمن، فاختار اليمن وذهب إلى صنعاء فأقام بها مع فيروز، وبقي زياد بن لبيد على حضرموت.

أما عكرمة فقد أعد للعود إلى المدينة، لكنه لم يرجع إليها كما خرج منها، بل عاد وقد تزوج ابنة النعمان بن الجون، لم يصده عن ذلك ما كان من تعنيف أبي بكر لخالد بن الوليد حين تزوج أم تميم وحين تزوج ابنة مجاعة فخالف بذلك تقاليد العرب، على أن زواج عكرمة بهذه الفتاة قد أثار مشكلة من نوع آخر أدت إلى تذمر الجند وإلى عرض الأمر على أبي بكر ليفصل فيه برأيه.

فقد تزوج عكرمة بابنة النعمان هذه وهو بعدن ثم حملها معه إلى مأرب، واختلف الجند في أمرها. يقول بعضهم: دعها فإنها ليست بأهل أن يرغب فيها، ويقول آخرون: لا تدعها. ورويت القصة للمهاجر فكتب إلى أبي بكر يسأله فيها، ورأى أبو بكر أن لا حرج على عكرمة فيما صنع؛ فقد كان النعمان بن الجون جاء إلى رسول الله وطمع في أن يزوجه ابنته هذه فزينها له ثم جاء بها، وزاد في زينتها أنها لم تشكُ وجعًا قط؛ ورغب رسول الله عنها وعاد بها أبوها إلى عدن، لذلك ظن جماعة من الجند أن عكرمة يجمل به أن يرغب عنها كما رغب عنها رسول الله، ليكون له فيه أسوة حسنة، أما أبو بكر فلم يرضَ هذا الرأي، ولم يرَ في زواج عكرمة منها بأسًا، واستقر عكرمة مع زوجه هذه بالمدينة، كما اجتمع بها الجند الذين فصلوا عنها أول حروب الردة.

وأجال أبو بكر نظره في شبه الجزيرة كلها حوله، وتذكر يوم بيعته، ففاضت بالدمع عينه شكرًا لأنعم ربه أن آتاه النصر وعزز بعزمه وحزمه دين الحق، وأين المدينة يوم ذاك، المدينة الظافرة المنتصرة صاحبة السلطان على ربوع العرب كلها، من تلك المدينة التي انتفض عليها العرب وثاروا بها وحاولوا محاصرتها إثر وفاة الرسول؟! وما كان لأبي بكر مع ذلك أن يفخر أو يستكبر وهو يذكر قول الله لرسوله: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَىٰ (الأنفال: ١٧).

ما عسى أن يكون الغد؟ وكيف تزداد وحدة الدين قوة ويزداد دين الله علوًّا وانتشارًا؟ إلى هذه الناحية اتجهت سياسة أبي بكر، وفي هذا كان يفكر منذ اطمأن إلى النصر، وقد طال تفكيره فيه حين كان قواده وجنوده لا يزالون في الجنوب يقضون على البقية الباقية من الردة وآثارها، وإذا أراد الله أن يتم أمره فقد كانت الإمبراطورية الإسلامية ثمرة هذا التفكر وهذا الاتجاه.

١  تجري رواية أخرى بأن العلاء لم يذهب بالمسلمين إلى دارين في هذه الحرب، وأن دارين بقيت في عزلتها لم تعد إلى الإسلام وإلى حكومة شبه الجزيرة إلا في عهد عمر بن الخطاب.
٢  في الكامل لابن الأثير: «عياذ».
٣  الأعلاب: أرض لبني عك بن عدنان بين مكة والساحل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤