الفصل الثالث

تخطي العاصفة: حملة «فريزر» وفشلها

تمهيد

لم يكن الغرض من إرسال حملة الميجور جنرال «ماكنزي فريزر» Machenzie Fraser إلى مصر احتلال هذه البلاد، بل كانت هذه الحملة — عند التفكير في إرسالها — جزءًا من مشروع أساسي يرمي إلى تخويف الباب العالي والضغط عليه للانفصال عن فرنسا، والانضمام إلى عدوتيها إنجلترة وروسيا، فكان القصد من إرسالها احتلال الإسكندرية، وتأييد الأحزاب الصديقة لبريطانيا في مصر (أي جماعة الألفي) وذلك لإنشاء دفاع عن البلاد بمعاونة البكوات يحول دون الفرنسيين إذا جاءوا بحملتهم إليها، فقد سيطر على تفكير الإنجليز من سياسيين وعسكريين أن نابليون لن يتخَلَّى عن محاولة امتلاك مصر مرة ثانية، واستبد بهم الخوف من نزول الفرنسيين في هذه البلاد، حتى إنهم صاروا يرون في صداقة فرنسا لتركيا أو مناصبتها العداء مفضيًا في كلا الحالين إلى احتلال الفرنسيين لمصر، سواء بوصفهم أصدقاء الباب العالي أو أعداء له.

وأدخل «مسيت» — كما رأينا — في حسابه هذا الاحتمال على وجهيه، عندما صار يلحُّ على حكومته في ضرورة احتلال جيشها للإسكندرية، تمهيدًا ولا شك — كما أراد «مسيت» لاحتلال مصر بأسرها، ولقد تسلَّطت فكرة احتلال الإسكندرية أو مصر على أذهان غيره من رجال الحرب والسياسة الإنجليز، وفي مقدمة هؤلاء الأميرال «نلسن»، على أنه بالرغم من هذا كله، وممَّا أخذ به «مسيت» خصوصًا، لم يكن غرض حكومة لندن — بحال من الأحوال — احتلال مصر أو حتى امتلاك الإسكندرية ذاتها، بل إن كل ما اهتمت به هذه الحكومة كان أمر مراقبة الحرب في القارة الأوروبية، وتدارك الأخطار التي قد تهدد مواقع الإنجليز في البحر الأبيض لا سيما في مالطة وصقلية، نتيجة لتمكُّنِ سيطرة نابليون في إيطاليا ولانتصاراته في أوروبا، زد على ذلك أن إنجلترة كانت تريد التمسُّك بالإسكندرية ذاتها، بل إذا حدث أن اقتضت الظروف بقاء احتلال جيوشها لها حتى نهاية الحرب، فإنها كانت تنوي عند عقد السلام العام إعادتها إلى تركيا؛ ولذلك فقد ارتهن مصير حملة «فريزر» — من مبدأ الأمر — بتطور الحوادث في الميدانين: السياسي والعسكري في أوروبا.

بَيْدَ أنَّ هذه الحملة كانت حلقة من حلقات تلك الصعوبات التي صادفت محمد علي بين عامي ١٨٠٥، ١٨٠٧، وكادت تودي بولايته، ولا جدال في أن حملة «فريزر» كانت ذات آثار عظيمة في حياة محمد علي، فقد استطاع قُوَّادُه إنزال هزيمة ساحقة بجيش «فريزر» في معركة الحماد، وأقام محمد علي الدليل عند مجابهته هذا الخطر — سواء بالإشراف على تحصين القاهرة أو العمل على استتباب الهدوء والسكينة بها، أو معالجة مسألة بكوات الصعيد — على أن في استطاعته الاضطلاع بأعباء الحكم على خير صورة، أضف إلى هذا أن اجتياز هذه الأزمة الأخيرة بسلام بعد انتصاره على البريطانيين رفع ذِكْرَه في العالم الإسلامي، كرجل استطاع وحده مقاومة أقوى دول أوروبا وقتئذٍ، ثم أكسبه نجاحه عطف الباب العالي، وكان لا مَناصَ من جلب رضاء هذا عليه، إذا شاء الاستقرار في حكومته، ثم إن انصراف الديوان العثماني عن الكيد له — مؤقتًا — لم يلبث أن أتاح له الفرصة خلال السنوات الثلاث التالية ليعمل على دعم أركان ولايته، ثم إنَّ نجاحه هذا لم يلبث أن زاده ثقة في نفسه وفي قدرته على الاحتفاظ بولايته، فتزايدت من ثَمَّ أطماعه، وارتسمت في ذهنه من هذا الوقت المبكر معالم الخطة التي قَرَّ رأيه على اتباعها لتحقيق أهدافه، فقد صار لديه الآن من القوة ما يجعله يرفض استبدال أي باشوية أخرى من باشويات الدولة بولاية مصر، بل صارت تنُمُّ أحاديثه وفعاله عن رغبته في الظفر من الباب العالي بوضع يميزه عن سائر باشوات الدولة وحكام ولاياتها، ولقد كان لحملة «فريزر» من هذه الناحية أهمية كبرى؛ ذلك لأن الباشا كشف للمرة الأولى أثناء مفاوضاته مع مندوبي هذا القائد الإنجليزي بصدد إخلاء الإسكندرية وإنهاء احتلالها عن حقيقة هذا الوضع الجديد الذي يبغيه، وهو أن ينشئ حكمًا وراثيًّا في أسرته في مصر مع التبعية للباب العالي على غرار الوضع القائم في وجاقات الغرب، حيث كانت تحكم وقتئذٍ أسرة القره مانلية في طرابلس الغرب، والحسينية في تونس، ويستأثر الدايات: (جمع داي) في الجزائر بكل سلطة، والواقع أن حملة «فريزر» قد اختتمت دور التجربة والاختبار الذي مر به محمد علي، وكان دورًا عاتيًا قاسيًا، وبدأ محمد علي يمارس شئون الحكم من الآن فصاعدًا كمن صار له السلطان نهائيًّا، ويظهر في كل أعماله كمن صارت له كل حقوق السيادة.

ولقد كان لحملة «فريزر» أهمية أخرى من حيث تشكيل علاقات باشا مصر مع الدولتين اللتين تنازعتا على النفوذ في مصر نزاعًا عنيفًا منذ أن جلا الفرنسيون في ١٨٠١ ثم البريطانيون في ١٨٠٣ عن هذه البلاد، وهو نزاع أثَّرَ على مجرى الحوادث بها بصورة ساعدت محمد علي نفسه على الاستفادة منها وتأسيس حكمه في مصر، فقد أقبل «دروفتي» أثناء الأزمة التي أوجدتها هذه الحملة على تعضيد حكومة محمد علي بكل ما وَسِعَه من جهد وحيلة، وتبين للباشا أن في وسعه — من الآن فصاعدًا — الاعتماد على صداقة فرنسا، فكانت هذه التجربة التي مرت بمحمد علي و«دروفتي» معًا منشأ ذلك الوفاق الذي ظل يسود العلاقات بين مصر وفرنسا في عهد محمد علي سنوات طويلة، ومن ناحية أخرى دَلَّ فشل حملة «فريزر» والظروف التي لابست هذا الفشل، على أن إنجلترة في معركة التنازع على النفوذ في مصر مع فرنسا قد أخطأت التقدير، فقامرت على حصان خاسر منذ أن بنت كل آمالها على إمكان طوائف المماليك الذين فرَّقَهم التباغض والتحاسد، وسيطرت الأطماع والأنانيَّةُ على أعمالهم، أن يؤسسوا حكمًا في مصر ينهي منها الفوضى، ويكفل لها الاستقرار الذي يدفع الغزو الأجنبي عنها.

وقد نبتت هذه الفكرة الخاطئة في ظروف كان يبدو فيها بعد جلاء الفرنسيين أن البكوات هم وحدهم القادرون على منع نزول حملة فرنسية أخرى في البلاد، وقد كان لهذه الفكرة مبرراتها وقتئذٍ للأسباب التي ذكرناها في موضعها، ولكنَّ العسكريين والسياسيين الإنجليز أعوزتهم المرونة، فأصروا على التمسك بفكرتهم بعناد، على الرغم من تطوُّرِ الحوادث، وقد أوضحنا كيف أنهم لم يدخلوا في حسابهم المناداة بولاية محمد علي كعامل قد يدعوهم إلى تعديل خُطَّتِهم، لا سيما عندما ظهر تخاذل البكوات، واتساع شقة الخلاف بسبب المنافسة والغيرة الشديدتين بين صنيعتهم الألفي وعثمان البرديسي، وتقع المسئولية على «مسيت» خصوصًا في ترويج أن محمد علي قد اشتراه الوكلاء الفرنسيون، وأنه طالما بقي في الحكم تظل البلاد معرضة لغزو الفرنسيين واحتلالهم لها، وراح «مسيت» يطلب مرارًا وتكرارًا تدخل حكومته للحصول من الباب العالي على أمر بعزله أو نقله وطرد الأرنئود، فزاد «مسيت» — بفعله هذا — من تمكين الفزع في نفوس المسئولين في حكومته من ناحية الغزو الفرنسي المنتظر، ولقيت بسببه مخاوف «نلسن» الذي ظل هو الآخر ينادي بوجوب القيام بعمل عسكري بريطاني في مصر؛ لمنع هذا الغزو ما يعززها ويقويها.

ومع ذلك، فقد أظهرت حملة «فريزر» محمد علي بمظهر السياسي المُحنَّك بعيد النظر، فقد انتهز فرصة وجود قوات الإنجليز في البلاد، ليعمل على جذب إنجلترة إلى جانبه، وهو الذي قد تخَطَّى العاصفة بسلام، وصار يهمه الآن أن يحاول الظفر بتأييد هذه الدولة التي ناصبه وكلاؤها العداء لقضيته؛ أي الفوز بالولاية الوراثية في الوضع الذي سبق ذكره، ولم تمنعه صداقة «دروفتي» ومساعدته له عن إقصاء نائبه «مانجان» وقت مفاوضاته مع مندوبي الجنرال «فريزر»؛ وذلك لأنه لم يفته أن هذه الدولة (إنجلترة) لها أسطول كبير، ولا تزال مسيطرة في البحر الأبيض، وعجز نابليون العظيم عن غزوها في عُقْرِ دارها أو هزيمتها، وفي وسعه فضلًا عن ذلك كله، أن يجعل منها عميلًا طيبًا يجني من معاملاته معها ربحًا محققًا، بسبب حاجتها إلى منتجات وحاصلات باشويته لتموين قُوَّاتها الرابضة في شتى المواقع في البحر الأبيض، وإذا كانت إنجلترة قد ناصبته العداء بعد ذلك بسبب اصطدامه المعروف في الحرب الشامية مع الباب العالي وتمسك الإنجليز بخطة المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، فقد أتاحت حملة «فريزر» الفرصة لإرساء قواعد تلك السياسة التي حرص محمد علي من جانبه على اتِّباعها في مُستقبلِ أيامه، ونعني بذلك كسب صداقة إنجلترة دائمًا.

وأمَّا النتيجة المباشرة لحملة «فريزر» فيما يتعلق بباشوية محمد علي، فكانت تمكينه من الاستيلاء على الإسكندرية التي كانت خارجة عن حكمه، واطمأنَّ بفضل ذلك إلى تحطيم هذه الحلقة التي ربطت بين باشويته والباب العالي، والتي أفاد هذا الأخير من وجودها، فاتخذ من الإسكندرية مكانًا لتدبير مؤامراته ضد حكومته، كما وجد أعداء الباشا مرتعًا خصيبًا يحيكون فيه كذلك دسائسهم ضده، على نحو ما كان يفعل الوكلاء الإنجليز، فأُغْلِقَ هذا الباب الآن بعد دخول الإسكندرية في حوزة محمد علي، أضف إلى هذا أن امتلاك الإسكندرية كان الخطوة الأولى التي خطاها محمد علي من أجل بسط سلطان باشويته على أرجاء القُطْرِ الذي تألفت هذه منه، حتى إذا قضى على المماليك نهائيًّا بعد ذلك بثلاثة أعوام تقريبًا، ودخل الصعيد جميعه في حوزته، تَمَّ بسط سلطانه على هذه الباشوية: الأمر الذي كان لا مناص من حدوثه، إذا شاء محمد علي دعم أركان الولاية واستقرار حكمه بها.

(١) الفزع من الغزو الفرنسي

وترتَدُّ أسباب حملة «فريزر» في أصولها البعيدة إلى الأغراض التي استهدفتها سياسة الإنجليز الإيجابية في مصر منذ جلائهم عنها، وقد تحدثنا عنها طويلًا، ثم إنَّها ترتد في أصولها القريبة إلى تأزُّمِ العلاقات بين تركيا وبين روسيا وحلفائها الإنجليز، بالصورة التي أوضحناها، وفي كلا الحالين، كان منع تكَرُّرِ الغزو الفرنسي لهذه البلاد هو مرمى رجال السياسة والحرب من الإنجليز، ولقد كان جلاء البريطانيين في مارس ١٨٠٣ هو التضحية التي لم يجدوا مناصًّا من بذلها، إذا شاءوا المحافظة على السِّلْمِ الذي قررته معاهدة «أميان»، على أمل أنه إذا تنفذت شروط هذا الصلح واستقر السلام، انتفى خطر الغزو الفرنسي على مصر، ولم تتجدد التجربة القاسية التي نشأت من نزول حملة بونابرت في هذه البلاد عام ١٧٩٨، ولكنه سرعان ما تبين للإنجليز أن هذه التضحية ذهبت سُدًى، ودون مقابل، عندما استؤنفت الحرب مع فرنسا بعد شهرين فحسب من جلاء القوات البريطانية عن مصر، ولقد وُجِدَ من السياسيين الإنجليز — قبل أن يتحطم صلح «أميان» نهائيًّا — من كان يرى لتأمين سلامة إنجلترة وخاصة ممتلكاتها في الهند أن يستمر الاحتلال البريطاني لمالطة والإسكندرية ورأس الرجاء الصالح بصورة دائمة، أو على الأقل لمدة طويلة أخرى، بالرغم ممَّا في ذلك من خرق لمعاهدة «أميان»، واستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه على ما ظهر من إصرار من جانب بونابرت القنصل الأول وقت إبرام الصلح على اشتراط إخلاء البريطانيين لمالطة والإسكندرية، فراحوا يؤكدون أنه ما فعل ذلك إلا ليفسح الطريق بين طولون والإسكندرية؛ لإرسال حملة فرنسية إلى مصر فيما بعد وعند أول فرصة سانحة، وكان من أثر تزايُدِ شكوك الحكومة الإنجليزية في نوايا بونابرت بعد جلاء الجيش البريطاني عن الإسكندرية، ثم بسبب بقاء الجيوش الفرنسية في إيطاليا كذلك، أن رفض الإنجليز إخلاء مالطة، واحتدم النقاش حول مسألة مالطة بين بونابرت وبين «اللورد هويتوورث» Whitworth السفير الإنجليزي في باريس، واضطر الأخير إلى مغادرة باريس في ١٣ مايو ١٨٠٣، وقُطِعت العلاقات بين فرنسا وإنجلترة، واستبد الخوف برجال السياسة والحرب الإنجليز من محاولة فرنسية جديدة لغزو مصر.

وكان مبعث مخاوف الحكومة الإنجليزية — سواء أكانت هذه المخاوف حقيقية أم وهمية، وما صار يساورها من شكوك في نوايا بونابرت من حيث عزمه على إجراء انقلاب في الشرق يقلب به الأوضاع رأسًا على عقب، ثم فتح مصر مرة ثانية — أولًا: استئناف العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا وتركيا بعد صُلْحِ «أميان»، ونشاط السياسة الفرنسية في القسطنطينية، وثانيًا: قيام «سباستياني» بمهمته المعروفة خصوصًا في مصر، ثم نشر تقريره المشهور في يناير ١٨٠٣، وأخيرًا: تحذيرات القُوَّادِ الإنجليز: «هتشنسون» و«كافان» و«ستيوارت» الذين اعتقدوا أن الفرنسيين وقد كانوا يمتلكون البلاد في عهد حملتهم على مصر، فإنهم لن يتخلوا عن الرغبة في العودة إليها، وبسط سلطانهم عليها مرة أخرى، وكان عندما وصل تقرير «سباستياني» عن استطالة الاحتلال البريطاني للإسكندرية أن بعث «هويتوورث» — الذي اتَّفقَ وصوله إلى مقر سفارته في باريس حوالي هذا التاريخ — إلى «هوكسبري» وزير الخارجية في نوفمبر ١٨٠٢، يؤكد كأمر مفروغ منه أن القنصل الأول بموافقة القيصر وتواطؤ الأتراك قد قرر إرسال حملة فرنسية جديدة إلى مصر، ويوصي لذلك بإرسال أسطول إنجليزي قوي لمراقبة طولون، وحراسة الأدرياتيك، ويقول: إنَّه لإحباط مشروعات بونابرت العدوانية لا مَعْدَى عن تمسك الإنجليز بمالطة والإسكندرية، فعززا اتهام «هويتوورث» للقنصل الأول بالتآمر مع الروس، بل ومع الأتراك أنفسهم على غزو مصر شكوك الحكومة الإنجليزية، وكان من أقوى العوامل التي دعتها إلى خرق معاهدة «أميان» من جانبها، ثم إنَّ هذه الحكومة لم يعوزها الدليل على اعتزام بونابرت امتلاك هذه البلاد ثانية، عندما نشر القنصل الأول تقرير «سباستياني» في آخر يناير ١٨٠٣، واتخذت من نشر هذا التقرير ذريعة لإصرارها على عدم إخلاء مالطة، قبل أن يدلي القنصل الأول بتفسيرات مُرْضيةٍ تزيل ما يساورها من قلق من ناحية سياسته.

ومع أنَّ «سباستياني» نفسه — وقد عاد من بعثته إلى باريس — راح يؤكد للسفير الإنجليزي «هويتوورث» أنه ما كان ينوي بتاتًا — عند حديثه عن الجيش البريطاني في مصر — إهانة هذا الجيش في تقريره، وقد كانت هذه إحدى المآخذ التي أخذها الإنجليز على هذا التقرير، ومع أن «تاليران» وزير الخارجية الفرنسية راح بدوره ينفي للسفير وجود أية مشروعات عدوانية ضد مصر لدى القنصل الأول، ويؤكد أن الحالة المالية في فرنسا تجعل السِّلْمَ ضروريًّا ولا غنى لها عنه، ويعزو ما قد يكون قد تضمنه التقرير من مسائل جرحت شعور البريطانيين إلى حماس ضابط شاب، فسَّرَ وجود القوات البريطانية بالإسكندرية بمثابة إعلان للحرب من جانب إنجلترة على فرنسا، ثم صار يسأل «هويتوورث» عن نوع الترضية التي يطلبها لتسوية هذه المسألة، ومع أن بونابرت نفسه قد دعا السفير لمقابلته في قصر «التويلري» للمباحثةِ معه في موضوع معاهدة «أميان»، وأعلن إليه أن مصر لا تستحق دخول فرنسا في حرب بسببها، وأنه لا يفكر في أية مشروعات عدوانية ضدها؛ لأنه يعتقد أن هذه البلاد سوف تكون من نصيب فرنسا إذا حدث انهيار الإمبراطورية العثمانية، ووزعت أملاكها بين الدول، وأنه يُصِرُّ على إخلاء مالطة والإسكندرية لصون السلام، فقد ذهبت سدى جميع هذه المساعي في انتزاع مخاوف الإنجليز من ناحية مشروعات بونابرت في الشرق، وجعلتهم هذه المخاوف والشكوك يقررون البقاء في مالطة، وإن وافقوا على إخلاء الإسكندرية لرَدِّها إلى حليفهم الباب العالي، تنفيذًا لوعودهم له، واستبقاء لمودته، حتى لا ينضم إلى أعدائهم عند استئناف الحرب بينهم وبين فرنسا، ولقد كانت تلك الموافقة على إخلاء الإسكندرية مبعث نَدَمٍ في الدوائر الحكومية وغيرها في إنجلترة، ولمَّا كان بونابرت قد تحدث في مقابلته مع «هويتوورث» عن انتقال مصر إلى حوزة فرنسا عند انهيار الإمبراطورية العثمانية، فقد تزايد إصرار الإنجليز على التمسك بمالطة كخطوة لا غنى عنها لدرء أي خطر فرنسي يتهدَّدُ مصر، ثم تبعًا لذلك أملاكهم في الهند، وكان «بيت» Pitt الذي اعتزل الوزارة منذ مارس ١٨٠١، من أكبر مؤيدي هذا الرأي، كما كان أعضاء الوزارة التي شَكَّلها بعده «أدنجتون» Addington من هذا الرأي، الأمر الذي أفضى إلى إنهاء صلح «أميان»، واستئناف الحرب بين إنجلترة وفرنسا، وكان التمسك باحتلال مالطة إذن هو الضمان الذي لجأت إليه الحكومة الإنجليزية لمنع ذلك العدوان الذي توقعت حدوثه على مصر كجزء من مشروعات بونابرت في الشرق.

والخوف من مشروعات بونابرت في الشرق، ومن محاولته إنزال جيش فرنسي لاحتلال مصر، جعل «دراموند» والسير «ألكسندر بول» يضعان تلك المشروعات التي هدفت لتأسيس الحكم المملوكي في مصر تحت قيادة بريطانيا، ثم إنَّه كان منشأ كل ذلك النشاط الذي بذله الوكلاء الإنجليز، وعلى رأسهم «مسيت» لاستمالة البكوات إلى جانب إنجلترة وإحباط مساعي الوكلاء الفرنسيين لديهم، ثم مُناصَبة حكومة محمد علي العداء، وسيطر على ذهن «ألكسندر بول» — على وجه الخصوص — أن الفرنسيين سوف يحاولون الاستيلاء على الإسكندرية بمساعدة البكوات ومحالفتهم لهم، وتدعَّمتْ هذه الفكرة لديه بفضل ما صار يرسله إليه «تابرنا» من أخبار عن نشاط الوكلاء الفرنسيين مع البكوات، واعتقاد هؤلاء الأخيرين أن الإنجليز قد تخلوا عنهم، بينما توقع «تابرنا» أن يعْمَدَ محمد علي والأرنئود إلى الاستفادة من هذه الفوضى، فيحدثون انقلابًا يستولون بفضله على البلاد، وتلك ثورة تنتفع منها فرنسا؛ لأن الأرنئود أصدقاؤها، وقال «تابرنا» وهو يتحدث إلى «ألكسندر بول» — في تقريره له في ٢٨ فبراير ١٨٠٤ — عن الأعداء الخارجيين أي الفرنسيين: «إنَّه إذا شاء سوء الحظ أن يفلت هؤلاء من رقابة الأسطول الإنجليزي، فإنهم لن يلقوا أية مقاومة في مصر.» ثم عزَّزَ هذه الأقوال عند «ألكسندر بول» وكيل آخر في مصر لم يذكر اسمه في تقريره الذي بعث به إليه من القاهرة في ١٣ ديسمبر ١٨٠٤، قال: إنَّ مصر في حاجة شديدة إلى سيد جديد، وأن أول القادمين سوف يلقى ترحيبًا كهذا السيد المنشود، وأن الأحزاب المناضلة فيما بينها سوف تلْتفُّ حول العلم الأجنبي، ويتوقُ الفلاحون للحماية الأجنبية تُبسَطُ عليهم لتمنع عسف الحكام بهم، وإن قوة أجنبية صغيرة سوف تكفي للاستيلاء على مصر وعلى حكومتها، ثم إنَّ هذا الوكيل لم يلبث أن اختتم رسالته بتأكيد أن أهل البلاد يفضلون كثيرًا الإنجليز على الفرنسيين.

ولا جدال في أن مثل هذه المعلومات التي تلقَّاها «بول» قد أظهرت خطر الغزو الفرنسي المتوقع كحقيقة ماثلة، وزادت من مخاوفه من هذا الخطر.

وكان «نلسن» الذي أوفد مرة ثانية إلى البحر الأبيض رئيسًا للقوات البحرية الإنجليزية به عند استئناف القتال بين إنجلترة وفرنسا، من الذين أفزعهم كذلك خطر الغزو الفرنسي المنتظر لمصر، وحرصت الأميرالية وهي تصدر تعليماتها إليه على لفت نظره إلى ضرورة مراقبة حركات الفرنسيين في إيطاليا بانتباه عظيم، حتى لا يفلت من مراقبته — كما حدث في ١٧٩٨ — خروج قواتهم لمهاجمة مصر، أو لأي جزء آخر من الأملاك العثمانية، ولكن «نلسن» لم يكن في حاجة إلى هذا التنبيه؛ لأن حوادث ١٧٩٨ كانت لا تزال آثارها عالقة بذهنه، ولأنه اعتقد اعتقادًا راسخًا بأن الفرنسيين يدبرون إرسال حملة إلى الشرق، إمَّا ضد المورة، وإمَّا ضد مصر، ومنذ شهر يونيو ١٨٠٣ سأل «دراموند» بالقسطنطينية رأيه في أي المشروعين سوف يبدأ الفرنسيون بتنفيذه مُتفِقًا مع إنشاء المورة جمهورية يونانية؛ لأن الهجوم على المورة ليس في رأي «نلسن» نفسه سوى مجرد وسيلة لتمكين فرنسا من الاقتراب من مصر، ثم كتب إلى «أدنجتون» في ٢٨ يونيو: «إنَّه إذا فتح الفرنسيون أو أصدقاؤهم المورة، فسوف تكون مصر الثمن الذي في مقابله يعيدون المورة، إن لم يتمكنوا من الاحتفاظ بكليهما، بفضل محالفة ينشئونها مع المماليك.» وظلَّ «نلسن» يردد هذه المخاوف في الشهور التالية، ويعزو إلى بونابرت مشروعات عدوانية على المورة سواء بتحريض أهلها على الثورة ضد الباب العالي، أو بالاتحاد في العمل مع روسيا لتحقيق مآربه، وتوقع «نلسن» أن تشترك فرنسا وروسيا في تقويض عروش الإمبراطورية العثمانية في أوروبا، حتى إذا تم لهما ما يريدان صارت كريت ومصر — بكل تأكيد — من نصيب فرنسا، وعندئذٍ تعرضت الهند لخطر الضياع وفقدتها بريطانيا، وفي وسع بونابرت على كل حال إذا امتنعت روسيا عن المضالعة معه في مشروعاته خلق المشكلات والمتاعب لتركيا بتحريض اليونانيين ضدها، أو تأييد علي باشا والي «يانينا» في عصيانه عليها، وعندئذٍ يتدخل بونابرت، إمَّا لإخماد هذه الثورات أو لتأييدها، طالما أن مصر هي التعويض الذي يناله في الحالين مقابل هذا التدخل، واعتقد «نلسن» أن فرنسا إنما تحشد جيوشها في إيطاليا لإرسالها إلى المورة، ثم من هناك إلى مصر، أو لتحصل على الأخيرة في نظير تخليها عن الأولى؛ حيث إنَّ الاستيلاء على مصر هو غرض بونابرت دائمًا، «ومن يعش يره»، كما قال «نلسن».

وقد شارك نسلن — بطبيعة الحال — السير «ألكسندر بول» في اعتقاده بأن بونابرت يعتزم إرسال حملة إلى الإسكندرية، وكتب إليه في ٦ أكتوبر ١٨٠٣: «إن الحالة في مصر لتدعو إلى الحزن والأسى، ولا أشُكُّ بتاتًا في أن الفرنسيين قد أبرموا معاهدة مع المماليك، أو أنهم قد عقدوا معاهدة حتى مع الأتراك، ولم أكتفِ بالكتابة إلى «أدنجتون»، بل بذلت جهدي حتى أغرس في ذهنه ضرورة الحيلولة دون ارتماء المماليك والأتراك في أحضان فرنسا.»

وهكذا ظلَّ «نلسن» يفكر في أمر مصر أثناء قيامه بمراقبة عمليات الفرنسيين في إيطاليا، وسد الطريق على أسطول الأميرال الفرنسي «لاتوش تريفيل» La Tounche-Treville في ميناء طولون، وفي نوفمبر ١٨٠٣ كتب إلى «دراموند» بالقسطنطينية يطلب منه تحذير السلطات العثمانية؛ لأنه من المحتمل أن يحدث بالرغم من يقظته هو وعنايته أن يفلت من مراقبته الأسطول الفرنسي، ويستطيع الوصول إلى مصر أو المورة، قبل أن يتمكن «نلسن» من مقابلته والالتحام معه، وفي ١١ فبراير ١٨٠٤ كتب إلى القبطان باشا يحذِّرُه من أنه سوف يجد نفسه؛ أي القبطان باشا قريبًا مرغمًا على قتال الفرنسيين؛ لأن بونابرت الخائن الغادر سوف يعتدي لا محالة — إذا استطاع — على ممتلكات الإمبراطورية العثمانية، وكتب في الوقت نفسه إلى الصدر الأعظم: «إذا جمع الفرنسيون قواتهم البحرية بالمحيط بتلك الموجودة في طولون، فإن السِّلمَ القائم بين الباب العالي وبونابرت لن يجدي نفعًا في منع الأخير من غزو المورة ومصر، ولا شك أن الصدر الأعظم وقد عرف الفرنسيين جيد المعرفة لا ينخدع بأقوالهم، فلسان بونابرت كلسان الأفعى الملساء الناعمة، ولن أدَعَ شيئًا لا أفعله لإحباط مشروعات هذا البلاء الذي نَزلَ بالبشرية.» وحَزَّ في نفس «نلسن» أن حكومته على ما ظهر له لا تميل إلى الأخذ بنصائح «ألكسندر بول» لوضع حامية بريطانية أو أخرى تحت إشراف ضباط بريطانيين بالإسكندرية، وصار يرجو أن إذاعة مشروع «لبنتز» Leibnitz الذي اقترح فيه هذا العالم والفيلسوف الألماني على لويس الرابع عشر توجيه جيوشه صوب مصر، والذي عُثِرَ عليه عند احتلال الفرنسيين لهانوفر في مكتبتِها في عام ١٨٠٣ سوف يفتح أعين أوروبا، ولو أن هناك أناسًا لا تزال أعينهم معصبةً ولا يجسرون على فَكِّ الأربطة عنها، وفي ٣٠ يونيو ١٨٠٤ كتب إلى «هوبارت» أن باشا طرابلس قد وافق عند الضرورة وفي حالة ذهاب الفرنسيين إلى مصر (أي غزوهم لها) أن يحتلَّ الإنجليز درنة، وهذه موقع هام جدًّا لمنع الفرنسيين من أن تكون لهم خطوط مواصلات مع مصر، وعندما استولى الفرنسيون على السفن اليونانية في ميناء ليفورنة بإيطاليا، قال «نلسن» إنَّ غرضهم من ذلك استخدام هذه السفن؛ لنقل جنودهم إلى المورة وإلى مصر، ثم إنَّه اعتقد أن قِسمًا من أسطول «غانتوم» Ganteaume في برست سوف يقصد إلى البحر الأبيض، حيث كان للفرنسيين بهذا البحر أطماع مُحقَّقةٌ، كما قطع بذلك «ألكسندر بول» نفسه في مراسلاته مع «نسلن»، وقد كتب هذا الأخير إلى «بول» في ٣ أغسطس ١٨٠٤، أن نابليون يبغي الاستيلاء على الجزائر، وأن الفرنسيين سوف يملكونها بعد انقضاء عام واحد بعد عقد الصلح، وأمَّا فيما يتعلق بمصر، فهو (أي «نلسن») يوافق «بول» على آرائه بصددها، ولم يكن «بول» هو وحده الذي يساوره القلق من ناحية مصير هذه البلاد، بل اعتقد «هالويل» كذلك أن الفرنسيين يريدون الاستحواذ على مصر، وكان «هالويل» من الذين اشتركوا في معركة أبي قير البحرية، ويدين بولاء عظيم لنلسن.

وعندما غادر أسطول الأميرال «لاتوش تريفيل» طولون أخيرًا في ١٧ يناير ١٨٠٥، حار «نلسن» في أمره: هل يقصد هذا الأسطول إلى «كاجلياري» على شاطئ «سردينيا» الجنوبي؟ أو يقصد المورة؟ أو مصر؟ ثم لم يلبث أن رَجَّحَ أن تكون مصر هي مقصده، فقصد «نلسن» بدوره إلى المورة، وبلَغَتْهُ إشاعات كاذبة عن قطع العلاقات بين فرنسا والباب العالي، اعتقد بسببها أن بونابرت بسبيل الاعتداء على ممتلكات الباب العالي، وحيث إنَّ الأسطول الفرنسي لم يظهر في مياه المورة، فقد رَجَّحَ «نلسن» ذهابه إلى مصر، فواصل هو رحلته مارًّا بكريت إلى الشاطئ المصري، واقترب من الإسكندرية ٤ فبراير ١٨٠٥، وكتب في اليوم نفسه إلى «صمويل بريجز» القنصل البريطاني بالإسكندرية: «إذا حضر الفرنسيون إلى هذا المكان قبلي، فلن يصلَك بطبيعة الحال كتابي هذا إليك، وأمَّا إذا لم يحضروا فمعنى هذا أن أسطولهم قد بعثرته الأنواء، ورداءة الجو التي تعرضوا لها منذ مغادرتهم طولون، وقد كتب إلى حاكم الإسكندرية حتى يحترس من زيارة هؤلاء السادة لمدينته؛ لأنه حيث مضى أسبوع الآن دون أن يصل هؤلاء إلى سردينيا أو نابولي أو صقلية، فاعتقادي أنهم في طريقهم إمَّا إلى مصر وإمَّا إلى المورة … وحيث إنَّ حاكم الإسكندرية قد أبلَغَ وحذر، فأملي أن يتخذ كل ما يمكنه من وسائل للدفاع عنها، خصوصًا إعداد سفن لإغراقها كي يمنع دخول الأسطول الفرنسي في الميناء القديم، وحتى يمكن تنظيف الممر إلى الميناء، أكونُ قد أعطيت الوقت الكافي بفضل ذلك لإيقاع العدو في الفخ مرة ثانية.» وطلب «نلسن» من بريجز أن يبعث برسالته هذه إلى «مسيت»، وأن يرسل هو؛ أي بريجز إلى أمير البحر الإنجليزي كل ما لديه من معلومات نافعة.

وهكذا كانت الفكرة المسيطرة على ذهن «نلسن» أن الفرنسيين ينوون لا محالة غزو مصر، ومع أنه وصل أمام الإسكندرية في ٧ فبراير ١٨٠٥، ولم يجد أثرًا لأسطول فرنسي في مياهها، وزوَّدَهُ «بريجز» بالمعلومات التي يريدها عن الحالة في هذه البلاد، واضطر إلى استئناف مطاردته لأسطول «لاتوش تريفيل» في أماكن أخرى، فقد ظل متشبثًا بفكرته وأكد للسير «ألكسندر بول» أن المعلومات التي تلقاها من «بريجز» عن الحالة في مصر — أيام حكومة خورشيد — قد زادته اقتناعًا بأن مصر هي المكان الذي تقصده تلك العمارة المسلحة التي خرجت من ثَغْرِ طولون في يناير.

يؤيد ذلك ما حصل عليه «نلسن» من معلومات من «بريجز» — بَسطَها بدوره إلى «بول» في كتابه إليه في ١١ فبراير ١٨٠٥ — وهذه تبين ضعف البلاد بسبب الفوضى السياسية المنتشرة بها، ممَّا يجعلها فريسة سهلة للفرنسيين، بينما لم يكن بالإسكندرية ذاتها سوى ثلاث فُرقاطاتٍ عثمانية، وحوالي ثلاثمائة جندي في حال سيئة؛ أي انعدام وسائل الدفاع عنها، حتى إنه ليكفي في رأي «نلسن» أن يستولي عليها ستمائة جندي دون أية صعوبة، وقد أبلغ القنصل البريطاني الكابتن «هالويل» أن حاكم الإسكندرية عندما ظهر الأسطول الإنجليزي ظنه عمارة فرنسية، فاستولى عليه اليأس تمامًا، والسبب في ذلك أن شيئًا لم يُصنَعْ لتقوية تحصينات المدينة، بل بقيت هذه على ما كانت عليه عندما غادر الإنجليز الإسكندرية في ١٨٠٣، ومن المُنتَظَرِ إذا استولى الفرنسيون عليها أن يعْمدَ هؤلاء إلى تحصينها بصورة تجعلها ممتنعة على كل غازٍ لها، أضف إلى هذا أن الأتراك والمماليك في حرب مستمرة في الصعيد، وقد انحاز الأرنئود في هذا النضال ضد المماليك إلى جانب الأتراك، ومن المتوقع — كما اعتقد نلسن — إذا نزل الفرنسيون في البلاد أن ينضم الأرنئود أو على الأقل قِسمٌ كبير منهم إليهم، لا سيما وقد وعدهم «ماثيو لسبس» إذا رغبوا في حضور خمسة آلاف جندي فرنسي لمساعدتهم أن تبادر فرنسا بإرسالهم إليهم، ولن يكون هناك جيش تركي لصدِّ العدو، وسوف تقع القاهرة بسهولة في قبضة الفرنسيين كما يحدث للإسكندرية، وفي استطاعة هؤلاء عند انضمام قسم من الأرنئود إليهم أن ينشئوا جيشًا في مصر من ثلاثة عشر ألف مقاتل، بل وفي وسعهم إرسال سفن صغيرة مُحمَّلةٍ بالجنود من إيطاليا، تستطيع الإفلات من مراقبة الأسطول الإنجليزي، وبهذه الطريقة ينقلون إلى مصر عشرين ألف رجل يرحب بهم أهلها، ويتعذر بعد ذلك طردهم منها، ثم اختتم «نلسن» رسالته هذه بقوله: «وعندما نأخذ بعين الاعتبار ما لمصر من أهمية في نظر فرنسا، والضرر الذي سوف تلحقه هذه بنا باستيلائها على مصر، لا يبقى هناك لديَّ أدنى شك في أن مقصد الأسطول الذي غادر طولون في ١٧ يناير والشاطئ الفرنسي في ١٨ يناير، إنما هو الذهاب إلى الإسكندرية … وبناء على ما لديَّ من معلومات، لا أشُكُّ بتاتًا في أن مصر هي الهدف الأساسي الذي يقصده أسطول طولون.»

واستمرت هذه الفكرة ذاتها مسيطرة على ذهن «نلسن» طوال الشهور التالية، فيقول «فورتسيكو» Fortescue — صاحب تاريخ الجيش البريطاني: «إنَّ «نلسن» في عام ١٨٠٦ ظل يعتقد بأن نابليون يريد احتلال مصر، ويرغب هو بسبب الغيرة فحسب أن يسبقه إلى ذلك.» وكان من أثر أقوال «نلسن»، و«ألكسندر بول» ذيوع هذه الفكرة عن توقُّعِ حدوث غزو فرنسي على مصر في الدوائر الإنجليزية المسئولة، ثم إنه كان من أسباب رسوخها ما صار يبعث به وكيلها في مصر الميجور «مسيت» من تقارير يؤيد ما ذهب إليه «نلسن»، وقد شاهدنا كيف أن «مسيت» استمر يصف في رسائله إلى حكومته منذ ١٨٠٣ إلى أوائل ١٨٠٧؛ أي قبل مجيء حملة «فريزر» الفوضى السائدة في مصر، والانقسامات التي أضعفت البكوات، وجعلتهم يعجزون عن دفع الغزو الأجنبي، ونشاط الوكلاء الفرنسيين ومساعيهم لدى هؤلاء البكوات ولدى الأرنئود ومحمد علي، كما أوضحنا كيف أنه صار يدعو لتدخل البريطانيين المسَلَّحِ لمنع الفرنسيين من النزول في هذه البلاد، وصار يعتمد على هؤلاء البكوات أنفسهم في مؤازرة عمليات الإنجليز العسكرية، بالرغم من انقساماتهم وتفرقهم شيعًا وأحزابًا، ينحاز بعضها إلى الإنجليز والبعض الآخر إلى الفرنسيين، ويطاردهم محمد علي، فالميجور «مسيت» هو الذي ظل لا يرى أثناء هذه السنوات الأربع (١٨٠٣–١٨٠٧) في أي تغيير يحدث في ميدان هذه الفوضى الضاربة أطنابها في مصر سوى مبرر لأن يطلب من حكومته إمَّا إرسال جند بريطانيين، أو فرقاطة للتجوُّلِ في مياه الإسكندرية وعلى طول الساحل المصري إنقاذًا للموقف، ولاحتلال الإسكندرية تمهيدًا لاحتلال البلاد بأسرها، ولقد ترتَّبَ على أقوال «مسيت» وتأكيداته أن ساد اعتقاد المسئولين في لندن أن مصر — وقد عجز أصحاب السيادة عليها وهم العثمانيون عن دعم سلطانهم بها، وأنهكت النزاعات الداخلية قوى الطوائف المُتنافِسةِ على السلطة والحكم — فقد صارت فريسة سهلة للطامعين فيها، وهم الفرنسيون الذين أصبح من المنتظر انقضاضهم على البلاد في أي وقت، حتى إنه صار لزامًا على إنجلترة أن تتأهب بين لحظة وأخرى لدفع هذا العدوان.

ثم تَزايدَ فزع الإنجليز من الغزو الفرنسي، كما رسخ اعتقادهم بقرب وقوعه عندما حدث التفاهم بين نابليون والسلطان العثماني سليم الثالث في غضون عام ١٨٠٦، وهو التفاهم الذي أوضحنا أسبابه وظروفه في فصول سابقة، وتوهَّمَ الإنجليز أن مصر هي ثمن هذا التفاهم الفرنسي العثماني، فيتمكن الفرنسيون الآن من تحقيق ما امتنع عليهم فعله في عام ١٧٩٨؛ أي احتلال هذه البلاد بموافقة الباب العالي، وهكذا اتفقت أساليب الإنجليز في الحالين: التصميم على التدخل بالقوة المسلحة؛ لمنع نزول الفرنسيين في مصر، ثم طردهم منها عندما كان هؤلاء في عداء مع تركيا، وتقرير التدخل بالقوة المسلحة لدفع الغزو الفرنسي المتوقع، عندما كان الفرنسيون — الآن — أصدقاء للباب العالي.

وصحَّ عزم الحكومة الإنجليزية على استخدام الضغط، ووسائل التخويف مع الباب العالي لحمله على فَصْمِ عُرى التحالف مع تركيا، ثم التدخل تدخلًا مسلحًا لمنع نزول الفرنسيين في مصر، فصدرت التعليمات — إلى الأميرال «كولنجوود» وهي التعليمات التي أسفرت عن إرسال «داكويرث» إلى مياه القسطنطينية، ثم إقلاع حملة «فريزر» إلى الإسكندرية.

(٢) الغرض من إرسال حملة «فريزر»

ولم يكن قَطْعًا الغرض من إرسال حملة «فريزر» فتح مصر وامتلاكها، ولكن احتلال الإسكندرية فحسب؛ لمنع نزول الفرنسيين في البلاد، ثم لتأييد الأحزاب الموالية للإنجليز في مصر، ولمَّا لم يكن إذن الغرض من إرسال هذه الحملة فتح مصر واحتلالها، فقد اعتمد الإنجليز على احتلالهم للإسكندرية كخير وسيلة تمكِّنُهم من دعم سلطان البكوات من أصدقائهم برئاسة الألفي، وتمهد لهم تعزيز نفوذهم في هذه البلاد، عن طريق هؤلاء وعلى أنقاض النفوذ الفرنسي، وتتضح هذه الحقائق من نَصِّ وروح التعليمات التي صدرت إلى الجنرال «فوكس»، وهي تعليمات اعتُبِرتْ سرية جدًّا، فقد جاء في هذه ما معناه: إنَّ بعض التصرفات التي صدرت عن الباب العالي أخيرًا، جعلت ضروريًّا ولا ندحة عنه اتخاذ إجراءات سريعة وفاصلة مع الحكومة العثمانية؛ ولذلك فقد كُلِّفتُ بإبلاغكم أن تعليمات قد صدرت إلى اللورد «كولنجوود» نائب أمير البحر لإرسال قسم من الأسطول للإبحار، دون إضاعة لحظة واحدة إلى مضايق القسطنطينية، حتى يتخذ موضعًا يتيح لأسطوله القيام بعمل عدواني ضد القسطنطينية في حالة عدم نجاح مساعي السفير «أربثنوت» لدى الباب العالي، ولقد كُلِّفتُ كذلك بإبلاغكم أن تعليمات قد أرسلت إلى اللورد «كولنجوود» بتوجه الضابط المُتولِّي قيادة هذا القسم من الأسطول في حالة بدء العمليات الحربية أن يرسل فورًا إحدى سفنه لإبلاغكم ذلك، ومن واجبي تعريفكم أن رغبة حكومة جلالة الملك أن تبادروا حتى قبل أن تأتيكم هذه الإفادة من جانب «كولنجوود» باتخاذ كل الترتيبات، وإتمام كل الاستعدادات اللازمة لنقل جيش من خمسة آلاف جندي إلى مصر، وأنه بمجرد وصول إفادة «كولنجوود» إليكم تصدرون الأوامر اللازمة لوضع هذا الإجراء؛ أي إرسال الجيش إلى مصر موضع التنفيذ.

وليس غرض حكومة جلالة الملك من تقرير هذا الإجراء فتح مصر، وإنما الاستيلاء على الإسكندرية فحسب؛ لمنع الفرنسيين من وضع أقدامهم مرة أخرى في هذه البلاد؛ ولتمكين قوات جلالته الموجودة بالإسكندرية من إعطاء تأييدهم وحمايتهم لما قد يوجد من أحزاب في هذه البلاد قد تكون ذات رغبة صادقة في أن تكون لها علاقات ودية في كل الأوقات مع بريطانيا العظمى؛ ولذلك فإنه لا مناص عند اختيار قائد لهذه الحملة من بَذْلِ كل عناية ليس للتحقُّقِ من أنه صاحب مواهب عسكرية فحسب، بل وللتحقق كذلك من تمتعه بكل تلك المزايا التي تؤهله للقيام على خير وجه بما يُعهَدُ إليه من مهام مدنية وسياسية على جانب عظيم من الأهمية، الأمر الذي تستلزمه حتمًا طبيعة الخدمة أو المهمة المكلف بها.

فقد لا يكون هناك مَعْدَى عن تدخله في الخلافات الداخلية التي تشغل مصر، وتثير فيها الفتن والاضطرابات، أو تدخله في النزاع الدائر حول الاستئثار بالسلطة بين البكوات، جريًا على عادة هؤلاء، ومن الصعب في هذا الوقت، وبسبب بُعْدِ المسافة، تحديد المسلك الملائم على وجه الدقة، والذي عليه أن يتبعه في تدخله، إلا أنه عند معالجة مثل هذه المسائل؛ أي المدنية والسياسية من الحكمة والصواب أن يتصل هذا القائد بالميجور «مسيت» وأن يصغي بانتباه لما يبديه هذا الضابط من آراء، يبدو بفضل ما لديه من معلومات محلية وخبرة أو معرفة بالحوادث المحلية أنَّ لها قيمتها.

وأمَّا هذه التعليمات التي كان طابعها في رأي بعض المؤرخين الإنجليز الطيش أو قلة التفكير، والتي هدفت — كما أوضحنا — إلى احتلال أهَمِّ المواقع البحرية في مصر؛ أي الإسكندرية — إلى جانب بسط النفوذ الإنجليزي في سائر البلاد، عن طريق البكوات من جماعة الألفي أصدقاء الإنجليز، فقد أوجز معناها «فورتسكيو» في قوله: «لقد أرسلناك (أي الجنرال «فريزر») مع خمسة آلاف مقاتل إلى مصر، حيث يكون عليك هناك الاستيلاء على الإسكندرية فقط، وليس لك أن تحتلَّ البلاد (مصر) بل تعمل لإحراز التفوق للنفوذ الإنجليزي بها، وأمَّا كيف يتسنى لك فعل ذلك؟ فليس لدينا (أي الحكومة الإنجليزية) أية فكرة، ولكن تقريرنا عند إرسال الخمسة آلاف مقاتل، إنما هو عدم المجازفة بشيء في سبيل الظفر بمأربنا.»

ومع أن الظرف لم يكن ملائمًا لإرسال هذه الحملة، بسبب ما كان يجري من حوادث في أوروبا ذات تأثير على تطوُّرِ الموقف في البحر الأبيض، وتعريض مواقع الإنجليز في هذا البحر للخطر، من جانب جيوش نابليون المنتصرة في القارة الأوروبية، والرابضة في شبه الجزيرة الإيطالية، ومع أن الاستعدادات لهذه الحملة كانت غير كافية، وقواتها ضئيلة لتحقيق الغرض منها، وهو الاستيلاء على الإسكندرية ثم البقاء بها بعد احتلالها، فقد كان العامل الحاسم في إرسالها تصحيح الخطأ الذي وقع فيه الإنجليز عندما أخلوا الإسكندرية في مارس ١٨٠٣، وذهبت هذه التضحية من جانبهم سُدًى، ثم استئناف ذلك النشاط السياسي الذي نال منه كثيرًا أو عطله إخلاؤهم لها، وذلك بالعمل من أجل تأسيس حكومة مملوكية في مصر تستطيع — في اعتقاد الإنجليز — الدفاع عن البلاد، وردَّ أي غزو فرنسي يقع عليها، ثم الخضوع لإرشادات الإنجليز أنفسهم وتعزيز نفوذهم بها؛ أي تحقيق ذلك الغرض الذي ظلَّ القواد الإنجليز خصوصًا يسعون للظفر به دون طائل منذ خروج الفرنسيين من مصر في عام ١٨٠١ إلى وقت جلائهم عنها في عام ١٨٠٣.

وكانت هذه — ولا شك — مهمة جسيمة، كما كان ازدواج الهدف: احتلال الإسكندرية، ومحاولة بسط النفوذ الإنجليزي في البلاد عن طريق البكوات المماليك، من العوامل الحاسمة في فشل هذه الحملة عسكريًّا وسياسيًّا، وثمة عامل حاسم آخر في فشلها، ذلك أنها إنما جاءت كجزء من مشروع مرتبط بتدابير روسيا وحليفتها إنجلترة من الناحيتين السياسية والعسكرية في نضالهما ضد نابليون، فكانت لُحْمةُ هذا المشروع وسُداهُ محاولة إزعاج تركيا وإقناعها بقطع علاقاتها مع فرنسا، الأمر الذي جعل مصير حملة «فريزر» مرهونًا من مبدأ الأمر بتطور الموقف في أوروبا.

وقد عُيِّنَ لقيادة هذه الحملة الميجور جنرال «ماكنزي فريزر»، يليه في القيادة الميجور جنرال «ووكوب» Wauchope ثم القائدان: «ميد» Meade و«ستيوارت» Stewart بينما عُهِدَ بالقيادة البحرية إلى الكابتن «بنيامين هالويل» ومجموع قواتها حوالي ٥١٠٠ رجل، ولمَّا كان السفير الروسي «ديتالنسكي» قد غادر القسطنطينية في الظروف التي سبق ذكرها، ووصل إلى مالطة، وتأيد إعلان الحرب بين تركيا وروسيا منذ ٢٢ ديسمبر ١٨٠٦، وعلم الجنرال «فوكس» بخروج «أربثنوت» السفير الإنجليزي من القسطنطينية في طريقهِ إلى جزيرة «تينيدوس»، فقد أصدر «فوكس» أوامره بإبحار الحملة في ١٨ فبراير، وأقلعت من «مسينا» في ٦ مارس ١٨٠٧.

(٣) تسليم الإسكندرية

ومنذ شهر يناير ١٨٠٧ صار من المقطوع به في مصر أن البريطانيين يعتزمون إرسال حملة إلى مصر، فكتب «مسيت» إلى «أربثنوت» من الإسكندرية في ٢٢ يناير، أنه علم بوصول فرمانين إلى محمد علي، أحدهما يطلب فيه الباب العالي أن يكون موقفه من الأمة الفرنسية ووكلائها ومسلكه مع هؤلاء خصوصًا بشكل لا يجعلهم يرسلون أية شكاوى بتاتًا إلى سفيرهم بالقسطنطينية، والآخر يأمره بأن يحصن كل موقع مُعرَّضٍ للغزو حتى يتسنى الدفاع عن البلاد، وقد جزم «مسيت» بأن البابَ العالي قد طلب من محمد علي في هذا الفرمان الثاني أن يقاوِمَ الإنجليز بكل ما لديه من قوة وجهد، إذا حاول هؤلاء النزول في مصر دون أن يكون لديهم خط شريف من السلطان العثماني يأذن لهم بذلك، ثم يستطرد «مسيت» فيقول: وينهض دليلًا ساطعًا على أن الباب العالي كان يخشى في وقت غير بعيد من وقوع الغزو على مصر، كل تلك الخطوات التي يتخذها الباشا في القاهرة، والأوامر التي أصدرها لحاكم رشيد لإصلاح القلعة التي مهمتها الدفاع عن مدخل فرع النيل الغربي (قلعة جوليان) وإمدادها بحاجتها من المؤن والذخائر، زِدْ على ذلك ما يجري من استعدادات في الإسكندرية، وفي ٤ فبراير وصلَ من أزمير مركب عثماني تحمل خبر إعلان الحرب بين روسيا وتركيا، وفي اليوم التالي وضعت ثمان قطع من المدافع الصغيرة عند رأس التين، وصدرت الأوامر بعدم خروج الأدلَّاءِ أو المرشدين من الميناء لمقابلة السفن في عرض البحر، كما تلقى أصحاب السفن أمرًا بعدم نقل القناصل أو مأموري القنصليات والتَّراجِمة، ثم جُمِعَ بعد ظهر اليوم نفسه رؤساء الأهالي في الجوامع وأُبْلِغوا أن روسيا قد أعلنت الحرب على تركيا، ودعوا إلى تسليح أنفسهم للدفاع عن البلاد، ووعد أمين أغا بإعطائهم الأسلحة والذخائر، كما سأل أحد شيوخ العربان إمداده بأربعمائة من الرجال؛ للدفاع عن الإسكندرية.

وفي ٢٠ فبراير علم «مسيت» من «أربثنوت» نفسه أن السفير الإنجليزي قد غادر القسطنطينية، وفي اليوم التالي كتب إلى «وندهام» أن باشا مصر محمد علي قد وصلته أوامر قاطعة من الباب العالي بالامتناع عن محاربة المماليك، وتطلب منه إرجاع أملاكهم الخاصة إليهم، والاتحاد معهم؛ لمقاومة نزول أي جند أجانب في هذه المُقاطَعة، ثم إنَّ الباب العالي قد دعا البكوات في الوقت نفسه إلى قبول الشروط التي كلف الباشا بعرضها عليهم، وأن يضموا قواتهم إليه ليعينوه على صَدِّ هجوم أعداء السلطان الكثيرين على هذه البلاد، وكان من رأي «مسيت» أن البكوات لن يجيبوا هذه الرغبة؛ حيث إنَّهم يبغون امتلاك مصر دون منازع، وكما كان الحال سابقًا، ومع ذلك، فإنه حتى يحول دون تُخاذُلِ البكوات وقبول فريق منهم لعروض الباشا عليهم، فقد أوفد إليهم رسولًا ينقل إليهم خبر قطعِ العلاقات بين إنجلترة وتركيا، ويطمئنهم إلى انتظار أيام أسعد في المستقبل؛ حيث إنَّ هذا الحادث لن يترتب عليه إلا كل ما فيه النفع والفائدة لهم، واعتقد «مسيت» أن من الميسور دائمًا تحطيم أية معاهدة قد يعقدها البكوات مع محمد علي إذا غزا الإنجليز هذه البلاد، وأغرى البكوات بنبذها نظير تمكينهم من أخْذِ القاهرة، ثم اختتم «مسيت» رسالته بما يدل على مبلغ نجاحه في استمالة أمين أغا ومشايخ الإسكندرية إلى قبول فكرة الغزو البريطاني لمدينتهم، فقال: «ولمَّا كانت هذه الحكومة لم يبلغ إليها رسميًّا قيام الحرب مع بريطانيا، ففي وسعي الإبحار إلى مالطة دون أن ألقى عراقيل تمنعني من ذلك، ولكن حاكم الإسكندرية أمين أغا، وكبار العلماء بها، قد أكدوا لي تأكيدًا قويًّا أنه لن يتعرض لي أحد بشيء مهما كانت الظروف والأحوال؛ ولذلك فقد قررت البقاء في مصر حيث لا يزال بقائي بها نافعًا؛ لتقوية الميول الودية التي لدى جملة قبائل من العرب نحونا الآن؛ لأن خدمات هؤلاء قد يفيد منها جيش بريطاني يحضر إلى مصر فائدة جوهرية في عملياته العسكرية.» وفي اليوم نفسه (٢١ فبراير) كتب «مسيت» إلى «فوكس» يوضح له موقف البكوات المنتظر، بما لا يخرج عما ذكره لأربثنوت ويستحثه على تنفيذ ما لديه من تعليمات — إذا كان قد طلب إليه إرسال حملة إلى مصر — دون أي إمهال؛ حيث إنَّ السرعة والعمل النشيط من شأنهما إنجاز فتح البلاد دون إراقة أي دماء؛ لأن حامية الإسكندرية لا تبلغ ثلاثمائة رجل، ولأن الأهلين يرغبون من زمن طويل في أن يحتل الجنود البريطانيون بلادهم، وهم لن يقاوموهم إذا حضروا.

وقد وصلت إلى الإسكندرية في ٢٠ فبراير سفينة إنجليزية قيل إنَّها غادرت القسطنطينية في ٦ فبراير وعلى ظهرها جماعة غادرت العاصمة العثمانية وقت مغادرة السفير الإنجليزي لها، وقال «دروفتي» الذي نقل هذا الخبر إلى «سباستياني» في ٢ مارس: إن الإنجليز يذكرون أن حملة سوف تحضر إلى مصر، ويشيعون أن لدى حكومتهم أغراضًا معينة بالنسبة لمصر، وأنها تتوقع أن تلقى معاونة من جانب البكوات، ثم من جانب الأهلين، في نظير تخليصهم من مظالم وطغيان الأرنئود، ولأن الحملة البريطانية عند حضورها سوف تضعهم تحت حكم إمارة أوروبية، الأمر الذي يرجوه الأهالي من مدة طويلة، وأمَّا هذه السفينة فقد أنزلت في الإسكندرية قنصل سالونيك، ورجال السفارة البريطانية في القسطنطينية، وصار «مسيت» و«صمويل بريجز» يتوقعان — حتمًا — وصول حملة إنجليزية إلى الشواطئ المصرية.

وفي ١٣ مارس وصلت السفينة الحربية «ويزارد» Wizard إلى الإسكندرية، تحمل أخبار قُربَ وصول الحملة الإنجليزية، وفي اليوم التالي كتب «مسيت» إلى الجنرال «فريزر» أنه قد تلقى رسالته المُؤرَّخةَ في ٥ مارس، والتي يطلب القائد فيها منه مقابلته هو والكابتن «هالويل» قبل عملية إنزال الجنود إلى البر، ثم اعتذر من عدم قدرته على تلبية هذه الرغبة؛ لضعف صحته، ثم لاعتبارات هامة تلزمه بالبقاء في الإسكندرية، أوضحها «مسيت» في قوله: «إنَّ الوكلاء الفرنسيين قد صاروا يبذلون قصارى جهدهم، منذ أن عُرِفَ في هذه البلاد خبر مغادرة السفير البريطاني للقسطنطينية؛ ليقنعوا حاكم الإسكندرية وأهلها بقبول دخول قوة من الأرنئود إلى المدينة؛ لتقوية الحامية، ولكنه لمَّا كان لم تبلغ هذه الحكومة (بالإسكندرية) أية أنباء رسمية عن قطع العلاقات بين بريطانيا العظمى والباب العالي، فقد تمكنتُ من إحباط هذا المشروع، بأن أوضحت للحاكم (أمين أغا) أنه إنما يلغي كل سلطاته تمامًا إذا هو سمح للأرنئود بالدخول إلى المدينة، ولقد كان كافيًا لجعل الأهلين يأخذون برأيي في عدم السماح بدخول الأرنئود أن أذكر ما أنزله هؤلاء من كوارث على أهل كل مكان ذهبوا إليه، فإذا غادرت الإسكندرية لم يعد هناك شك في وقوع الحرب لا محالة، وعندئذٍ سوف يستعيد الوكلاء الفرنسيون ذلك النفوذ الذي فقدوه مع أمين أغا بفضل ما أثاروه في نفسه من اشمئزاز وكره لهم، بسبب صلفهم وعجرفتهم، ويتدفق الجند من كل مكان على الإسكندرية، وحامية هذه المدينة في الوقت الحاضر على درجة كبيرة من الضعف، ثم إنَّ السكان يميلون إلى الإنجليز بدرجة طيبة، ممَّا يجعلني عظيم الرجاء في أن يستولى الجنود الذين تحت قيادتكم على المدينة والحصون دون إطلاق رصاصة واحدة.»

ثم استطرد «مسيت» يوضح الخطوات التي سوف يقوم بها عند ظهور الأسطول، ويدلي بآرائه فيما يجب على الجنرال «فريزر» اتخاذه من ترتيبات لإنزالِ جند الحملة ومُباشَرَةِ العمليات العسكرية، فقال: «وسوف أذهب لمقابلة الحاكم بمجرد ظهور الأسطول، وأبذل كل جهدي لإقناعه بأن يبعث إليكم بمن يتفاوض معكم، فإذا فشلت في مسعاي هذا فسوف أرجوه أن يأذن بانسحابي مع البعثة (القنصلية)، وأرجو ألا يمانع في ذلك، ولمَّا كنت مع ذلك غير متأكد من أنه سوف يأذن لي بمبارحة الإسكندرية، فإني أجد من الواجب علي أن أدلي إليكم ببعض آراء قد تساعدكم على رسم خطة لإنزال الجنود، ففي أبي قير يجد الأسطول مكانًا أمينًا، ويستطيع الجنود النزول إلى البر دون أن يتعرض لهم أحد؛ لأن القلعة في حالة تهَدُّمٍ، وليس بها سوى عشرين من الجند فحسب، ويمكن الحصول على الماء في كل مكان من هذا الساحل، وفي أكثر أجزاء الصحراء الرملية والممتدة بين أبي قير والإسكندرية بحفر الآبار على عمق أقدام قليلة لا سيما في الجهات التي توجد بها تجمعات النخيل، ولا يليق بي التقدم بأي نصح فيما يجب اتباعه بصدد الطريقة التي يجري بها الزحف من أبي قير إلى أسوار الإسكندرية، ويكفي أن أذكر أنه إذا قرَّر العدو اتخاذ مواقعه على هذه الأرض المسماة بالخطوط الفرنسية، فهم سوف يعجزون تمامًا عن الصمود أمام قوة من الجند البريطانيين تشنُّ عليهم هجومًا بالسونكي، ويبدو لي أن من الممكن القيام بعملية ثانوية قوية لشغل العدو، وذلك بإنزال عدد من ألف ومائتي جندي إلى ألف وخمسمائة عند مرابط العجمي، وهي بقعة يعرفها الكابتن «هالويل» معرفة جيدة، ويوجد بين جزيرة مرابط والإسكندرية خط دفاع ممتد من الميناء حتى بحيرة مريوط يتألف من خندق وسياج من الأوتاد (متاريس) للدفاع، وتعززه قلعة الحمامات من جهة اليسار، وبطارية من مدفعين في الوسط، وبطارية من مدفع واحد من جهة اليمين، ويبدو من نافلة القول ملاحظة أن الأتراك ليسوا أصحاب دراية في فن المدفعية.»

ثم تحدث «مسيت» عن ثمرة نشاطه مع مشايخ الإسكندرية، ونجاح مساعيه أخيرًا على وجه الخصوص لجذب الشيخ المسيري لتأييد المصلحة الإنجليزية: فقال: وإني لأذكر بمنتهى الارتياح وأعظمه أنَّ الشيخ محمد المسيري وهو رجل متمتع بنفوذ لا حَدَّ له على سكان هذه المدينة، قد أرسل إليَّ هذا الصباح (١٥ مارس) يجدد تأكيداته التي أعطاها لي مرارًا وتكرارًا، بأنه إذا حدث وغزا البريطانيون مصر، فإن أهل الإسكندرية سوف يتلقونهم بصدور مفتوحة، وأنهم أبعد ما يكونون عن مقاومتهم.

وحرص «مسيت» على إبلاغ شاهين بك الألفي بقرب وصول الحملة الإنجليزية، وحثَّهُ على القدوم من الصعيد لاستقبالها، وإذاعة هذا النبأ بين زملائه البكوات، فكتب إليه في ١٥ مارس أن سفينة حربية إنجليزية قد دخلت إلى ميناء الإسكندرية يوم ١٣ مارس، وأعلنت أن أسطولًا إنجليزيًّا في طريقه إليها؛ ولذلك فقد صار وجود شاهين بك ضروريًّا، وطلب «مسيت» من شاهين أن يبعث بوفد من أنصاره إلى الإسكندرية، وأن يذيع هذا النبأ بين زملائه القُوَّادِ وأن يقول لهم: إن بريطانيا العظمى تحارب تركيا، وذلك حتى تجعل الأمراء يدخلون القاهرة.

وأمَّا الأسطول الإنجليزي فقد ظهر أمام الإسكندرية بعد ظهر يوم ١٦ مارس، ولم يكن كاملًا؛ لأن إحدى فرقاطته «أبولو» Apollo كانت قد انفصلت بسبب الأنواء مع عدد من النقالات عن سائر قطع الأسطول غداة الإبحار من «مسينا»، فكانت فرقاطة واحدة هي «التيجر» Tigre من أربع عشرة نقالة هي التي ألقت مراسيها في مساء ١٦ مارس قريبًا من الميناء القديم، وكان بسبب نقص قواته أن امتنع «فريزر» عن إنزال جنوده إلى البر، بالرغم من المعلومات المشجعة التي بعث بها إليه «مسيت» — كما شاهدنا — وآثر إرسال مندوب للمُفاوَضةِ هو الكابتن «أكورت» A’Court يطلب من أمين أغا التسليم دون قتال، ولكن أمين أغا رفض التسليم في ظروف سوف نذكرها، كما أن «مسيت» ظل يلح على «فريزر» في وجوب إنزال الجند إلى البر فورًا، فأنزل «فريزر» — عندئذٍ — القِسمَ الأول من جنده في مساء ١٧ مارس في مكان يبعد أميالًا قليلة إلى الشرق من مرابط، ودون أن يلقى أي مقاومة، ثم أنزل القسم الثاني في صبيحة اليوم التالي، ولمَّا كان تلاطم الأمواج العنيف على طول الشاطئ لا يجعل الاتصال مع النقالات مأمونًا، فقد قرر «فريزر» اتخاذ موضعه إلى الشرق من الإسكندرية، والاعتماد في تموينه على أبي قير، ثم محاولة الدخول إلى الإسكندرية في الوقت نفسه أثناء عملية هذا الانتقال.
وعلى ذلك بدأ زحف الجند على الإسكندرية في مساء ١٨ مارس، فاقتحموا خطًّا من المتاريس ممتدًا من قلعة الحمامات على البحر بين مرابط والميناء القديم إلى بحيرة مريوط، تعززه ثلاث بطاريات من المدفعية الخفيفة، وهذا عدا بطاريات قلعة الحمامات، وهي من ثلاثة عشر مدفعًا، وقد قابل المدافعون عن هذا الخط الإنجليز بوابل من الرصاص، ولكن هؤلاء استطاعوا الوصول إلى باب عامود بومبي حيث وجدوا الحامية به مستعدة لملاقاتهم، والباب محصنًا، والأسوار خلفها الجند والأهلون مسلحين، وعندئذٍ آثر الإنجليز بقيادة «فريزر» متابعة الزحف شرقي المدينة لاتخاذ مواقعهم في المراكز التي احتلها جيشهم قبل ذلك يوم معركة «كانوب» (٢١ مارس ١٨٠١) في حربهم مع الجنرال «منو» Menou؛ وذلك لأنه كانت تعوزهم الوسائل التي تمكِّنُهم من تسلق الأسوار من جهة، ولعدم معرفتهم بالحالة في هذا المكان، وتوقعهم لذلك أن يلقوا مقاومة عنيفة لا سيما وأن هذا الموقع كان محصنًا بمتاريس قوية من جهة أخرى، فخشي «فريزر» من المجازفة، وفي صبيحة ١٩ مارس وصل الجيش الزاحف إلى المواضع التي أرادها، ثم بادر «فريزر» بإرسال قوات لاحتلال قلعة أبي قير، والقطع الذي يصل بين بحيرتي المعدية ومريوط، وغرضه من ذلك عزل الإسكندرية عن رشيد، وفي اليوم نفسه حضر الفرقاطة «أبولو» مع النقالات الأخرى، وعندئذٍ وافق أمين أغا على التسليم عندما طلب منه الإنجليز ذلك مرة ثانية، وفي ١٠ محرم ١٢٢٢ (٢٠ مارس ١٨٠٧) وُقِّعتْ شروط تسليم الإسكندرية.
وتألفت شروط تسليم الإسكندرية من سبع مواد، فنصت المادة الأولى على احترام حقوق الملكية، وتأمين أهل الإسكندرية على أموالهم وأملاكهم سواء منها ما كان يجري على سطح الماء؛ أي السفن، أو ما كان عقارًا أو أرضًا، ثم احترام عقائد السكان ودياناتهم، وجوامعهم وقوانينهم وحمايتها، وعدم مساسهم هم وأسراتهم بأي أذى، وفي المادة الثانية وُوفق على انتقال أمين بك حاكم المدينة وصالح أغا قومندان البحرية؛ أي قائد العمارة العثمانية في مياه الإسكندرية، وكانت هذه تتألف من فرقاطتين وقرويت واحدة تركها القبطان صالح باشا عند مغادرته البلاد في العام السابق، ومحمد نعيم أفندي مع سائر موظفي الحكومة وجميع العسكر والأطقم في السفن التي للحكومة إلى ميناء تركي بسلاحهم وعتادهم كأسرى حرب، بشريطة عدم القتال ضد البريطانيين أثناء الحرب مع تركيا، وضد حلفائهم وأصدقائهم، على أن يترك لأمين أغا وصالح أغا ومحمد نعيم أفندي اختيار المكان الذي يريدون الذهاب إليه، وأمَّا الباقون من حامية الإسكندرية وعددهم ٢٧٧ فقد نقلوا إلى مالطة، ثم نصت المادة الثالثة على استيلاء قوات صاحب الجلالة البريطانية على سفن ومتعلقات الحكومة التي للباب العالي بالإسكندرية، وأن يتعين لوضع قائمة بهذه السفن والمتعلقات مندوب عن كل من الطرفين، وقد استولى الإنجليز على الفرقاطتين والقرويت العثمانية، وفي المادة الرابعة تقرر إبقاء السفن التجارية الخاصة بالأفراد أو الرعايا العثمانيين في حوزة أصحابها، وكذلك احترام أملاك الأفراد ومتاجرهم في المدينة أو في الميناء، كما صار لمن يرغب من هؤلاء في البقاء بالإسكندرية ومزاولة عمله بها الحق في ذلك، وسُمِحَ لمن يشاء منهم مبارحة المكان آخذًا معه أمواله أن يفعل على أن يحصل على جواز السفر اللازم للذهاب إلى ميناء عثماني غير محاصر، وتقرر في المادة الخامسة إصدار عفو شامل عن السكان جميعهم، بغضِّ النظر عن مسلك أي فرد منهم، بمناسبة الدفاع عن المدينة، ونصت المادة السادسة على عدم إجراء أي تفتيش في منازل الأفراد حتى ولو كانوا أعداء لبريطانيا، وأخيرًا تقرر في المادة السابعة أن تتسلم القوات البريطانية باب رشيد، وقلعتي أو كومي «كريتان» Crétin و«كفاريللي» Caffarelli.

وقد وقَّعَ على هذا الاتفاق الميجور جنرال «ماكنزي فريزر» والكابتن «هالويل» من الجانب البريطاني، والحاج محمد خطاب والشيخ إبراهيم باشا عبد الله، وهما يمثلان أعيان الإسكندرية، والأخير كما سبقت الإشارة إليه زوج ابنة الشيخ محمد المسيري، ثم محمد نعيم أفندي مندوبًا عن أمين أغا، وفي ليل ٢٠-٢١ مارس ١٨٠٧ تسلَّمَ الإنجليز قلعتي «كريتان» و«كفاريللي»، ولم يكلفهم أخذ الإسكندرية سوى ستة قتلى وثمانية جرحى فحسب.

على أنه ممَّا يجدر ذكره أن الجنرال «فريزر» كان قبل بدء العمليات التي انتهت بالاستيلاء على الإسكندرية قد أصدر عن الفرقاطة «التيجر» منشورًا موجهًا إلى حاكم الإسكندرية وسُكانِها، وقع عليه كذلك «هالويل»، ويدعوهم إلى التسليم طوعًا، وتحدث فيه عن الغرض من مجيء الحملة البريطانية، فقال: إنه للاستيلاء على ميناء ومدينة الإسكندرية وقلاعها وملحقات هذه جميعها، وإن البريطانيين لم يحضروا لفتح البلاد، وإنما لمنع الفرنسيين من وضع أقدامهم بها مرة أخرى، ولتمكيننا من إعطاء تأييدنا وحمايتنا لما قد يوجد من أحزاب في هذه البلاد قد تكون ذات رغبة صادقة في أن تكون لها علاقات ودية في كل الأوقات مع بريطانيا العظمى؛ أي إن «فريزر» عاد فأكد في منشوره هذا الأغراض التي نصَّتْ عليها التعليمات التي أصدرتها الحكومة الإنجليزية إلى الجنرال «فوكس» في ٢١ نوفمبر ١٨٠٦، وقد استطاع «فريزر» إدخال هذا المنشور إلى المدينة عندما تسلَّل أحد العربان الموالين للإنجليز من الإسكندرية إلى خطوطهم، فسلَّمه «فريزر» هذا المنشور في ٢٠ مارس، وعاد به هذا الأعرابي وأذاعه على سكان الإسكندرية.

(٤) أسباب تسليم الإسكندرية

وكان لهذا النصر الرخيص الذي أحرزه البريطانيون أسبابٌ عِدَّة، فقد كانت الإسكندرية — كما سبق القول — لا تخضع لحكومة محمد علي، ويتصل حاكمها مباشرة بالقسطنطينية، وحرص الباب العالي على بقائها منفصلة عن باشوية القاهرة، وظهر حرصه هذا — على وجه الخصوص — في أزمتي ١٨٠٥، ١٨٠٦، وقد شاهدنا كيف نَصَّ فرمان تثبيت محمد علي في الولاية بعد انقضاء أزمة النقل إلى سالونيك على ألا يكون له تعلق بثغر رشيد ولا دمياط ولا الإسكندرية، وكان حاكم الإسكندرية أمين أغا أو أمين قبطان الكريتلي، وهو الذي وصله فرمان من الباب العالي مباشرة بعد إبحار القبطان صالح باشا من الإسكندرية، يعهد إليه بحكومة هذه المدينة وقومندانية البر والبحر بها، وهو تعيين رأي فيه «دروفتي» وقتئذٍ — وعلى نحو ما أشرنا إليه سابقًا — دليلًا على أن الباب العالي يريد التمسك بهذا المكان مستقلًّا عن باشوية مصر، نقول إنَّ هذا الحاكم كان لا يظهر ميلًا للاعتراف بسلطان صاحب الولاية؛ أي محمد علي، وبخاصة عندما تسلم هذا أزِمَّةَ الأمور، ووصل إلى الولاية ضد رغبة الباب العالي، ولقد خشي أمين أغا وأهل الإسكندرية أن تخضع مدينتهم لسطوة الأرنئود فينهبها هؤلاء، ويعيثون فيها فسادًا، وقد رأينا كيف فخر «مسيت» بأنه جعل الإسكندريين يكتبون إلى القسطنطينية يطلبون منها إبقاء مدينتهم خارجة عن نطاق باشوية القاهرة، وأُجيبَ مطلبهم.

وكانت الطبقة ذات النفوذ في الإسكندرية من التجار الذين لا يعنيهم سوى ضمان مصالحهم التجارية وأمنهم على أموالهم وأشخاصهم فحسب، فضلًا عن أنهم ما كانوا يعرفون عن حكومة محمد علي إلا ما صار يبلغهم عنها ويذاع بالمدينة من قصص عن فعال الجند واعتداءاتهم على القاهريين، وفَتْكِهم بهم أثناء حوادث التمرد والعصيان والمذابح المتكررة التي وقعت بالقاهرة خلال العامين السابقين؛ ولذلك فقد آثر الإسكندريون أن يظلوا في شبه عزلة عن سائر أهل البلاد، وصار لا يربطهم بهم أي شعور مبعثه التضامن واتحاد المصلحة، بل إنهم اعتقدوا أنه إذا حدث الغزو الأجنبي ونزل الغزاة بمدينتهم، فإن ذلك من شأنه أن يعود عليهم بالنفع المُحقَّقِ، من حيث زيادة نشاط الحركة التجارية في الثغر، أضف إلى هذا أن الإسكندريين ما كانوا يثقون بتاتًا بأن في مقدور محمد علي رَدَّ هؤلاء الغزاة، ومنعهم من احتلال الإسكندرية.

وواضح أن مدينة لا تخضع لسلطان باشا القاهرة، ولا يشعر أهلها بوجود روابط قوية تربطهم بسائر مواطنيهم، كان لا مفر من أن تصبح ميدانًا فسيحًا لدسائس الوكلاء الإنجليز الذين عملوا على إشاعة روح التخاذُلِ بين الأهلين ورؤسائهم ومشايخهم، وبذلوا قصارى جهدهم لاستمالة حاكم المدينة أمين أغا، وقائد العمارة العثمانية بالثغر صالح أغا، وخصوصًا الشيخ محمد المسيري ومن لَفَّ لَفَّهُ، وقد أوضحنا كيف أن «مسيت» استطاع أن يطمئن إلى انحياز هذا الشيخ إلى جانبه كما اعتمد على ولاء أمين أغا الذي أكد له مرات عديدة أنه سوف يعامله كصديق إذا حدث أن انقطعت العلاقات بين إنجلترة وتركيا، حتى إن «دروفتي» صار يعتقد أن صالح أغا هو الرجل الوحيد الذي ظل من أصدقاء فرنسا، ومع ذلك فإن صالح أغا هذا لم يكن له أي تأثير على أمين أغا.

ومع أن أمين أغا رفض التسليم، واتخذ تلك الإجراءات التي سبق ذكرها للدفاع عن المدينة، فإن ما حدث من تخاذل بعد ذلك سواء من جانب أمين أغا أو من جانب الإسكندريين أنفسهم، لينهض دليلًا على أن هؤلاء جميعًا لم يكونوا جادين فيما أظهروه من رغبة في الدفاع عن مدينتهم، بل إن أمين أغا لم يقصد من التظاهر بهذا الاهتمام سوى التغطية والتعمية حتى يتفادى غضب الباب العالي ونِقْمَتَه عليه وانتقامه منه لتخاذله وخيانته، ثم إنه كان من الواضح أن الإسكندرية سوف تعجز عن صد أي هجوم يقع عليها، ويقوم به جيش مُنظَّم على الطريقة الأوروبية، ومُزوَّدٌ بأسلحة الحرب الحديثة؛ وذلك بسبب ضعف تحصيناتها وحاميتها وقلة عدد الجنود بهذه الحامية، ثم ضعف القوة البحرية التي عُهِدَ إليها بالدفاع عن الساحل بأسره، بينما كانت هذه لا تتجاوز فرقاطتين وقرويت واحدة لا قدرة لها على مواجهة مركب حربي إنجليزي بمفرده في عرض البحر، أضف إلى هذا أن عدد هذه القوة كان لا يزيد على ٢٠٨ رجالٍ، ولم يتجاوز عدد القوات البرية والبحرية جميعها بالإسكندرية في منتصف مارس ١٨٠٧، ٤٦٧ فحسب، وقد أدرك هذه الحقائق على وجه الخصوص «دروفتي» الذي بادر من فوره منذ أن شهد وصول المركب الإنجليزي الذي دخل الميناء في ٢٠ فبراير، بتحذير محمد علي ونصحه بضرورة تقوية الحاميات والمواقع المختلفة على طول الساحل في الإسكندرية ورشيد ودمياط، ثم المواقع المحصنة بالدلتا ولا سيما دمنهور التي يؤدي سقوطها في يد العدو إلى قطع المواصلات بين الإسكندرية والقاهرة، ثم إن «دروفتي» حاول جهد طاقته أن يستنهض همة أمين أغا للتهيؤ والاستعداد بصورة جدية لمقابلة الغزو المنتظر، كما صار يبذل كل مسعى لدى الشيخ المسيري لحثِّهِ وحث الأهلين على الدفاع، ولكن الهمة التي ظهرت في أول الأمر من جانب أمين أغا والشيخ المسيري ما لبثت أن فترت بفضل تدخل «مسيت» و«صمويل بريجز» ومساعيهما، وقد تحول أمين أغا والشيخ المسيري خصوصًا عندما وصلت السفينة «ويزارد» في ١٣ مارس تحمل نبأ قرب حضور الحملة، ثم سرعان ما بدت آثار هذا التحول عندما رفض أمين أغا والشيخ المسيري دخول قوة من الأرنئود حضرت وقتئذٍ بقيادة سليمان أغا لتعزيز حامية الإسكندرية.

وتفصيل ذلك أنه لمَّا وردت الأوامر بتحصين الثغور، وجاء فرمان الباب العالي إلى محمد علي يأمره بمقاومة الإنجليز إذا حاولوا النزول في البلاد، وهو الفرمان الذي تحدث عنه «مسيت» في رسالته إلى أربنثوت في ٢٢ يناير — على نحو ما أوضحنا — عمد محمد علي من فَوْرِهِ إلى إجراء الاستعدادات اللازمة لتحصين القاهرة، وأصدر أوامره إلى علي بك السنانكلي حاكم رشيد لإصلاح قلعة جوليان وتزويدها بالذخائر والمؤن، وأرسل طائفة من الجند الأرنئود بقيادة سليمان أغا بطريق النيل إلى الإسكندرية من أجل الاشتراك في الدفاع عنها، وأرسل إلى أهالي الثُّغورِ والمحافظين عليها مكاتبات بأنهم إن كانوا يحتاجون إلى عساكر فيرسل لهم الباشا عساكر زيادة على الذين أرسلهم، ووصل سليمان أغا بجنده إلى رشيد، ثم انتقل بهم إلى أبي قير في ١٤ مارس استعدادًا لدخول الإسكندرية.

ولكنه لمَّا كان مجيء النجدات إلى الإسكندرية يتعارض مع خطط الوكلاء الإنجليز وتدابيرهم، فقد روَّجَ هؤلاء شتى الإشاعات المجنونة عن الغرض من إرسال الأرنئود، وعن التعليمات المعطاة لهم، وراحوا يؤكدون أن المدينة إذا دخلها الأرنئود فسوف تسود فيها الفوضى، وتُنهبُ متاجرها وأموالها، ولا يأمن أحد من سكانها على حياته، وهاج الأهلون هيجانًا عظيمًا، وهرعوا إلى تسليح أنفسهم لمنع دخول الأرنئود إلى مدينتهم بالقوة، وتزعم حركة المقاومة هذه الشيخ محمد المسيري، والتفَّ حوله أعيان الثغر، ثم ذهب بهم الشيخ إلى أمين أغا يطالبونه بتأمين مصالحهم، وأظهر أمين أغا عزمه على مقاومة أوامر محمد علي بالقوة، وقال «دروفتي»: إن سكان الإسكندرية جميعهم قد تسلحوا في ليل ١٤ مارس لدفع الأرنئود إذا حضروا، وإن أمين أغا يؤكد انتفاء الحاجة إلى هؤلاء الجنود؛ حيث إنَّ أهل الإسكندرية في وسعهم وحدهم الدفاع عنها، وكان «دروفتي» قد حاول تدارك الأمر، فأرسل إلى أهالي رشيد يبلغهم عزم أهل الإسكندرية على رد جند سليمان أغا بالقوة، ووجد على بك السنانكلي من الحكمة قبل ذهاب هؤلاء إلى الإسكندرية أن يبعث بسفارة إلى أمين أغا والمشايخ بالثغر لإقناعهم بضرورة الاتحاد في العمل تنفيذًا للأوامر العليا الصادرة من الباب العالي بشأن تحصين الثغور والدفاع عنها، ثم تهدئة الإسكندريين وتسكين خواطرهم، ووصل فعلًا مندوبه المُكلَّفُ بهذه المهمة يوم ١٣ مارس، ولكن هذه المساعي ذهبت سدى؛ وعلى ذلك فإنه ما إن وصلت المراكب تحمل الأرنئود إلى الميناء القديم في صبيحة يوم ١٥ مارس حتى وجد هؤلاء أبواب المدينة مغلقة، والأسوار محصنة، والأهالي على قدم واحدة لردِّهِم بالقوة، فاضطر سليمان أغا إلى الانسحاب إلى رشيد، وقد شهد هذه الحوادث قومندان السفينة الإنجليزية «ويزارد»، وكان بعد انسحاب الأرنئود وسليمان أغا أن غادرت هذه السفينة الميناء، وأبلغ أمين والمشايخ حكومة الباشا في القاهرة ردًّا على المكاتبة التي سبق إرسالها إلى أهل الثغور والمحافظين عليها بأن فيهم الكفاية ولا يحتاجون إلى عساكر زيادة تأتيهم من مصر، فإنهم إذا كثروا في البلد تأتَّى منهم الفساد والإفساد، فرأى مشايخ القاهرة وأعيانها والسلطات الحاكمة بها برئاسة «طبوز أوغلي» كتخدا بك الذي عهد إليه الباشا — كما أسلفنا القول — بإدارة شئون الحكم أثناء غيابه، عقد جمعية ببيت القاضي … لإثبات هذا القول، ولخلاص عهدة الباشا لئلا يتوجه عليه اللوم من السلطنة وينسب إليه التفريط وذلك يوم ١٧ مارس.

على أنه ما كاد ينسحب سليمان أغا إلى رشيد بجنده، حتى رجعت السفينة «ويزارد» في اليوم التالي (١٦ مارس) تتبعها في هذه المرة سفينة أخرى نزل منها «أكورت» وضابط آخر، يطلبان مقابلة أمين أغا، وأعلنا إليه نبأ قطع العلاقات بين تركيا وإنجلترة، وأن أسطولًا إنجليزيًّا قد حضر يحمل عددًا عظيمًا من الجنود، ويقف في مكان قريب جدًّا من الشاطئ، وطلبوا الطلوع إلى الثغر، وتسليم الإسكندرية طوعًا، وحضر «مسيت» هذه المقابلة، ولكن أمين أغا لم يسعه في هذه المفاوضة الرسمية إلا التمسك بما لديه من أوامر الباب العالي، فأجاب بأنه لا يمكِّنُهم من الطلوع إلا بمرسوم سلطاني، فقالوا لم يكن معنا مراسيم، وإنما مجيئنا لمحافظة الثغر من الفرنسيس، فإنهم ربما طرقوا البلاد على حين غفلة، وقد أحضرنا صحبتنا خمسة آلاف من العسكر نقيمهم بالأبراج لحفظ البلدة والقلعة والثغر، فقال أمين لم يكن معنا إذن، وقد أتتنا مراسيم بمنع كل من وصل عن الطلوع من أي جيش كان، فقالوا لا بد من ذلك، فإمَّا أن تسمحوا لنا في الطلوع بالرضا والتسليم، وإمَّا بالقهر والحرب، والمهلة في رد الجواب بأحد الأمرين أربعة وعشرون ساعة، فقال أمين: إنه لا يستطيع تقرير شيء إلا إذا استشار المشايخ، وذكر «دروفتي» أن أمين أغا أشرك في هذا المجلس الذي دارت فيه المباحثات مع أكورت وزميله نفرًا من المشايخ، ولم يعرف أحد شيئًا عمَّا دار وقتئذٍ في هذا المجلس السِّرِّي، ولكنه سرعان ما ساورته الشكوك في عزم الحاكم والمشايخ على المقاومة، عندما شهد الاجتماعات تعقد في كل مكان طوال هذا اليوم دون الوصول إلى قرار حاسم، وتأكد لديه تخاذل الإسكندريين ورؤسائهم الذين عَظُمَت دهشتهم عندما فوجئوا في صبيحة اليوم التالي (١٧ مارس) بمشاهدة سبعة عشر مركبًا إنجليزيًّا تسد مدخل الميناء القديم.

ولقد كان بسبب هذا التخاذل أن استطاع «فريزر» — كما أسلفنا — إنزال قِسمٍ من جنوده إلى البر في مساء ١٧ مارس دون مقاومة، وذلك بالرغم من خطورة هذه العملية بسبب شدة الأنواء، ولعجز الإنجليز عن إدخال سفينة قيادتهم تيجر في الميناء القديم، نتيجة لتسرُّبِ المياه إليها، ثم لرسو بقية قطع القافلة البحرية على مسافة ميلين من الشاطئ، حتى إنه كان في استطاعة العمارة العثمانية مع قلة عدد قطعها، والرابضة على مسافة تقل عن أربعة أميال فحسب، تحطيم السفن الإنجليزية لو أنها اشتبكت معها في معركة وقتئذٍ، ولكن مغامرة إنزال الجنود البريطانيين إلى البر مرت في سلام، وانقضى ليل ١٧ مارس دون أن يلقى الإنجليز أية مقاومة، ثم بدأ في اليوم التالي ذلك الزحف الذي انتهى بسقوط الإسكندرية وتسليمها دون إطلاق رصاصة واحدة في الظروف التي ذكرناها، وكان بعد تسليم الإسكندرية أن كتب «مسيت» إلى «وندهام» في ٢٣ مارس، ينقل إليه نبأ هذا التسليم، ثم يقول: «وأجد من حقي أنه قد اتضحت صحة التقرير الذي ذكرت فيه ضعف الحامية، وميول السكان الطيبة نحونا، فإنه إذا كان حاكم الإسكندرية قد امتنع عن التسليم ثماني وأربعين ساعة بعد إنزال الجنود إلى البر، فإنه إنما فعل ذلك حتى يحمي نفسه من غضب حكومته، وإذا كان الأهلون لم يبادروا فورًا بفتح أبواب المدينة أو يرغموا حاميتها على التسليم، فالواجب أن يعزى ذلك إلى قلة نشاطهم، حيث إنَّ الظلم الذي عانوه طويلًا قد قضى على روحهم المعنوية، ولكنه ما إن وقع الهجوم على خط التحصينات الممتد من الميناء القديم إلى بحيرة مريوط واتخذ البريطانيون مواقعهم إلى الشرق من الإسكندرية، حتى ترك الجنود قِلاعهم وغادر معظمهم الصفوف، وبمجرد أن وجد الأهلون أنهم ما عادوا يخشون شيئًا من جانب الحامية، بادروا بإرسال علم الهدنة يعرضون تسليم المدينة.»

وأمَّا هذا التخاذل المتعمَّد الذي بدا من جانب أمين أغا والشيخ المسيري وأضرابهما فقد أقنع «دروفتي» بوجوب مغادرة الإسكندرية قبل سقوطها في أيدي البريطانيين الذي بات متوقعًا، فاستطاع مبارحتها يوم ١٧ مارس والذهاب إلى القاهرة، فقد حرص «دروفتي» منذ أن شاهد السفينة الإنجليزية التي دخلت الإسكندرية في ٢٠ فبراير تحمل بعض رجال السفارة الإنجليزية في القسطنطينية، على إبلاغ محمد علي وحكومته في القاهرة بما أذاعه هؤلاء الأخيرون والوكلاء الإنجليز في الثغر عن قرب مجيء الحملة البريطانية حتى يعمل على تحصين الشاطئ الشمالي، ثم إنه انتهز هذه الفرصة ليشير عليه بضرورة مضاعفة جهده ضد البكوات؛ لأن الإنجليز يعتمدون عليهم قبل أي شيء آخر في نجاح مشروع غزوهم، واستطاع «دروفتي» بفضل ما بذله من رشاوى أن يقف على الغرض من مجيء الإبريق الإنجليزي «ويزارد» إلى الإسكندرية، وذهاب القنصل الإنجليزي بالثغر «صمويل بريجز» لمقابلة قائده، ثم إرسال الرسل عقب هذه المقابلة إلى القاهرة ورشيد ودمياط، وذلك لإبلاغ البكوات بأن أسطولًا إنجليزيًّا سيأتي إلى الإسكندرية، ويطلب إليهم لذلك النزول من الصعيد للانضمام إلى البريطانيين ضد العدو المشترك، فأرسل «دروفتي» عندئذٍ الرسل على عجل، لنُصْحِ الباشا بقطع كل المواصلات بين الصعيد والإسكندرية، وبأن يبذل قصارى جهده وهو بالصعيد لإرغام البكوات على التسليم، وبأن يرسل قوات كبيرة إلى الرحمانية ودمنهور والإسكندرية، كما أن «دروفتي» صار يلح على أمين أغا في ضرورة الاستعداد لمقاومة كل هجوم يقع على الإسكندرية، وعمل وقتئذٍ أمين أغا برأي «دروفتي» وقام بتسليح كل سكان الإسكندرية، ثم حضر الأرنئود بقيادة سليمان أغا إلى رشيد، ولكن مساعي الوكلاء الإنجليز لدى أمين والشيخ المسيري ولدى الأهلين عمومًا لم تلبث أن تكللت بالنجاح، وعارض هؤلاء — كما رأينا — في دخول الأرنئود إلى مدينتهم، وعندئذٍ وجد «دروفتي» أنه لم تعد هناك أية فائدة من وجوده بالإسكندرية، وأن هذه سوف يأتيها الإنجليز وتسقط في أيديهم من غير مقاومة.

وتبين نفاق الشيخ المسيري عندما صار يبدي ﻟ «دروفتي» أسفه وغضبه لأن الأرنئود لم يدخلوا الإسكندرية، ويعد بأنه سوف يبذل قصارى جهده لإحضار هؤلاء وإدخالهم إلى المدينة، ومع أن «دروفتي» علق على ذلك بقوله: إن هذا الأسف والغضب، وهذه الوعود التي جاءت متأخرة جدًّا، فقد ظل — على ما يبدو — منخدعًا بالشيخ واعتقد أن هذا يعني حقًّا ما يقوله، ولقد ظهر نفاق الشيخ المسيري كذلك عندما أراد «دروفتي» في ١٦ مارس أن يحصل على جواز مرور لخوفه من الوقوع في قبضة الإنجليز، وتكليف حرس بحمايته في طريقه إلى رشيد، فوعد الشيخ بمساعدته، ولكنه حتى صباح اليوم الثاني لم يكن «دروفتي» قد ظفر ببغيته؛ لأن الوكلاء الإنجليز الذين خشوا من نشاطه، طلبوا من أمين أغا منعه من مغادرة الإسكندرية، فلم يجد «دروفتي» عندئذٍ مناصًا من جمع حوالي خمسة عشر أو عشرين نوتيًّا فرنسيًّا كانوا يمرون وقتئذٍ بالإسكندرية، وذهب بهم (١٧ مارس) إلى أحد أبواب الإسكندرية، وتمكَّنَ من الخروج بعد تهديد الحراس ومسدسه بيده، ووصل في ليل ١٧ مارس إلى رشيد، وأبلغ حاكمها علي السنانكلي أن الشيخ المسيري يميل لقبول الأرنئود، وفي صبيحة يوم ١٩ مارس تحرك هؤلاء من جديد صوب الإسكندرية، ثم عسكروا تحت أسوارها، ولكن دون طائل؛ لأن أمين أغا لم يلبث أن وافق على تسليم الإسكندرية، وأُبرِمت شروط التسليم — كما عرفنا — في ٢٠ مارس، فعادوا أدراجهم إلى رشيد، وأمَّا «دروفتي» فقد غادر رشيد ظهر يوم ١٩ مارس بطريق النيل إلى القاهرة، فبلغها في ٢٤ مارس، ولم يجد «دروفتي» محمد علي بالقاهرة لأنه كان لا يزال بالصعيد.

(٥) القاهرة في غياب محمد علي

وأمَّا القاهرة وقت أن بلغها «دروفتي» فكانت في اضطراب عظيم، فقد وردت إليها مكاتبات بعد خروج محمد علي إلى الصعيد بحوالي أسبوعين من وزير الدولة العثمانية، وفيها الخبر بوقوع الغزو بين العثماني والموسكوب، والأمر بالتيقظ والتحفظ وتحصين الثغور، فربما أغاروا على بعضها على حين غفلة، وكذلك وردت أخبار بمعنى ذلك من حاكم أزمير وحاكم رودس، وأن الإنجليز معاونون لطائفة الموسكوب لاستمرار عداوتهم مع الفرنساوية؛ لكون الفرنساوية متصادقين مع العثماني، وعرف القاهريون أن أهل الإسكندرية قد شرعوا في تحصين قلاعها وأبراجها، وأن العمل يجري لتحصين أبي قير كذلك، وبادر كتخدا بك «طبوز أوغلي» الذي تركه محمد علي في حكومة القاهرة يعاونه حسن باشا والدفتردار وغيرهما من كبار الموظفين والرؤساء العسكريين، ثم السيد عمر مكرم — بإرسال من يتقيد ببناء قلعة البرلس، فكان من أثر ذلك كله أن اهتاجت الخواطر، وحصل لمصر — كما يقول الشيخ الجبرتي — قلق ولغط وغلت الأسعار في البضائع المجلوبة، وعُقِدَت الاجتماعات في بيتي الكتخدا بك والسيد عمر مكرم، واستقر الرأي على إرسال ديوان أفندي بالمكاتبات التي وصلت من القسطنطينية والأخبار التي جاءت من أزمير ورودس إلى محمد علي باشا بالجهة القبلية، وأمر محمد علي بضرورة أن تذهب فورًا قوة من أربعمائة أرنئودي بقيادة سليمان أغا لتعزيز حامية الإسكندرية، وهي القوة التي وصلت فعلًا إلى رشيد، ولم تفلح في الدخول إلى الإسكندرية للأسباب التي ذكرناها، وفي ٢٨ فبراير اجتمع الفقهاء بالأزهر لقراءة صحيح البخاري في أجزاء صغار، وفي ٦ مارس بلغ القاهرة نبأ تهديد حملة «داكويرث» للقسطنطينية، وانزعاج أهل هذه انزعاجًا شديدًا حتى إنهم أيقنوا بأخذ الإنجليز البلدة، ولو أرادوا حرقها لأحرقوها عن آخرها، ثم خروج أسطول «داكويرث» من البغاز (البوغاز) سالمين مغبوطين بعفوهم مع المعذرة، ثم لم تلبث أن جاءت الأخبار القاهرة في ١٨ مارس عن وصول حملة «فريزر» إلى الإسكندرية، ومطالبة القائد الإنجليزي لحاكمها أمين أغا بالتسليم وإمهاله أربعًا وعشرين ساعة، بعث الإسكندريون بهذه الأخبار في مكاتبات إلى القاهرة، وعندئذٍ اجتمع كتخدا بك وحسن باشا وبونابرتة الخازندار وطاهر باشا والدفتردار والروزنامجي وباقي أعيانهم، وذلك بعد الغروب، وتشاوروا في ذلك، ثم أجمع رأيهم على إرسال الخبر بذلك إلى محمد علي باشا ويطلبونه للحضور هو ومن بصحبته من العساكر؛ ليستعدوا لما هو أولى وأحق بالاهتمام، ففعلوا ذلك، ويستمر الشيخ الجبرتي في تسجيل هذه الوقائع فيقول: وانصرفوا إلى منازلهم بعد حصة من الليل، وأرسلوا تلك المُكاتَبة في صبح يوم الجمعة ١٩ مارس صحبة هجانين، وشاع الخبر، وكثر لغط الناس في ذلك، وفي ليلة الاثنين ٢٢ مارس، وردت مكاتبة من رشيد بأن الإنجليز قد طلعوا إلى الثغر ودخلوا البلدة (الإسكندرية) وعدم علمهم بالكيفية.

وأمَّا «دروفتي» فقد وصل إلى القاهرة — كما ذكرنا — في ٢٤ مارس، وقال الشيخ الجبرتي إنَّه ذكر عند وصوله أنه يريد السفر إلى الشام هو وباقي الفرنساوية القاطنين بمصر، وقابل «دروفتي» كتخدا بك، وكان قد أرسل إليه الرُّسلَ من الإسكندرية في ١٦، ١٧ مارس، ثم من رشيد في ١٨ مارس لإبلاغه بما حدث، وتشاور معه طويلًا في الأمر، وكتب «دروفتي» إلى «سباستياني» في ٢٥ مارس أن الباشا الموجود بالصعيد سوف يحضر إلى القاهرة حتى يكون — كما يقول كتخدا بك — في مركز الحوادث، واقترح «دروفتي» من جانبه أن يكتب إلى بكوات بيت البرديسي وسليمان بك الجرجاوي حتى لا ينضموا إلى الإنجليز، وينظروا في هدوء ما قد تسفر عنه الحملة الإنجليزية من نتائج، حيث من المتوقع أن تفضي هذه الغزوة إلى إرسال حملة فرنسية، سوف يتوقف عليها الفصل نهائيًّا في تنظيم البلاد السياسي، وطلب «دروفتي» من «طبوز أوغلي» إرسال ططري إلى القسطنطينية مزودًا بأخبار الحوادث الأخيرة، ويطلب النجدة، ولكن الكتخدا بك رفض ذلك، حتى يعرف حقيقة قوات العدو، ومسلك حامية الإسكندرية.

ثم وجد «دروفتي» القاهرة في خوف واضطراب عظيمين، بسبب ما ورد من أخبار عن سقوط الإسكندرية، وقد تزايد الخوف والاضطراب عندما جاءتها الأخبار في ٢٧ مارس تؤيد نبأ أخذ الإسكندرية واستيلاء الإنجليز عليها، ودخولهم إليها وامتلاكهم لأبراجها ونزول صاري عسكرهم «فريزر» بوكالة القنصل، بل وعُرِفَت الشروط التي سُلِّمت بمقتضاها الإسكندرية، فأثبتها الشيخ الجبرتي — كما عرفها — في قوله: وشرطوا مع أهالي البلد شروطًا منها: أنهم لا يسكنون البيوت قهرًا عن أصحابها، بل بالمؤاجرة والتراضي، ولا يمتهنون المساجد، ولا يبطلون منها الشعائر الإسلامية، وأعطوا أمين أغا الحاكم أمانًا على نفسه، وعلى من معه من العسكر، وأذِنوا لهم بالذهاب إلى أي محل أرادوه، ومن كان له دين على الديوان يأخذ نصفه حالًا والنصف الثاني مؤجلًا، ومن أراد السفر في البحر من التجار وغيرهم فليسافر في خفارتهم إلى أي جهة أراد، ما عدا إسلامبول، وأمَّا الغرب والشام وتونس وطرابلس ونحوها فمطلق السراح لا حرج ذهابًا وإيابًا، ومن شروطهم التي شرطوها على أهل البلد أنهم إن احتاجوا إلى قومانية أو مال لا يكلفون أهل الإسكندرية بشيء من ذلك، وأن محكمة الإسلام تكون مفتوحة تحكم بشرائعها، ولا يكلفون أهل الإسلام بقيام دعوى عند الإنجليز بغير رضاهم، والحمايات من أي بنديرة تكون مقبولة عند الإنجليز الموجودين في الإسكندرية، ويقيمون مأمونين رِعايةً لخاطر أهل الإسكندرية، ولم يحصل لهم شيء من المكروه حتى الفرنساوية، والجمارك من كل الجهات على كل مائة اثنان ونصف؛ وعلى ذلك انتهت الشروط.

فكان من أثر ذلك، أن تزايد هياج الخواطر في القاهرة، واستبدَّ الرعب على وجه الخصوص بطوائف العسكر الذين أفزعهم تسليم الإسكندرية، وهي التي يعدونها أقوى مواقع الدفاع في البلاد، ويصف الشيخ الجبرتي ما وقع لهم، فيقول: «ولمَّا شاع أخذ الإنجليز للإسكندرية داخَل العسكر والناس وهْم عظيم، وعزم أكثر العسكر على الفرار إلى جهة الشام، وشرعوا في قضاء أشغالهم، واستخلاص أموالهم التي أعطوها للمتضايقين والمستقرضين بالربا وإبدال ما بأيديهم من الدراهم والقروش والفرانسة التي يثْقُل حملها بالذهب البندقي والمحبوب الزر لخفة حملها، ثم سعوا في مشترى أدوات الارتحال والأمور اللازمة لسفر البر، وفارق الكثير منهم النساء، وباعوا ما عندهم من الفُرشِ والأمتعة.»

ولاحظ «دروفتي» وسائر رجال بعثته بالقاهرة، أن هذا الوهم لم يشغل سواد القاهريين بالتفكير في مصيرهم، بل كان هؤلاء منهمكين في سلب الجند الذين ازدحمت بهم شوارع القاهرة، حتى صار المرء لا يرى فيها إلا عثمانيين وأرنئود يروحون ويغدون سائلين عن الذهب الذي يستبدلونه بما في أيديهم من الدراهم والقروش والفرانسة، ويبيعون فرشهم وأمتعتهم ويبحثون عن الدواب ووسائل النقل المختلفة حتى يتمكنوا من مبارحة القاهرة، ثم إنَّ القاهريين الذين أثقلتهم الضرائب، ما كانوا يهتمون بتغير حكامهم؛ وعلى ذلك، فقد عمد الوكلاء الفرنسيون لإثارة اهتمام الشعب، وإنهاض روحه المعنوية إلى إذاعة الإشاعات عن قرب قدوم جيش فرنسي لطرد الإنجليز، وإعطاء البلاد نظامًا سياسيًّا ثابتًا في صالح محمد علي، ففعلت هذه الإشاعات فعلها، وصدَّقَها القاهريون، وعاد الهدوء رويدًا رويدًا، وسكنت الجماهير، ثم استرد الأتراك والأرنئود شجاعتهم، ولم يعد قِسمٌ كبير من الجنود يظهر الرغبة الملحة في الذهاب إلى الشام، وأفاد «طبوز أوغلي» من هذا الهدوء، فشرعَ في إرسال جملة طوائف من الجند إلى رشيد ودمنهور والمواقع الرئيسية في البحيرة، ولو أن هذه الإجراءات كانت تسير ببطء، ودون تصميم قاطع، لما أصاب عزائم الجميع من وهن وضعف بسبب غياب محمد علي.

واعتقد «دروفتي» أن المشايخ والعلماء وأصحاب الأملاك من أعيان القاهرة الذين تورطوا في تلك الثورة التي أفضت إلى المناداة بولاية محمد علي ثم آزروه أثناء أزمة النقل إلى سالونيك، هم الذين وجب أن يستبد بهم الخوف أكثر من غيرهم من انتصار الإنجليز الذي يتبعه حتمًا انتصار المماليك، واسترجاعهم لسلطانهم السابق في حكومة مصر، وعودتهم إلى القاهرة، وتوقع «دروفتي» لذلك أن يلقى كل مُعاوَنةٍ منهم، ولا سيما السيد عمر مكرم في استنهاض هِمَّة القاهريين وحثهم على الاستعداد للمقاومة، إذا زحف الإنجليز على القاهرة، ولكن «دروفتي» سرعان ما صدم في آماله عند مقابلته للسيد عمر وحديثه معه، فقد كتب إلى «سباستياني» في ٢٦ مارس: «والسيد عمر مكرم المتورط بدرجة خطيرة مع البكوات (ومن المتوقع لذلك أن يسيء هؤلاء معاملته إذا دخلوا القاهرة) لا ينشط — كما يبدو لي — ذلك النشاط الذي تتطلبه الظروف الراهنة، ولعل السبب في ذلك فلاح الوكلاء الإنجليز في كسبه إلى جانبهم، فقد أعطاه هؤلاء كل الضمانات التي يطلبها منهم لحماية شخصه وأمواله، فإذا كان هذا هو الواقع، فإن محمد علي لا يستطيع الاعتماد على مؤازرة أهل القاهرة له؛ لأن هؤلاء بسبب إرهاق الأرنئود لهم لن يُقْبِلوا على مساعدتهم والدفاع عنهم؛ حتى يتخلصوا من ظلمهم واستبدادهم بالأهلين»، وقد شكا «دروفتي» بعد ذلك بيومين من مسلك عمر مكرم الذي بلغه عنه أنه أخفى عنده الترجمان الإنجليزي يوسف عزيز الذي يقوم بأعمال القنصلية العامة في القاهرة، بعد أن كان قد طلب جواز مرور للذهاب إلى رشيد وحصل عليه، ثم علَّق على هذا الحادث بقوله: فإذا كان هذا صحيحًا، فلا مجال للشك عندئذٍ في أن هذا المُهيِّج الشعبي المقتدر قد انحاز إلى الإنجليز وكسبه هؤلاء إلى جانبهم، وأنه أراد العثور على وسيلة يأمن بها على سلامة نفسه، الأمر الذي يفسر مسلكه في هذه اللحظة وهو مسلك يكاد يكون طابعه عدم الاهتمام التام.

ويتضح مبلغ تخاذُلِ القاهريين ومشايخهم وخصوصًا عمر مكرم، ثم تخاذل الجند ورؤسائهم الذين كانوا بالقاهرة وقت هذه الأزمة، بل ومبلغ اليأس الذي استولى على كتخدا بك وديوان أفندي بسبب هذا التخاذل من الأقوال التي أدلى بها يوسف عزيز الترجمان الأول للبعثة الإنجليزية في مصر، ووكيل الميجور «مسيت» في القاهرة، عندما دار البحث أو التحقيق في صقلية بعد فشل حملة «فريزر» نهائيًّا في أسباب هزيمتها، وكان يوسف عزيز من بين الأسرى الإنجليز الذين غادروا القاهرة في ١٤ سبتمبر، فقد سئل هذا عن موقف سكان القاهرة عند نزول الإنجليز في الإسكندرية، وعن موقف الجنود العثمانيين، كما سئل عن كتاب بعث به قنصل روسيا والنمسا العام في مصر «ماكاردل» Macardle بناء على طلب عمر مكرم — إلى «مسيت» وقادة الحملة الإنجليزية بالإسكندرية، فأجاب بما يلي: أظهر جميع أهل القاهرة فرحهم بصورة علنية لوصول الإنجليز، وفي اليوم التالي لإذاعة خبر نزول هؤلاء إلى الإسكندرية من سفنهم، بدأ القاهريون يردون إهانات الأرنئود الذين اعتاد هؤلاء توجيهها لهم بقولهم للأرنئود: إن الإسكندرية قد احتلها جند أوروبيون، ثم إنَّ رؤساء الشريعة أنفسهم أي العلماء والمشايخ كانوا متفقين فيما بينهم على عدم السماح للجنود العثمانيين بدخول القاهرة إذا عاد هؤلاء منهزمين على يد الإنجليز، بل إنَّهم رفضوا تلبية طلب الحكومة منهم أن يأمروا السفن بالتَّسلُّحِ.

ثم إنَّ عددًا من رؤساء الجند الأرنئود اتفقوا فيما بينهم كذلك على الذهاب إلى إمبابة، وانتظار الجيش الإنجليزي بها؛ وذلك حتى يطلبوا من القائد الإنجليزي وقد ألقوا بسلاحهم أن يأذن بنقلهم هم وأتباعهم وأموالهم وعتادهم إلى «تريستا»، أو إلى أي مكان آخر يكون فيه في مأمن من انتقام الحكومة العثمانية منهم، وقد بلغ عدد الجنود العثمانلي والأرنئود الذين تركوا سلاحهم عندما بلغهم وصول الإنجليز إلى الإسكندرية ألفًا وخمسمائة، وقد أخفى هؤلاء أنفسهم في بيوت المدينة في الأحياء الأكثر عزلة عن غيرها، ولم يجرءوا على الظهور إلا بعد وصول الأسرى الإنجليز إلى القاهرة، وأمَّا حسن باشا وكثيرون من الرؤساء الأرنئود غيره فقد أخفوا أموالهم حتى أثاث منازلهم، وعندما شهد كتخدا بك «طبوز أوغلي» وديوان أفندي ما أبداه الأهلون من فرح ظاهر بقدوم الإنجليز إلى الإسكندرية، بادر كلاهما بحزم أمتعتهما، وأعدَّا الهجن اللازمة لنقل عتادهما إلى الشام، وهو المكان الذي انتويا الالتجاء إليه والنجاة بأنفسهما، وقد صادرت حكومة القاهرة — بعد قليل من وصول الإنجليز إلى الإسكندرية — خطابًا بالشفرة، كان قنصل النمسا وروسيا العام «ماكاردل» يحاول إرساله إليهم، أكد يوسف عزيز الذي كان يقيم مع «ماكاردل» في منزل واحد أن هذا الأخير قد كتبه بناء على رجاء السيد عمر مكرم له وجماعة آخرين من رؤساء المشايخ والعلماء، وذلك ليؤكدوا لمسيت و«فريزر» صدق نواياهم الطيبة نحو الإنجليز.

ومع ذلك فقد كانت لا تزال لدى «دروفتي» بارقة أمل في إمكان استنهاض هِمَّةِ عمر مكرم وسائر المشايخ أصحاب النفوذ الكبير على القاهريين، ثم رجال الحكومة لأن هؤلاء جميعًا — كما قال — كانوا يعتقدون أن الإنجليز لن يستمروا طويلًا في احتلال البلاد، وأن الفرنسيين سوف يرسلون — لا محالة — جيشًا لطردهم منها، وقد سعى «دروفتي» جهد طاقته حتى يؤكد هذا الاعتقاد الذي من شأنه — على الأقل — إحباط نشاط أعدائنا، وتمكين الباشا من العمل من غير خوف من حدوث ثورة داخلية، ثم بعث «دروفتي» برسول إلى الصعيد يحمل تعليمات إلى رجال موثوق بهم من جماعتي سليمان بك الجرجاوي وشاهين بك البرديسي لحمل هذين على الوقوف موقف الحياد في هذه الأزمة.

وزادت المتاعب في القاهرة عندما لجأ إليها الكثير من أهالي الفيوم وهم في أسوأ حال من الشتات والعري ممَّا فعل بهم ياسين بك، وكان ياسين بعد انهزامه على يد الألفي في الفيوم في أكتوبر ١٨٠٥، وهربه مع جماعته للانضمام إلى سليمان بك المرادي، قد بعث يطلب من البكوات — هو وكاشف الفيوم الذي أعلن هو الآخر عصيانه على محمد علي — مرتبات للجند في آخر عام ١٨٠٦، فلمَّا لم ينالا شيئًا أرسلا إلى الباشا مندوبين عنهما يسألونه الصفح عنهما، وقد تقدَّمَ كيف أن الباشا قد قَبِلَ رجاءهما وصفح عنهما في ديسمبر من ذلك العام، ولكن ياسين استمر يعيث فسادًا في الفيوم، وانتهز فرصة انشغال محمد علي بمسألة بكوات الصعيد، ثم مجيء حملة وصل بأسطوله إلى أبي«فريزر»، فعوَّلَ على تجربة حظه وامتلاك القاهرة؛ لأنه حقد على محمد علي دائمًا — وهو الأرنئود مثله والذي اعتبره ياسين مغامرًا من طرازه هو نفسه — وصوله إلى الولاية؛ وعلى ذلك، فإنه لم يمضِ يوم على وصول لاجئي الفيوم إلى القاهرة حتى كان هو قد وصل إلى ناحية دهشور في ٢٧ مارس، وأرسل مكاتبة إلى السيد عمر مكرم والقاضي عارف أفندي وسعيد أغا وكيل دار السعادة يذكر فيها: أنه لمَّا بلغه وصول الإنجليز أخذته الحمية الإسلامية، وحضر وصحبته ستة آلاف من العسكر؛ ليرابط بهم بالجيزة أو بقليوب، ويجاهد في سبيل الله، فكتبوا له أجوبة مضمونها إن كان حضوره بقصد الجهاد فينبغي أن يتقدم بمن معه إلى الإسكندرية، وإذا حصل له النصر، تكون له اليد البيضاء والمَنْقبةُ والذكر والشهرة الباقية، فإنه لا فائدة بإقامته بالجيزة أو قليوب وخصوصًا قليوب بالبر الشرقي.

وفي ٢٨ مارس كتب «دروفتي» أن كتخدا بك قد أرسل جندًا إلى رشيد ودمنهور بقيادة طاهر باشا وبونابرتة الخازندار، بينما يستعد حسن باشا للخروج إلى الوجه البحري، ثم علَّقَ على ذلك بقوله: ولكن غياب محمد علي يؤثر على كل هذه الحركات، فهي بطيئة، وحتى إن «دروفتي» طلب الذهاب بنفسه إلى محمد علي، ولكن «طبوز أوغلي» وسائر رجال الحكومة منعوه من الذهاب، وطلبوا إليه البقاء في القاهرة؛ لأن وجوده بها مرغوب فيه في الظروف الراهنة، وعندئذٍ أعاد «دروفتي» الكرة على كتخدا بك بشأن إرسال ططري إلى القسطنطينية، ولكن هذا رفض إرساله قبل حضور محمد علي الذي قال إنه سوف يكون قريبًا، وأمَّا الأخبار التي جاءت القاهرة عن محمد علي وقتئذٍ فكانت مطمئنة، إذ أكد له «طبوز أوغلي» أن الباشا قد انتصر على المماليك، وفاجأ جنده معسكر شاهين بك الألفي، وهزموه، وأن الباشا قد انتصر كذلك في معركة قريب أسيوط، استولى بفضلها على هذه البلدة، وأن إبراهيم بك وعثمان بك حسن لم يشتركا في هذه المعركة، وآثرا الانسحاب إلى الجبال، وأكد كتخدا بك أن عثمان حسن قد عقد صلحًا منفردًا مع الباشا الذي كساه بالفرو، وأعطاه لقب أمير الحج، وأن شاهين الألفي وحده هو الذي استجاب لنداءات الإنجليز، ونزل من الصعيد قاصدًا إلى إقليم البحيرة.

وكان مجيء ياسين بك إلى جهة دهشور، واعتزامه الإقامة بجنده بالجيزة أو قليوب سببًا في عدم خروج حسن باشا إلى إقليم البحيرة، فقد استقر الرأي على أن يقيم حسن باشا بالجيزة لئلا يأتي ياسين بك ويملكها، فعدى حسن باشا يوم ٣٠ مارس وأقام بها وأعرض عن السفر إلى جهة البحيرة.

ولمَّا كانت قد جاءت الأخبار من محمد علي بعزمه على الرجوع إلى القاهرة قريبًا، حيث إنَّ العساكر يطالبون بالعلائف، ويأمر رجال حكومته بتحصيل ذلك، وتنظيمه ليتسلموها عند حصولهم بمصر، ويتجهزوا لمحاربة الإنجليز، فقد صار في وسع الكتخدا بك الموافقة على إرسال الططري إلى القسطنطينية على نحو ما طلب «دروفتي»، لا سيما وأن «طبوز أوغلي» لم يلبث أن وقف على المعلومات التي أرادها عن مسلك حامية الإسكندرية عندما جاءت رسالة من أهل دمنهور في ٢ أبريل خطابًا إلى السيد عمر النقيب مضمونه أنه لمَّا دخلت المراكب الإنجليزية إلى الإسكندرية هرب من كان بها من العساكر وحضروا إلى دمنهور، وقد حملت هذه الرسالة — علاوة على ذلك — أنباء على درجة بالغة من الخطورة عن موقف حاكم دمنهور نفسه، وتعرض هذه للغزو وعجزها عن الدفاع إذا زحف الإنجليز عليها، فإن كاشفها ومن معه من العسكر عندما شاهدوا هؤلاء العسكر يحضرون إلى دمنهور انزعجوا انزعاجًا شديدًا وعزموا على الخروج من دمنهور، فخاطبهم أكابر الناحية قائلين لهم كيف تتركوننا وتذهبون ولم تروا منا خلافًا؟! وقد كنا فيما تقدم من حروب الألفي من أعظم المساعدين لكم، فكيف لا يساعد الآن بعضنا بعضًا في حروب الإنجليز؟! فلم يستمعوا لقولهم لشدة ما داخلهم من الخوف، وعبوا متاعهم، وأخرج الكاشف أثقاله وجبخانته ومدافعه وتركها وعدى، وذهب إلى فوة من ليلته، ثم أرسل في ثاني من أخذ الأثقال، ثم إنَّ القُوَّاد الذين أرسلهم «طبوز أوغلي» لمحاربة الإنجليز لم يلبثوا أن صرفوا نشاطهم لفرض الإتاوات والمغارم على البلاد التي مروا بها، فنزل بونابرتة الخازندار على القليوبية، وفعل ما أمكنه وقدر عليه بالبلاد من السَّلبِ والنهب والجور والكلف والتساويف حتى وصل إلى المنوفية، وكذلك طاهر باشا الذي سافر في أثره، وإسماعيل كاشف المعروف بالطوبجي فرض على البلاد جِمالًا وخيولًا وأبقارًا وغير ذلك، وإسماعيل الطوبجي هو كاشف المنوفية.

على أنَّ ذيوع الخبر بقرب حضور محمد علي إلى القاهرة سرعان ما ظهرت آثاره في إقبال السيد عمر مكرم والمشايخ على تأييد مصلحة الباشا، فقال «دروفتي» إن هؤلاء نواياهم حسنة نحو محمد علي، وينحازون إليه، وقد وصلوا إلى استنتاجات طيبة من بطء عمليات الإنجليز العسكرية، ولما كان «دروفتي» عند كتابة رسالته هذه في ٢ أبريل لا يعرف شيئًا عن عمليات هؤلاء، فقد قال: «والظاهر أن الإنجليز لا يريدون التحرك من الإسكندرية قبل أن يتأكدوا من تأييد البكوات لهم.» ثم اختتم رسالته بقوله: «وإني منشغل دائمًا بإيجاد الوسائل التي يمكن بها إلقاء العقبات التي تحول دون وقوع هذا الاتحاد، وانضمام البكوات إلى الإنجليز، الأمر الذي يهدد مصالح الباشا — إذا حدث — تهديدًا خطيرًا، تلك المصالح التي هي في هذه اللحظة — كما يبدو لي — متحدة تمامًا مع مصالح حكومتنا.» ولقد كان مسلك محمد علي دائمًا — كما استمر «دروفتي» يقول — متفقًا مع صالح فرنسا.

ذلك إذن كان الموقف أثناء غياب محمد علي بالصعيد: القاهريون خواطرهم مُهتاجةٌ بسبب ما كان يبلغهم من أنباء حملة الإنجليز، وتسليم الإسكندرية وتخاذل أهلها، وفرار الجند إلى دمنهور بدلًا من الدفاع عنها، ثم فرار كاشف دمنهور نفسه، يشاهدون هرج ومرج الرؤساء والأجناد الأرنئود والعثمانلي، يبيعون أمتعتهم، ويطلبون الدواب لنقلهم من القاهرة، ويبحثون عن النقد الذهب خفيف الحمل؛ يرقبون خروج جند طاهر باشا وحسن باشا وبونابرتة الخازندار بدعوى القتال ضد الإنجليز، ثم لا يلبث هؤلاء حتى يعودوا إلى القاهرة ينهبونهم ويسلبونهم، بعد أن يكونوا قد نهبوا وسلبوا أهل الجهات التي خرجوا إليها، يزيد اضطرابهم عندما يأتي مدينتهم لاجئو الفيوم، ثم يَستبِدُّ بهم الهلع عندما يجيء ياسين بك إلى دهشور بأجناده، يهدد أبواب القاهرة، ثم يسود اليأس بينهم وسط ذلك كله وبسببه، فلا يأبهون لما قد يحدث لمدينتهم، بقيت في حوزة محمد علي أو دخلها الإنجليز والبكوات، لا يشعرون بأي عطف على الأرنئود، بل يكرهونهم ويودون الخلاص منهم، ولا يجدون في مشايخهم والسيد عمر مكرم تلك الزعامة الرشيدة التي تمسَّكَ بها هؤلاء وادعوها لأنفسهم، لتوجيههم الوجهة النافعة، وأمَّا المشايخ والسيد عمر مكرم فقد ظهر تخاذلهم، وتقاعسهم، واطمأن عمر مكرم على — وجه الخصوص — لوعود الوكلاء الإنجليز له بتأمينه على أمواله وعلى سلامته الشخصية، فآوى أحد هؤلاء في بيته، وهم أعداء الدولة، وأعداء حكومة الباشا، وأراد مكاتبة قوادهم والاتصال بهم.

على أن الحالة في القاهرة سرعان ما تبدلت تبدلًا تامًّا، عندما تأكد لدى القاهريين ومشايخهم وزعمائهم، أن الباشا قد اعتزم العودة من الصعيد، وعندما جاءتهم الأخبار تعلن هزيمة الإنجليز في رشيد.

(٦) الباشا وبكوات الصعيد

وأمَّا سبب غيبة محمد علي الطويلة عن القاهرة (ثلاثة شهور بتمامها)، فهو أنه كان في اشتباك مستمر مع بكوات المماليك منذ أن بدأ زحفه على الصعيد في ١٢ فبراير، فقد كان غرض الباشا منذ وفاة الألفي شَلَّ نشاط ما كان لديه من قوات كبيرة تولى رئاستها الآن خليفته شاهين، وقدرها «مانجان» وقتئذٍ بستمائة من المماليك، وثمانمائة من المشاة الأرنئود والأتراك، عدا آلاف العربان، وأوفد قادري أغا يعرض على شاهين الصلح، ولكن هذا رفض الاتفاق إلا على الشروط التي كان طالب بها الألفي، وأجاب الباشا برسالة سبق أن ذكرنا مضمونها، ظهر في دبج عباراتها أثر «مسيت» على شاهين، وقضت على كل أمل في إمكان حصول أي اتفاق مع الألفية، وصار لزامًا على الباشا أن يلحق الهزيمة بجيوش البكوات في الصعيد، أو إذا تعذر الانتصار عليهم انتصارًا حاسمًا أن يبذر بذور الشِّقاقِ والتفرقة بينهم، بفضل ما قد يستطيع عرضه عليهم من شروط للصلح من المحتمل أن يقبلها فريق منهم، لما كان يعرفه عن منافساتهم وأحقادهم الشخصية وصعوبة اتحاد كلمتهم لفترة طويلة من الزمن، وغرضه من ذلك كله أن يشل نشاطهم، ويبطل حركتهم، ويلزمهم — على الأقل — الوقوف موقف الحياد في النضال المنتظر عند حدوث الغزو الأجنبي على البلاد.

وتألفت قوات محمد علي من ثلاثة آلاف من المشاة، ومثلهم من الفرسان، وست سفن مُسلَّحةٍ لحراسة مئات المراكب بالمؤَن والذخائر وعتاد العسكر، وعندما علم شاهين بك الألفي بتحرك محمد علي غادر البهنسا قاصدًا إلى جهة المنيا، حتى ينضم إلى قوات سليمان بك البواب المرابط بالقرب منها، وفي ١٨ فبراير وصل محمد علي إلى بني سويف، حيث وقف عندها وبعث يطلب من القاهرة كل الجنود الذين بها، على أمل أن التظاهر بالقوة العظيمة سوف يلقي الرعب في قلوب البكوات، ويحملهم على المفاوضة والاتفاق معه، ولكنه لم يلبث أن عرف من ديوان أفندي الذي جاءه بالمراسلات من القاهرة نبأ قطع العلاقات بين روسيا وتركيا، فأعاده إلى القاهرة مزودًا بمكاتبات وفيها طلب جماعة من الفقهاء؛ ليسعوا في إجراء الصلح بين الأمراء المصريين وبين الباشا، فبلغها ديوان أفندي في ٢٨ فبراير، وفي القاهرة وقع الاتفاق على تعيين ثلاثة أشخاص؛ هم ابن الشيخ الأمير وابن الشيخ العروسي وابن السيد محمد الدواخلي، فسافروا في ٦ مارس إلى الصعيد، وفي هذه الأثناء كان محمد علي قد استطاع مفاجأة جُنْدِ شاهين بك الألفي وسليمان بك البواب بالقرب من المنيا، واستولى على مدفعيتهم وعتادهم، وخسر هؤلاء في المعركة ثلاثمائة رجل بين قتيل وجريح وأسير، وفي ١١ مارس وصلت هذه الأنباء القاهرة وصادفت هذه البشارة ورود القابجي الذي كان هو الآخر قد وصل إلى القاهرة في اليوم نفسه وعلى يده التقرير لمحمد علي باشا على ولاية مصر، فعمل لذلك «شنك» وضربت لذلك مدافع كثيرة من القلعة.

ولكن انتصار الباشا الأخير لم يفد شيئًا في إنهاء مسألة البكوات، ولم ينعقد الصلح بينهم وبين محمد علي، ولم يعد هذا إلى القاهرة؛ ولذلك فقد وجد «طبوز أوغلي» وسائر المسئولين بها عندما جاءتهم الأخبار في مساء يوم ١٩ مارس عن ظهور الأسطول الإنجليزي أمام الإسكندرية، وطلب الإنجليز من أمين أغا تسليمها، أن يبعثوا في دعوة الباشا إلى الرجوع إلى القاهرة بكل أجناده بأقصى سرعة، وقد أوضحنا كيف أن «دروفتي» عند بلوغه القاهرة قد كتب هو الآخر إلى محمد علي يوصيه بعدم ترك المماليك إلا بعد أن يكون على الأقل قد نال عليهم انتصارًا حاسمًا، ثم كيف أنه أرسل إلى أفراد موثوق بهم من جماعتي سليمان بك الجرجاوي وشاهين بك البرديسي، حتى يحملوا هذين على الوقوف موقف الحياد التام في النضال المنتظر بين حكومة الباشا والحملة البريطانية، على أنه قبل أن يتأكد في القاهرة خبر تسليم الإسكندرية نهائيًّا كان محمد علي قد انتصر على المماليك في معركة أخرى بالقرب من أسيوط، اختلف المعاصرون في تحديد مكانها وتاريخها، فقال «مانجان» إنَّ الواقعة كانت بمنقباد في ٢ أبريل، ويقول الشيخ الجبرتي إنها كانت بمنفلوط، وقد سجل الشيخ في حوادث ليلة الخميس سادس عشرينه؛ أي ٢٦ مارس ١٨٠٧ أن مكاتبة وردت من الباشا يذكر فيها أنه تحارب مع المصريين، وظهر عليهم، وأخذ منهم أسيوط، وقبض على أنفار منهم، وقتل في المعركة كثير من كشافهم ومماليكهم، فعملوا؛ أي في القاهرة في ذلك اليوم شنكًا وضربوا مدافع كثيرة من القلعة، ويؤخذ من هذا أن المعركة حدثت قطعًا قبل يوم ٢٦ مارس، وقد أشار «دروفتي» إلى هذه المعركة في إحدى رسائله إلى «سباستياني» في ٢٨ مارس، ثم إنَّ شاهين بك الألفي ذكر في جوابه على خطابين كان «مسيت» قد بعث بهما إليه بتاريخي ١٣، ١٥ مارس، أنه بعد أن تسلَّمَ رسالة من إسماعيل أبو صخر — وسيط «مسيت» لدى البكوات — بتاريخ ١٩ مارس، ينبئهم فيها بدخول البريطانيين الإسكندرية انتقل إلى أسيوط حتى ينضم إلى إبراهيم بك، ثم استمر يقول: «وبالقرب من هذا المكان وافانا محمد علي بكل ما لديه من فرسان ومشاة؛ للاشتباك معنا في معركة، ولكننا انتصرنا عليه، وقتلنا تسعمائة من رجاله، من بينهم عدد من الضباط الممتازين، فهرب الباقون إلى قواربهم وتقهقروا نازلين في النيل»، والذي يظهر من رسالته هذه أن المعركة وقعت عقب يوم ١٩ مارس مباشرة؛ ولذلك فالمرجح أن الواقعة التي حدثت بالقرب من أسيوط جرت بين يومي ٢٠، ٢٥ مارس قَطعًا، وقد ذهب ضحيتها ثلاثة من البكوات ذكرهم شاهين نفسه وهم سليمان بك إبراهيم ورشوان بك سليمان وسليمان بك المرادي الجرجاوي وهو الذي كان يعرف باسم ريحه، قال الشيخ الجبرتي: «إنه كان ظالمًا غشومًا وسبب تسميته بذلك؛ (أي بريحه بتشديد الياء) أنه كان إذا أراد قتل إنسان ظلمًا، يقول لأحد أعوانه خذه ورَيِّحْه فيأخذه ويقتله»، ومع أن شاهين ذكر أن أربعة من المماليك فحسب قُتلوا في المعركة، فالثابت أن عدد من قتلوا كان خمسة عشر مملوكًا، وأربعة كشاف، بينما فَقَدَ محمد علي المائتين، ومما يجدر ذكره أن عثمان بك حسن وإبراهيم بك الكبير لم يشتركا في المعركة.

ومع أن شاهين بك قد تفانى في وصف نتيجة هذه المعركة لمسيت وادعى البكوات لأنفسهم النصر، ثم ادعى الباشا لنفسه النصر كذلك، فإن محمد علي على كل حال، لم يعتبر نصره عليهم حاسمًا؛ ولذلك أوفد المشايخ الثلاثة إلى البكوات ليتفاوضوا في الصلح معهم، وكان هؤلاء لما وصلوا إلى الباشا بناحية ملوي استأذنوه في الذهاب فيما أتوا بسببه من السعي في الصلح، فاستمهلهم وتركهم بناحية ملوي، واستعدَّ وذهب إلى أسيوط وأودع الجماعة بمنفلوط، وتلاقى مع الأمراء وحاربهم، وظهر عليهم في المعركة التي ذكرناها، ثم طلب المشايخ وزودهم بمكاتبات إلى البكوات، وكان هؤلاء بعد المعركة قد قصدوا إلى ملوي.

وكان في ملوي أن تسلم البكوات في ٣١ مارس رسائل «مسيت» التي سبقت الإشارة إليها، وخصوصًا رسالته بتاريخ ١٥ مارس، وبادر إبراهيم بك بالكتابة إليه في أول أبريل، يعرب عن سروره العظيم والذي لا يمكن وصفه بسبب ما بلغهم من أنباء عن وصول الجيش البريطاني سالمًا إلى مصر؛ حيث إنَّ حضور هذا الجيش إنما ينهض دليلًا ساطعًا على ما تُكنُّه الحكومة البريطانية من عواطف الود والصداقة نحو البكوات، ويبلغ «مسيت» أنهم في طريقهم إلى الوجه البحري، وأنهم بمشيئة الله تعالى سوف يكونون بالجيزة قبل نهاية هذا الأسبوع، حتى يتسنى لهم عندئذٍ إجراء الترتيبات التي تنيلهم أغراضهم بمعاونة الإنجليز، وقال إبراهيم بك: إنَّ محمد علي عندما علم بوصولنا إلى ملوي خانته شجاعته لدرجة عظيمة، حتى إنه تقهقر نازلًا في النيل، ولكنه من غير المعروف لدى البكوات ما إذا كان نزوله لتحصين نفسه في القاهرة أو لمغادرة البلاد؟ فهذا ما لم يتأكد البكوات منه، ولكنهم عند وصولهم إلى الجيزة سوف يعرفون ما صح عزمه عليه، وفي كلا الحالين سواء تحصَّنَ في القاهرة أو غادر البلاد، فإن البكوات سوف يسترشدون في مسلكهم بما يسديه إليه «مسيت» نفسه من نصائح، وأمَّا شاهين بك الألفي فقد كتب إلى صديقه المحترم جدًّا الميجور «مسيت» يبلغه وصول قريب إسماعيل أبو صخر إلى معسكر البكوات يحمل رسائل «مسيت» المؤرخة في ١٣، ١٥ مارس، وقد عرف من رسالة «مسيت» الأولى بإعلان الحرب من جانب بريطانيا والروسيا على الباب العالي، ولكن الشخص الذي أوفده «مسيت» لإبلاغ هذا الخبر شفويًّا للبكوات لم يحضر، ويقول مخاطبًا «مسيت»: «ولقد أنبأتني في الرسالة الثانية بأن أولى سفن الأسطول المُرسَل إلى مصر قد وصلت إلى الإسكندرية وترجوني بكل سرعة ممكنة أن أسير صوب الإسكندرية أو أن أُرسلَ شخصًا من جانبي إليها، وهو رجاء لم أتوانَ لحظة في تحقيقه، فقد عرضت فورًا رسالتك على والدنا إبراهيم بك شيخ البلد وعلى سائر البكوات الذين عظم فرحهم لذلك، وبخاصة عندما عرفوا أن بريطانيا العظمى قد أعلنت الحرب على الباب العالي من أجل إعادة السلام والهدوء وإرجاع الحكومة المملوكية في مصر.» ثم ذكر شاهين أنه تسلم خطاب إسماعيل أبو صخر، وذكر اشتباك البكوات مع محمد علي في المعركة التي سبق الحديث عنها، واستطرد يقول: «وقد قررنا جميعنا بعد هذه المعركة العودة إلى الوجه البحري، وكان أثناء سيرنا إلى هناك أن تسلمنا عند ملوي خطابيك سالفي الذكر، اللذين جعلانا نقرر السير بكل سرعة إلى الجيزة حيث من المنتظر وصولنا إليها في هذا الأسبوع، ورجاؤنا بفضل حمايتك ومساعدتك أن يتسنى لنا تحقيق كل مآربنا.» ووعد شاهين في رسالته هذه أن يبعث البكوات ببعض زملائهم حسب رغبة «مسيت» لمقابلة الجيش البريطاني؛ لإمداد الجُندِ بكل حاجتهم من المؤن وغيرها، وأن تكون هذه الفِرقةُ تحت أوامر القائد البريطاني لحين وصول شاهين وسائر البكوات الذي يرجو أن يكون قريبًا جدًّا، وبعد أن ذكر له تقهقر محمد علي صوب القاهرة وسببه، وفيما لا يخرج عما جاء في كتاب إبراهيم لمسيت، أبلغه شاهين أنه قد أرسل ابنه موسى سلحدار حتى يحصل من القائد الأعلى للجيش البريطاني جوابًا وتفسيرًا عن كل شيء يتعلق بمسألتنا.

ولكنه بالرغم ممَّا جاء في رِسالتيْ شاهين بك الألفي وإبراهيم بك الكبير من تأكيدات عن نزول البكوات إلى الجيزة ومعاونتهم للجيش البريطاني، فقد كان الخلاف يسود صفوفهم، وقال الشيخ الجبرتي: إنَّه لما وصلتهم مراسلة الإنجليز تفرق رأيهم، وكان عثمان بك حسن منعزلًا عنهم، وهو يدعي الورع وعنده جيش كبير، فأرسلوا إليه يستدعونه للحضور، فامتنع وتورع، وقال: أنا لا أنتصر بالكفار، وقال: أنا مسلم هاجرت، وجاهدت وقاتلت في الفرنساوية، والآن أختم عملي وألتجئ إلى الإفرنج، وأنتصر بهم على المسلمين، أنا لا أفعل ذلك، وعثمان بك يوسف كان بناحية الهو، والكوم الأحمر ووافق عثمان بك حسن على رأيه، واختلفت آراء باقي الجماعة، وهم إبراهيم بك الكبير وشاهين بك المرادي وشاهين بك الألفي وباقي أمرائهم.

وقد أفاد من هذه الانقسامات المشايخ الثلاثة الذين ذهبوا للمفاوضة معهم بالجانب الغربي من ناحية ملوي، وقد سجل الجبرتي ما دار في هذه المفاوضات نقلًا عن هؤلاء المشايخ أنفسهم بعد عودتهم من مهمتهم إلى القاهرة فقال: «فتفاوَضَ هؤلاء مع البكوات فيما أتوا بسببه من أمر الصلح مع الباشا وكفِّ الحروب، فقالوا كم من مرة يراسلنا في الصلح ثم يغدر بنا ويحاربنا؟! فاحتجوا عليهم بما لقَّنَهُ الباشا لهم من مخالفة البكوات لأكثر الشروط التي كان اشترطها عليهم من إرسال الأموال الميرية والغلال وتعديهم على الحدود التي يحددها معهم في الشروط، ثم إنَّ البكوات اختلوا مع بعضهم بعضًا وتشاوروا فيما بينهم، وكان عثمان بك حسن منعزلًا عنهم بالبر الشرقي، ولم يكن معهم في الحرب ولا في غيره، وبعد انقضاء الحرب استعلى إلى جهة قبلي، وعثمان بك يوسف كان بناحية الهو والكوم الأحمر.

وفي أثناء ذلك ورد على الباشا خبر الإنجليز، وأخْذِهم الإسكندرية وأن هؤلاء قد أرسلوا رسلهم إلى الأمراء القبالي، فارتبك في أمره وأرسل إلى المشايخ يستعجلهم في إجراء الصلح وقبولهم كل ما اشترطوه على الباشا، ولا يخالفهم في شيء يطلبونه أبدًا.» ولمَّا كان البكوات قد اختلفوا فيما بينهم، وظهر الانقسام في صفوفهم بالصورة التي أوضحناها فقد اجتمعوا ثانيًا بالمشايخ، وقالوا لهم ما المراد بهذا الصلح؟ فقالوا المراد منه راحة الطرفين، ورفع الحروب، واجتماع الكلمة، ولا يخفاكم أن الإنجليز تخاصمت مع سلطان الإسلام، وأغارت على ممالكه، وطرقت ثغر إسكندرية، ودخلتها، وقصدهم أخذ الإقليم المصري كما فعل الفرنساوية، فقال البكوات: إن الإنجليز أتوا باستدعاء الألفي لنصرتنا ومساعدتنا، فقالوا لهم لا تصدقوا أقوالهم في ذلك، وإذا تملكوا البلاد لا يبقون على أحد من المسلمين، وحالهم ليس كحال الفرنساوية، فإن الفرنساوية لا يتدينون بدين، ويقولون بالحرية والتسوية، وأمَّا هؤلاء الإنجليز فإنهم نصارى على دينهم، ولا تخفى عداوة الأديان، ولا يصح ولا ينبغي منكم الانتصار بالكفار على المسلمين، ولا الالتجاء إليهم، ثم استطرد الشيخ الجبرتي يقول: «وقد وعظوهم وذكروا لهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأن الله هداهم في طفوليتهم، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وقد نشئوا في كفالة أسيادهم، وتربوا في حجور الفقهاء، وبين أظْهُر العلماء، وقرءوا القرآن، وتعلموا الشرائع، وقطعوا ما مضى من أعمارهم في دين الإسلام، وإقامة الصلوات، والحج والجهاد، ثم يفسدون أعمالهم آخر الأمر، ويوادُّون من حاد الله ورسوله، ويستعينون بهم على إخوانهم المسلمين ويملكونهم بلاد الإسلام يتحكمون في أهلها، فالعياذ بالله من ذلك.»

وكان بصحبة المشايخ مصطفى أفندي كتخدا قاضي العسكر، يكلم البكوات باللغة التركية ويترجم لهم أقوال المشايخ، وهو فصيح الكلام، فقال البكوات: «كل ما قلتموه وأبديتموه نعلمه، ولو تحققنا الأمن والصدق من مُرسلِكم (أي الباشا) ما حصل منا خلاف، ولحاربنا وقاتلنا بين يديه، ولكنه غدار لا يفي بعهد ولا وعد، ولا يَبرُّ في يمين ولا يصْدُقُ في قول، وقد تقدم أنه يصطلح معنا، وفي أثر ذلك يأتي لحربنا ويقتلنا ويمنع عنا من يأتي إلينا باحتياجاتنا من مصر، ويعاقب على ذلك حتى من يأتي من الباعة والمتسببين إلى الناحية التي نحن فيها، ولا يخفاكم أنه لما أتى القبودان صالح باشا ومعه الأوامر بالرضا والعفو الكامل عنا والأمر له بالخروج إلى ولاية سالونيك فلم يمتثل، وأرسل إلينا وخدعنا وتحيل علينا بإرسال الهدايا وصدقناه، واصطلحنا معه، فلما تم له الأمر غدر بنا، وما مراده بصلحنا إلا تأخرنا عن ذهابنا إلى الإنجليز، فلا نذهب إليهم ولا نستعين بهم، وإن كان مراده يعطينا بلادًا يصالحنا عليها، فها هي البلاد بأيدينا، وقد عمها الخراب، باستمرار الحروب من الفريقين، وقد تفرق شملُنا وانهدمت دورنا، ولم يبقَ لنا ما نأسف عليه، أو نتحمل المذلة من أجله، وقد مات إخواننا ومماليكنا، فنحن نستمر على ما نحن معه عليه، حتى نموت عن آخرنا، ويرتاح قلبه من جهتنا.» فقال لهم: «الجماعة هي الأخرى وليس بعدها شر ولا حرب، بل بعدها الصداقة والمُصافاة، ويعطيكم كل ما طلبتموه من بلاد وغيرها، فلو طلبتم من الإسكندرية إلى أسوان لا يمنع ذلك بشرط أن تكونوا معنا بالمساعدة في حرب الإنجليز، ودفعهم عن البلاد، وأيضًا تسيرون بأجمعكم من البر الغربي، والباشا وعساكره من البر الشرقي، وعند انقضاء أمر الإنجليز ورجوعكم إلى بَرِّ الجيزة ينعقد مجلس الصلح بحضرة المشايخ الكبار والنقيب السيد عمر مكرم، والوجاقلية وأكابر العسكر، وإن شئتم عقدنا مجلس الصلح بالجيزة قبل التوجه لمحاربة الإنجليز، ولا شر بعد ذلك أبدًا.»

فانخدع البكوات لذلك وأقنعتهم هذه التأكيدات الرسمية بصدق نوايا محمد علي.

وأمام الحُججِ التي استند عليها المشايخ بمهارة في بيان أن مسلك البكوات إذا آزروا الإنجليز ضد محمد علي يكون مخالفًا لتقاليدهم ومناقضًا لمعتقداتهم الدينية، لم يَسَعْ هؤلاء إلا قبول السلام وكتبوا أجوبة، ورجع بها مصطفى أفندي كتخدا القاضي وصحبته يحيى كاشف، ثم رجع إليهم ثانيًا، وسار الفريقان إلى جهة مصر، وحضر المشايخ وأُخبروا بما حصل، وقد بلغ المشايخ الثلاثة القاهرة يوم ٨ أبريل.

ومع أنه كان من الواضح أن كلا الفريقين: البكوات ومحمد علي قد بيتا النية على تعليق تنفيذ هذا الاتفاق وإبرام الصلح نهائيًّا على ما قد تسفر عنه حملة الجنرال «فريزر» من نجاح أو فشل، بحيث إذا انتصر «فريزر» انضم إليه المماليك فورًا، وإذا أخفق استأنف محمد علي الحرب في الصعيد، فقد أحرز الباشا في هذه المفاوضة مع البكوات نجاحًا دبلوماسيًّا باهرًا، إذ أعطاه هذا الاتفاق المبدئي فُسحةَ الوقت التي أرادها للتفرغ فورًا لمواجهة الإنجليز الذين وصلته — وهو بأسيوط في ٤ أبريل — أخبار نزولهم بالإسكندرية واستيلائهم عليها؛ وعلى ذلك، فقد أخلى الباشا الصعيد، ثم نزل بجيشه بكل سرعة قاصدًا القاهرة، واستولى البكوات وهم سائرون على الشاطئ الأيسر للنيل على البلدان التي أخلاها الجند الأتراك والأرنئود واحدة بعد الأخرى، وكان تقدُّمُهم صوب الجيزة بطيئًا للغاية.

ودخل محمد علي القاهرة ليلة الأحد ٣ صفر ١٢٢٢؛ أي في ساعة متأخرة من مساء السبت الموافق ١١ أبريل ١٨٠٧؛ أي بعد أن وصله نبأ تسليم الإسكندرية بأسبوع واحد فقط، أتم في خلاله الاتفاق مع البكوات القبالي، ولا صحة لما يزعمه الشيخ الجبرتي الذي وقع تحت تأثير ما شاهده من رعب وفزع في القاهرة عند ذيوع الخبر بدخول الإنجليز إلى الإسكندرية، ثم اعتزام الكثير من رؤساء الأرنئود وغيرهم الفرار إلى الشام، فتوهَّمَ أن الباشا قد أصابه هو الآخر الهلع، حتى صار يتعمد الإبطاء والتلكؤ في سيره يظن — كما قال الشيخ — ورودهم (أي الإنجليز) إلى المدينة (القاهرة)، فيسير مشرقًا على طريق الشام ويكون له عذر بغيبته، والواقع أن الذي قيد حركته بعض الشيء كان بطء سير الجيش بعتاده ومهماته، حتى إذا اقترب الجيش من القاهرة، تركه محمد علي وراءه، وركب النيل حتى يصل بسرعة إلى القاهرة.

وعندما دخل محمد علي القاهرة، كانت الحال قد بدأت تتبدل تبدلًا محسوسًا، بسبب ما بلغ القاهريين منذ ٣ أبريل عن هزيمة الإنجليز في رشيد، فقد صار الناس في أول الأمر ما بين مصدق ومكذب، فلمَّا كان يوم ٥ أبريل أُشيعَ وصول رءوس القتلى ومن معهم من الأسرى إلى بولاق، فهرع الناس بالذهاب للفرجة، وشاهدوا ورءوس القتلى على نبابيت، وتأكد الخبر، وزال عن القاهريين الوهم الذي كان مستوليًا عليهم، وبدءوا يستردون الثقة في نفوسهم، وبدأ المشايخ ومعهم السيد عمر مكرم ينشطون ويتحمسون.

(٧) هزيمة الإنجليز في رشيد (٣١ مارس ١٨٠٧)

وكان «فريزر» بعد الاستيلاء على الإسكندرية لا يريد مبارحتها والقيام بعمليات عسكرية جديدة؛ لاعتقاده بأن القوات التي لديه لا تكفي لاحتلال الإسكندرية، ثم الاشتباك في الوقت نفسه في معارك جديدة مع العدو، لا سيما وأن أحدًا من المماليك لم يستقبل جيش الحملة أو يتقدم لمعاونتها بعد نزولها واستيلائها على الإسكندرية، على خلاف ما كان يؤكد «مسيت» حدوثه قبل حضور الإنجليز، وقد طلب «فريزر» من هذا الأخير أن يكتب إلى البكوات غداة سقوط الإسكندرية يستعجلهم في الحضور، فبعث «مسيت» إليهم برسالة بتاريخ ٢٢ مارس معنونة باسم إبراهيم بك وعثمان بك حسن وسائر البكوات والكشاف والمماليك، أبلغهم فيها نبأ استيلاء البريطانيين على الإسكندرية، ثم رغبة الجنرال «فريزر» في تعريفهم أنه لم يحضر إلى مصر لغرض فتحها، وإنما ليمنع الحكومة الفرنسية من تنفيذ مشروعها العدواني ضد هذه المقاطعة، وحتى يعيد إليها النظام والهدوء، وليعاون تلك الجماعات أو الأحزاب التي تريد عقد أواصر الصداقة مع بريطانيا العظمى، وقد خاطب «مسيت» البكوات في هذه الرسالة بقوله: ولذلك فمن الواجب عليكم إدراك كيف أنه من صالحكم كثيرًا أن تربطوا أنفسكم بنا؛ حيث إن هذا الأمل الوحيد لكم لبلوغ غاياتكم إطلاقًا، ولما كنت متيقنًا من أنكم تقدِّرون تمامًا المزايا التي تنتفعون بها من وضع ثقتكم التامة في سخاء وكرم جلالة الملك البريطاني، وانتفاء أية مصلحة ذاتية له، فإني أدعوكم إلى إنقاذ شخص تثقون به ليبسط مطالبكم ورغائبكم أمام قائد القوات البريطانية الأعلى، وقد تعمد «مسيت» — كما هو ظاهر من رسالته هذه، وكما أكد هو بنفسه في كتابه إلى «وندهام» يوم ٢٣ مارس ألا يتقيد فيما كتبه إلى البكوات بأية تعهدات محددة، ولو أنه كان يعتقد — كما ذكر «وندهام» — أنه لا أمل في محالفة البكوات وصداقتهم للإنجليز، إلا إذا ساعدهم هؤلاء مساعدة قوية فعالة في فتح القاهرة والاستحواذ عليها، وسواء كان من المنتظر أن يلبي البكوات نداءاته لهم أم أنهم في هذه الظروف قد لا يلبونها — وقد كان من المتوقع أنهم لن يفعلوا بسبب انقسامهم ومساعي محمد علي لديهم واتفاقهم الأخير معه — فإن «مسيت» لم يشأ انتظار جواب البكوات، وراح يلح على «فريزر» بضرورة احتلال رشيد، وعدم الوقوف جامدًا بالإسكندرية.

وكان غرض «مسيت» من حمل «فريزر» على توسيع نطاق عملياته العسكرية، أن يثبت للمماليك دعواه التي كررها لهم دائمًا من أن احتلال مصر بأسرها، إنما هو غرض الحملة البريطانية التي صار يؤكد لهم قُربَ حضورها من مدة طويلة، ورسخ في ذهنه الآن أن القيام باحتلال رشيد ودخول الجيش البريطاني في عمليات عسكرية نشيطة من شأنه أن يدفع البكوات إلى العمل، ويكون حافزًا لهم على التعجيل بالحضور من الصعيد يغني في حدِّ ذاته عن التقيد بتلك التعهدات المحددة التي امتنع عن إعطائها لهم في رسالته الأخيرة إليهم؛ وعلى ذلك، فقد راح «مسيت» بدعوى الحاجة إلى المؤن اللازمة لجيش الاحتلال بالإسكندرية، وبوصفه الرجل ذا الخبرة والدراية بالشئون المحلية والذي أوصت التعليمات المعطاة إلى «فريزر» بوجوب الإصغاء إليه، يطلب من هذا الأخير احتلال رشيد، ثم سجل مطلبه هذا في كتاب إلى «فريزر» في ٢٣ مارس جاء فيه: «إنه عندما سلمت الإسكندرية إلى الجيش الذي تحت قيادتكم، كانت كميات الحِنطة الموجودة بالإسكندرية لا تكاد تكفي سكانها مدة أسبوعين، ولما كانت الرياح المعاكسة قد ألزمت النقالات على البقاء في خليج أبي قير، فقد تعذَّرَ على القومسيير العام (المشرف على تموين الجيش) أن يحصل على إمدادات من الأسطول، واضطر لذلك إلى أخذ قسم من القمح المخصص أصلًا لاستهلاك المدينة (الإسكندرية) وكان بشيء من الصعوبة أن حصل من اللحم على ما يكفي الجند يومًا واحدًا فحسب، وبناء عليه، فإنه لن تنقضي أيام قليلة حتى يجد الإسكندريون أنفسهم وقد حرموا من غذائهم، وسوف لا يجد الجيش مناصًا من الاعتماد في غذائه على المؤن المحفوظة أو القديد وهو غذاء غير صحي أبدًا في الجو الحار؛ وعلى ذلك، وبسبب هذه الظروف أجد لِزامًا علي بصورة قاطعة أن ألح عليك في ضرورة احتلال مدينة رشيد فورًا، وكذلك موقع الرحمانية، فمن الأولى تصدر الحنطة والأرز إلى هذا الميناء (الإسكندرية)، ثم إنه باستيلائك على الرحمانية تصير لك السيطرة على إقليم البحيرة الذي يموِّنُ الإسكندرية بالشعير والأغنام والثيران الصغيرة والجاموس، ولا يسعني إلا أن أذكر لك أن فرقًا من الأرنئود تتدفق على مصر باستمرار، الأمر الذي يزيد من أعداء أولئك الذين يسومون الخسف أهل هذه المقاطعة التَّعِسة، وينزل هؤلاء عند مجيئهم في دمياط، وإذا كنت لا ترى من الحكمة احتلال هذه المدينة، فإنه ليبدو ضروريًّا ولا غنى عنه أن يسأل القائد الأعلى لقوات جلالة الملك البريطاني البحرية في هذه السواحل لوضع مركب حربي عند هذا الميناء دمياط حتى يَحُولَ دون نزول الجند الذين تحملهم السفن إليه.»

وتردد «فريزر» في مبدأ الأمر؛ لعلمه أن في إنفاذه حملة إلى رشيد، خرق للتعليمات التي لديه والتي طلبت منه احتلال الإسكندرية فحسب، ولكنه لم يلبث أن غير رأيه بسبب إلحاح «مسيت» المستمر، ثم موافقة السير «داكويرث» على أخذ رشيد، وكان «داكويرث» بعد أن فشلت مظاهرته البحرية أمام القسطنطينية، قد وصل بأسطوله إلى أبي قير في ٢٢ مارس، ولم يغادرها إلَّا يوم ٢٩ مارس بعد أن ترك السير «توماس لويس» Sir Thomas Louis من قِطعِ أسطوله لتعزيز عمليات «فريزر» ضد رشيد، ورأى «فريزر» أن من واجبه تبرير هذا القرار الذي وصل إليه، فكتب إلى «وندهام» في ٢٧ مارس يوضح الأسباب التي دعته إلى إرسال قسم من الجيش للاستيلاء على رشيد والرحمانية، والإجراءات التي اتخذها لتحقيق هذه الغاية، كما خصص جزءًا من رسالته لبيان المعلومات التي حصل عليها، والتي كان غرض «فريزر» من ذكرها إقامة الدليل على أنه مُحقٌّ في الخطوة التي اتخذها، فقال: إنه بالرغم من التعليمات التي أصدرها «وندهام» إلى الجنرال «فوكس» في ٢١ نوفمبر ١٨٠٦، وتلك التي أصدرها هذا إليه في ٢١ فبراير ١٨٠٧ وهي تخوِّلُه الاستيلاء على الإسكندرية فقط، فإن ما بسطه «مسيت» من أسباب في عبارات قوية تضمنها كتابه إليه جعلته بموافقة «داكويرث» يرضى بالرغم من معارضة ذلك لميوله معارضة شديدة بإرسال قسم من القوات التي تحت قيادته للاستيلاء على رشيد والرحمانية، وأن يعهد بهذه المهمة الميجور جنرال القائد «ووكوب» Wauchope مع «ميد» Brigadier-General Meade، مع فرقته التي تتألف من الآلاي الواحد والثلاثين والقناصة البريطانيين، بما يبلغ الألف وأربعمائة رجل إلى جانب تزويدهم بمدفعية ملائمة وغير ذلك من عتاد الحرب، وعلى أن يعودا أدراجهما بعد تنفيذ هذه المهمة وترك حاميات كافية في رشيد والرحمانية، وطلب «فريزر» نجدات جديدة كبيرة؛ حيث إنَّ إرسال هذا القسم من جيشه إلى جانب الأقسام الأخرى التي كانت تحتل قلعة أبي قير والقطع (قطع المعدية) بالإضافة إلى ضرورة احتلال بعض المواقع الأخرى أثناء العمليات المقبلة، من شأنه إنقاص ما لديه من قوات، وذلك كله عدا حاجته إلى عدد كافٍ من الجند معه لرد أي هجوم قد يقع عليه هو بالإسكندرية، على أن تحضر هذه النجدات الكبيرة إليه فورًا.

ثم إنَّ «فريزر» طلب كذلك في رسالته هذه أن ترسل إليه حكومته تعليماتها ورغباتها بصدد ما تراه في مسألة إسداء العون أو عدمه إلى المماليك؛ لتمكينهم من الاستيلاء على القاهرة وطرد الأرنئود كلية من مصر بأسرها، وتلك أشياء قال «فريزر»: إنَّه يعرف أن مقصد المماليك منصبٌّ على تحقيقها، وأن الميجور «مسيت» قد شجعهم على انتظار مساعدة البريطانيين لهم في ذلك، ثم استطرد «فريزر» يقول إنه قد بعث برسائل ودية إلى رؤساء العربان الذين فهم عن أكثرهم أنهم يكنون الود للبريطانيين، كما أنه قد أرسل كتبًا مصاغةً في عبارات عامة إلى المماليك، تتضمن بيانًا عن حسن نوايا الحكومة البريطانية نحوهم وتعبر عن رجائه في أن يظل هؤلاء في علاقات طيبة دائمًا مع البريطانيين.

وأمَّا المعلومات التي أرسلها «فريزر» إلى «وندهام»، فقد أفرد لها قسمًا خاصًّا من كتابه — كما ذكرنا — فقال: «تفيد الأنباء التي بلغتنا بأن باشا القاهرة محمد علي قد غادرها من شهر مضى تقريبًا في طريقه إلى الصعيد، وأنه موجود مع أكثر قواته ببني سويف، حسب ما بلغنا من آخر الأنباء عنه، وأن القنصل الفرنسي كان يلح عليه بقوة للنزول والسير إلى الإسكندرية لمقاومة الإنجليز في حالة مجيء الأخبار عن اقتراب حملتهم من مصر، وأن المتوقع أن الباشا سوف لا يحاول ذلك بعد أن لقى من جانب المماليك ما أوقفه في التحامه معهم، ولأن لديه ما يكفي أشغاله في الوقت الحاضر، وأن جميع الأرنئود من كل الأوصاف وبما يبلغ الاثني عشر ألف رجل، هم في خدمة محمد علي وأصدقائه، وأن معظم الزعماء العرب إن لم يكونوا جميعهم ميولهم طيبة جدًّا نحو الإنجليز، وأن سكان الإسكندرية ميولهم عمومًا طيبة جدًّا نحونا كذلك، وأنهم إنما أُرغموا إرغامًا يوم ١٨ مارس على قتالنا، الأمر الذي أميل إلى الاعتقاد بأنه الواقع، وأن القنصل الفرنسي «دروفتي» استطاع الهرب قبل تسليم الإسكندرية، وذهب إلى القاهرة من رشيد، وأن الشيخ محمد المسيري — الذي يعتبر بمثابة القديس في الإسكندرية — صاحب ميول ودية نحو الإنجليز، ويرحب، أو يتظاهر بأنه يرحب بمجيئهم، وأن الميجور «مسيت» قبل وصولي بمجرد أن علم بأن الحملة في طريقها في عرض البحر إلى مصر أبلغ هذا النبأ إلى البكوات، وأكد لهم بأن حكومتهم سوف يعاد تأسيسها في البلاد، ويقول: إنَّ الذي حدا به إلى اتخاذ هذه الخطوة، عِلمُه بأن باشا مصر محمد علي كان يحاول جادًّا لعقد السلام مع البكوات.»

تلك إذن الأسباب التي برر بها «فريزر» مخالفته للتعليمات التي لديه، والتي قصرت الغرض من حملته على الاستيلاء على الإسكندرية واحتلالها، وأظهر هذه الأسباب — كما رأينا — الاعتقاد بأن سكان الإسكندرية معرضون لخطر الموت جوعًا إذا لم يأخذ الجنود البريطانيون رشيد والرحمانية وتتضافر عوامل أخرى، أهمها عدم توقع أي دفاع عنها يأتي من جانب محمد علي، ثم انتظار أن يقنع نجاح هذه العملية العسكرية المعتقد أنها سوف تكون بمثابة نزهة حربية البكوات بالنزول من الصعيد لمؤازرة جيش الاحتلال البريطاني، ولكن «فريزر»، وقد وافق أخيرًا على الأخذ برأي «مسيت» أضاع بضعة أيام في الاستعداد الذي اتضح — كما سنرى — أنه كان استعدادًا ناقصًا، فكان فقط في ٢٩ مارس ١٨٠٧ وبموافقة نائب أمير البحر السير «جون داكويرث» — الذي أبحر في اليوم نفسه — كما قدَّمنا — إلى صقلية تاركًا في القيادة البحرية السير «توماس لويس» — أن سير قوة من حوالي الألف وأربعمائة جندي من الآلاي الواحد والثلاثين بقيادة «ووكوب» و«ميد»، سارت برًّا إلى قصر أبي قير حيث كان الكابتن «هالويل» قد أعد به سفنًا مُسلحةً لنقل الجنود إلى منفذ بحيرة إدكو الذي يصل بينها وبين خليج أبي قير، فأقام الجند قاعدة ارتكاز أو محطة Caravansera أو قيروان سراي بالقرب من هذا المنفذ، وساروا منها في تعب ومشقة حتى وصلوا إلى مرتفعات أبو منضور جنوب رشيد والمطلة عليها، فاتخذوا بها مواقعهم في مساء يوم ٣٠ مارس، وكان مع هذه الحملة كرئيس للأدلاء أو المرشدين لها في سيرها «فيشنتزو تابرنا».

وكان برشيد وقتئذٍ قوة سليمان أغا الذي اضطرَّ إلى الارتداد إليها منذ حوادث ١٥، ٢٠ مارس التي صحبت تسليم الإسكندرية، وهذا عدا حوالي المائتين من الجنود العثمانلي المجلوبين من دمنهور وحامية رشيد الأصلية، وقد تراوح عدد الجنود جميعهم بها بين ٤٥٠، ٥٥٠ حسب تقديرات «مسيت» و«تابرنا» و«مانجان»، كانوا مسلحين تسليحًا رديئًا، ولا ذخائر كافية معهم، ولا أثر لأية روح معنوية لديهم؛ لأنهم على وجه الخصوص ما كانوا يستطيعون الاعتماد على مناصرة أهل رشيد لهم، وقد كتب منها منذ ٢٧ مارس «روشتي» إلى «البطروشي»، وكان الأخير يقيم وقتئذٍ في قرية قريبة من رشيد، أن الشيخ حسن (وهو السيد حسن كريت نقيب الأشراف برشيد) قد استمر في هذه الأيام الأخيرة يبذل قصارى جهده دون انفكاك لإقناع أهل رشيد والجند الذين بها معًا بأن المكان لا يمكن الدفاع عنه، ولا يزال الشيخ حسن كريت يعمل بطريقة تفضي إلى إغراء الجنود على إخلاء المدينة، ويبدو أن هؤلاء قد بدءوا فعلًا يتبعون نصائحه ويخلون المدينة ممَّا سوف يكون عند تمامهِ مبعث راحة عظيمة لنا، ولجميع السكان على السواء، والواقع أن الشيخ حسن كريت كان قد نجح في التأثير على الأهالي، وإقناعهم باستحالة الدفاع عن مدينتهم ضد الإنجليز، حتى إنهم صاروا لا يخفون ولاءهم لهؤلاء الأخيرين، وميولهم الودية نحوهم، ثم إنَّ مساعي الشيخ لدى الجنود لإغرائهم على الانسحاب من رشيد وإخلائها، جعل مقاومة هؤلاء للإنجليز عند قدومهم ميئوسًا منها.

وبالفعل ظهر كأنما الإنجليز لن يلقوا أية مقاومة في هجومهم على رشيد، عندما لم يعترض سيرهم شيء، حتى وصلوا إلى مرتفعات أبو منضور وبدا كل شيء هادئًا، وساد الاعتقاد بأن المدينة سوف تسقط من غير قتال، وقرر «ووكوب» لذلك دخول رشيد في اليوم التالي، وفي ٢١ مارس خرج قسم من حامية رشيد لملاقاة العدو خارج أسوار المدينة وتبادل مع كشافة الإنجليز الذين أُرسلوا للاستطلاع إطلاق الرصاص، ولكن هؤلاء أرغموهم على الارتداد والدخول إلى مدينتهم ثانية، وعندئذٍ نظَّمَ «ووكوب» قواته في ثلاثة طوابير، الأول لاقتحام المدينة من ناحية البساتين الممتدة على طول شاطئ النيل، والثاني لاقتحامها من الوسط؛ أي من باب المدينة الرئيسي، والثالث في المَيْسَرة لاقتحامها من باب الإسكندرية، وفي هذا الترتيب لم يحتفظ «ووكوب» بقوة احتياطية تحمي مؤخرته إذا حدث تقهقر وارتداد، أو تمنَّعَ العدو من الخروج من المدينة لمحاولة إشغال الجنود وإزعاجهم وهم يقاتلون بداخلها، فكان إغفال تنظيم هذه القوة الاحتياطية خطأ من جانب قائد الحملة الذي أغفل كذلك توضيح نوع المقاومة التي قد يلقاها جنوده وضباطه داخل مدينة مزدحمة بالمباني، وإرشادهم إلى الوسائل التي يستطيعون بها التغلب عليها، والظاهر أن «ووكوب» كان يعتقد — بفضل المعلومات التي لديه عن الحالة في رشيد — أن الجند المدافعين عنها سوف يضطرون إلى إخلائها عند دخول الإنجليز واقتحامهم لها أو التسليم كأسرى حرب، ومن المحتمل كذلك أنه كان يجهل طرق العثمانيين في الدفاع داخل مدينة يجدون في مبانيها ودُورِها وسائل للوقاية من نيران العدو من جهة، ومواقع قد يستخدمونها في إصلاء العدو نارًا حامية من النوافذ والطيقان وما إليها، وهم ممتنعون خلف جدرانها من جهة أخرى، ثم إنَّ شوارع المدينة الضيقة تمكِّنُ المدافعين عنها إذا شاءوا الثبات والصمود والمقاومة من الالتحام مع عدو يجهل على وجه الخصوص مسالكها، فرادى أو جماعات صغيرة؛ حيث إنَّه من المتعذر — لضيق الدروب والشوارع — تجمع وحدات كبيرة بها، وفضلًا عن ذلك فقد أهمل «ووكوب» — لاعتقاده دائمًا بأن الأرنئود والعثمانلي سوف يسلمون أو يخلون المدينة — القيام بعمليات استكشافية دقيقة أو كاملة، ولم تتجاوز التعليمات التي أصدرها إلى جنده مطالبتهم بالدخول إلى المدينة فحسب، حقيقة كان بعض الأرنئود قد بدءوا يتقهقرون عند بدء الهجوم، وأُعطيت الأوامر لحرق رشيد، وبعث بعض التجار والمسيحيين بها يطلبون ضمانات من الإنجليز لحمايتهم وتأمينهم، ولكنه فات على «ووكوب» إدراك أنه من النادر جدًّا أن يُلقي العثماني أو الشرقي سلاحه، وأنه لا يتوقع أن ينال رحمة من أحد؛ حيث إنَّه هو نفسه لا يرحم أحدًا، وأنه؛ أي العثماني أو الشرقي قد يفر هاربًا دون تردُّدٍ إذا سنحت الفرصة، ولكنه إذا لم تكن هناك وسيلة أخرى غير الصمود والدفاع عن نفسه، فإنه سوف يدافع عن نفسه حتى اللحظة الأخيرة، ولن يبيع حياته عندئذٍ بثمن بخس، وتلك كانت أخطاء عزا إليها «مسيت» فيما بعد بعض الأسباب الهامة التي أدت في نظره إلى فشل الحملة؛ لأن الإنجليز انهزموا شر هزيمة في هذه الواقعة.

فقد بدأت الطوابير الثلاثة حركتها حسب الأوامر المعطاة لها، ودفع طابورا الجناحين أمامهما في أول الأمر العدو حتى أرغماه على الانسحاب والارتداد السريع، ولكن الطريق الذي كان على الطابور الأول أن يسير فيه لاقتحام البلدة كان صعبًا؛ لأنه كان ممتدًّا على طول حافة النهر (النيل) ويقع على يساره مرتفع مُغطًى بالأحراش، وأهمل «ووكوب» احتلال هذا المرتفع، ولو أنه فعل لما استطاع المدافعون القيام بحركة خروج مسلح للاشتباك مع المهاجمين، زد على ذلك أن «ووكوب» أخطأ خطأ كبيرًا في اجتياز هذا الطريق؛ لأن أسوأ المعلومات عنه ومهما كانت ناقصة، ما كان ينبغي حتى مع قصورها هذا أن تجعله يقرر اتخاذه مدخلًا لاقتحام المدينة منه؛ وعلى ذلك، فقد تعرض المهاجمون من هذا الطريق لضرب شديد متصل من المرتفع الذي سبقت الإشارة إليه، وكذلك من مرتفع آخر على ضفة النهر المقابلة دون أن يستطيعوا المجاوبة، فكانت مفاجأة أشاعت الاضطراب في صفوف المهاجمين الذين اضطروا إلى ترك المدفع الذي كانوا يجرُّونه بأذرعهم، وفقدوا ثلثيهم بين قتيل وجريح، وعندئذٍ خرجت حفنة من فرسان المدافعين كادت تُجهِزُ تمامًا على البقية الباقية منهم.

وأمَّا الطابور الثاني المُكلَّف باقتحام المدينة من بابها الرئيسي في الوسط، فإنه لم يلبث أن قام بحركة انتشار غير حكيمة، عندما صار على بعد ثمانين ياردة فقط أو ثمانمائة متر تقريبًا من منازل المدينة، فتعرض لضرب شديد من مبانيها وطيقان أسوارها، ولكن المهاجمين استطاعوا إسكات هذا الضرب، ثم تمكنوا بعد مشقة من فتح ثغرة في السور تدفَّقَ منها المهاجمون وعلى رأسهم الجنرال «ووكوب» إلى داخل المدينة، فأخلى الأتراك والأرنئود المنازل الأمامية، وتقدم الإنجليز بسرعة ودون تكبد خسائر كبيرة إلى وسط المدينة، ولكن دون أن يكون لهم هدف محدد كذلك.

وكان عندئذٍ أن عرف «ووكوب» أن الطابور الثالث قد أبدى ترددًا في اقتحام المدينة من جهة باب الإسكندرية، بسبب مقاومة المدافعين عنه الذين أرغموهم على الارتداد، فأسرع «ووكوب» بالذهاب إلى هذا الموقع، ليجد أن الجنرال «ميد» قد أصيب بجرح بليغ، وأن شيئًا من الفوضى منتشر بين الجند، فأعاد النظام إلى نِصابِه، وعاود الجند الهجوم، وفي هذه المرة تمكنوا بعد مشقة من الدخول إلى رشيد، ولكن على مسافة كبيرة من يسار الهجوم الرئيسي، وعاد «ووكوب» أدراجه لينضم ثانية إلى طابوره الثاني الذي كان عندئذٍ قد استولى تمامًا على المواقع الرئيسية بداخل رشيد، وأصيب «ووكوب» عند دخوله إلى المدينة بجرح بسيط في كتفه، ولكنه لم يشأ إطلاع أحد على إصابته، وتقدَّم حتى وصل إلى مكان الجند الذين وجدهم يحتلون معسكرًا أو محلة صغيرة للعدو، وسكت إطلاق الرصاص من البيوت المُطلَّةِ على هذا الموقع والمجاورة له، عدا بيت واحد، وكان أثناء إصداره الأمر باقتحام هذا البيت أن أُصيب «ووكوب» بإصابة قضت عليه من فوره، واقتحم الجند هذا البيت وقتلوا من به من الأتراك، ولكن موت قائد الحملة كان خسارة لا تعوض.

ومع أنه لا يُعرفُ على وجه الدقة ما حدث بعد ذلك، فالثابت أن الإنجليز استمروا مدة ساعة واحدة لا ينازعهم منازع في امتلاك المدينة، ورسخ الاعتقاد في أذهان سكانها بأن رشيد قد سقطت نهائيًّا في أيدي الإنجليز، حتى إن عددًا من كبار أهلها وتجارها المسيحيين، ومن بين هؤلاء «روشتي» كتبوا يطلبون من المحتلين ضمانات تؤَمِّنهم على أرواحهم وأموالهم، وبادر «روشتي» نفسه بالكتابة إلى «بطروشي» يؤكد له أن الجيش البريطاني يحتل معظم المدينة، وأن السكان لم يشتركوا في المعركة؛ أي إنهم لم يدافعوا عن مدينتهم، بل على العكس من ذلك فإنهم راحوا يختلطون بالجنود الإنجليز، وقد بعث بهذا الخبر إليَّ الشيخ حسن كريت حتى أبلغك إياه، ثم إن الشيخ حسن يطلب حرس شرف لنفسه، ومن رأيي أنه ينبغي عليه أن يكتب بنفسه إلى القائد في ذلك كما اقترحت عليه في وقته، ولكن ما رأيك أنت في هذا كله؟ أرجوك إذا كان لديك وسيلة أخرى أن تحيطني علمًا بها؛ حيث إنِّي في انتظار ردِّك عليَّ بأقرب وقت ممكن، وقد أكد فيما بعد قومندان رشيد أو حاكمها علي بك السنانكلي أنه عندما هاجم الإنجليز رشيد للمرة الأولى لم يكن لديه سوى كمية ضئيلة من الذخائر، وأن المدينة التي كان الأرنئود قد أخلوا قسمًا كبيرًا منها كان لا مناص من أخذ الإنجليز لها، لو أن هؤلاء لم يقعدوا ليأكلوا ويشربوا بدلًا من الاستمرار في عملياتهم للاستفادة من المزايا التي كانت لهم، ثم إنه عندما سئل «تابرنا» بعد فشل حملة «فريزر» نهائيًّا وإخلائها الإسكندرية في الظروف التي سوف يأتي ذكرها ثم انسحابها إلى صقلية، وأريد الوقوف على أسباب هزيمة الإنجليز في رشيد، أجاب «تابرنا» على ما قُدِّمَ إليه من أسئلة، بأن عدد الجند برشيد كان حوالي ٤٥٠ رجلًا، وأن الإنجليز لو أنهم طلبوا من حاكمها التسليم لكان الشيخ حسن كريت والسكان جميعهم قد أرغموا هذا الحاكم على التسليم بالقوة، وأن جنود حاميتها وعلى رأسهم قائد القوات الألبانية قد ألقوا بأنفسهم في النيل طلبًا للنجاة بالوصول إلى الشاطئ الآخر سباحة، كما استخدم آخرون لهذا الغرض القوارب أو الألواح وقطع الخشب الطافية في النهر، حتى إنه لو لم يصدر أمر بتقهقر الجيش البريطاني لكان قد تسنى استيلاؤه على المدينة تمامًا، وأن أهل رشيد أبدوا أصدق العواطف نحو الإنجليز، وخرج عدد عظيم من رجال رشيد ونسائها من المدينة يحملون الخبز والماء وهم يصيحون: ينصر الله الإنجليز، وأنه بعد تقهقر هؤلاء الأخيرين، وانسحابهم أُلبسَ عديدون من هؤلاء التعساء ملابس الجند الإنجليز القتلى، ثم ذُبحوا انتقامًا منهم.

والحقيقة أن فقد «ووكوب» حرم الجند من القيادة التي في وسعها إرشادهم وتوجيههم، كما أنه لم تكن هناك خطة موضوعة سلفًا لبيان ما يجب على الجيش أن يفعله بعد اقتحام المدينة، فلم يعرفوا كيف يسلكون، وغرَّهم اختلاط الأهالي بهم وما لاحظوه من هدوء، فاعتقدوا أن العدو لن يعاود الكرَّةَ عليهم، وزاد في خديعتهم واطمئنانهم بظواهر الأمور أن «البطروشي» نائب القنصل البريطاني في رشيد، بادر بإقامة وليمة غذاء فخمة لضباط الحملة وكبارها في منزله — وقد كانت هذه من نصيب علي بك السنانكلي ورجاله بعد ذلك — فراح الجنود في جماعات صغيرة أو فرادى يجوبون أحياء المدينة وشوارعها الضيقة، وجلسوا في القهاوي والمطاعم يشربون أو يأكلون، بينما استلقى فريق منهم على الأرض ينشد الراحة، أو يطلب الظل في جوار الجدران، وذلك كله بدلًا من أن يحتلوا المباني والمواقع الرئيسية في البلدة، أو يعملوا على تأمين خطوط مواصلاتهم.

لاحظ هذا الخمول وعدم النشاط علي بك السنانكلي الذي سرعان ما استرد شجاعته وثقته في نفسه عندما رأى أن أحدًا لا يحاول مطاردته أو تعقبه، فعمد إلى نقل كل القوارب والسفن إلى شاطئ النيل الآخر، حتى يوقف ذهاب جنده إلى هذا الشاطئ، ويرغمهم على إطاعة أوامره، واسترد هؤلاء بدورهم شجاعتهم، ودخل بهم علي بك إلى المدينة مرة أخرى، ثم احتلوا المنازل من جديد وبدءوا في التوِّ والساعة إطلاق الرصاص من النوافذ والطيقان على الجند الإنجليز المبعثرين في الشوارع والدروب، وفوجئ هؤلاء مفاجأة بنوع من القتال لا عهد لهم به، وصار من المتعذر عليهم أن يلموا شملهم، أو يدافعوا عن أنفسهم في أي جهد مشترك أو خطة منسقة، فسقط كثيرون منهم قتلى وجرحى، ومع ذلك فإن الموقف لم يكن ميئوسًا منه؛ لأن حوالي المائة من الإنجليز بقيادة أحد ضباطهم استطاعوا الصمود في المكان الرئيسي وسط البلدة، ولكن أحد ضباط أركان الحرب تسرع في إبلاغ الجنرال «ميد» الذي تسلَّمَ القيادة العامة بعد موت «ووكوب» أن الهزيمة محققة، وأنه يخشى من إفناء الجند وإبادتهم، ولما كان «ميد» جريحًا خارج البلدة ولا يعرف ما حدث بها، فقد أصدر أمره بالانسحاب منها، ووجب على الجند إطاعة الأوامر الصادرة إليهم، بالرغم من توقعهم تكبد خسارة فادحة من جراء التقهقر في الشوارع الضيقة، وعلمهم بأن العدو يهدد بقطع خط الرجعة عليهم.

ولشد ما كانت دهشة الجند الآخرين الذين كانوا مع ضابطهم لا يزالون صامدين في المكان الرئيسي بالبلدة، عندما شاهدوا زملاءهم على أهبة التقهقر والانسحاب، بينما يجدُّ الأتراك والأرنئود في تعزيز مراكزهم خارج المدينة ومن جانبها، فلم يجدوا مناصًا من الانسحاب هم أيضًا، وكان عليهم أن يمروا في شارع ضيق ينتهي إلى الثغرة التي فُتحت في السور وقت اقتحام المدينة، ولمَّا لم تتسع هذه لمرور المدفع الذي كان معهم اضطروا إلى تركه.

ويقول التقرير الذي سجل حوادث حملة «فريزر»: «إن كثيرين من الجرحى بالمدينة وقعوا في يد العدو أثناء هذا الانسحاب، كما أن قسمًا من الجرحى الذين كانوا قد حُملوا قبل ذلك خارج المدينة ووضعوا تحت حماية حرس صغير، لم يلبث الفرسان الأتراك أن أجهزوا عليهم، فكان عندئذٍ أن قُتل البارودن «دي لوفين» Leuwene وهو ضابط متقدم في السن وموضع احترام عظيم، أصيب بجرح في ساقه، وحُملَ خارج البلدة، وهناك جاءه الفرسان الأتراك ومزقوه إربًا، ووجدت الحملة الثانية إلى رشيد جذعه مفصول الرأس، وقد أظهر العدو أقصى ضروب الوحشية أثناء هذه العمليات فلم يرحم أحدًا وقع في يده.» هذا وممَّا يجدر ذكره أنه قد قتل في معركة رشيد عدد من المهاجرين الفرنسيين الذين التحقوا بالجيش البريطاني في صقلية، هم «سانت جورج» Saint-Georges و«دي تو» Thou و«دي سومر كور» Sommercourt و«دي لافايت» Lafitte و«دي بلاتيل» Platel.
وبمجرد أن أعيد النظام إلى صفوف الجنود تحت إشراف الضابط «بروس» Bruce غادر الإنجليز رشيد وساروا حول قلعة جوليان قاصدين إلى شاطئ النيل حيث كان «هالويل» قد دخل ببعض قوارب الأسطول إلى النيل، ولكنه لم يستطع التقدم في النهر بسبب وجود هذه القلعة من جهة، ولوجود ثلاث من سفن المدفعية سدت الطريق عليه، وكانت خسارة هذه الحملة جسيمة؛ فقد قُتل قائدها «ووكوب» وجُرح «ميد» التالي له في القيادة جرحًا بليغًا، وبلغ عدد القتلى والجرحى والمفقودين أربعمائة، من بينهم كثير من الضباط، وأمَّا الجرحى الذين وصلوا مع الجند المتقهقرين فقد حُملوا إلى القوارب، ودار البحث الآن فيما يجب فعله.

ولما كان من المتعذر عمليًّا على «ميد» الاستمرار في القيادة فقد تولاها «بروس»، وكان الموقع الذي انسحب إليه الجند موقعًا طيبًا، يمكِّنهم من الدفاع فيه عن أنفسهم بسهولة، ويتيح تمسكهم به الفرصة لهم لإعادة تنظيم صفوفهم والبقاء قريبًا من رشيد حتى إذا جاءتهم النجدات استطاعوا استئناف الهجوم عليها، ولم يكن من المنتظر أن يحاول علي بك السنانكلي ومن معه من رؤساء الأجناد الأرنئود والعثمانلي تجربة حظهم بشن هجوم عليهم، ولكن «بروس» بعد البحث مع زملائه في شتى الخطط الواجب اتباعها قرر الانسحاب إلى نقطة الارتكاز الأولى وهي المحطة أو قيروان سراي التي أنشئوها بالقرب من منفذ بحيرة إدكو، على أن يقيموا عند وصولهم إليها مركزًا مسلحًا لحماية الممر الرئيسي إلى الإسكندرية.

وقد احتج الكابتن «هالويل» على هذه الخطة وطلب بقاء القوة على الأقل حتى تغادر النيل القوارب المحمَّلة بالجرحى؛ لأن وجود الأحراش يعرض هذه للخطر والهجوم عليها من جانب قوارب المدفعية التي للعدو، وكانت هذه مسلحة بمدافع أقوى من مدفعية سفنه، ولكن احتجاجات «هالويل» ذهبت سدى، وتقهقر الجيش في طريقه إلى قيروان سراي تاركًا قوارب الجرحى في خطر عظيم، لو أن الريح هبت من البحر وانتهز الأتراك هذه الفرصة فنشروا جنودهم على الشاطئ، وشنوا هجومًا على السفن بمساعدة مدفعية قواربهم، ولكن سفن الجرحى استطاعت بفضل هبوب ريح ملائمة مغادرة النيل في صبيحة اليوم التالي بسلام وانضمت إلى الأسطول الإنجليزي بالإسكندرية.

وأمَّا الجنود فقد جدُّوا في السير حتى وصلوا إلى المحطة، أو قيروان سراي بعد تعب ومشقة، ولكنهم لم ينشئوا بها ذلك المركز المسلح الذي كان مقررًا إقامته بها، بل نزلوا إلى السفن التي حملتهم إلى أبي قير.

وتضافرت أسباب عدة متنوعة على إحباط هذه الحملة الموجهة ضد رشيد وفشلها، فتجهيز الحملة كان ناقصًا من حيث المؤن المزودة بها ومن حيث المدفعية التي معها، وقد أوضحت المعلومات التي اعتمد عليها المشرفون على إعداد الحملة وإرسالها أن رشيد مكان يتسنى إخضاعه بالالتجاء إلى المفاجأة أكثر من محاولة اقتحامه بالقوة، ومن الواجب الاعتراف أيضًا بأن انطباع هذه الفكرة الخاطئة في أذهان قواد الحملة كان مبعث تدبير خطة العمليات العسكرية بالصورة التي تمت بها، وأن هذه الخطة بدليل ما أسفرت عنه من إصابات بين قتلى وجرحى قد أُسيء تنفيذها، فلا يمكن الدفاع بتاتًا عن مسألة إرسال الفريق الذي طلب منه السير في الطريق إلى اليمين، وهو طريق يصعب اختراقه عمليًّا، وذلك دون الاحتياط سلفًا بتنظيف المرتفع من العدو، ولم يزوَّد الجنود والضباط بمعلومات كافية عن طبيعة المهمة التي كُلِّفوا بها، وكان يجب إعطاء الجنود العتل الحديدية والمطارق الكبيرة، ثم إنَّه كان يجب قبل كل شيء إشعارهم والتأكيد عليهم بضرورة اقتحام المباني القوية بالمدينة والاحتفاظ بها، كما أنه كان لا يجب الإذن بإطلاق النار حتى يتم أولًا تأسيس المواقع والمراكز، ثم إنَّه كان لا مَعْدَى عن الاعتماد على استخدام السونكي؛ وذلك ليس لأنها السلاح الأجدى نفعًا، بل لأنها أكثر من ذلك، السلاح الذي يخشاه الأتراك ويخافونه أعظم خوف من غيره.

وبلغ عدد القتلى الإنجليز يوم ٣١ مارس، ١٨٥ والجرحى ٣٨٢، وكانت خسارة الأرنئود والجند المدافعين عن رشيد أربعين من القتلى وحوالي المائة من الجرحى، وذلك بناء على ما بلغ قنصل إسبانيا بالإسكندرية الماركيز «دالمينارا» d’Almenara الذي بادر بنقل تفاصيل هذه المعركة إلى السفير الإسباني في القسطنطينية في ٣ أبريل، ويذكر «دالمينارا» أن الهجوم وقع على رشيد في الساعة السادسة والدقيقة الخامسة والأربعين من صبيحة يوم ٣١ مارس وأن القتال استمر مدة ساعتين، وأن علي بك السنانكلي بعد هزيمة الإنجليز وتقهقرهم قد عامل الأسرى معاملة طيبة، وعُني بتضميد جروح الجرحى منهم، وأمَّا القتلى فقد أرسلت رءوسهم إلى القاهرة، ويذكر «دروفتي» في رسالة له إلى «سباستياني» من القاهرة في ٣ أبريل أن عدد الأسرى الذين وصلوا إلى القاهرة كان أربعين عدا أسير فرنسي يُدعى «جيرار» Gérard أُخذ معهم، وعدد الرءوس المقطوعة مائة وعشرون رأسًا، وأن الأرنئود استدرجوا الإنجليز إلى داخل البلدة، وأن هؤلاء الأخيرين لم يكن معهم فرسان لاعتماد الحملة عند خروجها من صقلية على فرسان المماليك الذين توقعوا أن يجدوهم على قدم الاستعداد للانضمام إليهم والاشتراك معهم في عملياتهم العسكرية عن وصولهم إلى الإسكندرية، وكان من رأي «دروفتي» أن هذه الهزيمة سوف تُعطِّل مشروع الإنجليز الذي يرمي إلى الاتصال بالمماليك، ثم إنَّها سوف تتيح الفرصة لمحمد علي للمفاوضة بنجاح مع البكوات من جهة، وتقوية حامية رشيد من جهة أخرى، ناهيك عن الأثر العظيم الذي سوف تحدثه في الرأي العام، وفي الجند العثمانيين خصوصًا من حيث تعزيز ثقتهم بأنفسهم.

وأمَّا الجنرال «فريزر» فقد نقل خبر هذه الكارثة إلى وزير الحربية «وندهام» في ٦ أبريل، في كتاب حاول فيه إلقاء تَبعةِ إرسال الحملة على رشيد على كاهل «مسيت» الذي قال «فريزر»: إنَّه أكد له أن عدم الاستيلاء على رشيد والرحمانية ينطوي على مجازفة خطيرة هي تعريض الإسكندرية للمجاعة، كما أن «فريزر» أشرك معه السير «جون داكويرث» في تحمل مسئولية إرسال هذه الحملة عندما قال: إن ذلك كان بموافقته، وقد تحدث «فريزر» عن أسباب الهزيمة فقال: «إن جنودنا احتلوا مرتفعات أبو منضور — التي تسيطر على المدينة — دون خسارة، ولكنه بسبب ظروف لم يمكن تفسيرها حتى الآن، وجد القائد «ووكوب» لسوء الحظ ما أغراه بالدخول إلى المدينة بجميع قواته، بدلًا من الاحتفاظ بمركزه في أبو منضور، ومن غير أن يستكشف المكان سلفًا، مما أدى إلى تعريض الجنود للضرب بقسوة من المنافذ، وسطوح البيوت، ودون أن يستطيعوا حتى رؤية العدو، مما ترتب عليه أنه رُئي من الحكمة إصدار الأمر لهم بالانسحاب لا سيما وأن الجنرال «ووكوب» كان قد قُتل، والقائد التالي له في القيادة الجنرال «ميد» كان قد أصيب بجرح بليغ.» ثم استطرد «فريزر» يذكر آثار هذه الهزيمة السيئة فقال: إن فشل هذه الحملة وانسحابها إلى الإسكندرية كان كارثة غير متوقعة، وبخاصة لأن كل المعلومات التي لديه كانت قد جعلته يعتقد أنه إذا حدثت أية مقاومة فإنها سوف تكون تافهة ولا قيمة لها، فضلًا عن جميع الاحتياطات التي قد تشير إليها الحكمة كان قد أوصى باتخاذها؛ ولذلك فليس هناك ما أعزو إليه هذه الخسائر الجسيمة التي تكبدناها إلا ما زهر من شغف وولوع عظيمين لسوء الحظ، بالسماح للجنود بدخول المدينة قبل استكشافها كما ينبغي مقدمًا، ووضع الجنود لذلك تحت تسلط العدو وسيطرته، وهو عدو لا يُخْشَى بأسه عند الالتحام معه في ميدان مكشوف، ولكنه يصبح مبعث أخطار جسيمة للغاية إذا هوجم في موضع يفيد منه يقينًا ويتلاءم تمامًا مع أساليب قتاله كذلك الوضع الذي وجد فيه.

أمَّا هذه الهزيمة التي لحقت بالإنجليز في رشيد فقد طار نبؤها إلى الإسكندرية في ٣١ مارس؛ أي يوم المعركة ذاتها، كما وصلت أخبارها القاهرة أول ما وصلت يوم ٣ أبريل، وكان لنبأ هذه الهزيمة وقع عظيم في الإسكندرية والقاهرة معًا، ضد صالح الإنجليز، الذين أصيبت سمعتهم بسببها بضربة ماحقة.

(٨) محمد علي في القاهرة

سجل الشيخ الجبرتي الأخبار التي وردت إلى القاهرة يوم ٣ أبريل عن هزيمة الإنجليز في رشيد، ثم تحدث عن أثرها في دمنهور فقال: «وكان كاشفها عندما بلغه ما حصل برشيد من انهزام الإنجليز، اطمأن خاطره ورجع بعد أن كان قد غادرها في الظروف التي مر ذكرها إلى ناحية ديبي ومحلة الأمير وطلع بمن معه إلى البر وصادف شرذمة من الفارِّين الإنجليز من رشيد إلى ناحية دمنهور فقتل بعضهم، وأخذ ما بقي منهم أسرى، وأرسلوا السُّعاة إلى مصر (القاهرة) بالبشارة، فضربوا مدافع وعملوا شنكًا وخلع كتخدا بك على السعاة الواصلين.» وقد ذكرنا كيف خرج الناس للفرجة على الأسرى ورءوس القتلى عند وصول هؤلاء الأسرى وهذه الرءوس المقطوعة إلى القاهرة يوم ٥ أبريل.

ومع أنَّ يوسف عزيز قد أكد بعد ذلك عند سؤاله في «مسينا» في ٢٠ أكتوبر ١٨٠٧ عن الأثر الذي أحدثته هزيمة الإنجليز في رشيد في ٣١ مارس بأن أهل القاهرة قد صاروا يقولون علنًا إنَّ الجيش الذي هاجمها لم يكن مؤلفًا من الإنجليز، وأنهم عرفوا جيدًا عند وصول الأسرى إلى القاهرة كيف يميزون أن معظم هؤلاء كانوا من الأجانب، وأن كل أولئك الذين رأوا يوسف عزيز وقتذاك من القاهريين قد أكدوا له أن شعب مصر قد حزن أكثر مما حزن الإنجليز أنفسهم لهذه الهزيمة التي أصابتهم، ولكنه؛ أي شعب مصر يجد تعزيته في رجائه أن الجيش الإنجليزي سوف يعمد إلى إصلاح الخطأ الذي ارتكبه، وأنه سوف يحتل قريبًا القاهرة، وتذاع الإشاعات يوميًّا بأن الإنجليز قد وصلتهم نجدات عظيمة حتى يرهبوا الأرنئود، ويحملوهم على مغادرة البلاد، فالثابت أن أخبار هذه الهزيمة قد أحيت معنوية القاهريين، وأزالت الوهم الذي كان مستوليًّا عليهم، وأثارت حميتهم وجعلتهم يهتمون بالدفاع عن مدينتهم؛ وذلك لأن أحدًا من الناس ما كان يعتقد أنه يسهل الانتصار على جيش أوروبي مزود بأكمل الأسلحة وأحدثها، ولكن مشاهدة الأسرى وفيهم فسيال كبير وآخر كبير في السن، وهما راكبان على حمارين، والبقية مشاة في وسط العسكر الذين جاءوا بهم، ثم أولئك الذين خرجوا لاستقبالهم عند وصولهم إلى ساحل بولاق ورءوس القتلى معهم على نبابيت، وقد تغيرت وأنتنت رائحتها — قد نهض دليلًا على أن هزيمة الإنجليز أمر يسهل إحرازه، ولا ينبغي لذلك أن يخشى الناس بأسهم.

وقد ظهر أثر هذه الهزيمة أكثر ما ظهر في مسلك السيد عمر مكرم والمشايخ عمومًا، فقد نبه الأول — في اليوم نفسه ٥ أبريل — على الناس وأمرهم بحمل السلاح والتأهب للجهاد في الإنجليز حتى مجاوري الأزهر، وأمرهم بترك حضور الدروس، وكذلك أمر المشايخ المدرسين بترك إلقاء الدروس، وفي هذا اليوم أيضًا تزايد اطمئنان الناس، وتزايدت هِمَّةُ عمر مكرم والمشايخ عندما وصل عابدين بك وعمر بك وأحمد أغا لاظ أوغلي من الصعيد وأشيع وصول الباشا بعد يومين، ثم لم تلبث أن وصلت إلى بولاق يوم ٦ أبريل جملة من الرءوس والأسرى، فطلعوا بهم على الرسم المذكور وعدتهم مائة رأس وإحدى وعشرون رأسًا وثلاثة عشر أسيرًا وفيهم جرحى، وقد مات أحدهم على بولاق، فقطعوا رأسه ورشقوها مع الرءوس على النبابيت وشقوا بهم من وسط المدينة آخر النهار.

ثم إن رجال الحكومة والمشايخ لم يلبثوا أن عقدوا اجتماعًا ببيت القاضي يوم ٧ أبريل حضره حسن باشا وعمر بك والدفتردار وكتخدا بك «طبوز أوغلي» وعمر مكرم والشيخ الشرقاوي والشيخ الأمير وسائر المشايخ، وقال الشيخ الجبرتي: «إنهم تكلموا في شأن حادثة الإنجليز والاستعداد لحربهم وقتالهم وطردهم، فإنهم أعداء الدين والمِلَّةِ، وقد صاروا أيضًا أخصامًا للسلطان، فيجب على المسلمين دفعهم، ويجب أيضًا أن يكون الناس والعسكر على حال الألفة والشفقة والاتحاد، وأن تمتنع العساكر عن التعرض للناس بالإيذاء كما هو شأنهم، وأن يساعدوا بعضهم بعضًا على دفع العدو، ثم تشاوروا في تحصين المدينة وحفر خنادق، فقال بعضهم إن الإنجليز لا يأتون إلا من البر الغربي، والنيل حاجز بين الفريقين، وإن الفرنساوية كانوا أعلم بأمر الحروب، وإنهم لم يحفروا إلا الخندق المتصل من الباب الجديد إلى البر، فينبغي الاعتناء بإصلاحه ولو لم يكن كوضعهم وإتقانهم؛ إذ لا يمكن فعل ذلك، واتفقوا على ذلك.»

ولمَّا كان حاكم رشيد علي بك السنانكلي يتوقع أن يستأنف الإنجليز هجومهم على رشيد، فقد بعث يطلب هو وأحمد بك المعروف ببونابرتة الخازندار النجدة من القاهرة، ووصل كتابهما يوم ٧ أبريل، وفيه يقولان: «إن الإنجليز لما حضروا إلى رشيد وحصل لهم ما حصل من القتل والأسر ورجعوا خائبين حصل لباقيهم غيظ عظيم، وهم شارعون في الاستعداد للعود والمحاربة، والقصد أن تسعفونا وتمدونا بإرسال الرجال والمحاربين والجبخانة بسرعة وعجلة، وإلَّا فلا لوم علينا بعد ذلك، وقد أخبرناكم وعرفناكم بذلك.» ويحمل هذا الكتاب تاريخ ٣ أبريل.

فبادر المسئولون والمشايخ على الفور بإرسال عدة من المقاتلين في هذا اليوم نفسه، ثم إنهم كتبوا مكاتبات إلى البلاد والعربان الكائنين ببلاد البحيرة يدعونهم للمحاربة والمجاهدة، وفي اليوم التالي (٨ أبريل) اطمأن خاطر «دروفتي» عندما صحب السيد عمر مكرم والقاضي والمشايخ والأعيان ونزلوا جميعًا إلى ضاحية بولاق لترتيب أمر الخندق الذي تقرر إصلاحه في اجتماع اليوم السابق، وذكر الشيخ الجبرتي أن «دروفتي» هو الذي أشار عليهم بذلك، وقد صحبهم في خروجهم هذا الجمع الكثير من الناس والأتباع والكل بالأسلحة، وشرعوا في نفس اليوم في حفر الخندق المذكور ووزعوا حفره على مياسير الناس، وأهل الوكائل والخانات والتجار وأرباب الحرف والروزنامجي، وجعلوا على البعض أجرة مائة رجل من الفعلة، وعلى البعض أجرة خمسين وعشرين، وكذلك أهل بولاق ونصارى ديوان المكس والنصارى الأروام والشوام والأقباط، واشتروا المقاطف والغلقان والفئوس والقزم وآلات الحفر وشرعوا في بناء حائط مستدير أسفل تل قلعة السبتية.

ولكن في اليوم الذي بعث فيه علي بك السنانكلي وبونابرتة الخازندار رسالتهما الآنفة بتاريخ ٣ أبريل، كان «فريزر» قد سيَّرَ حملة ثانية ضد رشيد في ظروف سوف يأتي ذكرها، وشرع الإنجليز في حصارها، فأرسل السيد حسن كريت نقيب الأشراف برشيد والمشار إليه بها كتابًا إلى السيد عمر مكرم تسلمه هذا في القاهرة يوم ٩ أبريل، جاء فيه «أن الإنجليز لمَّا وقع لهم ما وقع برشيد ورجعوا في هزيمتهم إلى الإسكندرية، استعدوا وحضروا إلى ناحية الحماد قبلي رشيد ومعهم المدافع الهائلة والعُدد، ونصبوا متاريسهم من ساحل البحر إلى الجبل عرضًا وذلك ليلة الثلاثاء ثامن عشرينه (٢٨ محرم ١٢٢٢ الموافق ٧ أبريل ١٨٠٧)، فهذا ما حصل أخبرناكم به، ونرجو الإسعاف والإمداد بالرجال والجبخانة والعدة والعدد وعدم التأني والإهمال.» ويبدو أن السبب في تحول السيد حسن كريت عن مؤازرة الإنجليز في هذه المدة أنه صار بعد هزيمتهم الأولى لا يثق في قدرتهم على الاستيلاء على رشيد، لا سيما وأن حاكمها علي بك السنانكلي كان يبذل همة عظيمة في الدفاع عنها، وأبدى الأرنئود وسائر الجند بها استخفافهم بعمليات الإنجليز بعد أن ذاقوا طعم الانتصار عليهم، وفضلًا عن ذلك فإن الشيخ بعد أن أظهر صداقته للإنجليز في المرة الأولى واطمأن إلى وثوق هؤلاء به واعتبارهم إياه من أصدقائهم، رأى من حسن السياسة الآن، وكما تصور هو وغيره من مشايخ الوقت حينذاك هذه السياسة الحسنة، أن يتمسك أو يتظاهر كذلك بولائه لحكومة الباشا، حتى إذا جاءت النجدات فعلًا من القاهرة، وانهزم الإنجليز في هذه المرة أيضًا، ظل مرضيًا عنه، واحتفظ بثروته وجاهه، وأمَّا إذا لم تأتِ النجدات واستولى الإنجليز على البلدة، استأنف سيرته معهم، ووجد في الوقت نفسه حجة في طلبه للنجدة وعدم وصولها، يستند عليها في تسويغ مسلكه مع العدو المحتل لبلده.

وأمَّا كتاب حسن كريت فقد قرأه السيد عمر النقيب على الناس، وحث السيد الناس على التأهب والخروج للجهاد، فامتثلوا لأمره، ولبسوا الأسلحة، وجمع عمر مكرم إليه طائفة المغاربة وأتراك خان الخليلي، وكثيرًا من العدوية والأسيوطية (ومن المعروف أن أسيوط مسقط رأسه) وأولاد البلد، وبلغ الحماس من السيد عمر للخروج في قتال الإنجليز ونجدة أهل رشيد مبلغًا عظيمًا فركب في صبحها (١٠ أبريل) إلى كتخدا بك واستأذنه في الذهاب، ويبدو أن مسألة الخطاب الذي كان قد كتبه قنصل روسيا والنمسا العام في مصر «ماكاردل» إلى «مسيت» والقواد الإنجليز بالإسكندرية بناء على رغبة عمر مكرم، وقال يوسف عزيز إنَّ الحكومة قد صادرته كانت لا تزال ماثلة في ذهن كتخدا بك، ولو أنه كان يجهل دور عمر مكرم في هذه المسألة، فقد رفض أن يسمح له بالذهاب إلى الجهاد المنشود، وقال حتى يأتي أفندينا الباشا ويرى رأيه في ذلك، فبقي عمر مكرم بالقاهرة ثم سافر مَنْ سافر وبقي من بقي، وفي اليوم التالي (١١ أبريل) وردت مكاتبة من علي بك السنانكلي وأحمد أغا بونابرتة الخازندار وطاهر باشا بمعنى مكتوب السيد حسن كريت السابق، ويذكرون فيه أن الإنجليز ملكوا أيضًا كوم الأفراح وأبو منضور ويستعجلون النجدة.

ولكن في تلك الليلة — ١١ أبريل ١٨٠٧ — وفي ساعة متأخرة وصل محمد علي باشا ودخل إلى داره بالأزبكية فلما طلع نهار ذلك اليوم ذهب عمر مكرم والمشايخ ورجال الحكومة للسلام عليه في داره ودار بينهم الكلام في أمر الإنجليز، وأظهر الباشا سخطه على أهل الإسكندرية والشيخ المسيري وأمين أغا حيث مكَّنوا الإنجليز من الثغر وملكوهم البلدة، ولم يقبل لهم عذرًا في ذلك، ومما يجب ذكره أن الباب العالي نفسه ساورته الشكوك في مسلك أمين أغا ومضالعته مع الإنجليز هو وغيره من المسئولين في الإسكندرية، فقد كلف الريس أفندي — غداة وصول أخبار تسليم الإسكندرية إلى القسطنطينية — ترجمان الباب العالي بإبلاغ «سباستياني» السفير الفرنسي بها في ١٩ مايو ١٨٠٧، أن محمد علي عندما علم أن أسطولًا إنجليزيًّا يحمل جنودًا بريين قد تقدم نحو شواطئ مصر ليحاول إنزال هؤلاء الجنود إلى البر، أرسل قوة من الجند لتعزيز حامية الإسكندرية، ولكن أمين أغا قبطان الكريتلي حاكم المدينة رفض هذه النجدة، وأرجع باحترام جند محمد علي قائلًا: إنه ليست له حاجة بهم، وفي أثناء ذلك أنزل أسطول إنجليزي جندًا في أبي قير ثم آخرين بعد ذلك عند قرية العجمي ثم أحاط بالإسكندرية، وعندئذٍ عقد أمين أغا مجلسًا مع رؤساء البلد ثم أرسل مفاوضًا إلى الجيش الإنجليزي الصغير، وسلم المدينة مع الحصن تسليمًا إلى الإنجليز؛ أي من غير مقاومة، وقد حدث هذا حوالي منتصف مارس، ومن المحتمل أن الحكام والقواد بالإسكندرية كانوا متفاهمين مع الإنجليز، الأمر الذي يفسر رفضهم للنجدات التي عرضها عليهم محمد علي باشا.

ومهما يكن من أمر، فقد وجب الآن تدبير الوسائل التي يمكن بها إنقاذ رشيد وإرسال النجدات إليها، وقد أبدى المجتمعون بالباشا رغبتهم في الخروج جميعًا للجهاد مع الرعية والعسكر لا سيما وأن الرعية كانوا على قدم الاستعداد للخروج، بعد أن أمرهم السيد عمر مكرم بحمل السلاح، وجمع حوله طوائف كثيرة لهذا الغرض، على نحو ما سبقت الإشارة إليه، ولكن الباشا رفض ذلك وقال: «ليس على رعية البلد خروج وإنما عليهم المساعدة بالمال لعلائف العسكر»، ثم أمر كتخدا بك «طبوز أوغلي» وحسن باشا بالخروج في اليوم نفسه لنجدة رشيد والاشتباك مع الإنجليز، فأخرجوا مطلوباتهم وعازتهم إلى بولاق، وفي المساء طلب الباشا السيد عمر في وقت العشاء الأخيرة، وألزمه بتحصيل ألف كيس لنفقة العسكر وأن يوزعها بمعرفته.

وفي ١٤ أبريل كتب «دروفتي» إلى «سباستياني» أنه قابل الباشا عقب عودته إلى القاهرة وتباحث معه في الموقف في مصر مدة ساعتين، فدار الكلام بينهما حول مفاوضات الباشا الأخيرة مع بكوات الصعيد، وحول الاستعدادات اللازمة لدفع عدوان الإنجليز، فقال «دروفتي» إنَّه علم أن المفاوضات بين محمد علي وإبراهيم بك وسائر زملائه لم تسفر عن شروط نهائية، وأن الاتفاق كان على الشروط المبدئية فحسب، ومؤداها أن البكوات لا يتحالفون مع الإنجليز، وعند الضرورة يحملون السلاح ضدهم؛ أي يقاتلونهم، وأن يحتل البكوات الصعيد في نظير دفع الميري لخزينة الدولة، ثم قال «دروفتي»: «والباشا مخلص فيما تعهد به، وقد سحب جنده من الأماكن المحصنة في الصعيد، واحتل المماليك هذه الأماكن التي أخلاها العثمانيون، ومن المنتظر حضور إبراهيم بك إلى الجيزة حتى يمكن بواسطة العلماء والمشايخ عقد المعاهدة النهائية، ويعتقد محمد علي أن البكوات لا ينضمون إلى الإنجليز، وأنهم حتى إذا فعلوا هذا فإن جميع الأرنئود العثمانلي الذين في خدمتهم سوف يتركونهم حينئذ»، ثم استطرد «دروفتي» يقول: «وقد بادر الباشا فور وصوله باتخاذ الوسائل اللازمة لإرسال الجند مع كتخدا بك إلى رشيد التي يحاصرها الإنجليز، ومحمد علي يعمل في إنشاء خط من التحصينات الخارجية لحماية بولاق والطريق الممتد منها إلى القاهرة»، ثم أكد أن المشايخ وتبعًا لذلك — كما قال — الأهالي يبدون روحًا عالية طيبة، وقد اتخذ الباشا كل ما يمكن من تدابير لتكذيب دعوى القائد الإنجليزي الذي يقول: إن فتح مصر لا يكلف مشقات أكثر مما يكلفه فتح «بينوس أيرس» Buenos Aires بالأرجنتين — وكان الإنجليز قد بعثوا بحملة إلى أمريكا الجنوبية استولت على «بينوس أيرس» في يونيو ١٨٠٦ ولكنهم لم يلبثوا أن فقدوها في فبراير من العام التالي — وختم «دروفتي» رسالته بقوله: «إنَّ الباشا يبدي عواطف طيبة نحو الإمبراطور نابليون وفرنسا»، وأشار «دروفتي» على محمد علي بضرورة حشد جميع قواته الموجودة منها في القاهرة ومصر الوسطى والصعيد وتسييرها بأقصى سرعة ضد الإنجليز قبل أن يتمكن هؤلاء من تثبيت أقدامهم في الوجه البحري، وراح يضرب الأمثال لتأييد وجهة نظره بما فعله بونابرت عند نزول العثمانيين في أبي قير في يوليو ١٧٩٩، فقد جمع هذا في مكان واحد كل قواته المنعزلة عن بعضها بعضًا، فانتصر بفضل ذلك على جيش الصدر الأعظم في معركة أبي قير البرية (٢٥ يوليو ١٧٩٩)، كما فقد «منو» Menou مصر؛ لأنه خالف هذه الخطة، فوزَّعَ قواته في أماكن متعددة، واقتنع الباشا برأي «دروفتي» وشرع يجمع الجند تهيؤًا لإرسالهم ضد الإنجليز.

وحدث أثناء ذلك أن وردت مكاتبة من رشيد وعليها إمضاء السيد حسن كريت بعث بها في ١١ أبريل ووصلت إلى القاهرة في ١٤ منه، ويخبر فيها حسن كريت بأن الإنجليز محتاطون بالثغر ومتحلقون حوله، ويضربون على البلد بالمدافع والقنابر، وقد تهدم الكثير من الدور والأبنية ومات كثير من الناس، ثم يقول: وقد أرسلنا لكم قبل تاريخه نطلب الإغاثة والنجدة فلم تسعفونا بإرسال شيء، وما عرفنا لأي شيء هذا الحال، وما هذا الإهمال، فالله الله في الإسعاف، فقد ضاق الخناق، وبلغت القلوب الحناجر، من توقع المكروه وملازمة المرابطة والسهر على المتاريس، وكانت هذه الرسالة معنونة باسم السيد عمر مكرم النقيب والمشايخ.

فاهتمَّ الباشا اهتمامًا بالغًا حتى إنه اعتزم السفر بنفسه وركب إلى بولاق وصحبته حسن باشا وعابدين بك وعمر بك، ولكن الباشا لم يسافر وخرج أجناد كثيرون، ولو أن معظم هؤلاء ما كانوا يتعدون منية السيرج وشبرا أو الزاوية الحمراء والمطرية والأميرية، يعتدون على الأهالي ويأكلون مزروعاتهم ويخطفون مواشيهم ويعتدون على الأهلين، ومنهم من كان لا يسير إلى أبعد من بولاق ذاتها وجزيرة بدران، ثم يعود أكثر هؤلاء إلى القاهرة، فقال الشيخ الجبرتي: «إن الأجناد في الجهات التي ذهبوا إليها أكلوا زروعات الجميع، وخطفوا مواشيهم، وفجروا بالنساء، وافتضوا الأبكار، ولاطوا بالغلمان وأخذوهم وباعوهم فيما بينهم، حتى باعوا البعض بسوق مسكة وغيره»، وعلق الشيخ على ذلك بقوله في مرارة: «وهكذا يفعل المجاهدون! ولشدة قهر الخلائق منهم وقبح أفعالهم تمنوا مجيء الإفرنج من أي جنس كان، وزوال هؤلاء الطوائف الخاسرة الذين ليس لهم ملة ولا شريعة ولا طريقة يمشون عليها، فكانوا يصرخون بذلك بمسمع منهم، فيزداد حقدهم، وعدوانهم ويقولون: أهل هذه البلاد ليسوا مسلمين؛ لأنهم يكرهوننا ويحبون النصارى، ويتوعدونهم إذا خلصت لهم البلاد ولا ينظرون لقبح أفعالهم.» وكان مرتكبو هذه الفعال الجنود الحاضرون من الصعيد بعد إخلائه لا سيما جنود حامية المنيا الذين كانوا مع أحمد أغا لاظ أوغلي، وقد أوجبت هذه الحال بقاء الباشا في القاهرة لمعالجة مسألة هؤلاء الجند الذين كانوا يطالبون بمرتباتهم المتأخرة، وقد ذكرنا كيف أنه ألزم عمر مكرم بتحصيل ألف كيس لنفقة العسكر، أمَّا الجند الذين ساروا مع كتخدا بك «طبوز أوغلي» وحسن باشا وتحت قيادة الأول فكانوا أربعمائة من المشاة وألفًا وخمسمائة من الفرسان، وساروا جيشًا واحدًا حتى وصلوا إلى منوف، ثم انقسموا بعد ذلك إلى فريقين، فعبر حسن باشا بفريق منهما النيل ليسير على الشاطئ الأيسر للنهر، بينما استمر كتخدا بك يسير على الشاطئ الأيمن ووجهة الجيشين رشيد.

وكان الباشا قد طلب إلى السيد عمر مكرم والمشايخ أن يكتبوا إلى البكوات القبالي يستحثونهم على التعجيل بالحضور إلى الجيزة لإبرام الصلح النهائي، فأرسل هؤلاء جوابًا وصل القاهرة في ٢٠ أبريل يعتذرون فيه بأن السبب في تأخرهم أنهم لم يتكاملوا، وأن أكثرهم متفرقون بالنواحي مثل عثمان بك حسن وغيره، وأنهم إلى الآن لم تثبت عندهم حقيقة الأمر؛ لأن من الثابت عندهم صداقة الإنجليز مع العثماني من قديم الزمان، وأن المراسيم التي وردت بالتحذير والتحفظ من الموسكوب ولم يذكر الإنجليز، ولا جدال في أن البكوات قد تعمدوا المغالطة في أجوبتهم هذه؛ لأن رسائل «مسيت» إليهم كانت قد أوقفتهم على الحقيقة، وقد تقدَّمَ كيف أن إبراهيم بك وشاهين بك الألفي قد أجابا عليها في أول أبريل بما يفيد أنهما كانا يعرفان بقطع العلاقات، وقيام الحرب بين تركيا وإنجلترة، وبأغراض الحملة التي أرسلها الإنجليز إلى مصر كما فسرها «مسيت» لهم، على أن المقصود من هذه المغالطة من جانبهم كان ولا شك كسب الوقت حتى تستبين لهم نتائج هذه الحملة الإنجليزية، ثم إنَّ الانقسام الذي فرَّقَ كلمتهم، والذي أشرنا إليه سابقًا، جعلهم عاجزين عن اتخاذ قرار حاسم في مسألة الصلح النهائي مع محمد علي، ولما كانوا يؤثرون الإبطاء في تقدمهم لاعتقادهم خطأ أن في ذلك صالحهم للأسباب التي ذكرناها، وأهمها عدم التورط مع محمد علي في اتفاق نهائي قد يفوت عليهم الانتفاع من آثار انتصار الإنجليز لو قُدِّرَ لهؤلاء النصر، فإنهم حتى يوم ٢٠ أبريل لم يكونوا قد تعدوا المنيا، وقد كان هناك أن ذَهبَ إليهم مصطفى أفندي كتخدا القاضي، وهو الذي حضر المفاوضات السابقة بينهم وبين المشايخ الثلاثة، يحمل إليهم المراسيم التي وردت في شأن — التحذير والتحفظ — وفيها ذكر الإنجليز ومنابذتهم للدولة، وكان مصطفي أفندي قد سافر إليهم بهذه المراسيم في صبح هذا اليوم (٢٠ أبريل).

ثم إنَّ الباشا طلع في هذا اليوم إلى القلعة وصحبته قنصل الفرنساوية «دروفتي» يهندس معه الأماكن ومواطن الحصار، وعاون «دروفتي» الباشا معاونة صادقة في تدبير تحصين القاهرة، فوصف الشيخ الجبرتي ما أبداه من نشاط وقتئذٍ بقوله: «والقنصل المذكور يظهر الاهتمام والاجتهاد ويسهل الأمر ويبذل النصح، ويكثر من الركوب والذهاب والإياب وأمامه الخدم وبأيديهم الحراب المفضضة وخلفه ترجمانه وأتباعه»، وقد بذل الباشا جهدًا صادقًا في تحصين القاهرة بمعاونة «دروفتي»، فأُصلحت الأسوار وأُعيد ترميم خط التحصينات أو الخندق الذي كان الفرنسيون قد أقاموه أيام حملتهم، وأقيمت المتاريس على طول الخط من قلعة «كامان» Camin باب الحديد حتى بولاق، ثم أقيم متراسان كبيران نصبت بجوارهما مدافع الحصار لحماية الأماكن المكشوفة، كما وُضِعت بطريات مدفعية على الجزيرة في النهر أمام إمبابة، وأغرقت المراكب في عرض النيل بين شاطئيه لمنع الملاحة.

وفي ٢٣ أبريل عملوا ديوانًا ببيت القاضي، اجتمع فيه الدفتردار والمشايخ والوجاقلية وقرءوا مرسومًا تقدم حضوره قبل وصول الإنجليز إلى الإسكندرية، مضمونه ضبط تعلُّقاتِ الإنجليز وما لهم من المال والودائع والشركات مع التجار بمصر (القاهرة) والثغور، وقد وقع تحت طائلة هذا المرسوم كل من «البطروشي»، و«روشتي» في ظروف سوف يأتي ذكرها، وبعد هزيمة الإنجليز في حملتهم الثانية ضد رشيد ثم انزوائهم بالإسكندرية والتحصُّن بها، فقد وصلت الأنباء إلى القاهرة في هذا اليوم نفسه (٢٣ أبريل) عن هزيمة هؤلاء عند الحماد هزيمة منكرة.

(٩) محاولة الإنجليز الثانية ضد رشيد

فقد أصابت هزيمة رشيد سمعة الجيش البريطاني بضربة ماحقة كما قدمنا، ولم يكن من المنتظر أن يرضى «فريزر» وسائر القواد بما أصاب سمعة الجيش وخدشها، وألا يحاولوا غسل الإهانة التي لحقت به، وكان «مسيت» بطبيعة الحال أعظم تشوقًا من هؤلاء القواد للانتقام من هزيمة رشيد، وهو الذي بنى كل خططه على نجاح عمليات الحملة العسكرية، واتساع نطاقها في الدلتا خارج الإسكندرية حتى يستطيع جذب البكوات للحضور من الصعيد، وتأييد حلفائهم في مجهود قوي متحد لطرد الأرنئود ومحمد علي وإعادة تأسيس الحكومة المملوكية في القاهرة تحت حماية بريطانيا، فكان في بقاء الجيش بالإسكندرية بعد هزيمته في رشيد القضاء على كل آماله؛ ولذلك فقد راح «مسيت» يلح على «فريزر» بمجرد عودة الجيش المنهزم إلى الإسكندرية في ضرورة إعادة الكرَّةِ، وتجديد محاول إخضاع رشيد، واستند فيما أراده على نفس الدعوى التي استند عليها عند المحاولة الأولى، وهي أن الاستيلاء على رشيد والرحمانية ضروري لمنع حدوث المجاعة في الإسكندرية، ثم إنَّه أيد دعواه هذه بأن جعل الشوربجي سيدي قاسم غرياني رئيس القضاة بالثغر يطالب باسم أهل الإسكندرية عمومًا باحتلال رشيد؛ حيث إنَّه لا مفر من انتشار المجاعة بالإسكندرية بسبب احتلال الجيش لها إذا لم يبادر الإنجليز بالاستيلاء على رشيد التي تُموَّنُ منها الإسكندرية، ولما كان «فريزر» يخشى مما سوف يتركه تخلي الجيش عن أخذ رشيد من أثر سيئ في أذهان العربان وغيرهم من الجماعات المناصرة للإنجليز، فقد قرر اتخاذ هذه الخطوة، ولكن «فريزر» أدرك في الوقت نفسه أنه مُقدِم على عمل خطير؛ لمخالفة ذلك للتعليمات التي لديه والتي خرقها في حملته الأولى دون جدوى، ولأن قواته قد حدثت بها ثغرة بعد الهجوم الفاشل ضد رشيد، ولأنه كان يتوقع بسبب هذه المحاولة الثانية التي أزمع عليها أن يتسع نطاق عملياته العسكرية في الدلتا والاشتباك مع ما قد يأتي من قوات لنجدة رشيد، وذلك كله إلى جانب ضرورة احتفاظه بالإسكندرية ذاتها الغرض الأساسي من مهمته؛ وعلى ذلك، فقد طلب «فريزر» من «مسيت» الإجابة رسميًّا على طائفة من الأسئلة المحددة كان الغرض من وضعها والحصول على جواب «مسيت» عليها — والأخير هو الذي أوصت تعليمات ٢١ نوفمبر ١٨٠٦ بالإصغاء إلى آرائه — تبرير إنفاذ هذه الحملة الثانية إلى رشيد، ثم إن «فريزر» راح يطلب من «وندهام» وزير الحربية البريطانية إرسال النجدات إليه.

أمَّا عن الأسئلة التي قُدِّمت إلى «مسيت» والإجابات التي أدلى بها هذا الأخير، فقد سجلت هذه الأسباب التي دعت إلى إرسال هذه الحملة، في قول «مسيت» وتأكيده بأن امتلاك رشيد وقلعة جوليان ضروري لنقل المؤن التي تؤخذ من الأماكن المجاورة إلى الإسكندرية؛ حيث إنَّ الاستيلاء على رشيد وقلعة جوليان يمكِّنُ من السيطرة على مصب النيل الغربي، وأنه من المتعذر الاحتفاظ بهذين الموقعين بصورة تضمن الاستفادة منهما في تموين الإسكندرية من غير امتلاك الرحمانية، وأن ناحية الرحمانية تمد الإسكندرية بالعجول والأغنام والشعير، ثم إنَّ امتلاك الرحمانية من شأنه إحكام السيطرة على القرى الواقعة بينها وبين رشيد، وتكفي قوة من سبعمائة وخمسين رجلًا فحسب للاحتفاظ بهذه المواقع الثلاثة: رشيد وقلعة جوليان والرحمانية بعد أخذها، وليس هناك من وسائل الدفاع عن الرحمانية سوى قلعة صغيرة على النيل، وأجاب «مسيت» بالنفي قطعًا عند سؤاله: إذا كان في استطاعة الجند البريطانيين وسكان الإسكندرية العيش بها من غير احتلال هذه المواقع الثلاثة، ثم أجاب على سؤال آخر بقوله: إن الماء منقطع عن الإسكندرية الآن بسبب القطع الذي أحدثه الألفي بك في القناة التي تمدها بالمياه، وأن الإسكندرية سوف تكون في حاجة إلى الماء إذا لم يُصْلَحْ هذا القطع، ثم أكد «مسيت» أخيرًا أنه يرى من الواجب احتلال دمياط وذلك لمنع نزول الجنود الأرنئود الذين تأتي السفن باستمرار محملة بهم إليها، فيتدفقون على مصر من هذا الميناء، وفضلًا عن ذلك فقد يكون من نافلة القول إلى جانب ذلك أن المماليك أنفسهم يتوقعون أن يحتلها الجنود البريطانيون.

وقد بعث «فريزر» بهذه الأجوبة على أسئلته إلى «وندهام» في ٧ أبريل، ثم قال إنه إنما فعل ذلك حتى يبرهن لوندهام، وذلك بالإضافة إلى ما ذكره في رسالته إلى هذا الأخير بتاريخ ٢٧ مارس — وقد ذكرناها في موضعها — أن العمليات السابقة والحالية ضد رشيد والأخيرة كان قد بُدِئ بها — كما سنرى — منذ ٣ أبريل لم يبدأ في اتخاذها دون إمعان النظر العميق وبحث كل الاعتبارات المتصلة بها من جانبه؛ أي جانب «فريزر»، بل على العكس من ذلك فإنه لم يقدم عليها إلا بعد اقتناعه التام بضرورتها، وكما أظهر هذه الضرورة (الميجور «مسيت») المقيم البريطاني بالإسكندرية وهو الذي طلبت مني التعليماتُ المعطاة إليَّ الإصغاء لما يقوله، ثم اختتم «فريزر» رسالته بقوله: إن هذه الحقائق التي ذكرها من شأنها أن تزيد من قوة مطالبته السابقة بإرسال نجدات لتعزيز جيشه؛ لأن ما جاء في رسالته ينهض دليلًا على ما هنالك من ضرورة لتقسيم قواته وتوزيعها من أجل إبقاء فرق من جيشه بصورة مستمرة في رشيد وقلعة جوليان والرحمانية، وذلك إلى جانب استخدام قسم من الرجال في إصلاح وامتلاك القَطْع الذي أحدثه الألفي بك في قناة الإسكندرية بالقرب من دمنهور، علاوة على احتلال دمياط، الأمر الذي يعتقد «مسيت» أنه ضروري كذلك.

وأمَّا عن طلب النجدات الذي أشار إليه «فريزر» في رسالته هذه، فقد سبق أن ذكره في كتاب إلى «وندهام» نفسه بتاريخ ٦ أبريل، تضمن الأسباب التي علل بها «فريزر» إخفاق حملة الجنرال «ووكوب»، على النحو الذي تقدمت الإشارة إليه في موضعه، وفي هذا الكتاب يبسط «فريزر» الأسباب التي دعته إلى إرسال الحملة الثانية ضد رشيد، ثم إلى طلب النجدة التي شعر أنه بحاجة إليها، فقال: إنه لمَّا وجد بسبب ما عرضه عليه الميجور «مسيت» من بيانات عززها الطلب الذي تقدم به الشوربجي رئيس القضاة باسم الشعب عمومًا، فحواها أن المدينة مهددة بالمجاعة كنتيجة حتمية ومباشرة لبقائنا أي الجيش البريطاني بالإسكندرية دون احتلال رشيد، وهذا بالإضافة إلى ما يحدثه من أثر سيئ في أذهان العرب وغيرهم من الناس الموالين للمصلحة الإنجليزية في هذه البلاد تخلينا أو انصرافنا عن احتلال رشيد، ثم الشعور بواجب المحافظة على شرف بريطانيا وسمعتها، فقد قرر بموافقة السير «توماس لويس» الذي تولى قيادة الأسطول الإنجليزي هنا منذ ذهاب السير «جون داكويرث»، وبناء على نصح السير «توماس لويس» وبفضل تعاونه، فصل قسم من الجيش وتخصيصه لإنجاز هذه المهمة، تحت قيادة الجنرال «ستيوارت» Stewart والكولونيل «أسوالد» Oswald حيث إنَّه يبدو مستحيلًا من غير تحقيق هذه المهمة تنفيذ الإجراء الذي نصَّت عليه التعليمات بشأن امتلاك الإسكندرية والاحتفاظ بها، وأرجو أن تأذن لي بأن أعرض عليك الوضع الذي نحن فيه الآن، والذي يختلف تمام الاختلاف عما كان يبدو أنه الغرض الأصيل من إرسال حملتنا إلى هذه البلاد، وهو وضع أرجو أن تولوه كل تفكير جدِّيٍّ.

فإنه لمَّا كان امتلاك الإسكندرية هو الغرض الفرد والمقصود وحده ودون غيره من إرسال حملة «فريزر» وذلك بناء على التعليمات الصادرة من الحكومة البريطانية إلى الجنرال «فوكس»، فقد كان من المحتمل أن تستطيع القوات المعينة لهذه المهمة القيام بها دون حاجة إلى غيرها، ولو أن هذه لم تكن تمامًا من النوع أو الصِّنف الذي كنت أرجوه، فتكفي للاحتفاظ بالإسكندرية على الأقل إلى حين وصول النجدات إليها، ولكننا إذا أدخلنا في حسابنا بسبب الحرب مع تركيا، وهذا أمر لم ينل انتباه الحكومة ولا الميجور «مسيت» على ما يبدو — أن علينا أن نواجه كل القوات الموجودة في البلاد من أتراك وأرنئود وأن نناضل معها — وهؤلاء يعرفون جيد المعرفة الحالة الدقيقة التي عليها الجنود والأهالي في الإسكندرية، وسوف يبذلون قصارى جهدهم لاحتلال المواقع التي تمكِّنُهم بأعظم الطرق نفاذًا من منع كل الإمدادات عن الإسكندرية، وذلك إلى جانب أننا لا زلنا نجهل ما استقر عليه رأي المماليك ولا ندري ماذا يكون مسلكهم، فإنه ليكاد يكون ضروريًّا أن أوضح لكم أنه يبدو مشكوكًا فيه للغاية إمكان تنفيذ رغبات حكومة جلالة الملك من حيث الاحتفاظ بالإسكندرية وبتلك المواقع التي تعتمد هذه عليها، وهذا حتى بغض النظر عن توقُّعِ ما قد يحدث من هجوم علينا من جانب الفرنسيين أو من جانب القسطنطينية.

لقد ذكرت لكم في رسالتي السابقة المعلومات التي لديَّ عن وجود اثني عشر ألفًا من الأرنئود في خدمة الباب العالي في مصر، عدا الجنود الأتراك العثمانلي، ثم إني أرى من واجبي تذكيركم بأن الميجور «مسيت» يذكر رسميًّا أن أعدادًا كبيرة من الأرنئود تتدفق باستمرار على مصر بطريق دمياط، حتى إذا أعوزتنا القوة الكافية لاحتلال هذا الميناء، فإنه لا ندحة عن وضع مركب حربي هناك لمنع دخولهم، ومع أن أمير البحر «توماس لويس» يريد من كل بُدٍّ مساعدتنا فليس في مقدوره أن يفعل ذلك، إذ لا توجد لديه سفن مخصصة أصلًا لهذه الخدمة، وإني إذ كنت قد عاودت الكلام في هذه المسألة، فليس غرضي من ذلك سوى بيان كيف أن الفكرة التي تكونت عن الحالة في هذه البلاد كانت خاطئة لدرجة بعيدة، وكيف أن مصاعبنا قد تزايدت كثيرًا وتضاعفت منذ أن نزلت من السفن إلى البَرِّ قواتنا الصغيرة نسبيًّا والعاجزة.

وبناء على هذه الاعتبارات جميعها، أعود فأكرر رجائي بكل قوة ممكنة في ضرورة إرسال تعليمات محددة صريحة إليَّ فيما يجب أن يكون عليه مسلكي في المستقبل، وكذلك إصدار الأوامر فورًا بإرسال النجدات التي تجدون أنها تكفي للقيام بهذه المهمة الشاقة المنتظرة إذا كان قرار وزراء جلالة الملك هو التصميم على الاحتفاظ بالإسكندرية، ثم اختتم «فريزر» رسالته بقوله: إنه وإن كان يتوقَّعُ نجاح العمليات الحالية ضد رشيد، فإنه ينبغي أن يكون مفهومًا بوضوح أنه في حالة مصادفة صعوبات طارئة قد تؤدي إلى فشل ثانٍ، فإنه لا يجد مناصًا عندئذٍ من إخلاء الإسكندرية في المدة التي يجعل ما لدينا من أغذية مجففة أو مملحة إلى جانب الظروف الأخرى في استطاعتنا فعل ذلك.

وقد بعث «فريزر» بصورة من كتابه هذا طي رسالة له إلى الجنرال «فوكس» تحمل نفس التاريخ، يرجوه فيها تأييد مطلبه، وإنفاذ نجدة إليه مما لديه من قوات في صقلية، فكتب ما معناه أن «فوكس» بفضل اتصالاته مع حكومة لندن أكثر دراية منه بالأهمية التي تعلقها هذه على التمسك بالإسكندرية والاحتفاظ بها، ولكن «فريزر» يرى من واجبه نحو نفسه ونحو الوطن أن يبين أنه بسبب ما يجده من صعوبات مُتعدِّدَة يصادفها الآن هذا العدد الصغير من الجند الذين معه، وبسبب ما يتوقعه من حدوث نقص كبير في قواته نتيجة لانتشار الأمراض المخيفة التي تسود في هذه البلاد أكثر من غيرها، لم يعد في وسعه إلا أن يخشى إذا لم تأته فورًا نجدات قوية من اضطراره إلى إخلاء البلاد كلية كإجراء لا سبيل إلى اختيار غيره.

وكان بعد أن ذهبت الحملة الثانية ضد رشيد، وشرعت في حصارها أن كتب «مسيت» هو الآخر إلى «وندهام» في ١٢ أبريل، يسرد قصة الحملة الأولى وفشلها، ويوضح الأسباب التي دعت إلى إرسال الحملة الثانية، ويتحمل مسئولية الاقتراح على «فريزر» بإرسال هاتين الحملتين، ويعزو إخفاق حملة «ووكوب» إلى أسباب لم يكن هو مسئولًا عنها، ويبغي من ذكرها، ومن إلقاء مسئولية هذا الفشل على عاتقي «ووكوب» الذي اندفع في عملياته العسكرية دون حكمة وتبصُّرٍ، ثم «فريزر» نفسه الذي أضاع وقتًا ثمينًا قبل إصدار أمره بتحرك جيش «ووكوب»، بيان أنه ليس هناك ما يدعو إلى الخوف من فشل هذا الهجوم الجديد على رشيد، وأن الاستيلاء عليها لا غنى عنه للاحتفاظ بالإسكندرية، فقال: إنه بعد أن ألح علي «فريزر» في وجوب امتلاك رشيد والرحمانية لتموين الإسكندرية، وفشلت هذه المحاولة صار يرى لزامًا عليه أن يوضح لوندهام أسباب هذا الفشل، فقد اقترح على «فريزر» يوم ٢٠ مارس عقب تسليم الإسكندرية مباشرة أن يرسل فورًا جزءًا من الجيش للاستيلاء على رشيد، وأكد له أن حاميتها لا تزيد على مائتين وخمسين رجلًا، ولكن «فريزر» أجاب بأن التعليمات التي لديه تمنعه من فصل أي جزء من قواته، ولكنه وعد إذا كتب له «مسيت» خطابًا قويًّا في هذه المسألة، فسوف يوليها عنايته بعد دخوله إلى الإسكندرية، فكتب «مسيت» الخطاب المطلوب في ٢٣ مارس، ووافق «فريزر» على ضرورة احتلال رشيد، ثم إنَّ «مسيت» لم يلبث أن جاءه خبر يوم ٢٦ مارس بأن كاشف دمنهور عندما بلغه وصول الإنجليز إلى الإسكندرية أخلى دمنهور، وذهب مع ثلاثمائة من الجنود إلى رشيد، فصار عدد حامية هذه الأخيرة ٥٥٠، وفضلًا عن ذلك فقد أبلغه من نقل إليه هذا الخبر بأنه من المتوقع أن يصلها في أية لحظة جنود آخرون عددهم ١٥٠٠، وقد أبلغ «مسيت» ذلك بدوره إلى «فريزر» كما راح يرجو «ووكوب» أن يوضح للأخير جسامة الخطر المترتب على إرجاء إنفاذ الحملة، ولكن هذه لم تتحرك إلا يوم ٢٩ مارس، ومع أنه كان من المنتظر بعد كل هذا التأجيل أن يكون قد اتخذ كل إجراء لضمان نجاحها، فقد أعطى الجنود من المؤَنِ ما يكفي ليومين فحسب، ولم يعمل أية ترتيبات لتزويد الحملة بالمؤن في حالة ظهور المقاومة من جانب رشيد وعدم سقوطها فورًا، زد على ذلك أن أربعة مدافع فقط قد أُرْسِلت مع الحملة، لكل منها ثلاثون طلقة.

ولكن هذه التجهيزات على ضآلتها لو أنها وضعت تحت تصرف رجل أكثر مهارة من الجنرال «ووكوب» لكفت في رأي «مسيت» لإخضاع رشيد؛ ذلك أن «ووكوب» بدلًا من تأسيس موقع له فوق المرتفعات المطلة على رشيد، والتي أخلاها العدو بعد تبادل النار فترة قصيرة من الزمن، قام بهجوم في طوابير لاقتحام المدينة ودخلها، فأتاح الفرصة للأرنئود حتى يصبُّوا نيرانهم على رجاله دون أن يتعرضوا هم أنفسهم لأي خطر، فذهب «ووكوب» ضحية تهوُّرِه وحماقته، وجُرحَ «ميد» وذُبح أكثر من أربعمائة جندي دون أن يشاهدوا العدو، ومع ذلك، فقد كان من المستطاع أخذ رشيد؛ لأنه تبين الآن أن قسمًا من حاميتها كان قبل ذلك قد غادر المدينة في السفن عبر النيل، ولكن الارتباك الذي حدث والرعب الذي استولى على الجميع من جند وضباط كانا عظيمين لدرجة أن أحدًا لم يعد يفكر إلا في الانسحاب القهقرى بأقصى سرعة، وقد حاول «تابرنا» — وقد عرفنا أن هذا صحب الحملة كرئيس لأدلَّائها — أن يبين للضابط الذي تولى القيادة بعد مقتل «ووكوب» أن العدو بالرغم من المزايا التي صارت له لا يجرؤ بتاتًا على مواجهة جيش أوروبي في ميدان قتال، ولكنه لم ينجح في إقناعه بالصمود، وانسحب الجيش بسرعة إلى القوارب، وسقط جملة من الجنود بسبب عجزهم — لضعفهم أو جراحهم — عن اللحاق بزملائهم في يد فرسان العدو الذين أجهزوا عليهم.

ثم اختتم «مسيت» رسالته بقوله: وهكذا كان مصير حملته سوف يبدو أثرها في كل عمليات الجيش البريطاني المستقبلة في مصر، فقد أكسبت الأرنئود ثقة في أنفسهم لم تكن لهم على وجه التحقيق قبلها، وجاءت إلى رشيد نجدات قوية، وصرنا لا نستطيع الحصول على مؤن من القرى التي على النيل، وقَلِّ نفوذنا في البلاد بدرجة كبيرة.

تلك إذن كانت الدوافع والأسباب التي شاء المسئولون عن عمليات الجيش البريطاني الذي كانت مهمته احتلال الإسكندرية والاحتفاظ بها فحسب، أن يبرروا بها معاودة الهجوم على رشيد، وتفسير العوامل التي أدت إلى فشل محاولتهم الأولى، ويؤخذ ممَّا ذكره «فريزر» و«مسيت» عدا تشبث هذين بفكرة الاستيلاء على رشيد وقلعة جوليان والرحمانية لتموين الإسكندرية أولًا: أن «مسيت» لم يكتفِ بالإلحاح في ضرورة احتلال هذه المواقع، وسوف نرى فيما بعد أنه نفسه قد تخلى عن هذه الفكرة بعد فشل هذه المحاولة الثانية وهزيمة الإنجليز في الحماد، نقول: إنَّه لم يكتفِ بالإلحاح في ذلك، بل اتخذ من نزول النجدات العثمانية في دمياط وتدفُّقِها — كما قال — على مصر ذريعة لتوسيع نطاق العمليات العسكرية حتى تشمل دمياط كذلك، الأمر الذي لا يتسنى فعله إلا إذا خضع جزء الدلتا الشمالي على الأقل لسيطرة الجيش البريطاني، وقد كان السبب في وصول هذه القوات العثمانية إلى دمياط أن الباب العالي بمجرد أن علم بنزول الإنجليز في الإسكندرية أرسل الططر إلى باشوات الشام يطلب منهم إنفاذ النجدات إلى مصر، وحضرت القوات التي تحدث عنها «مسيت» و«فريزر»، ثم حضر بعد ذلك من لدنه موسى باشا السلحدار عن طريق دمياط كذلك — لإبلاغ هذا الخبر إلى محمد — ولكن حضور هذه القوات كان يجب أن يكون في حد ذاته كافيًا لإقناع «مسيت» ولإقناع «فريزر» الذي انساق وراء الأول وتأثر بآرائه في كل ما اتخذ من تدابير أثناء هذه الحملة المشئومة، بأنه من الحكمة افتراض أن انضمام هذه النجدات المنتظر إلى قوات الباشا، سوف يرجِّحُ كفة هذا الأخير على كفة الجنرال «فريزر» الذي كان يشكو من نقص قواته وحاجته إلى المؤن والذخائر، فيحدو هذا الافتراض بالميجور «مسيت» إلى نبذ فكرة الاستيلاء على دمياط، بل والإقلاع كذلك عن محاولة الاستيلاء على رشيد وقلعة جوليان والرحمانية، ولكن «مسيت» وقد وجد الجيش البريطاني يحضر أخيرًا إلى الإسكندرية بعد أن ظل يلح في طلبه أكثر من عامين، وخصوصًا بعد المناداة بولاية محمد علي، ووجد أن هذا الجيش قد احتلَّ الإسكندرية، صار مسيطرًا على تفكيره وجوب اتساع نطاق العمليات العسكرية رويدًا رويدًا؛ لتحقيق غرضين أحدهما متمم للآخر: أولهما: حمل البكوات المماليك على الحضور من الصعيد لنجدة البريطانيين، وثانيهما: تأسيس الحكومة المملوكية، مما سوف ينشأ عنه وبطريق هذه الحكومة ذاتها، إمَّا استمالة حكومته إلى احتلال هذه البلاد، أو على الأقل بسط نفوذها عليها دون منازع.

وأمَّا ما يؤخذ ثانيًا ممَّا ذكره «مسيت» و«فريزر» في رسائلهما، فهو أن الأخير كان يشعر بجسامة المسئولية إذا قُدِّرَ لهذه الحملة الثانية الفشل، وأن الشك كان يساوره في قرارة نفسه في أن نجاحها محقق ومقطوع به، بينما خُيِّلَ إلى «مسيت» أن النجاح مضمون ولا شيء يقف في طريقه، واشترك الاثنان في الاعتقاد بضرورة أن يأتي البكوات المماليك لمعاونة الجيش البريطاني: «فريزر» وسائر الضباط لحاجتهم القصوى إلى فرسان المماليك، وما يتوقعون حدوثه من مناوشات أو معارك بين البكوات وقوات محمد علي أثناء زحف البكوات من الصعيد إلى الدلتا، سوف تمنع الباشا من إرسال النجدات إلى رشيد أو غيرها من المواقع، و«مسيت» لأن حضور البكوات يمكِّنُه من تنفيذ برنامجه بإتاحة الفرصة للدخول في عمليات عسكرية على نطاق أوسع تهدف إلى الاستيلاء على القاهرة ذاتها، وطرد محمد علي والأرنئود منها ومن البلاد بأسرها.

وأمَّا ما يؤخذ ثالثًا مما جاء في هذه الرسائل، فهو رسوخ الاعتقاد لدى «فريزر» و«مسيت» وخاصة هذا الأخير، بأن أهل البلاد — سواء في رشيد أو في القاهرة أو في غيرهما — يريدون نجاح الإنجليز، ويرحبون بالاحتلال البريطاني، وقد بُنِيَ هذا الاعتقاد الفاسد على حوادث قليلة متفرقة ما كان يصح الاعتماد عليها في تكوينه، كما كان مبعثه ذلك النظام العاجز الذي أنشأه «مسيت» للمخابرات فزوده وكلاؤه بمعلومات، إمَّا أنها كانت ناقصة أو خاطئة، إمَّا أنها جاءته متأخرة بحيث تعذر عليه هو و«فريزر» الانتفاع منها، ولا شك في أن وجود أفراد من طراز الشيخ المسيري وأمين أغا في الإسكندرية، والشيخ حسن كريت في رشيد جعل «مسيت» و«فريزر» يعتقدان صحة زعمهما.

وأمَّا الحوادث التي بنيا عليها حكمهما، فقد أوجز أكثرها «فينشنتزو تابرنا» في البحث الذي أجري فيما بعد عن الظروف والملابسات التي أحاطت بحملة «فريزر» وسببت فشلها، وذلك عندما سئل عما إذا كان قد سمع من أولئك الذين زاروه وقت أَسْرِهِ بالقلعة أن الجنود الذين كانوا بالقاهرة استعدوا لمبارحة البلاد بمجرد أن علموا بوصول الإنجليز إلى الإسكندرية؟ فقال: عندما زحفت الحملة الأولى على رشيد، اشترى الجند الأرنئود الخيول والبغال والحمير بضعف أثمانها لنقل عتادهم إلى الشام، وارتفع سعر الدبلون البندقي من عشرة قروش وربع القرش إلى أربعة عشر قرشًا، وليس هناك أدنى شك في أنه لو سقطت رشيد وقتئذٍ ما كان الجيش البريطاني قد لقي أية مقاومة من جانب الأرنئود، وكان قد قام قبل ذلك أهل الصعيد؛ أي سكانه، بحركات عدائية ضد الأتراك، وفي قرى الوجه البحري رفض الأهلون إمداد الأرنئود بالمؤن التي طلبوها، وقد عرض شيخ دسوق المدعو إسماعيل عبد اللطيف خدماته على الجنرال «ستيوارت» وقت حصار رشيد أثناء الحملة الثانية ثم إنَّه رفض بعد ذلك إمداد الباشا بالمؤن عند نزول هذا مع قِسمٍ من جيشه صوب الإسكندرية وسوف يأتي ذكر ذلك في موضعه مما ترتَّبَ عليه جميعه أن هوجمت قريته، واستطاع الدفاع عن نفسه ثلاثة أيام متتالية، ولكنه عندما وجد أن من المستحيل عليه الاستمرار في المقاومة طويلًا، لم يلبث أن انسحب تاركًا المكان في سواد الليل، فدخل الأرنئود القرية دسوق في صبيحة اليوم التالي وقتلوا الرجال والنساء وباعوا البنات والصبيان.

ولمَّا كان الأرنئود قد رفضوا السير ضد الجيش المُحاصِر لرشيد إلا إذا حصلوا على الأقل على مرتباتهم المتأخرة، فقد أرسل الباشا أربعمائة من جنده لجمع الإتاوات من إقليم الشرقية، ولكن الأهالي هرعوا إلى سلاحهم وأجهزوا على الأرنئود وفتكوا بهم، وقد بعث الباشا بقوة كبيرة عندما رفع الإنجليز الحصار عن رشيد للانتقام من أهل الشرقية، واضطر هؤلاء التعساء — لعجزهم عن المقاومة — إلى الهجرة إلى الشام.

وقد ذكر يوسف عزيز في إجاباته، كذلك مسألة عصيان بعض القرى وامتناع أهلها عن دفع الضرائب، فقال: إنه بلغه امتناع قرية بالقرب من رشيد بعد وصول حملة «فريزر» إلى الإسكندرية عن تلبية أوامر حكومة الباشا ودفع الضرائب إلا إذا جاءها أمر بذلك من القائد الإنجليزي بالإسكندرية، وحمل أهلها السلاح لمقاومة الحاكم عندما أراد هذا إرغامهم على الدفع، وقد غادرها أهلها بعد هزيمة الإنجليز الأولى في رشيد، وذهبوا للعيش مع العربان في الصحراء، وقد فعلت مثل هذا قرية أخرى في الشرقية، فقاوم أهلها ثم حصل لهم ما حصل لأهل القرية الأولى.

وأمَّا الشيخ إسماعيل عبد اللطيف شيخ قرية دسوق فقد كتب في ١٦ أبريل إلى الجنرال ستيوارت قائد القوات المُحاصِرة لرشيد، يقول إنه إنما بعث إليه بكتابه هذا؛ حتى يبلغه ما يكنُّه من عواطف المحبة الصادقة للإنجليز، وما يشعر به من كراهية عميقة، وحنق عظيم على الأتراك والأرنئود الذين ساموا الأهلين الخسف، وأرهقوهم بمظالمهم إرهاقًا شديدًا، ثم استمر يقول: «ومن اللحظة التي صار فيها الأمر والنهي لهؤلاء الأتراك، وصارت في يدهم أزِمَّة الحكم (ويقصد الشيخ عبد اللطيف استلام هؤلاء للحكم بعد خروج الفرنسيين) جعلني طغيانهم عدوًّا لهم؛ ولذلك فقد كان فرحي عظيمًا عندما بلغني أن الجيش الإنجليزي قد نزل إلى البلاد، لعلمي بأنهم يحكمون حكمًا طيبًا، ويشفقون على الأهلين التعساء، ولقد أعلنتُ نفسي الآن عدوًّا للأتراك والأرنئود، ورفضت أن أزودهم بالمؤن والإمدادات التي طلبوها مني، وفي عزمي إذا مَرَّ الجند الأتراك بالقرب من قريتي أن أدفعهم عنها وأطردهم بالقوة، ويحزنني جدًّا أن تظل رشيد ممتنعة عليكم كل هذه المدة الطويلة؛ لأن سكان الدلتا يعانون كل سوء، ويلحق بهم كل أذى على أيدي الأتراك، وأبتهل إلى المولى تعالى أن يسقط رشيد في قبضتكم سريعًا جدًّا، حتى أتحرر من الظلم والاستبداد الواقعين علي، وتلك هي رغبات الأهلين جميعهم، ولدي ألف من الرجال المسلحين، فإذا شئت جئتك، وانضممت إليك، وأنت تعرف الآن أنَّ لك صديقًا في شخصي، وأني مستعد لتنفيذ أية أوامر قد ترى إصدارها إليَّ.»

ولكنه لما لم يكن لدى «ستيوارت» تعليمات تخَوِّلُه قبول مساعدة من النوع الذي اقترحه الشيخ عليه، فقد رفض القائد الإنجليزي الانتفاع من هذا العرض، لا سيما وأن الشيخ عبد اللطيف كان مصممًا على مقاومة حكومة الباشا فعلًا كما أثبتت الحوادث بعد ذلك.

على أن الذي استرعى نظر «فريزر» و«مسيت» و«ستيوارت» ما ذكَرَتْهُ هذه الرسالة عن رغبات الأهلين جميعهم في زوال حكم الأتراك والأرنئود، وترحيب الأهلين بقدوم الإنجليز، فعززت رسالة الشيخ عبد اللطيف الاعتقاد الراسخ في أذهان المسئولين الإنجليز بأن توسيع نطاق العمليات العسكرية سوف يلقى ترحيبًا من المصريين، ويصادف هَوًى من أنفسهم، فيكون هذا الترحيب من عوامل نجاحها.

تلك إذن كانت الاعتبارات التي أدخلها الإنجليز — لا سيما «مسيت» و«فريزر» — في حسابهم عندما قرروا معاودة الكَرَّة ضد رشيد، وقد دَلَّت الحوادث على أن هذه كانت اعتبارات، إمَّا مستندة على الوهم، وإمَّا مبنية على معلومات غير صحيحة، ومستقاة من مصادر لا يوثق بها؛ بسبب عجز نظام المخابرات الذي أنشأه «مسيت» على نحو ما سبقت الإشارة إليه، وتقوم — في كل الأحوال — على حوادث وأمثلة قليلة ومبعثرة، لا يمكن اتخاذها أساسًا لإصدار حكم صحيح، والمسئول الأول عن هذه الأخطاء المحددة — وفي هذا الظرف بالذات — كان «مسيت» نفسه، وقد ظهر خطأ التقدير من حيث توقع الاستيلاء على رشيد والمواقع الأخرى دون مقاومة تُذْكَر، وترحيب الأهلين بالإنجليز ورضاؤهم عن اتساع نطاق عملياتهم العسكرية، أو مساعدة العربان لهم، أو مجيء البكوات وفرسانهم لنجدة الجيش البريطاني عند إنفاذ الحملة إلى رشيد، كما ظهر فشل نظام المخابرات الذي أوجده «مسيت» أثناء عمليات هذه الحملة، ولقد كانت هذه الأخطاء من أهم أسباب إخفاقها، كما كان من أسباب ذلك أيضًا ضعف قيادتها، وتلك أمور سوف تتضح جميعها عند ذكر تفاصيل هذا الهجوم الثاني على رشيد.

(١٠) هزيمة الإنجليز في الحماد (٢١ أبريل ١٨٠٧)

حصار رشيد

تألَّفت الحملة المرسلة ضد رشيد من ألفين وخمسمائة مقاتل، مأخوذين من مختلف الفِرقِ والآلايات، يقود وحداتها المختلفة الكابتن «ديلانسي» Delancey والميجور «أوكيف» O’Keefe والكابتن «رديل» Riddle والكولونيل «ماكليود» Mac Leod والليوتانت كولونيل بارون «دي سونينجبرج» Sonnengberg، وكان من بين قوات الحملة عدد من الجنود البحارة تحت قيادة الكابتن «هالويل»، وسُلِّمت قيادة الحملة إلى البريجادير جنرال «وليام ستيوارت» William Stewart ويليه في القيادة الكولونيل «أسوالد» Oswald، ثم زود الجيش بعدد من المدافع، وتألف هذا الجيش من فرقة أو سرية من المدفعية الملكية، وسرية من الآلاي العشرين من جنود الفرسان الخفيفة Light Dragoons، ثم سرية من البحارة، وطابور من المشاة الخفيفة، والطابور الأول من الآلاي الخامس والثلاثين، ثم الآلاي الثامن والسبعين، والآلاي الألماني المسمى آلاي رول Roll، وعدد الجميع حوالي ٢٥٠٠ رجل، وأبدى «ستيوارت» رغبته في مصاحبة الحملة، والإشراف بنفسه على عملياتها، وكان «تابرنا» كبير أدِلَّائها كما حدث في المرة الأولى، فقد رجاه «فريزر» القيام بهذه المهمة، منذ بدء عمليات الحملة السابقة ضد رشيد، وعاون الشيخ مسعود وهو أعرابي «تابرنا» في إرشاد الحملة في سيرها، ثم صحب الحملة الميجور «مسيت» نفسه، وأمَّا الجنرال «فريزر» فقد انتقل للإشراف على العمليات إلى السفينة الحربية «كانوب» Canopus في خليج أبي قير، وهي سفينة الأميرال السير «توماس لويس» الذي تسلم القيادة الحربية في هذه المياه بعد رحيل «داكويرث»، وكانت الخطة الموضوعة تضييق الحصار على رشيد وضربها بالمدافع والقنابل ضربًا شديدًا، يرغمها على التسليم، وذلك بدلًا من محاولة اقتحامها عنوة، على نحو ما حدث سابقًا، وقد قامت هذه الخطة على أساس أن الحذر خير من الحماقة، لا سيما وقد تكبد جيش «ووكوب» خسائر كبيرة، لا يريد قائد الحملة الأعلى الجنرال «فريزر» تكرارها الآن، وعلاوة على ذلك، فقد خُيِّل إلى «فريزر» أنه إذا قصر نشاط الحملة على فرض الحصار العنيف على رشيد، يكون قد تفادى إقحام جنده في عمليات عسكرية تتجاوز نطاق التعليمات التي لديه، والتي نصَّتْ على عدم التوسع في النشاط الحربي، والمحافظة على الإسكندرية فحسب، ثم إنَّه كان يعَوِّلُ على قرب وصول المماليك ونجداتهم الكبيرة — وخصوصًا فرسانهم — وانضمامهم إلى جيش «ستيوارت» المحاصر لرشيد، فلا تجد هذه مناصًا عندئذٍ من التسليم بسبب التفوق العددي الذي سوف يكون للجيش المحاصر لها، فيستولي «ستيوارت» عليها دون تكبد خسائر جديدة، كما اعتقدَ أن مجرد البدء في عمليات الحصار، وضرب رشيد بالمدفعية، كفيل هذه المرة بجعلها تسلم لجنده تسليمًا، وكان «مسيت» هو المسئول عن رسوخ هذا الاعتقاد في ذهنه.
وقد بدأ سير الحملة من مرتفعات الإسكندرية الشرقية في ٣ أبريل، قاصدة إلى أبي قير، وكان قد سبق إرسال المهمات وسائر لوازم الحملة بحرًا من الإسكندرية إلى المحطة أو القيروان سراي المنشأة عند منفذ بحيرة إدكو إلى خليج أبي قير منذ عمليات الحملة الأولى، والتي تمكَّنَ فريق من الجنود البحارة بقيادة الكابتن «نيكولز» Nicolls من الاحتفاظ بها بعد تقهقر الجيش السابق بقيادة الكولونيل بروس، ولمَّا كان الطريق من الإسكندرية إلى أبي قير صحراويًّا وطبقة الرمال به كثيفة، فقد لقيَ الجند مشقة في سيرهم، ثم زاد من بطء السير جَمعُهم العتاد خلف كل قسم من الجيش بدلًا من توزيع هذا العتاد خلف الطوابير المختلفة، حتى يشرف كل منها على نقل العتاد الخاص به، وصَحَّ العزم على جعل قسم من الجيش يمر من قطع المعدية الذي يصل بين هذه البحيرة وخليج أبي قير في مساء اليوم نفسه، ولكنه حدث أن ضَلَّ فريق من القوات الطريق، وتأخر العبور حتى صبيحة اليوم التالي (٤ أبريل)، وفي هذا اليوم بدأت عملية إرسال الجند، ونقل المهمات إلى قيروان سراي، وكانت عملية شاقة متعبة لقلة عدد السفن، وتعذر نقل الجند لذلك دفعة واحدة إلى المحطة؛ ولأن سحب الخيول والجمال وجعلها تعوم عبر القطعين (قطع المعدية وقطع إدكو) لم يكن سهلًا لينًا، فالأول يبلغ اتساعه حوالي الميل، والثاني كان أكثر عمقًا وضيقًا، ولو أن به أمواج شاطئية فاستغرق النقل من الصباح إلى المساء واستحال تحرك الجيش، حتى إذا كان مساء اليوم نفسه، تقرر أن يبدأ في الصباح التالي استئناف الزحف، على أن يسبق «ماكليود» بقسم من القوات إلى المرتفعات المشرفة على قرية إدكو إذا أمكن هذا وإلا اتخذ موقفًا له وسط الطريق بين هذه القرية وبين المحطة.

وفي ٤ أبريل وصل إلى قيروان سراي أكثر المدفعية والمهمات المنقولة إليها بحرًا من الإسكندرية، وصارت المهمة التالية نقل هذه إلى مكان العمليات المقبلة، ولكنه لم يكن هناك من وسائل النقل ما يكفي لحمل هذه المهمات ذات الأهمية العظيمة بالسرعة المطلوبة، فقد قَلَّ وقتذاك وجود الجمال بالإسكندرية، ولو أنه كان في القدرة العثور على العدد اللازم منها للحملة لو أنه قد بُذِلَتْ جهود جدية لتحصيل هذه الغاية، فصار الاعتماد الآن على نقل المدفعية والعتاد بواسطة البحيرة من قيروان سراي إلى المعسكر المزمع إنشاؤه عند رشيد، وقد تُرِكَ أكثر هذا العتاد تحت رحمة المواصلات الرديئة بهذا الطريق؛ حيث إنَّ ماء بحيرة إدكو كان في نقصان مستمر في هذا الفصل، ولا تستطيع السفن الملاحة في البحيرة إلا إذا كانت أحمالها خفيفة، ثم إنَّه لم يسبق اختبار الملاحة في بحيرة إدكو، وقد ظل الاعتماد على هذا الطريق من المساوئ التي لازمت عمليات هذه الحملة الثانية ضد رشيد، فقد أنشئ مخزن عند طرف البحيرة الشرقي، تأتي إليه المؤن والذخائر وسائر المهمات من قيروان سراي عبر بحيرة إدكو، ثم تُنقلُ هذه من المخزن إلى المعسكر على مسافة سبعة أميال من طرف البحيرة عبر الصحراء، واستلزم لتأمين المواصلات بين قيروان سراي والمخزن ثم من الأخير إلى المعسكر إنشاء حراسة من قوات صار عدد رجالها يتزايد يوميًّا ممَّا أضعف العمليات العسكرية ضد رشيد، وكان من عوامل الهزيمة، أضف إلى هذا أنه كان على الجند في سيرهم من قيروان سراي إلى قرية إدكو أن يقطعوا حوالي ستة أميال في طريق صحراوي كثيف الرمال يعوق السير كثيرًا، خصوصًا إذا أخذ هؤلاء معهم بعض قطع المدفعية.

والواقع أنه كان هناك من يُؤْثِر نقل الجند بحرًا من نقطة العجمي إلى مصب فرع رشيد، لتفادي كل هذه المصاعب وما ينجم عنها من عطل وتأخير، ويستند أصحاب هذا الرأي في إيثاره على طريق أبي قير — إدكو على أن استخدامه يستلزم حتمًا ومن أول الأمر الاستيلاء على قلعة جوليان عند مصب النهر، ولهذه الخطوة مزايا عديدة، إذ يستطيع بفضل ذلك أسطول من المراكب الصغيرة الدخول إلى النهر بأمان، ويتسنى عندئذٍ تهديد الشاطئ الأيمن، وكان للعدو به بعض البطاريات الصغيرة، فيمكن إسكات هذه بسهولة، ولا يجد الجيش ضرورة لإرسال بعض فصائله إلى الشاطئ المقابل لإسكاتها بعد ذلك، فيستطيع حينئذٍ تركيز كل قواته بصورة تمكِّنُه من مجابهة العدو بقوة متكافئة، ولكن الجنرال «ستيوارت» رأى خلاف ذلك، واختار طريق أبي قير — إدكو لاعتقاده أن الحملة في وسعها التزود بالمياه إذا سارت في هذا الطريق، وأن المواصلات سوف تكون أقل تعرضًا للخطر في هذا الطريق عنها في الطريق الساحلي بحرًا من العجمي إلى رشيد، علاوة على كثرة الأمواج الشاطئية عند مصب النيل في فرع رشيد، وقد أيَّدَ هذا الرأي كذلك رجال البحرية.

وأمَّا «ماكليود» فقد اتخذ مكانه خلف قرية إدكو التي وصل إليها صباح يوم ٥ أبريل الباكر، ولما كانت التعليمات التي لدى «ستيوارت» هي عدم محاولة اقتحام رشيد عنوة، بل تضييق الحصار عليها وضربها بالمدافع لإخضاعها، فقد وجب إحضار المدفعية فورًا إلى الخطوط الأمامية لمباشرة الضرب دون إبطاء، فشغل الجند بنقل المدفعية، يشد هؤلاء المدافع الخفيفة بأيديهم، ويعاونهم الجند البحارة، وكان عملًا شاقًّا مرهقًا لسيرهم في أرض صحراوية رملية — كما ذكرنا — بينما جرت الخيول المدافع الثقيلة، ونقلت الجمال الذخائر وما إليها، ثم نُقلَ مدفع كبير من نوع «المورتار» مع كمية من القنابل بطريق البحيرة، واضطرت الحملة إلى ترك كثير من المهمات والأدوات الضرورية للحصار خلفها، وقد استغرقت هذه العملية كل صباح يوم ٥ أبريل، بينما تحرك الجيش في الوقت نفسه إلى قرية إدكو للانضمام إلى «ماكليود»، وبقي «نيكولز» عند قيروان سراي لحماية هذه المحطة.

ولما كان قد بلغ الإنجليز أن العدو قريب من هذه الجهات ويؤلف الفرسان القسم الرئيسي من قوته، ثم كانت الأرض التي ساروا عليها من قيروان سراي إلى إدكو غير ملائمة للاشتباك مع العدو الأرنئود وفرسانه في معارك جدية، فقد لزم تنظيم السير في تشكيلات تمكن الزاحفين من مقاومة أي هجوم قد يقع عليهم، ثم حماية مدفعيتهم وعتادهم، وكان اليوم شديد الحرارة، ولقي الجند عنتًا كبيرًا فساروا في بطء شديد، حتى إنهم لم يقطعوا أكثر من ميل واحد في الساعة الواحدة، وزاد من متاعبهم خصوصًا الجنود البحارة أن المياه التي توقعوا وجودها بكميات وفيرة في قيروان سراي كانت قليلة ومن نوع غير طيب، ولكنهم لم يلبثوا عند وصولهم إلى إدكو أن وجدوا بها ماء كثيرًا طيبًا ونخيلًا، ثم إنَّهم لاحظوا كذلك أن القوارب قد وصلت إلى نقطة أبعد من قرية أبعد من قرية إدكو في طريقها إلى طرف البحيرة من ناحية رشيد، ثم إنَّ هذه القوارب لم تلبث أن وصلت بسلام إلى الشاطئ، ولو أن أكثر قطع المدفعية قد نقلت من القوارب قبل وصول هذه إلى الشاطئ لقلة عمق المياه في البحيرة، وحُملَت إلى البر.

وكان «ماكليود» عند وصول الجيش إلى قرية إدكو قد أبلغ أن جماعة من فرسان العدو قد شوهدوا بالقرب من هذا المكان، ولكنهم سرعان ما ارتدوا عندما تهيأ «ماكليود» وجنده للدخول معهم في معركة، ثم إنه لما كان قد نما إلى «ستيوارت» وسائر رجال الحملة أن العدو الأرنئود موجود بقواته في قرية الحماد فقد رئي من الحكمة احتلالها لتأمين مؤخرة الجيش ولمراقبة الملاحة في النهر ولحماية خطوط المواصلات مع المحطة أو المخزن الذي أقيم عند طرف البحيرة من ناحية رشيد، فقد فصل بين طرف بحيرة إدكو في هذا المكان وبين رشيد برزخ يبلغ اتساعه حوالي الميلين ونصف الميل، تضيق مسافته أو تتسع حسب اقتراب ثنية النيل من شاطئ البحيرة، ثم انحناءات بقايا قناة عميقة تقع قرية الحماد وراءها، وتمتد من طرف البحيرة إلى النيل في مكان يقع خلف ثنية النيل جنوبي أبو منضور، ويرتفع شاطئا هذه القناة على حافتيها، ويمتدان من النهر نحو ثلثي المسافة عبر البرزخ، ويسيطر شاطئاها على السهلين أمام وخلف القناة، فكان لذلك أن وجب احتلال الحماد، فعُهِدَ بهذه المهمة إلى «ماكليود» الذي زحف على الحماد في ٦ أبريل واحتلها دون مقاومة بعد مناوشات خفيفة مع فرسان العدو على مسافة قريبة من القرية، وقد ظهر أن هناك طريقين معروفين من قرية إدكو إلى رشيد أحدهما عبر الصحراء رأسًا إليها، والآخر على طول شاطئ البحيرة إلى النقطة التي يبدأ منها ذلك البرزخ الذي سبق وصفه والذي صنعته هذه البحيرة مع النيل، ثم ينثني الطريق إلى اليسار مستديرًا خلف مرتفعات عليها أبراج للوصول إلى شاطئ النهر، وكان هذا الأخير هو الطريق المفضل؛ لأن الأرض أكثر صلابة، ولأن الجيش في وسعه إجلاء العدو عن المرتفعات بسهولة، وقد سار فيه الجيش، وفي المساء احتلَّ «ستيوارت» المرتفعات التي أشرنا إليها، وتقع هذه بين الحماد وأبي منضور، وفي صبيحة ٧ أبريل بعث بقوات تحت قيادة الميجور «فوجلسانج» Vogelsang إلى الحماد ليحل محل «ماكليود» بها، وعندئذٍ زحف هذا الأخير على مرتفعات أبي منضور واحتلها دون مقاومة وانسحب العدو إلى داخل أسوار رشيد، ووصل جيش «ستيوارت» عقب ذلك إلى التلال الرملية حول رشيد وبدأ حصار المكان في التَّوِّ والساعة.

ولكن «ستيوارت» سرعان ما اتضح له بسبب اتساع مدينة رشيد أنه لن يستطيع بالقوات التي لديه ضرب الحصار على أكثر من نصف المدينة، وقام العدو بخروج قوي بعد ظهر اليوم نفسه، أثبت للقائد الإنجليزي أن توزيع قواته في خط متسع يعرضها لخطر محقق، وعلى ذلك فقد جمع الإنجليز قواتهم في خط يمتد من النيل إلى باب الإسكندرية الموصل إلى وسط رشيد ثم ينحرف من هذه المنطقة في اتجاه السهل إلى اليسار، حيث اتخذ جنود الفرسان مواقفهم، وبدأ ضرب المدفعية على المدينة بعد ظهر هذا اليوم (٧ أبريل)، وجاوب الأرنئود بإطلاق وابل من الرصاص من الطيقان والثغرات الكثيرة في الأسوار، ثم استؤنف الضرب على رشيد صباح اليوم التالي، وخرجت كوكبة من فرسان العدو ومُشاتُه تريد مناوشة الإنجليز، وكُلِّفَ «ماكدونالد» و«ديلانسي» بالاشتباك معها، بينما حاول «أسوالد» وضع بعض السريات خلف العدو لقطع خط الرجعة عليه، ولكن الأرنئود الذين راقبوا عمليات الإنجليز من منائر الجوامع والمباني العالية في المدينة، فطنوا إلى مقصد هؤلاء، فشددوا الضرب عليهم، واستطاع فرسانهم الارتداد إلى داخل المدينة دون أن يتمكن الإنجليز من مطاردتهم، وأمام الضرب المتصل من الأسوار وعلى مسافة قريبة، لم يعد هناك مناصٌ من تقهقر الإنجليز، وتكبد هؤلاء خسائر، وكان أثناء ما جرى من عمليات أخرى بعد ظهر اليوم نفسه أن أصيب «ستيوارت» بجرح في ذراعه.

ثم إنَّه كان قد تقرر بمجرد استئناف الضرب في هذا اليوم (٨ أبريل) أن يُدْعى حاكم رشيد علي بك السنانكلي إلى تسليم المدينة، وأن تبذل الجهود في الوقت نفسه لإغراء الأرنئود بالتسليم السريع لقاء شروط طيبة يحصلون عليها إذا هم فعلوا ذلك وجلبوا عليهم رضاء الإنجليز ثم إقناعهم بأن هذا التسليم في صالحهم كثيرًا، حيث من المتوقع أن يصل المماليك قريبًا جدًّا، ويتعذر بعد وصول هؤلاء أن تؤخذ المصالح الفردية بعين الاعتبار، وجرى البحث عن رسول يتطوع لحمل الرسالة المزمع إرسالها؛ لأنه كان يخشى من أن يتعرض هذا الرسول للأذى على أيدي الأرنئود الذين لم يثق الإنجليز في احترامهم لراية الهدنة أو أنهم لا يقتلون حاملها، فتقدم شيخ أبو منضور وهو شيخ مُسنٌّ للقيام بهذه المهمة؛ وعلى ذلك، فقد بعث به «ستيوارت» بالاتفاق مع «هالويل» وتطبيقًا لتعليمات الجنرال «فريزر» — كما كتب «ستيوارت» بعد ذلك — إلى حاكم رشيد يدعوه إلى التسليم، كما حمل الشيخ نداء إلى سكان المدينة، وأوقف ضرب النار من الجانبين، ولكن الشيخ عاد بجواب علي بك السنانكلي الذي قال: إنَّه كالجنرال «ستيوارت» يتلقى أوامره من رؤسائه؛ ولذلك فهو يقترح هدنة ووقف القتال حتى يحصل من رئيسه على جواب، ويطلب ردًّا من الإنجليز على مقترحه هذا، ولكن «ستيوارت» رفض الهدنة؛ لأنه لم يكن من الحكمة — كما قال — إجابة علي بك إلى طلبه.

وكانت مسألة احتلال الحماد والاحتفاظ بها موضع اهتمام كبير من جانب القُوَّادِ الإنجليز الذين اعتبروا الحماد موقعًا عظيم الأهمية للاعتبارات التي سبق ذكرها، وإن كانت الحوادث قد دلَّتْ على أن هذا الموقع لا يفي بالغرض المقصود من احتلاله، فضلًا عن أن هذه الحوادث قد دلت كذلك على أن عمليات حصار رشيد القائمة على ضربها بالمدافع، ومحاولة التضييق عليها فحسب، لا يمكن أن تسفر عن نتيجة، وكان السبب الذي دعا «ستيوارت» أن يصمم على أخذ الحماد والتمسك بها أن أدلاء الحملة — «تابرنا» والشيخ مسعود خصوصًا — ثم «ماكليود» نفسه اعتقدوا أنه يسهل الاحتفاظ بها والدفاع عنها ضد قوات العدو التي قيل في هذا الوقت إنَّها سوف تكون من الفرسان غير النظاميين فقط، زد على ذلك أنه لما صار ضروريًّا أن تأتي الإمدادات إلى الجيش بطريق بحيرة إدكو بسبب الترتيبات التي سبق ذكرها، فقد رأى «ستيوارت» أنه لا ندحة له عن احتلال الحماد حتى ولو كان موقعها أقل ملاءمة مما هو عليه فعلًا؛ لأنه إذا لم يفعل هذا صار لزامًا عليه فصل بعض القوات دائمًا من الجيش الرئيسي أمام رشيد لحراسة الإمدادات من الذخائر وما إليها عند إحضارها من البحيرة، وهذا غير ما يتعرض له الجند من إرهاق مستمر بسبب مناوشات العدو لهم في مؤخرتهم وعلى جناحهم إذا لم يكن لهم موقع لحمايتهم من هذه النواحي.

ولكن اختيار الحماد بالذات لتكون هذا الموقع الذي يحمي الجيش، ويؤمن خطوط مواصلاته مع بحيرة إدكو لم يكن اختيارًا موفقًا؛ لأن الحماد كانت تقوم في بقعة من قاع جاف لبقايا تلك القناة التي تؤلِّفُ بينها وبين طرف بحيرة إدكو إلى اليسار وثنية النيل إلى اليمين ذلك البرزخ الذي سبق الكلام عنه، ثم إنَّ القناة تجري تقريبًا في زاوية قائمة من النيل صوب بحيرة إدكو، وضفتاها متساويتا الارتفاع، ثم إنهما لما كانا يمتدان من النهر نحو ثلثي المسافة عبر البرزخ فقد وقف امتداد الضفتين على مسافة نصف ميل تقريبًا من البحيرة، وصارت هناك ثغرة لذلك على طرف القناة الأيسر، يزيد في اتساعها انحسار المياه في هذا الفصل تدريجيًّا عند طرف البحيرة بصورة تركت معها شاطئًا أرضه صلدة، وتصلح لعمليات الفرنسان الذين يستطيعون لذلك الاستدارة حول موقع الحماد، كيفما شاءوا، زد على ذلك أن الحماد تقع في الوسط تقريبًا بين شاطئ النيل والبحيرة وأمامها شاطئ القناة، ويفصل بينها وبين هذين الشاطئين ممر متسع، وتوجد ممرات أخرى عديدة يستطيع الفرسان استخدامها، ثم إنه بمجرد أن يصل العدو إلى شاطئ النيل الأيسر، يصبح على قدم المساواة عند هجومه على الحماد مع المدافعين عنها، فكل قسم من القرية مُعرَّضٌ لضرب المدافع، ومن الممكن الالتفاف حولها بسهولة، ويفصل بين الحماد ورشيد وبعض المرتفعات عند أبي منضور ثم بين هذه وبين رشيد وهي مرتفعات لا تعطي أية سيطرة على مدينة رشيد ذاتها خلافًا للفكرة التي سادت في أذهان قواد الحملة، بناء على المعلومات التي كانت قد وصلتهم؛ لأنه حتى يمكن إحراز هذه السيطرة كان من الضروري احتلال التلال أو المرتفعات القريبة جدًّا من المدينة، وحتى هذه تفوقها في العلو جوامع رشيد ومبانيها العالية، ويتعرض الجيش المرابط على المرتفعات لنيران المدافعين عن المدينة، أضف إلى هذا أن هذه المرتفعات تنحدر إلى سهل مُنبسطٍ إلى يمين رشيد، ويمتد بمحاذاة النيل، وهو سهل مزروع برتقالًا، وقد احتله الإنجليز، ولكنه كان موقعًا مكشوفًا فتعرضوا لنيران العدو، حتى إنهم اضطروا إلى الانكماش، وعندما فتَّشَ الجنرال «ستيوارت» هذه المواقع لم يرتح للترتيبات التي أجريت، فحدث تغيير في توزيع الوحدات المختلفة للتضييق على رشيد، ولكن الخط استمر مكشوفًا، ولم يمكن — لاتساع المدينة — ضرب الحصار حولها بأسرها، وبقيت ثغرات يخرج العدو منها للهجوم على الإنجليز ومناوشتهم، ثم الارتداد بسرعة إلى داخل الأسوار، وكان من الواضح أن سبب عجز الإنجليز في تشديد الحصار القوي على رشيد وتطويقها هو عدم كفاية القوات التي لديهم لهذه العملية، ثم إنه لم يكن في مقدورهم محاولة الهجوم على المدينة واقتحامها اقتحامًا بسبب ما لدى «ستيوارت» من تعليمات تمنعه من ذلك، وتحتم عليه الاقتصار على ضربها بالمدافع وإرغامها بهذه الوسيلة فقط على التسليم.

وكان لتحقيق هذا الغرض أن قضى «ستيوارت» يوم ٩ أبريل خصوصًا في إقامة البطريات بصورة تمكِّنُ من تركيز أكثر الضرب على قسم المدينة رشيد الواقع إلى اليسار لملاءمة الأرض لهذه العملية، وكانت قد أرسلت قوة لجلب مدفع «المورتار» إلى الخطوط يوم ٨ أبريل للمعاونة في هذا الضرب، وهو المدفع الذي نقل عبر بحيرة إدكو، ثم أنشئت تحصينات من قطع شجر النخل وسعفه تغطيها الرمال؛ للوقاية من هجوم مفاجئ قد يقوم به فرسان العدو، فأقيم متراسان، ولكن الرياح صارت تزيل الرمال؛ ممَّا اقتضى مراقبة متصلة وعناية مستمرة للمحافظة عليهما.

وفي ١٠ أبريل استمر الضرب، ولكن دون أن يُحدث هذا الضرب أيَّ أثر جدي على رشيد، فتقرر إنشاء بطارية من ستة مدافع على مسافة قريبة من وسط المدينة، وكان في هذا اليوم كذلك أن غادر «مسيت» المعسكر، متعللًا بسوء صحته، فكان ذهابه موضع تعليقات من بعض رجال الحملة الذين ساءهم ألا يقيم في المعسكر ضباط من طراز «مسيت»، لديهم أفضل الوسائل للحصول على معلومات، ينتفع بها الجيش، وقد لاحظ هؤلاء أن سوء الصحة قد منع «فريزر» من الاشتراك فعليًّا في هذه الحملة، فبقي على ظهر السفينة «كانوب» — سفينة الأميرال لويس — على مسافة بعيدة جدًّا في خليج أبي قير من ميدان العمليات، ويتراسل مع الجنرال «ستيوارت»، وقد ترتب على ذهاب «مسيت» أن صارت كل المخابرات تجري بين الجيش والقيادة العليا في يد الجنرال «فريزر» عن طريق الإسكندرية، فكان الشوربجي سيدي قاسم غرياني و«مسيت» يبعثان بما يصلهما من أخبار إلى الأسطول، وسفينة القيادة في أبي قير، ثم يقوم الأسطول بدوره بإرسالها إلى المعسكر أو جيش «ستيوارت»، وقد كان نصيب بعض هذه الأخبار الإهمال التام، فلم تصل إلى المعسكر، ومن بين هذه خبر هام أبلغه الشوربجي إلى الأسطول، فحواه أن محمد علي يجمع قواته ويستعد لنجدة رشيد، وأنه قد جهز فعلًا عددًا من المدافع الثقيلة وزوارق مدفعية وسفنًا لنقل جنده في النيل إلى رشيد، ومع خطورة هذا النبأ الذي دلت الحوادث على أنه كان صحيحًا، فقد أهمل المسئولون إبلاغه إلى «ستيوارت» وأغفلوه؛ بسبب إشاعات كاذبة أُذيعت عمدًا، مفادها أن البكوات المماليك قد ألحقوا بالباشا هزيمة كبيرة، وقد صدَّقَ المسئولون هذه الشائعات؛ بسبب ما كان إبراهيم بك وشاهين بك الألفي قد بعثا به من كتب الأول إلى «فريزر» والثاني إلى «مسيت» بتاريخ أول أبريل يعلنان نبأ انتصار البكوات على محمد علي، ومع أن مقارنة بسيطة بين تاريخ تحرير كتابي إبراهيم وشاهين، وتاريخ حادث الانتصار الذي ذكراه كانت كافية لبيان أنه قد مضى من الوقت على هذا الانتصار ما يجعل من المحتمل على الأقل أن يكون الباشا قد قام فعلًا بهذه التجهيزات التي بعث بأخبارها الشوربجي، فإن أحدًا لم يولِ هذه المسألة أية عناية، بل ساد الاعتقاد من ناحية أخرى بأن البكوات سوف يحضرون قريبًا للانضمام إلى الإنجليز، وهذا بالرغم من أن إبراهيم وشاهين لم يذكرا شيئًا عن الذهاب إلى الإسكندرية، أو التقدم في الدلتا، بل كان كل ما اشتمل عليه كتاباهما مجرد إبداء النية في المجيء إلى الجيزة.

وفي ١٠ أبريل حاول الأرنئود استدراج الإنجليز إلى الأسوار حتى يصلوهم نارًا حامية، فخرجت منهم قوة لهذا الغرض، ولكنهم ما لبثوا أن أُرغموا على الارتداد دون أن يظفروا بمأربهم، ثم استمر الضرب على المدينة في اليوم التالي، وجاءت الأخبار من الحماد في الوقت نفسه بأن العدو قد اشتبك مع قوات «فوجلسانج» وأن هذا تبادل معه إطلاق النار بأثر طيب، وأما فيما يتعلق بسير عمليات هذا اليوم (١١ أبريل) في رشيد، فقد تسلل فرسان العدو من المدينة وفاجئوا الإنجليز، ووقعت معركة جُرِحَ أثناءها علي بك السنانكلي، ولم يتمكن الإنجليز من تعقب الأرنئود في تقهقرهم إلى أسوار المدينة، كما فاجأ جماعة من الأرنئود مسيرة الإنجليز، فاضطر «ديلانسي» إلى الارتداد، ثم إنَّ اشتباكًا حدث كذلك مع ميمنة الإنجليز، وانسحب الأرنئود بعد هذه الالتحامات بأمان إلى داخل المدينة التي خشي الإنجليز دائمًا من المغامرات والاقتراب من أسوارها، وكان ظاهرًا أنه طالما امتنع الأرنئود عن الخروج من المدينة إلى مسافة كافية للاشتباك معهم بعيدًا عن أسوار المدينة، فلا أمل لدى الإنجليز المحاصرين لهم في الانتصار عليهم، وإخضاع رشيد، وفي ١٢ أبريل أعيد ترتيب خطوط الإنجليز وتولى قيادة العمليات بأسرها في هذه الخطوط الكولونيل «أسوالد»، وأُرْسِلتْ بعض النجدة إلى «فوجلسانج» في الحماد، وقد شكا هذا الأخير من وجود ثغرات ضعف كثيرة في موقعه، وأما الأرنئود فقد أقاموا بطرية من أربعة مدافع على الشاطئ الأيمن للنيل، أزعجت إزعاجًا كبيرًا قوات الإنجليز الذين اتخذوا مراكزهم في حقل البرتقال، ومع أن المدفعية بأسرها قد اشتركت في ضرب المدينة والعدو، فإن أثرها كان ضئيلًا للأسباب التي سبق ذكرها، وأهمها تعذر تطويق المدينة لاتساعها، ولأن أكثر جهات رشيد ازدحامًا بالسكان كان في قسم المدينة المُنحدِر إلى ناحية النهر، ولا يؤثر فيه سوى الضرب بالقنابل، زد على ذلك أن الحامية من الأرنئود كانت لا تأبه لهذا الضرب، بل وتستخف به، فضلًا عن أن النجدات من المتطوعين الذين خرجوا من دمنهور والجهات المجاورة لمناوشة الإنجليز صارت تصل إلى المدينة، كما بدأت طلائع القوات التي أرسلها محمد علي من القاهرة، تصل إليها كذلك، وجاءت رشيد المؤن كل يوم بالرغم من الحصار المفروض عليها، وقد وجدت كل هذه النجدات طريقها إلى المدينة من ناحية الشاطئ الأيمن للنيل.

وكان بسبب هذه الصعوبات المتزايدة إذن أن قرر الإنجليز فتح باب المفاوضة، بعد أن كانوا قد أغلقوه قبل ذلك بأيام قليلة، ولم يشئوا الاستفادة من تلك الهدنة التي عرضها عليهم السنانكلي، ريثما يتصل برؤسائه في القاهرة، فتقرر إعداد رسالة إلى حاكم رشيد، تذكر الأنباء التي بلغت الإنجليز عن انتصار المماليك على جند الباشا، ثم قُرب مجيء البكوات سريعًا إلى المعسكر البريطاني، وتشير إلى أن من صالح علي بك السنانكلي التسليم فورًا قبل وصول المماليك، وقبل فوات الفرصة؛ حيث إنَّه من المتعذر عند حضور البكوات منحه شروطًا سخية، ثم أضاف «تابرنا» الذي يعرف علي بك معرفة شخصية بعض العبارات التي نصحه فيها بالتسليم، وتطوَّعَ أحد التراجمة بحمل هذه الرسالة، ولكنه قوبل بإطلاق النار عليه، فاضطر الإنجليز إلى استخدام أحد العربان في هذه المهمة بعد إغرائه بمبلغ كبير من المال، واستطاع هذا اقتحام خط النار، ولكنه لم يعد، وساد الاعتقاد في المعسكر بأنه قد لقي حتفه، وتظاهر الرؤساء بالامتعاض مما حدث، وأنكروا أن ما وقع كان بعلمهم وموافقتهم.

ولمَّا كان قد لوحظ أن العدو الأرنئود قد شرع يتهيأ لتدبير هجوم على الحماد، فقد أرسل «ستيوارت» مدفعًا آخر إلى هذا الموقع مع ثلاثمائة جندي، وكان أهم ما وقع من حوادث بين ١٢، ١٦ أبريل، أن العرب الذين تبين لهم مبلغ ما يعانيه الإنجليز من مشاق في هذا الحصار المضروب على رشيد صاروا يأتونهم بأخبار من النوع الذي يرتاح الإنجليز له، فذاعت الأنباء الكاذبة عن زحف المماليك بجد وسرعة صوب الشمال، وأكد أحد العربان أنهم قد بلغوا فعلًا علقام، ونشطت مدفعية الأرنئود على يمين خطوط الإنجليز، لدرجة أنها ألحقت أضرارًا كبيرة بالمعسكر أمام رشيد وأحدثت إصابات عديدة بين الجنود، بينما ظل أثر مدفعية الإنجليز على رشيد ضئيلًا، وفي ١٤ أبريل لوحظت جماعات كثيرة تنضم إلى معسكر الأرنئود في ناحية الحماد على شاطئ النيل الأيمن من بينهم فرسان في أعداد كبيرة.

وفي ١٥ أبريل زار الجنرال «فريزر» وهيئة أركان حربه معسكر الإنجليز للمرة الأولى، وكان معه الأميرال «توماس لويس»، ولم تسفر هذه الزيارة عن نتيجة؛ لأنه مع اتضاح الحاجة إلى اشتراك قوات كافية من الجيش والبحرية في العمليات الجارية لإحراز السيطرة على شاطئ النهر قبل كل شيء حتى تؤدي الجهود المبذولة في الحصار إلى النتيجة المنشودة، فقد أصر «فريزر» على أنه من المستحيل إعطاء رجل واحد؛ لأن قوات الجيش العاملة تكاد تكون جميعها الآن أمام رشيد، وأن القوة الموجودة بالإسكندرية إلى جانب قِلَّتِها فهي مؤلفة من عناصر لا يمكن الاعتماد عليها، ثم إنه أشار على «ستيوارت» بتركيز الضرب بالمدافع على رشيد، متناسيًا أن هذا التركيز واقعٌ فعلًا، وأوضح له «ستيوارت» أن هذا التركيز قد استنفد في بعض الأحايين قدرًا من الذخيرة، لم تكفِ وسائل النقل الموجودة لجلب غيرها في الوقت المناسب، مما نجم عنه توقف الضرب بعض الوقت، وأعرب له عن رأيه في أن هذا الهجوم سوف يفشل في آخر الأمر، وغادر «فريزر» و«توماس لويس» الخطوط وهما غير راضيين عن الجهود التي بذلت، وحيث إنَّ الأمل كان منعقدًا على قرب حضور المماليك للاشتراك في العمليات القائمة، فقد بُذِلَتْ همة عظيمة في جلب الذخائر والمؤن وسائر الإمدادات من القاعدة أو المخزن المقام على بحيرة إدكو، وكانت المسافة بينه وبين المعسكر سبعة أميال، قطعها الجنود في مشقة عظيمة؛ بسبب الرمال الكثيفة التي تغطي هذا الطريق.

وفي ١٥ أبريل وضع الأرنئود مدفعين على الشاطئ الأيمن للنيل، أزعجا إزعاجًا كبيرًا ميمنة الإنجليز، فتولى الميجور «ماكدونالد» في اليوم التالي إسكاتهما بعد أن عبر النهر ومعه ٥٠ جنديًّا من ناحية جامع أبي منضور، واستخدم المدفعين في ضرب رشيد، ولكنه اضطر إلى التقهقر أمام النجدات التي جاء بها الأرنئود إلى هذا الموقع، وعبر النهر ثانية في ارتداده إلى المعسكر تحت وابل من نيران العدو.

وفي ١٦ أبريل حصلت مناوشات مستمرة بين الأرنئود والإنجليز، وحرص الأولون دائمًا على عدم الابتعاد من أسوار المدينة، وتفادي الالتحام مع الإنجليز في معركة في السهل، وبلغ «ستيوارت» من «فريزر» أن المماليك لا يزالون يقتربون من خطوط الإنجليز، وقد وجد «ستيوارت» ما يؤيد هذا النبأ، مما ذكره له جواسيسه الذين أرسلهم لتقصي حركات المماليك، فقال بعضهم إنَّ هؤلاء في طرانة وقال البعض الآخر: إنَّهم في علقام، وكان بناء على هذه المعلومات الخاطئة والمضللة أن اعتقد «ستيوارت» بضرورة المثابرة على نظام هجومه الراهن، ومع أنه كان قد بلغه أن قوات العدو بداخل رشيد لا تزيد على ثلاثمائة فارس، وثمانمائة من الأرنئود وحوالي الألف من سكان رشيد المسلحين، فقد اعتبر أن محاولة القيام بالهجوم العنيف لاقتحام المدينة إجراء غير حكيم؛ بسبب امتداد خطوطه وطبيعة تشكليها الشاذة، وكتب إلى «فريزر» في ١٨ أبريل: إن نجاح قواته يتوقف على مجيء المماليك الذين يتسنى بالاشتراك معهم قذف قوات على الشاطئ المقابل للنيل فورًا، الأمر الذي يستحيل فعله الآن؛ لأن العدو قوي بسبب ما لديه من فرسان، بينما لا يوجد فرسان ما لدى «ستيوارت»، والفرسان هم السلاح الملائم للعمليات العسكرية في أرض الدلتا، ثم راح «ستيوارت» في رسالته هذه يؤكد أهمية موقع الحماد حيث إنه من المنتظر اقتراب أصدقائنا المماليك من خطوط الإنجليز، وأما عدد إصابات الإنجليز حتى هذا التاريخ كما ذكرها «ستيوارت» فقد كانت ستة قتلى، وسبعين جرحى، من بينهم «ستيوارت» نفسه.

وفي ١٦ أبريل فَرَّ اثنان من آلاي رول من موقع الحماد، فتعهد أحد مشايخ العرب — الشيخ محمود وكان قد اتصل بأمير البحر «نلسن» في الماضي — بإحضارهما، وأحضرهما فعلًا بعض رجال قبيلته إلى «ديبي»، وجرت محاكمتهما بعد ذلك، وفي ١٧ أبريل وقع في قبضة الإنجليز بالقرب من الحماد خمسة وعشرون من الفلاحين أو العرب والترك، انفصلوا من الجيش الذي أرسله محمد علي من القاهرة بقيادة حسن باشا و«طبوز أوغلي»، وقد أسرهم الإنجليز في الطريق بين إدكو وبين خطوطهم، واعتقد فريق أن غرضهم مجرد النهب والسلب؛ لأنهم كانوا قد قتلوا رئيسهم، واعتقد فريق آخر أنهم كانوا يحاولون قطع المواصلات لمنع وصول الإمدادات من القاعدة أو المخزن على طرف بحيرة إدكو إلى مراكز الإنجليز عند رشيد أو الحماد.

ثم بعث «ستيوارت» في ١٧ أبريل بالكولونيل «أسوالد» لفحص موقع الحماد ووضع تقرير عن الحالة به، فوجد هذا الأخير أن «فوجلسانج» قد تترس على اليسار في مركز مأمون، وبذل قصارى جهده للاستفادة بقدر طاقته من موقع سيئ، بينما اتخذ أحد ضباطه الميجور «موهر» Mohr مكانه وسط الخط، ووجد «أسوالد» أن شاطئي القناة التي سبق وصفها يتساويان في الارتفاع، بحيث إذا احتل العدو أحدهما تعذر تسليط النار عليه من مرتفع أعلى، كما وجد مكشوفا المدفع الذي يعتمد عليه «موهر» في الدفاع عن وسط القرية، فضلًا عن أن يمين الخط كان مكشوفًا كذلك، ثم إنَّه كان هناك ثغرات كثيرة من ناحية شاطئ بحيرة إدكو، يستطيع العدو المرور منها، والاستدارة خلف القرية، وكان الرجاء الوحيد في إمكان الدفاع عن موقع الحماد من هذه الناحية معقودًا على تعذر مرور فرسان العدو أثناء الليل بسبب وجود الشقوق الكثيرة في أرض هذه الجهة، بينما تمكن رؤية العدو أثناء النهار عند زحفه من مسافة بعيدة بحيث يتسنى للجنود التأهب لملاقاته بوقت كافٍ يمكنها من مغادرة هذا الخط الطويل والغادر وتركيز المدفعية وجمعها في بقعة معينة يُصْلُونَ بها العدو من هذه البقعة نارًا حامية، وتوقع الإنجليز عندئذٍ الانتصار على العدو بسهولة؛ لاعتقادهم أنهم سوف يواجهون جنودًا غير نظاميين فحسب، وأبلغ «أسوالد» في تقريره أنه من المستطاع الاحتفاظ بخط الحماد ضد هجمات مبعثرة، وغير منسقة تقوم، بها حفنة من البدو والعرب، ولكنه لا يمكن الاحتفاظ به إذا وقع عليه هجوم من جانب قوات من الفرسان المشاة تعمل متحدة ضده، وقد أثبتت الحوادث صحة ما ذهب إليه «أسوالد» ولكن شيئًا لم يحدث لا لتعزيز خط الحماد ولا لسحب القوات التي به، وضمها إلى قسم الجيش الرئيسي المحاصر لرشيد، وكان مبعث ذلك قلة ما لدى «ستيوارت» من جند يمكن فصل قسم منهم لنجدة «فوجلسانج»، ولاعتقاد الإنجليز أن قوات غير نظامية فحسب هي التي سوف يجلبها العدو لمهاجمة الحماد، ولرسوخ الاعتقاد من ناحية أخرى بأن المماليك مع فرسانهم سوف ينضمون قريبًا إليهم فيعززون بحضورهم موقعي الحماد ورشيد على السواء؛ وعلى ذلك فقد انقضى يوم ١٨ أبريل دون إجراء أي تغيير، ولو أن حامية رشيد ظلت النجدات من الأرنئود تأتيها يوميًّا، وتحتفل الحامية عند وصولهم بإطلاق الرصاص.

موقف المماليك

وكان في يوم ١٨ أبريل أن بدأ الإنجليز يشكون في صحة الأخبار التي بلغتهم عن تقدم المماليك في زحفهم، وقرب انضمامهم إليهم، وقلَّت أحاديث العربان وغيرهم ممن كانوا يأتون بسلعهم من مؤن وغيرها لبيعها في معسكر رشيد على المماليك، وصاروا لا يؤكدون الآن قرب وصولهم، على خلاف ما جروا عليه في أحاديثهم قبل ذلك، بل إنَّ عدد هؤلاء العربان لم يلبث أن قَلَّ بدرجة ملموسة، وصار لا يزدحم السوق بهم كما كان الحال في الماضي، وكان عندئذٍ أن بعث «ستيوارت» إلى «فريزر» بتلك الرسالة التي يعترف فيها بأن النجاح متوقف على حضور المماليك، فإنه لما كان قد نبذ فكرة القيام بهجوم لاقتحام رشيد عنوة كإجراء غير حكيم، ولا يزال يصدق أن المماليك في طريقهم إليه، وأنهم سوف ينضمون إلى قواته قريبًا، بينما صارت تأتي النجدات تباعًا لحامية رشيد، فقد جعل كل اعتماده في إمكان تطويق رشيد وإخضاعها على وصول البكوات المماليك.

على أن البكوات منذ أن بعثوا بكتبهم المُؤرَّخَةِ في أول أبريل يذكرون للميجور «مسيت» وللجنرال «فريزر» أنهم نازلون إلى الجيزة، قد لزموا الصمت، حتى إن «فريزر» اضطر إلى الكتابة إلى إبراهيم بك في ١١ أبريل كي يزيل ما خلفته هزيمة حملته الأولى ضد رشيد من أثر في نفوسهم، وحتى تقوى ميولهم الودية نحو الإنجليز، فبعث إليه من سفينة القيادة «كانوب» في خليج أبي قير برسالة جاء فيها أنه قد سَرَّهُ تسلم كتاب إبراهيم بك الذي أكد فيه الأخير محبته للإنجليز، واستعداده للتفاهم معهم، ثم استطرد «فريزر» يقول: «إن غرض بريطانيا العظمى من إرسال أسطول إلى هذه الجهات، ليس الاستيلاء على مصر، وإنما لبسط الهدوء والاستقرار بها، ولمساعدة أصدقائها، ولما كان جلالة ملك بريطانيا يخشى من أن يعطي الباب العالي هذه البلاد للفرنسيين فقد أمر «فريزر» بالمجيء إليها حالًا مع جند وجيش»، وينتظر «فريزر» وصول قوات أخرى من صقلية ومالطة، وبمجرد أن يضع الإنجليز أيديهم على النيل يشرعون في إسداء المعاونة المطلوبة إلى إبراهيم، ثم إنَّ «فريزر» طلب إلى إبراهيم أن يبعث بخمسة أو ستة من الصناجق البكوات إلى جهات البحيرة والمنوفية وفوة حتى يمنعوا المرور على الأرنئود الذين هم برشيد الآن، والذين يخشى «فريزر» أن يسيروا في الليل إلى القاهرة، وقد استند «فريزر» في رجائه هذا على عدم وجود الوقت لديه لشراء الخيول اللازمة لجنوده الفرسان، فيستطيع فرسان المماليك إذن القيام بهذه المهمة، وقد اختتم «فريزر» رسالته هذه بأمرين: أولهما: التأكيد مرة أخرى بأنه لم يحضر للاستيلاء على مصر، ولكن لمساعدة أصدقاء إنجلترة، وثانيهما: إظهار أمله الوطيد في أن كل هذه الجهود التي يبذلها الإنجليز سوف تكلل بالنجاح.

ولم يُجِب البكوات على رسالة «فريزر» هذه إلا بعد عشرة أيام، وعندما فعلوا ذلك كان الانقسام لا يزال سائدًا في صفوفهم — آفتهم القديمة والمزمنة — وكان من الواضح أنهم متأثرون علاوة على ذلك بهزيمة الإنجليز السابقة في رشيد، وأنهم لن يحركوا ساكنًا، إلا إذا تأكد لديهم أن «فريزر» قد استولى فعلًا على رشيد، وهزم جيش محمد علي، وكان العذر الذي انتحلوه لعدم حركتهم هو خوفهم من انتقام الباشا من أسراتهم الموجودة بالقاهرة، إذا ظهر من جانبهم أنهم يريدون الاشتراك مع الإنجليز في الحرب ضده، وقبل أن يكون هؤلاء الأخيرون قد نجحوا في الزحف على القاهرة حتى صاروا على أبوابها، الأمر القمين وحده بمنع محمد علي من إلحاق الأذى بأسرات البكوات بها، وحقيقة الأمر أنه كان هناك اختلاف جوهري بين وجهتي نظر البكوات والإنجليز في مسألة التعاون العسكري المنشود؛ وذلك لأن الأولين بنوا كل خططهم على نيل مؤازرة الإنجليز العسكرية لهم أولًا، بعد أن يكون هؤلاء قد تحملوا عبء الحرب في أشَدِّ أدوارها صرامة، وتكللت عملياتهم العسكرية بالنجاح فعلًا، فلا يكون على البكوات عندئذٍ سوى جني ثمار هذا الانتصار، ودون بذل أية تضحيات من جانبهم، وكان من أهم بواعث تمسكهم بوجهة النظر هذه عجزهم عن توحيد صفوفهم للقيام بأي عمل حاسم بالاتحاد فيما بينهم للأسباب التي سبقت الإشارة إليها كثيرًا، وأمَّا الإنجليز فقد كانوا يعتمدون منذ قدوم حملتهم إلى هذه البلاد — كما رأينا — على نجدة البكوات لهم، وإمدادهم بفرسانهم على وجه الخصوص لسد هذا النقص في قواتهم، ويبنون خططهم على اشتراك المماليك في عملياتهم العسكرية اشتراكًا جديًّا، وتوقف نجاح عملياتهم هذه على حضور المماليك من الصعيد، وانضمامهم إلى صفوفهم، ولا جدال في أن عدم مجيء المماليك لنجدتهم كان من أهم العوامل الحاسمة في هزيمة حملتهم، ويتضح مدى الاختلاف الواقع بين وجهتي نظر الإنجليز والبكوات في هذه المسألة من الجواب الذي بعث به إبراهيم بك على طلب «فريزر» الخاص بأولئك الخمسة أو الستة من الصناجق الذين أراد حضورهم مع أتباعهم، كما يتضح الأثر الذي أحدثه انقسام البكوات في تعطيل حركتهم فيما كتبه شاهين الألفي إلى «مسيت» من بني سويف.

أما إبراهيم بك فقد كتب إلى «فريزر» في ٢١ أبريل، بأنه قد تسلَّمَ رسالة هذا الأخير الذي يقول فيها إنه جاء إلى هذه البلاد لإنقاذها من الفرنسيين، وإعادة السلام والهدوء إليها، ويريد منه (أي من إبراهيم) إرسال خمسة أو ستة بكوات مع أتباعهم إلى البحيرة والمنوفية لمنع الجند الذين في رشيد من التقهقر إلى القاهرة.

ثم شرع إبراهيم يوضح الأسباب التي تمنعه من إجابة هذا الطلب، فقال: «إن صنيع الإنجليز معنا ليفرض علينا حتمًا أن نفعل كل ما في طاقتنا وقوتنا لإرضائهم، ولن يُنْسَى معروفهم ما دام هناك مماليك أحياء، ونحن مهما فعلنا لن نوفِّي حق الإنجليز علينا، ولكننا نرجو منك العفو والصفح، إذا كنا لا نستجيب في الوقت الحاضر لمُلتَمَسِك مِنَّا، فأنتم تعرفون كل ما وقع بنا خلال السنوات العشر الماضية منذ مجيء الفرنسيين إلى هذه البلاد، وتعرفون أننا نعيش في الصحراء، وبعيدين لمسافات طويلة عن بيوتنا وأسراتنا بالقاهرة، ولقد كان بفضل وساطة الإنجليز أن نلنا مرتين صفح السلطان العثماني عنا، وقد ألغي هذا العفو في كل مرة بسبب المال والهدايا التي أعطاها أعداؤنا لوزراء الباب العالي، ولم تُتَحْ لنا الفرصة بتاتًا لشراء هذا العفو ثانية، فلم يعد هناك مناص من العيش في الصحراء والبقاء بها بعيدين عن زوجاتنا وأسراتنا، ولقد كان من أجل تأمين هؤلاء على سلامتهم أن رضينا نحن بهذه التضحية؛ ولذلك فلو أننا بعثنا ببعض بكواتنا للانضمام إليك، وأنت الآن على هذه المسافة البعيدة بعدًا عظيمًا منا، لبلغ خبر ذلك القاهرة سريعًا، وأنت ولا شك أدرى بخُلُقِ جند العدو المجلوبين من كل أمة، وهم من اللصوص والنَّهَّابينَ الذين لا يرعونَ إلًّا ولا ذمة، ولا يعرفون القانون، والذين سوف ينتهزون هذه الفرصة للقبض على زوجاتنا واغتصابهن، ثم إنَّ مديرية الشرقية إقليم واسع الأرجاء، والسبل واسعة لتقهقر العدو منها (من رشيد)، ونحن خائفون على سلامة أسراتنا التي قبلنا بسببها ما نحن فيه من حرمان كثير منذ غزو الفرنسيين للبلاد، والتي سوف تتعرض لإهانات أعدائنا، وعندما تستولي أنت على رشيد، سوف نأتي — إذا وافقت على ذلك — إلى الشرق من القاهرة، بينما تزحف أنت على شاطئ النيل الغربي للانضمام إلينا، وترسل إلينا عند وصولك إلى الجيزة ما يفيد ذلك، فنحضر نحن لمقابلتك في يوم يصير تحديده عند إمبابة، وهناك تتحد قواتنا معكم ضد العدو، وبهذه الطريقة لا يستطيع العدو إلحاق الأذى بعائلاتنا.

ونسأل المولى تعالى بفضل مساعدتكم أن ننال النصر على أعدائنا، ورجائي لك أن تقبل الأسباب التي أبديتها والتي جعلتنا لا نجيب ما طلبته منا، فابعث لنا بما يعرفنا عن المكان الذي سوف نقابلكم فيه، وحسبنا أن يتقرر الموعد أو اليوم الذي يجب علينا أن نكون فيه في النواحي القريبة من القاهرة، حتى لا يجد العدو متسعًا من الوقت لإلحاق الأذى بأسراتنا، ولا يجب أن تظن أننا إنما نريد — لا سمح الله — انتحال الأعذار انتحالًا، فسوف نحضر طاعة منا لأوامرك، ولن نفعل شيئًا قد يسبب غضبك علينا، ولو اقتضى الأمر تضحيتنا بحياتنا، وإذا كنا حتى هذا الوقت لم نرسل إليكم بعضًا من أقوامنا فمَرَدُّ ذلك إلى الأسباب التي ذكرناها لكم، لقد سبق لكم أن شهدتم القاهرة من بضع سنوات مضت، ولكن اليوم ليس بها ثلث سكانها الذين كانوا قبلًا بها.» ثم عاد إبراهيم يكرر القول في وصف الجنود العثمانيين الذين راح يؤكد أنهم لا يخشون الله والناس، ولا يقيمون مثقال ذرة لحياة البشر، ولكن الله تعالى سوف يعاقبهم، وطلب إبراهيم في ختام رسالته أن يرد عليه «فريزر» دون إبطاء.

وأمَّا شاهين بك الألفي فقد بعث إلى «مسيت» برسالتين من بني سويف إحداهما في ٢٢ أبريل، والأخرى في ٢٣ أبريل، يأسف في الأولى على ذهابه إلى أسيوط، ومغادرته الدلتا بعد وفاة الألفي الكبير — في الظروف التي سبق ذكرها — لأن الحملة الإنجليزية ما لبثت أن حضرت بعد ذهابه، فكان ذلك على نحو ما قال يقينًا من سوء حظه العظيم، ومع ذلك فإنه ما إن علم بمجيء الإنجليز حتى قرر النزول من الصعيد والانضمام إليهم، ثم استطرد يقول: «ولكنه لأساه العظيم وحزنه وقهره قد أُرغمَ إرغامًا على تأجيل تنفيذ رغبته حتى يقنع سائر البكوات بالنزول معه، وقد لجأ إلى مختلف الحجج والدعاوى لإقناعهم بذلك، ولكن من غير طائل، وهو لا يدري السبب الذي منعهم من اتِّباعه أو ماذا يدور في أذهانهم، فقد رفضوا رأيه، وتعب من عنادهم، وصارت رغبته الملحة اللحاق بأصدقائه الذين سبقوه من بضعة أيام مضت في السير صوب الدلتا، فترك البكوات ووصل الآن إلى جوار بني سويف، ومن المنتظر أن يكون في حدود الجيزة بعد أربعة أو خمسة أيام.» وقال شاهين: «إنَّ إبراهيم بك، وسائر البكوات قد كتبوا إلى «مسيت» وهو لا يعلم أغراضهم أو نواياهم، ولكنه يعلم بناء على ما وقف عليه من أخبارهم أنهم قد قرروا عدم النزول من الصعيد حتى يبلغهم وصول جيش الإنجليز إلى الجيزة، وأن الجيش صار يضيق الحصار فعلًا على القاهرة، ثم راح شاهين يؤكد صداقته للأمة الإنجليزية ويطلب حمايتها، ويرجو من «مسيت» السهر على مصالحه، وقد صاغ هذا في عبارات تنُمُّ عن الاستخذاء الذي كان مبعثه — ولا شك — إدراك شاهين أنه في حالة عجزه الراهنة يتعذر عليه إسداء أية معونة إلى أصدقائه الإنجليز، ولأنه كان هو الآخر كسائر البكوات لا يرى من الحكمة التقدم في زحفه إلى أبعد من الجيزة والقاهرة لا سيما بعد هزيمة الإنجليز الأولى، ولما كان قد قَرَّ رأيه على ترك عبء العمليات العسكرية يقع بأكمله على عاتق الإنجليز وحدهم، ودون أن يبذل أية تضحية من جانبه، وقد يكون النجاح حليفهم، وهو احتمال لا ينبغي عليه أن يغفله من حسابه، فقد خُيِّلَ إليه أن الاكتفاء بترديد عبارات الصداقة قمين وحده بتأمين مصالحه، فقال: وأما فيما يتعلق بشخصي، فواجبك — مخاطبًا «مسيت» — أن تعتقد، ولك أن تؤكد هذا لكل من يهمهم الأمر، بأني أعتبر الأمة الإنجليزية الصديق الوحيد لي، وهي حاميتي الوحيدة كذلك، ولن أعترف بسواها صديقًا وحاميًا لي، وهنا يحاول شاهين أن يزيل كذلك من ذهن «مسيت» الأثر الذي أحدثته علاقات شاهين ومفاوضاته مع «روشتي» ومندوبه «روفائيل» لطلب وساطة روسيا لدى الباب العالي في صالحه وحمايتها له.»

ثم استمر شاهين يقول: «ولا شك في أن الصداقة الوثيقة التي نشأت بينك (أي بين «مسيت») وبين سلفي محمد الألفي قد أعطتك الفرصة لا محالة للتعرف على آرائه وفكره، وشعوري هو نفس شعور محمد الألفي، ولن يتغير هذا الشعور أبدًا؛ ولذلك فإني أعهد إليك بالإشراف على كل مصالحي بحكمتك، مقتنعًا بأن صداقتك الوثيقة وغير المتغيرة سوف تجعلك لا تَضِنُّ بأي جهد يتطلبه منك، وبقدر كل ما هو في استطاعتك وقوتك العمل لصالحي، وسوف أكون سعيدًا لإبلاغك عواطفي هذه بنفسي عندما أحظى بلقائك.»

ثم إنَّ شاهين لم يلبث أن كتب مرة أخرى إلى «مسيت» في ٢٣ أبريل ومن بني سويف أيضًا ردًّا على رسالتي «مسيت» — في ١١ أبريل — إليه، وقد وصلته هاتان الرسالتان في ذات اليوم (٢٣ أبريل)، إحداهما عن طريق إسماعيل أبي صخر، والأخرى أحضرها موسى أغا، وذكر شاهين أنه تسلم كذلك خطاب «مسيت» إلى شاهين بك المرادي البرديسي وخطاب «فريزر» إلى إبراهيم بك وقد بعث بهاتين الرسالتين إلى شاهين المرادي وإبراهيم مع علي كاشف ومحمد كخيا. ثم أخذ يسرد ما وقع من حوادث فقال: «وقبل وصول خطاباتكم هذه كنا قد قررنا النزول من الصعيد إلى الوجه البحري وحضرنا لهذا الغرض من أسيوط إلى المنيا التي وجدنا الأرنئود قد أخلوها، فأمضينا بها أربعة أيام، قررنا بعدها استئناف النزول صوب الدلتا، وأبلغت البكوات الآخرين أني سوف أسبقهم في السير، وفعلت ذلك، وكان في طريقي أن قابلت حاملي رسائلك السالفة الذكر، والتي بادرت بإرسالها مع علي كاشف ومحمد كخيا مصحوبة بخطاب مني أُلحُّ فيه على البكوات في ضرورة المجيء فورًا، أو على الأقل أن يوفدوا بعض بكواتهم كما طلبتم، ثم إني طلبت من علي كاشف ومحمد كخيا أن يبذلا قصارى جهدهما؛ لإقناع البكوات بالنزول صوب الدلتا فورًا، وقد استأنفت سيري بعد ذلك حتى وصلت إلى بني سويف.

وقد عاد علي كاشف ومحمد كخيا من المنيا برسالة من والدنا إبراهيم بك إلى الجنرال «فريزر» وأخرى إليك، أبعث بهما إليك عن طريق إسماعيل أبي صخر، ثم إن علي كاشف ومحمد كخيا قد أحضرا صورة من كتاب والدنا إبراهيم بك إلى الجنرال «فريزر»، كما ذكرا لي مخاوف البكوات من ناحية ما قد يقع من اعتداءات على أسراتهم في القاهرة، وأنه لما كانت رشيد لم تؤخذ، بعد فالجنود الإنجليز لا يزالون على مسافة بعيدة جدًّا من القاهرة، ويخشى لذلك إذا نزل البكوات صوب الإسكندرية أن يؤذي محمد علي عائلاتهم، والبكوات متأكدون من أنه إذا أخذ الإنجليز رشيد فهم سوف يزحفون على القاهرة، وسوف يذهب البكوات عندما يبلغهم خبر ذلك لمقابلتهم عند إمبابة في يوم يسبق الاتفاق عليه، وهم يرجون «فريزر» أن يخبرهم بهذا اليوم، ثم إنَّهم لا يجدون صعوبة في تنفيذ رغبة القائد الإنجليزي إذا أراد حضورهم على كل حال، ويرجون إرسال جواب على رسالتهم هذه حالًا، ذلك إذن فحوى خطاباتهم واعتذاراتهم التي لها يقينًا ما يعززها؛ لأن محمد علي قد هدد بالانتقام من عائلاتهم.»

ومع أن شاهين كان ينوي الاستمرار في السير شمالًا، فقد كان الواضح من كتابه أنه هو الآخر لا يبغي التقدم إلى أبعد من الجيزة أو القاهرة، كما دَلَّ التماسه المعاذير لامتناع البكوات عن إجابة رغبات «فريزر» و«مسيت» أنه هو نفسه كان يذهب إلى نفس ما ذهبوا إليه، ثم إنه كان من الواضح كذلك أن حركة البكوات إطلاقًا كانت متوقفة — قبل أي شيء آخر — على انتصار الإنجليز وأخذهم رشيد.

فقال شاهين: «وأما فيما يتعلق بشخصي، فإني أريد أن تكون أنت بدلًا مني وأن تنوب عني في العمل لصالحي، وأرجوك أن تبلغ الجنرال «فريزر» أني الآن في بني سويف، وأنه حين يصلك هذا الكتاب أكون قد وصلت مع كل أتباعي إلى دهشور، فابعث إليَّ بأوامر الجنرال، حتى إذا كان عليَّ أن استمر في السير بعد دهشور، فإني مستعد لفعل ذلك، وسوف يكون طبيعيًّا إذا بلغني سقوط رشيد أن أستلخص من ذلك أن الجنود الإنجليز صاروا قريبين، وسوف أسرع حينئذٍ للانضمام إليهم، وأما إذا كانت رشيد لم تؤخذ بعد فاكتب إليَّ بما يجب عليَّ فعله لأني من دون البكوات جميعهم سوف أكون أقربهم إليك لوجودي وقتئذٍ بدهشور، ولأن هذه لا تبعد سوى ست ساعات عن إمبابة، وإبراهيم بك وسائر البكوات كذلك حاضرون؛ لأن علي كاشف ومحمد كخيا قد أكدا لي أنهم تركوا المنيا، وفي طريقهم صوب الدلتا لتلقي أوامر الجنرال «فريزر».» وقد اختتم شاهين كتابه بإسداء نصيحة ثمينة إلى «مسيت» وقُوَّادِ الحملة، فقال: «وأرجو أن تبلغني سريعًا خبر تسليم رشيد؛ لأنه كلما تأجل سقوطها أُتيحت للعدو فرصة أكبر لتحصين وتقوية نفسه.»

ذلك إذا كان موقف البكوات الذين قال «ستيوارت» في ١٨ أبريل إن نجاح عملياته العسكرية ضد رشيد وفي الحماد متوقف على حضورهم لنجدته، والذين ظل هو و«فريزر» و«مسيت» وسائر ضباط الحملة يتوقعون قرب حضورهم لمعاونتهم بسبب المعلومات الخاطئة والمضللة التي صار يزودهم بها جواسيسهم، وقد وصلت رسائل البكوات إلى الإنجليز يوم ٢٨ أبريل، ولكن الإنجليز عندما تسلَّموا هذه الرسائل كانت قد حَلَّتْ بهم الهزيمة في واقعة الحماد، قبل ذلك بأيام قليلة، وهي الهزيمة التي قضت على كل أمل في إمكان حدوث أي تعاون عسكري بعد ذلك من جانب المماليك معهم، ولقد فشل نظام المخابرات الذي أوجده «مسيت» في إبلاغ قيادة الإنجليز أية تفصيلات دقيقة أو وافية عن الإجراءات التي اتخذها محمد علي في القاهرة لإرسال جيش حسن باشا والكتخدا بك «طبوز أوغلي» لملاقاة الإنجليز منذ عودته من الصعيد إلى القاهرة، أو عن مراحل تقدُّم الأرنئود في زحفهم صوب رشيد.

بل بلغ من اغترار الإنجليز بالأقوال الكاذبة، والشائعات الخاطئة التي نقلت إليهم، وأذيعت في معسكراتهم أنهم لما يأبهوا للخبر الوحيد الصحيح الذي جاءهم عن طريق الشوربجي، وفي الوقت المناسب بشأن استعدادات الباشا، وجمع كل قواته لإرسالها إلى رشيد لنجدتِها، ثم إنَّهم ظلوا يعتقدون أن مواقعهم سواء في الحماد أو في رشيد لن يهاجمها سوى جنود غير نظاميين من السهل دحرهم وردهم على أعقابهم، والسبب في رسوخ هذا الاعتقاد في أذهانهم، إنما مَردُّه إلى نفس الخلل السائد في نظام مخابراتهم، وكان من رأي بعض الإنجليز الذين اشتركوا في هذه العمليات العسكرية أنه لو كانت قيادتهم قد أدخلت في حسابها من مبدأ الأمر تعرض حملتهم لهجوم قوات نظامية عليها، أو أن للباشا في القاهرة جيشًا يستطيعُ الالتحام مع جندهم في معارك جدية، لما جرؤت على إرسالها حملتيها الأولى والثانية ضد رشيد، ولنبذ العسكريون أية فكرة تدعو إلى امتلاك رشيد والاحتفاظ بها بكل احتقار كإجراء لا تُقرُّهُ فنون الحرب والقتال للظروف العديدة التي لابست إرسال هاتين الحملتين، والتي سبق الحديث عنها في موضعها.

ولقد سبق أن أوضحنا أن الجنرال «ستيوارت» لو علم في الوقت المناسب بحقيقة التجهيزات التي قام بها الباشا، ووقف على حركة العدو لسحب قواته ليس فقط من موقع الحماد، بل ومن رشيد كذلك، وآثر التقهقر إلى الإسكندرية إلى الالتحام في معركة لم يكن هو نفسه مؤمنًا بكسبها، وأنبأت حوادث حصار رشيد ذاتها بسبب ضعف خطوط الإنجليز وصمود حاميتها بأنها سوف تكون لا محالة خاسرة، ولم يتبين الإنجليز خطورة مركزهم على وجهها الصحيح إلا عندما شاهدوا بأعينهم النجدات تأتي يوميًّا إلى رشيد، وقوات الأرنئود تتجمع على شاطئ النيل بالقرب من الحماد، ثم لم يحضر المماليك لنجدتهم.

وقد نقد فيما بعد كل من «ستيوارت» و«هالويل» نظام المخابرات السيئ هذا نقدًا لاذعًا، عندما قال الأول ضمن رسالة له إلى «فريزر» في ٢٥ أبريل يُفصِّلُ فيها عمليات المعركة وأسباب الهزيمة إن ما فعلوه خطأً من انتظار حضور المماليك لنجدتهم، ثم خديعة وتضليل مخبريهم لهم عمومًا قد أخذت تبدو آثارهما، حيث توقف النصر والنجاح على مدى صداقة العربي أو المصري لنا، وتلك ملاحظة يؤكد صدقها ما وقع من حوادث، فإنه بدلًا من أن نجد أنفسنا وسط أصدقاء وحلفاء — كما أعطينا من الأسباب ما يجعلنا نتوقع ذلك — صارت كل قرية ترسل إلينا معلومات لا غرض منها سوى خديعتنا، بينما بقي حلفاؤنا المماليك بالصعيد ينتظرون — على ما يبدو — تحقق نجاح جيشنا، وأما «هالويل» فقد كتب إلى السير «توماس لويس» في ٢٩ أبريل: «لقد كان من حقنا أن ننتظر بعض المساعدة من الميجور «مسيت» والسيد «بريجز»، اللذين كان ينبغي بفضل إقامتهما الطويلة في البلاد والمركز الذي لهما بها أن يكون لديهما الوسائل التي تمكنهما من الحصول على أوثق المعلومات وأصَحِّها، ولكني أقول — بكل أسف — إنَّه نادرًا ما كان يأتينا منهما أية أخبار بتاتًا، وأن تلك الأخبار القليلة التي أبلغانا إياها لم تفد إلا في تضليلنا.»

وأما الخبر الصحيح والوحيد الذي ظفر به «مسيت» نفسه من نظام مخابراته الفاسد، بين يومي ١٠، ٢٠ أبريل فقد أعلن إليه أن جيشًا كبيرًا من الأرنئود قد مر أمام بلدة فوة يوم ١٨ أبريل، قِسمٌ منه تحمله القوارب والقسم الآخر يسير برًّا في طريقه إلى رشيد، ولكن هذا الخبر جاء متأخرًا، ومع هذا فقد كان من الميسور إنقاذ الجيش من هزيمة محققة، لو أنه أرسل في التو والساعة إلى الجنرال «ستيوارت»، ولكن «مسيت» الذي غادر المعسكر منذ ١٠ أبريل كان مقيمًا بالإسكندرية، ووجب نقل هذه المعلومات إلى الجنرال «فريزر» أولًا، وهذا الأخير — كما ذكرنا — يتخذ من السفينة «كانوب» في خليج أبي قير مقرًّا لقيادته العليا، ثم وجب بعدئذٍ نقل الخبر إلى الجنرال «فريزر» أمام رشيد؛ وعلى ذلك فإن هذه المعلومات الهامة التي بلغت «مسيت» يوم ٢٠ أبريل لم تصل «فريزر» إلا مساء اليوم نفسه، ثم لم تصل «ستيوارت» إلا يوم ٢١ أبريل؛ أي يوم المعركة، عندما صار لا نفع لهذه المعلومات ولا جدوى منها.

معركة الحماد

فقد بدأت منذ ١٩ أبريل خصوصًا تتجمع النُّذرُ مؤذنة بقرب وقوع المعركة التي سوف تفصل لا محالة في مصير حملتهم، وترغمهم على الارتداد مقهورين إلى الإسكندرية.

ذلك أن جيش حسن باشا وجيش «طبوز أوغلي» اللذين افترقا عند منوف ليسير الأول على شاطئ النهر الأيسر، والثاني على شاطئه الأيمن صوب رشيد، قد وصلا الآن إلى جهة رشيد، وعَبَرَ جيش حسن باشا النهر عند «أدفينا» واتخذ موقعه بها، بينما وقف جيش «طبوز أوغلي» في برنبال على الشاطئ الأيمن للنيل، على مسافة قريبة من مرتفع الحماد، ولكنه يبعد نحو الفرسخين عن المدينة التي يفصلها عنه ثنية النهر (فرع رشيد) في هذه الجهة، وفي ١٩ أبريل زحف جيش حسن باشا من ديبي شمالي «أدفينا» صوب الحماد وهاجم يسار موقع الميجور «فوجلسانج»، واستطاع الإنجليز صد هذا الهجوم، وبينما كانت تجري هذه العمليات عند الحماد، لاحظ الإنجليز عند رشيد أن سوق معسكرهم قد أقفر تمامًا من البدو، كما بلغهم احتلال الأرنئود لقرية أدفينا، وتوقعوا أن يكون غرض العدو من احتلالها، إما لبداية العمليات الجدية على يمين خطوط الإنجليز في رشيد، وإما لاحتلال موقع يستطيع منه قطع المواصلات بين الإنجليز والمنطقة الداخلية التي كانت تأتيهم منها المؤن والإمدادات، وكان إقفار سوقهم في هذا اليوم النتيجة المباشرة لهذه العمليات؛ وعلى ذلك، فقد بادر «ستيوارت» بإبلاغ هذه المعلومات إلى «فريزر» الذي كان من رأيه أنه لا أمل في النجاح إذا نزل العدو إلى الميدان في قوات كافية، ويتحتَّمُ في هذه الحالة الاستعداد للانسحاب بأقل خسارة ممكنة، ورفض «فريزر» جلب مدافع أخرى إلى خط النار، إلا إذا توافرت الوسائل اللازمة لنقلها، ووجد العداد الكافي من الرجال لخدمتها في حالة الاضطرار إلى الانسحاب أمام العدو، وأعلن «ستيوارت» في الوقت نفسه عزمه على تعزيز مركز الحماد، واستطلاع مراكز العدو في «أدفينا» لمعرفة ما إذا كان ممكنًا طرده منها دون مجازفة؟ على أن الأرنئود قاموا في صباح هذا اليوم نفسه (١٩ أبريل) بخروج في قوات فاقت كثيرًا تلك التي خرجت مع علي بك السنانكلي يوم ١١ أبريل وجُرحَ هذا الأخير أثناء هذه العملية، فوقع التحام شديد اشترك فيه «ديلانسي» و«أسولد» و«ريديل» Riddel، ثم حضر «ستيوارت» وتولى القيادة بنفسه، وأمر بمطاردة العدو الذي بدأ يتقهقر، ولكن الإنجليز لم يستطيعوا ملاحقة الأرنئود أو هزيمتهم؛ لأن مراكزهم كانت مكشوفة ومعرضة للنيران، وقد اعترف أحد رجال الآلاي الثامن والسبعين فيما بعد بأن بنادق الأرنئود كانت يفوق مرماها مرمى البنادق الإنجليزية، فلم يكن هناك مناص إذن من ارتداد الإنجليز أنفسهم، وأشار بهذا أيضًا الكابتن «هالويل» فصدرت الأوامر بذلك، وما إن بدأ التقهقر حتى عاود الأرنئود الكرَّة، وخرج من رشيد أولئك الذين كانوا قد انسحبوا إليها، واشتد إطلاق الرصاص من الأسوار على الإنجليز، ولكن الأرنئود الذين حرصوا دائمًا على عدم الابتعاد عن أسوارهم، ما لبثوا أن أوقفوا مطاردتهم للإنجليز، وعادوا أدراجهم يهنئون أنفسهم على هذا النصر الذي أحرزوه.

وقد كفى ما وقع في هذا اليوم سواء في رشيد أو في الحماد لإقناع كل إنسان بأن الأرنئود قد قرروا قطعًا اتخاذ خطة الهجوم، وكان في رأي بعض رجال الحملة أنه كان يجب عندئذٍ وبمجرد أن اتضحت نية العدو تقرير الانسحاب فورًا إلى القاعدة أو المخزن الذي أقاموه على طرف بحيرة إدكو، فقد جاء في تقرير وضعه أحد هؤلاء أنه سوف يكون مبعثًا للأسى والأسف دائمًا عند اتضاح أن الهجوم هو الخطة التي قررها العدو يوم ١٩ أبريل عدم وقف كل العمليات الجارية ضد رشيد وعدم إنزال مدفعيتنا الثقيلة إلى السفن في بحيرة إدكو، وعدم جمع فرق الجنود من المواقع والمراكز الأمامية والانسحاب فورًا إلى القاعدة التي لنا على طرف بحيرة إدكو، لقد كان القمر ساطعًا في هذه الليالي، والأتراك يغطُّونَ في النوم كعادتهم، ومن المتيسر لذلك إجراء كل الترتيبات اللازمة لنقل المدفعية والمخازن والعتاد أثناء الليل، وأن يجمع الجيش يوم ٢٠ أبريل للتقهقر عسكريًّا بصورة مشرفة أمام القوة التي في وسع محمد علي إنزالها ضدنا في الميدان، وتلك كانت فكرة الجنرال «ستيوارت»، ولكنَّ هذا القائد من غير أن تكون لديه أوامر محددة ومن غير أن يزوده قلم المخابرات بالمعلومات اللازمة لتنفيذ هذه الحركة، حتمًا صار لا يستطيع تحمل مسئولية عمل قد يُستدلُّ منه بصورة ما على أنه فاقد الثقة في نفسه أو في جنوده، فهو لدرجة معينة إنما يعمل مرءوسًا لغيره، بينما قد ترك له في الوقت نفسه أن يقرر وحده إما المجازفة بسلامة جنده والالتحام مع العدو، وإما التخلي عن مشروع الحملة ضد رشيد وهو مشروع قيل وقتئذٍ إن سلامة مركزنا وأمنه في مصر، إنما يتوقف على تنفيذه، وقد ساء «ستيوارت» أن يجد نفسه في هذا الوضع المحرج، وآثر تأجيل الانسحاب إلى اللحظة التي يصير فيها الانسحاب إجراء تلزمه الضرورة، ويمكن فقط تنفيذه بتحمل خسائر فادحة.

وفي مساء ١٩ أبريل إذن بعث «ستيوارت» بالكابتن «تارلتون» Tarleton مع بعض القوات إلى الحماد، على أن يدفع العدو عن هذا الموقع إلى ما وراء النهر، إمَّا أثناء الليل أو في الساعات المبكرة من صبيحة اليوم التالي، وصدر أمر في الوقت إلى «فوجلسانج» بإضافة سرية من قواته إلى جنود «تارلتون» وافترض «ستيوارت» أن الأرنئود لا يحتلون «أدفينا» بكل قواتهم، وأن لديهم فرسانًا على هذا الجانب من النهر؛ ولذلك فقد ترك جند «تارلتون» عتادهم وراءهم عندما ساروا في صباح ٢٠ أبريل زاحفين في السهل، ولكن «تارلتون» ما لبث أن قرر الانسحاب عندما لاحظ وجود قوات كبيرة من فرسان العدو، فلم يشأ المجازفة بالاشتباك معهم، وكان عندئذٍ أن ارتكب خطأ كبيرًا بتقسيم قواته إلى قسمين، واحد منهما يسير معه صوب مراكز الإنجليز إلى يسارها، والثاني للدخول في قرية الحماد ذاتها، ففاجأ فرسان العدو هذا القسم وأحاطوا به وقتلوا ثلثي الجنود — وكان هؤلاء الفرسان من جيش حسن باشا — وبلغ نبأ هذه الهزيمة «ستيوارت» قبل ظهر هذا اليوم بساعة واحدة، فقرر فورًا إرسال نجدة إلى الحماد على رأسها «ماكليود» و«ديلانسي»، ثم أرسل بعد الظهر سريتين أخريين، وصلت جميعها سالمة إلى الحماد، وقد ترتب على فصل هذه السريات من الجيش الرئيسي أمام رشيد أن لحق الضعف بخط الإنجليز عند رشيد، ثم إن العدو شهد حركاتهم، وعرف عدد قواتهم رجلًا رجلًا، وكان في استطاعته تحريك قواته هو حسبما أراد، وصارت حال الخط لذلك دقيقة بدرجة خطيرة، وكان معنى تضييق الخط ترك بعض تحصينات الميدان أو المتاريس والمواقع التي مأنتها وإغراء العدو على الإحاطة بالإنجليز وتطويقهم، وتدخل حُسْنُ الحظ وقتئذٍ لإنقاذ الإنجليز عندما أغفل الأرنئود فعل ذلك.

وأما «ماكليود» فقد أبلغ من الحماد أن الموقع لا بأس به، ويمكن صد أي هجوم يقع عليه، وأن الهزيمة التي حدثت في الصباح كان سببها عدم الحيطة وعدم النظام في السير، ولم يرتح «ستيوارت» لتقرير «ماكليود» وقرر أن يقوم هو شخصيًّا بتفتيش الموقع، ثم إنه ما بدأ يسير نحو الحماد حتى كاد يحيط به فرسان العدو ويأسرونه، ولكنه استطاع الوصول بسلام، وقام بتفتيش الموقع في المساء ووجد به مَواطِنَ ضعف كثيرة، واتفق مع «ماكليود» على أن يثابر هذا الأخير في الدفاع عن الحماد أطول مدة ممكنة، ولكن عليه إذا وجد نفسه مهددًا بهجوم قوي من جانب فرسان العدو، أو أن هؤلاء سوف يستديرون خلفه، أن يجمع كل قواته ويتقهقر بها إلى البحيرة (بحيرة إدكو) التي تؤمن في واقع الأمر أحد جناحيه، وأما إذا تعذر عليه الدفاع أو التقهقر إلى البحيرة فعليه حينئذٍ أن ينسحب بقواته إلى مرتفعات رشيد، حيث ينضم هناك إلى الجيش الرئيسي، وقرر «ستيوارت» في الوقت نفسه إذا لم يحضر المماليك يوم ٢١ أبريل وعلم محققًا أنهم لن يحضروا، أن يأمر بتقهقر الجيش بأسره في الليلة التالية؛ أي ليل ٢١ أبريل، وعاد «ستيوارت» إلى معسكره أمام رشيد في الساعة الثانية من صباح يوم ٢١ أبريل، وتقرر بالاتفاق مع «هالويل» أن تُجرى في هذا النهار كل الترتيبات اللازمة لتقهقر الجيش في المساء، مع اتخاذ جانب الحيطة حتى لا يشعر الجيش بهذا العزم على التقهقر، وأُبلغت التعليمات في هذا الشأن سرًّا إلى «هالويل» و«أسوالد» وغيرهما، ولكن هذه الترتيبات جميعها جاءت متأخرة.

فقد قويت روح الأرنئود المعنوية بسبب النصر الذي أدركه فرسان جيش حسن باشا صباح يوم ٢٠ أبريل، وبعث حسن باشا بالأسرى الإنجليز ورءوس قتلاهم المقطوعة إلى معسكر «طبوز أوغلي» على الشاطئ الآخر في برنبال، وكان «طبوز أوغلي» قبل ذلك مُتحيِّرًا فيما يجب عليه فعله: هل ينضم إلى قوات حسن باشا عند الحماد؟ أم يدخل رشيد ذاتها؟ فلم يلبث وصول الأسرى والرءوس المقطوعة أن جعله يقرر الانضمام إلى حسن باشا، فعبر جنوده النهر أثناء الليل (ليل ٢٠-٢١ أبريل) ونزلوا على مسافة فرسخ واحد فوق خطوط الإنجليز استعدادًا للهجوم على الحماد عند طلوع النهار، ومع أن الإنجليز كان لهم مركز للاستكشاف في برج أبي منضور فقد عجزوا — بسبب انتشار شبورة كثيفة صباح يوم ٢١ أبريل — عن مشاهدة حركات العدو، حتى إذا تقدم النهار، وانقشعت هذه، شاهدوا في أعلى النهر عددًا كبيرًا من القوارب مع سفينتين مسلحتين بمدافع ثقيلة، وُنقلَ الخبر في التَّوِّ والساعة إلى «ستيوارت»، ولكنه أرجأ اتخاذ أي قرار فيما يجب عمله حتى يصله تقرير «ماكليود» الذي ما لبث أن جاءه بعد قليل وفيه يقول: «إن فرسان العدو لم تُشاهَدْ في هذا اليوم، ولكن لدهشتي العظيمة أرى حوالي الستين أو السبعين من القنجات أو القوارب يؤيدها إبريق عظيم الحجم تسير في النيل في اتجاهنا، ولا أدري ماذا أقول في ذلك، بلا شَكٍّ يبدو أن هذه نجدات آتية للعدو، ونجدات كبيرة جدًّا، وأعتقد أن هناك قوارب مدفعية بين هذه القنجات، وواجبي أن أتهيأ للتقهقر على مركزك، فابعث إليَّ بأقصى سرعة ممكنة بما تراه»، هذه الرسالة وصلت «ستيوارت» حوالي السابعة من صباح ٢١ أبريل، فأجاب «ستيوارت» فورًا على رسالة «ماكليود»، ولكن الجندي حامل هذا الجواب لم ينجح في الوصول إلى الحماد، ومع أن «ستيوارت» بعث كذلك بنجدات إليها برئاسة الكابتن «أكورت» A’Court فقد حال فرسان العدو بينه وبين الوصول إلى الحماد واضطر إلى النكوص على عقبيه، فلم يبقَ هناك من وسيلة سوى ذهاب «ستيوارت» نفسه بقواته جميعًا لنجدة «ماكليود» فأمر برفع الحصار عن رشيد فورًا، وبدأ الزحف صوب الحماد، وشاهد الأرنئود هذا التقهقر فخرجوا من المدينة بقوات عديدة، وشنوا هجومًا عامًّا على كل المواقع، وحصل التحام بالسونكي، ولكن الإنجليز استطاعوا الوصول إلى السهل، واستمر فرسان العدو يطاردونهم في تقهقرهم، وكان غرض الجيش المُتقهقِر الانسحاب إلى بحيرة إدكو، حيث كان يرجو أن يلقى هناك عند القاعدة أو المخزن في طرف البحيرة جيش «ماكليود» المنسحب من الحماد.

وقد وصف أحد رجال جيش «ستيوارت» هذا التقهقر من رشيد إلى إدكو ثم ما جرى من حوادث، فقال: «وعندما اقتربنا من البحيرة، جاء إلى العدو الذي استمر يلاحق الإنجليز فرسان ومشاة من ناحية الحماد، بينهم قادة من طراز ممتاز، وقد طوَّقَنا العدو عندئذٍ وأحاط بنا تمامًا وفي قوات عظيمة، ولكن الميسرة التي بلغت شاطئ البحيرة نصبت مدافعها وأنشأت دفاعًا كافيًا، والجيش الذي كان قد بدأ يتقهقر في صورة مستطيل اتخذ الآن شكلًا ذا ثلاثة جوانب … وقد وضعنا مدفعًا كبيرًا على شاطئ البحيرة الذي سببه تبخر المياه في هذه الناحية، فترك أرضًا واسعة وصلدة، وأوقف هذا المدفع فرسان العدو على مسافة بعيدة منا، ولكن مشاة العدو أزعجونا إزعاجًا كبيرًا بإطلاقهم الرصاص من كثبان الرمال على المربع مباشرة، وفي هذا المكان افترق الطريق، فإلى اليمين منا يقود الطريق إلى الحماد، وإلى يسارنا يسير الطريق إلى إدكو، وفي هذا المكان كذلك كنا نتوقع أن نجد «ماكليود» ولكننا لم نلقَ أحدًا، وقد أمر «ستيوارت» الجيش بالوقوف، ثم أشار إلى هذه الطرق المختلفة: أحدهما يفضي إلى إدكو ومن المحتمل إلى النجاة، والآخر إلى الحماد وهو الطريق الذي يقضي الواجب والشرف اتِّباعه، وقال إنَّه يعرف أن رجاله إنما يؤثرون هذا الطريق الأخير، والسير فيه؛ حتى يقفوا على ما حدث لزملائهم، ويعرفوا مصيرهم، وهم الذين من المحتمل أن يكون العدو قد أحاط بهم وطوَّقَهم، ولا تتعادل قوتهم مع قوات هذا العدو ونيرانه، ويعتمدون على نجدة زملائهم لهم، ثم إنَّه أظهر تصميمه على مهاجمة العدو فورًا، والسير في اتجاه الحماد إلى أن يتمكن من الوصول إلى مكان تُتاحُ له الفرصة منه لمشاهدة هذا الموقع والجهات المجاورة له، وفي هذه اللحظة استمر العدو يمطرنا بوابل من الرصاص، وقد قمنا بهجوم عنيف على العدو أرغمه على الارتداد والهرب، ولا شك في أنَّ مطاردة العدو المتقهقر وقتئذٍ كانت تلحق به خسائر كبيرة، ولكن «ستيوارت» كان مشغولًا بمسألة الحماد، ولا يمكن أن يعوض انتصار وقتي ما يتبع ذلك من إضعاف جيش لا يزال أمامه واجب شاقٌّ لإنجازه، ثم تقهقر صعب لإتمامه، فتقدم الجيش صوب الحماد، ولم يبقَ أحد من العدو حتى لمراقبة حركته، بل شوهد العدو بدلًا من ذلك يكاد يطير على كثبان الرمال من فرط السرعة التي هرب بها ربما خوفًا من استدراجه بعيدًا عن مراكزه المُحصَّنةِ للالتحام في معركة لا يملك فيها المزايا التي تضمن له الانتصار، وكان حوالي الساعة الواحدة من بعد ظهر يوم ٢١ أبريل أن غيَّرَ الجيش وجهته، وبعد مسيرة ساعة ونصف ساعة في اتجاه النيل، وصلنا إلى أرض تمكننا من مشاهدة شاطئ القناة عند الحماد والسهل الذي وراءها، ولكن شيئًا ما لم يُشاهَدُ هناك سوى بعض فرسان العدو ينسحبون في راحة وبطء على الجانب الآخر من الموقع، ثم بعض خيام العدو مقامة على الشاطئ نفسه، وبعد الفحص الدقيق بالنظارات لم تُلحَظْ أية آثار لميدان معركة، ومهما يكن مصير زملائنا، فالمقطوع به أنهم لم يكونوا هناك في خطوط الحماد، وقد سبب ذلك مخاوف عظيمة، ولم يعد هناك مناص من أن يعود «ستيوارت» أدراجه وأن يذهب الجيش إلى قرية إدكو، حيث يتوفَّرُ بها الماء والراحة، وفي السابعة مساء اليوم نفسه (٢١ أبريل) وصل الجيش إلى النقطة أو القاعدة أو المخزن التي كانت حتى الآن المكان الذي تجري مواصلاتنا منه مع الأسطول بواسطة القوارب، وقد وجدنا هنا الضابط البحري صاحب القيادة بها، يجهل كل ما حصل لنا، ثم إنَّنا لم نجد «ماكليود»، ووقف الجند للراحة، ووُزِّعَ عليهم الخبز والنبيذ، وأُنْزِلَ الجرحى والعتاد إلى القوارب في البحيرة، واحتفظ الجيش بثلاثةِ مدافع فقط، واستمرت هذه العملية حتى العاشرة مساءً وعندئذٍ بدأ السير.

وفي الواحدة من صبيحة ٢٢ أبريل، وصلنا إلى قرية إدكو، وهنا كان الهدوء شاملًا، وفي وسعنا الوقوف للراحة بها، ولكن الخوف من الطريق ويمتد أميالًا ثلاثة، أوله يسير بحذاء البحيرة، حيث يكثر النخل والعشب الكثيف الملائم لهجوم الفرسان والمشاة، ثم يسير بعدها في صحراء رملية، حيث لا يُخشى كثيرًا من هذا الهجوم، فوجب استئناف السير فورًا، ولم يمكن أخذ شيء من قرية إدكو سوى الماء، إذ تركها أهلها؛ لأن هؤلاء كانوا يعرفون جيد المعرفة أنهم سوف يتعرضون لانتقام مطاردينا الشديد إذا بقوا بها، وبعد أن اجتاز الجيش منطقة النخيل، وخرج إلى الطريق الصحراوي الرملي أظهر العدو نفسه في قوات كبيرة، وتبادل الجيش إطلاق النار معه، وأخيرًا وصل المتقهقرون إلى قيروان سراي في الثالثة من بعد ظهر يوم ٢٢ أبريل، وقد وصل باقي العتاد من إدكو بعد ذلك بقليل بفضل القوارب التي أرسلها «هالويل» لإحضاره.»

وقد استطرد صاحب التقرير إذا ذكر مسألة الأخبار التي جاءت «ستيوارت» متأخرة، وبعد فوات الفرصة عن مرور قوات الأرنئود من فوة يوم ١٨ أبريل لنجدة رشيد — وقد ذكرنا هذه المسألة في موضعها — فقال: «ولا يجب أن نغفل ذكر أنه كان في هذا اليوم أن شُوهِد قارب في البحيرة، يحمل رسالة من سفينة الأميرال «توماس لويس» إلى الجنرال «ستيوارت» في طيها رسالة من الميجور «مسيت» يقول فيها هذا الأخير إنَّ معلومات أكيدة قد بلغته من فوة بأن جندًا كثيرين قد مروا من هذا المكان يوم ١٨ أبريل، بعضهم في السفن، والبعض الآخر بطريق البر، قاصدين إلى رشيد، وحيث إنَّ فوة تبعد أربعين ميلًا تقريبًا من رشيد، فيكون العدو قد أتاح لنا الفرصة للحذر منه ومن حركاته في الوقت المناسب، غير أن حكم القضاء والقدر المحزن اقتضى أن تمُرَّ هذه المعلومات في طريق دائري أفقدها قيمتها، ولم يمكن الانتفاع بها، فقد كان الواجب أولًا أن تأتي هذه المعلومات إلى الميجور «مسيت» في الإسكندرية، ثم إنَّ هذا عليه بعد هضمها أن يبعث بها إلى الجنرال «فريزر» في خليج أي قير، ومن هناك عندما يسمح الجوُّ والريحُ تنقل إلى الجيش الذي توقَّفَ مصيره على نوع المعلومات التي تأتيه؛ ولذلك فلو أن «مسيت» بقي في مركزه وقد تقدم كيف أنه غادر المعسكر يوم ١١ أبريل أو ترك تعليمات بضرورة أن تأتي الأخبار والمعلومات أولًا إلى «تابرنا» أو الشيخ محمود — وقد بقي هذان في المعسكر — كي يعلم بها «ستيوارت» فورًا، فلو أن هذا حدث لكان من الممكن أن ينسحب في الوقت المناسب الجنود الذين بموقع الحماد، ولاستطاع الجيش عند اتحاده ثانية الرجوع أو الانسحاب إلى قيروان سراي رغم أنف كل الجيوش التي يتأمَّرُ عليها محمد علي.

وقد ترك الجنرال «ستيوارت» الذي يجهل لغة البلاد، وليس بجواره في المعسكر سوى «تابرنا» والشيخ محمود، وهما مع مهارتهما وذكائهما كانا مرءوسين لغيرهما فحسب، وهذا بينما بقي الكبار جميعهم في مراكز بعيدة، لا نفع ولا جدوى من بقائهم بها، ولا قدرة لهم على اتخاذ ما يجب من ضروب الحيطة والحذر لمنع الشر الذي كان من الطبيعي توقُّع حدوثه، ولقد دلت زيادة معرفتنا بمصر بعد ذلك، مع مبلغ السهولة التي يمكن بها الحصول على المعلومات والأخبار في هذه البلاد على أنه يكاد يكون أمرًا لا يصدَّق أن يتم تجهيز مثل هذه القوات العظيمة في القاهرة، وأن تصل أمام مراكزنا دون أن يعرف شيء عنها، لقد قضى الأتراك ثلاثة أيام في سيرهم إلى فوة، ويجوز لنا افتراض أن حركاتهم كذلك كانت جميعها بطيئة، ومع ذلك، فإنه في بلاد يتجول في أنحائها العربي الذي لم تخضعه حكومتها، ومقابل قدر من المال في وسعك أن تجعله يذهب إلى أي مكان، ويفعل أي شيء تريده، خفيت حركات هؤلاء الأرنئود ومراحل تقدُّمِهم على أولئك الذين يفصل اقترابهم منهم في مصيرهم، وبدأ انتقال جيش «ستيوارت» من قيروان سراي إلى أبي قير يوم ٢٣ أبريل، وتمَّت هذه العملية في اليوم التالي، وعندئذٍ سار الجيش إلى الإسكندرية، فبلغ مرتفعاتها الشرقية — المكان الذي بدأ منه الزحف على رشيد — في اليوم نفسه أي في ٢٤ أبريل ١٨٠٧، وكان «ستيوارت» قبل ذلك قد أرسل اثنين من البدو ليأتياه بالخبر المُحقَّق عن مصير «ماكليود» وجنده في الحماد.

أمَّا «ماكليود» فقد كان الواجب عليه وفق الخطة الموضوعة مع «ستيوارت» في مساء ٢٠ أبريل، أن يبادر بالانسحاب من موقعه، إمَّا إلى مرتفعات رشيد وإمَّا إلى طرف البحيرة، إذا تبين له أن الموقف لا يزال على خطورته صباح يوم ٢١ أبريل، ولكن «ماكليود» الذي بلغه في نفس مساء ٢٠ أبريل أن قوارب العدو مُحتشدةٌ في النيل، لم يأبه لهذه الأخبار وتصرف تصرفًا غير حكيم، بعدم الانسحاب فورًا، وتجنب الاشتباك مع عدو متفوق عليه، ولا يسفر الالتحام معه في معركة إلا عن هزيمة محققة، حتى إذا شهد «ماكليود» بنفسه في صباح يوم ٢١ أبريل، أن حوالي المائة من قنجات الأرنئود مع مركبين كبيرين مسلحين بالمدافع محتشدة في النهر على مسافة نصف ميل من موقعه، وتبيَّنَ له فوات الفرصة في الانسحاب والتقهقر بقدر من الاطمئنان إلى نجاح هذه العملية، بادر باتخاذ الترتيبات الأخيرة للدفاع عن موقعه بصورة تمكنه من التقهقر دون خسائر فادحة، ولكن «ماكليود» ارتكب عدة أخطاء عند إجراء هذه الترتيبات الأخيرة، لم تلبث أن مكنت العدو من هزيمته هزيمة منكرة.

حقيقة كَثُرَت الثغرات في خطوطه في كل مكان، وكان موقعه ضعيفًا ولا يسمح بالصمود في الدفاع عنه طويلًا، ولكنه — على الأقل — كان يعطي فسحة من الوقت لتدبير عملية التقهقر في نظام إذا عرف القائد كيف يضع خطة محكمة للدفاع عنه، فقد وقعت الحماد خلف القناة، ثم كان من شأن ضيق شوارعها ودنوِّ مساكنها الشديد من بعضها بعضًا، أن يجعل منها إذا احتلت احتلالًا قويًّا نقطة دفاع طبيعية، ومركزًا للمقاومة، يستعصي على العدو إخضاعه بسهولة، فتُتاحُ الفرصة عندئذٍ لجمع الفصائل — وكان عددها ثلاثًا — المكلفة بحراسة الموقع من ناحية البرزخ الذي سبق الحديث عنه، ثم جعلها تنسحب إمَّا إلى جهة أبي منضور، وإمَّا إلى البحيرة (بحيرة إدكو)، فيكفي قيام حوالي المائة بالدفاع عن الحماد إلى النهاية؛ لإنقاذ سائر زملائهم، ولكن «ماكليود» سلك طريقًا آخر في ترتيباته، فكلَّفَ الميجور «فوجلسانج» بمغادرة المركز الذي كان به على اليسار، والذهاب بجنده لاحتلال مرتفع يقع على مسافة ثلاثة أرباع الميل تقريبًا خلف وسط الخط، ثم أمر الكابتن «تارلتون» الارتداد من موقعه في اليمين إلى الموقع الذي كان به الميجور «موهر» Mohr في الوسط، وذلك بالمرور خلف ضفتي أو شاطئي القناة، ثم ذهب «ماكليود» بنفسه إلى موقع «موهر»، وأمره بسحب الجنود الستين الذين كانوا يحتلون قرية الحماد ذاتها، وهكذا دلت هذه الخطوات السريعة والمرتجلة على أن «ماكليود» إنما أراد من ذلك وضع جيشه بأكمله خلف البرزخ، حول الموقع الذي كلف «فوجلسانج» بالوقوف فيه، وذلك لجعل الجيش المُجتمِع في هذه النقطة ينسحب بعد ذلك للانضمام إلى جيش «ستيوارت» عند رشيد، ولكن العدو الذي لم يلقَ أية مقاومة لم يترك لماكليود الوقت الكافي لتنفيذ خطته.
فإنه بمجرد أن لاحظ فرسان الأتراك أن الإنجليز قد أخلوا أماكنهم الواقعة إلى يسار مركزهم، قاموا في التو والساعة بهجوم عنيف عليه، وتمكنوا بفضل استدارتهم خلف ضِفتي القناة من عزل قوات «فوجلسانج» عن قوات «موهر»، ولمَّا كان «تارلتون» قد غادر مركزه كذلك للارتداد إلى موقع «موهر»، فقد استدار حوالي خمسمائة من فرسان العدو خلف ميمنة خطوط الإنجليز، وشنوا هجومًا قويًّا على السَّرِيَّاتِ أو الفصائل الثلاث بتلك الجهة، وذلك بينما استولى المشاة الأتراك والأرنئود على قرية الحماد ذاتها دون قتال، ثم زحفوا صوب ضفتي القناة دون أن يلقوا أية مقاومة، وكان «ماكليود» بعد مغادرته «موهر» قد ذهب إلى «تارلتون» فقابله مع جنده والأخير في طريقه إلى موقع «موهر»، حسب التعليمات التي أُعطيت له منسحبًا إلى الوسط، ولمَّا كان فرسان العدو على وشك أن يطوِّقوا «ماكليود» و«تارلتون»، فقد أوقف الأول سير الجند، وشكل منهم مثلثًا تستند قاعدته على القناة، وبعث في الوقت نفسه بالكابتن «ديلانسي» إلى «موهر» يأمره بإخلاء الممر أو معبر القناة الذي كان يحتله هذا الأخير أمام قرية الحماد، والذي كان الأرنئود قد بدءوا يطوقونه، وقد نفَّذَ هذا الأمر فورًا، ولكن في سرعة أشاعت الاضطراب والفوضى في الصفوف، واحتل الأرنئود ضفتي القناة وتمكنوا من هذا المرتفع من إصلاء الإنجليز نارًا حامية، كما أُطلقت النار عليهم من القرية بشدة، وأمر «ماكليود» باحتلال المرتفعات ضفتي القناة ولكن دون طائل؛ لأن فرسان العدو ضيقت تضييقًا شديدًا على جُندِه، وتزايدت الفوضى في صفوف الإنجليز تبعًا لتزايد هذا التضييق عليهم، وحصدتهم نار الأرنئود حصدًا، وأصابت «ماكليود» رصاصة أردته قتيلًا، واستمر القتال مدة ساعةٍ تعالت في أثنائها صيحات الرعب والفزع، مختلطة بأنين الجرحى وحشرجة القتلى، وسقط في الميدان «تارلتون» وغيره من كبار الضباط، وتسلم الكابتن «ماكاي» Mackay القيادة، وكان هذا قد أصيب بجرحين قبل ذلك، ووجد «ماكاي» من العبث محاولة الاحتفاظ بالمرتفعات، فأمر بالانسحاب منها إلى سهل على مسافة قريبة إلى الوراء، فلم يبلغ هذا السهل سوى خمسين فحسب، أكثرهم مثخنون بالجراح.
ثم قرر «ماكاي» الاتصال بقوات «فوجلسانج» الذي كان مركزه كذلك ميئوسًا منه، فلم يستطع سوى خمسة فقط الوصول إليه، وقُتلَ الباقون وأُسروا وأصيب «ماكاي» بجرحه الثالث، وأُنقذَ بصعوبة، ثم وقف القتال فترة حتى ينتهي الأرنئود من قطع رءوس القتلى، وأخذ ما وجدوه من أسلاب وغنائم، وعندما استؤنف القتال تحول الأرنئود إلى مهاجمة «فوجلسانج» الذي وقف بقواته في شكل مربع، وقد صَحَّ عزم جنده على المقاومة إلى آخر قطرة من دمائهم، ولكن هؤلاء كانوا يحتلون تلًّا من كثبان الرمال يحيط به زغل، استطاع منه العدو زحزحة الجنود الإنجليز من هذا التلِّ واحتله مشاة الأرنئود بدلًا منهم، وتعرض الإنجليز لهجوم فرسان العدو إذا حاولوا ترك مراكزهم، فاضطروا إلى الصمود بمربعهم؛ لتلقي نيران العدو، حتى إذا انقضت ساعة ونصف الساعة والقتال دائر على أشدِّه، كان العدو وقد فرغ من نَصْبِ أحد المدافع التي استولى عليها، فبدأ الضرب بهذا المدفع على الإنجليز، وقد كَفَتْ طلقتان منه لإزعاج مربع الإنجليز إزعاجًا كبيرًا، وكان معنى التقهقر في هذه الظروف التعرض لكارثة محققة، كما كان معنى الصمود والبقاء استمرار تحمُّلِ الجيش لخسائر فادحة من جراء تعرضه لضرب العدو المتصل عليه، وقد ظهر في هذا الموقف الدقيق ما كان لبنادق الأرنئود من مزية التفوق في المرمى على بنادق الإنجليز، ثم حدث في اللحظة التي أحاط فيها فرسان العدو بالجيش من كل جانب أن صَدَرَ الأمر بوقف النار، وشهد الجنود بعد ذلك «فوجلسانج» يخرج من الصفوف يلوح بمنديل — علامة التسليم ويضمُّ إلى صدره المبعوث الذي أرسله العدو للمفاوضة، فكانت دهشة الجنود كبيرة، وصمم فريق منهم على القتال إلى النهاية، واستمروا يطلقون رصاصهم على العدو ولكن دون طائل، بل إن الأرنئود بمُشاتهم وفرسانهم ما لبثوا أن اخترقوا المربع من كل جهة، فطغت جموعهم على هؤلاء، وقبضوا على فريق منهم، وحاولوا إرغام الباقين على إلقاء سلاحهم، ولكن هؤلاء الأخيرين رفضوا؛ لأنهم ما كانوا يتوقعون أن يرحمهم الأرنئود، ومع ذلك، وعلى حد قول أحد أسراهم في هذه المعركة الشاويش «ووترز» Waters من الآلاي الثامن والسبعين: سرعان ما وجد هؤلاء أنفسهم مخدوعين في هذه المسألة؛ لأنهم بعد أن عوملوا بقسوة في أول الأمر، وسلبهم العدو حتى عَرَّاهم من ملابسهم، فإنه ما إنْ فرغ الأرنئود من أخذ أسلابهم، وتم نقل جميع الأسرى إلى مسافة كافية في المؤخرة، إلى مكان عرف الأرنئود أنهم سوف يكونون فيه آمنين على أنفسهم، حتى تغير مسلكهم، وعاملوا في رفق ولين وكرم غير عادي كل أولئك الأسرى الذين لم يظهروا العناد، ولما كان «ووترز» قد سجل هذه الحقيقة في رسالة بعث بها من القاهرة في ٩ مايو إلى أحد زملائه — على ما يبدو — بالإسكندرية، فقد استمر يقول: «ولنا أن نسدي الشكر للمولى تعالى ونحمده على نعمائه، لقدرته جل جلاله على إدخال الرحمة والشفقة في قلوب أعتى القساة؛ حيث إننا لا نزال نلقى نفس المعاملة من العدو من ذلك الوقت إلى هذه اللحظة، بما يتفق وما جرت به العادة من معاملة أسرى الحرب، بل وفي بعض الحالات أفضل بكثير من ذلك.»

وهكذا انتهت معركة الحماد الفاصلة بعد قتال بدأ في السابعة من صبيحة يوم ٢١ أبريل، واستمر ثلاث ساعات بتمامها، وكانت خسارة الإنجليز فادحة، فلم ينجُ من الموت من رجال «تارلتون» وعددهم ٢٤٧ رجلًا سوى خمسين فحسب، لم يكن منهم من غير جراحٍ سوى سبعة عشر جنديًّا، وأمَّا خسائر الإنجليز الإجمالية في هذه المحاولة الثانية ضد رشيد فكانت ٣٨ ضابطًا، منهم ٢٢ أسرى في قلعة القاهرة، بينهم «تابرنا» و«ديلانسي» و«فوجلسانج» وبلغ عدد الجرحى منهم أربعة، ومن بين هؤلاء «ماكاي» «وموهر» ثم ٧ في معسكر الأرنئود منهم خمسة جرحى أحدهم «سوننبرج»، ثم تسعة قتلى من بينهم «ماكليود» وتارلتون، وأمَّا أسرى الجنود في قلعة القاهرة فقد بلغوا ٤٦٦ من بينهم ٢٦ جاويشًا، ويؤلف قِسمًا من هؤلاء الأسرى ستون وقعوا في قبضة الأرنئود أثناء المحاولة الأولى ضد رشيد، واثنان من ضباط البحرية، وثمانية من البحارة الجنود، وفيما عدا ذلك فقد بقي ٤٩ في أسر الأفراد العاديين الذين اعتبروهم رقيقًا، وتصرفوا فيهم من بيع وشراء كعبيد.

وأمَّا الأسرى الإنجليز فقد أُرسلَ فريق منهم في السفن إلى القاهرة، وكان أكثرهم جرحى، ولما لم يوجد أطباء أو جراحون للعناية بأمرهم، فقد وصل هؤلاء إلى بولاق بعد رحلة استغرقت ستة أيام في حالة محزنة، وقد أشرف بعضهم على الموت، ومات فعلًا فريق منهم، وأمَّا سائر الأسرى فقد ساروا برًّا إلى القاهرة، وعانوا مشقات عظيمة أثناء هذا السير، وقد انتابتهم الحمَّى، وأنهك قواهم التعب والمرض، وقد وصف الشيخ الجبرتي دخولهم إلى القاهرة، فذكر في حوادث يوم ٢٤ أبريل حضور الأسرى وعدتهم تسعة عشر شخصًا، وعدة رءوس، فجروا بهم من وسط الشارع الأعظم، وأمَّا الرءوس فمروا بها من طريق باب الشعرية، وعدتها نيف وثلاثون رأسًا وموضوعة على نبابيت، رشقوها بوسط بركة الأزبكية مع الرءوس الأولى التي وصلت بعد الهجوم الأول على رشيد، صفين على يمين السالك من باب الهواء إلى وسط البركة وشماله، وفي يوم ٢٦ أبريل وصل أيضًا تسعة أشخاص أسرى من الإنجليز وفيهم فسيال (أي ضابط)، وفي ٢٧ أبريل وصل أيضًا نيف وستون، وفيهم رأس واحد مقطوع، فمروا بها على طريق باب النصر من وسط المدينة، وهرع الناس للتفرج عليهم، وبعد الظهر أيضًا مروا بثلاثة وعشرين أسيرًا وثمانية رءوس، وبعد العصر بثلاثة وعشرين رأسًا وأربعة وأربعين أسيرًا من ناحية باب الشعرية، وطلعوا بالجميع إلى القلعة، وفي يوم ٣٠ أبريل وصل إلى ساحل بولاق مراكب وفيها أسرى وقتلى وجرحى، فطلعوا بهم إلى البر وساروا بهم على طريق باب النصر، وشقوا بهم من وسط المدينة إلى الأزبكية، فرشقوا الرءوس بالأزبكية مع الرءوس الأُوَّل وهم نحو المائة واثنين وأربعين، والأحياء والمجاريح نحو المائتين وعشرين، فطلعوا بهم إلى القلعة عند إخوانهم، فكان مجموع الأسرى أربعمائة أسير وستة وستين أسيرًا، والرءوس ثلاثمائة ونيف وأربعين، وفي الأسرى نحو العشرين من فسيالاتهم.

(١١) مسئولية «فريزر» و«مسيت»

وكان طبيعيًّا بعد هذه الكارثة التي نزلت بالإنجليز أن يسعى المسئولون منهم عن وقوعها للتخلص من تَبعتِها، وقد كان «فريزر» أول من فعل ذلك، وراح يُلقي هذه التبعة على «مسيت» الذي ألح من مبدأ الأمر في ضرورة الاستيلاء على رشيد، وصار يؤكد لقائد الحملة أن المماليك حاضرون لنجدته، وأن الأهلين سوف يرحبون بجنده في كل مكان، كمحررين ومنقذين لهم ممَّا هم فيه من عسف وظلم، ولم يتوانَ «مسيت» من جهته عن دفع هذه التهم عنه وتبرير مسلكه، مُظهِرًا في الوقت نفسه الأسباب التي أدت — في نظره — إلى هزيمة الجيش، وهي أسباب مبعثها عجز القيادة العامة الذي ظهر عند تجهيز الحملة الموجهة ضد رشيد، وأثناء العمليات العسكرية ذاتها، ويلقي ما دار من نقاش بين الرجلين فيما تبادلاه من رسائل وقتئذٍ، أو ما بعثا به من تقارير إلى حكومتهما في لندن ضوءًا كبيرًا على حقيقة الأسباب التي أفضت إلى وقوع كارثة الحماد في ٢١ أبريل ١٨٠٧.

فقد كتب «فريزر» إلى «مسيت» مساء يوم المعركة نفسه، ومن مقر قيادته على ظهر السفينة الحربية «كانوب» في خليج أبي قير يقول: «لقد وصلني أمس مساء خطابك الأول المؤَرَّخُ في ٢٠ أبريل إلى اللفتنانت كولونيل «أيري» Airey يحمل أخبارًا عن زحف جند الأرنئود من القاهرة — والإشارة هنا إلى المعلومات التي بلغت «مسيت» عن مرور جند الباشا ببلدة فوة يوم ١٨ أبريل في طريقهم إلى رشيد — وقد بعثت به فورًا إلى الجنرال «ستيوارت»، وكذلك رسالتك الثانية بتاريخ أمس، وكتابك إليه قد وصلاه هذا المساء، ولقد قرأتُهما بإمعان، وفيما يتعلق بالعربان البدو فليس لدي ما أفعله سوى إبداء أسفي على أني لم أوضع في وضع يمكنني من اتخاذ قدر أكبر من الحيطة والحذر في علائقي معهم؛ لأني لو فعلت لامتنع وقوع ما حدث لأولئك الضباط والجند المنكودين الذين وقعوا في أيديهم، ولم يدر بخلدي بتاتًا حتى سمعت بهذا الحادث، أنه قد تقع مثل هذه الفعلة، أو أنه من الممكن وقوع هذا الحادث بتاتًا في المكان الذي وقع فيه، وأنتهز هذه الفرصة لأذكر لك أني أشعر عمومًا، والجيش الذي تحت قيادتي بأننا في هذه اللحظة نجد أنفسنا في ورطة كريهة، فقد انسقتُ إلى الاعتقاد بأن أهل البلاد جميعهم — باستثناء الأتراك والأرنئود — أصدقاء للإنجليز، وسوف يعاونوننا في تحريرهم من نير الاستبداد الذي فرضه عليهم ظالموهم، ولكنه بدلًا من ذلك لم يتقدم رجل واحد منهم لمعاونتنا.

وما كان يغريني على الانحراف عن الطريق الذي رَسَمَتهُ أصلًا التعليمات الصادرة بدرجة السير إلى رشيد سوى ما قدمته أنت من اعتبارات بقوة، ثم إنه يقينًا ما كانت هذه الاعتبارات التي ذكرتها أنت لتُحدِثَ الأثر المنشود لو أنها لم تكن مصحوبة كما حدث بتأكيدات قاطعة بأن رشيد سوف تُسلِّمُ تسليمًا عند ظهور الجيش البريطاني أمامها، لقد كنتَ أنت مخدوعًا كما كنتُ أنا بدوري مخدوعًا في ذلك؛ لأنه وإن كان من المحتمل أن يكون تهور الجنود بدرجة أكثر مما ينبغي قد أفضى إلى الفشل فعلًا، فإنه من جهة أخرى، لم يقم أقَلُّ دليل على أن الحامية في رشيد كانت تنوي تسليم المكان دون أن تستنفد قبلًا كل قواها في الدفاع عنها، وتضطر إلى التسليم اضطرارًا — والإشارة هنا إلى الحوادث المتصلة بفشل الهجوم الأول على رشيد — وكان بعد هذا إذن، ونظرًا لقلة القوات التي لديَّ إن صح عزمي لدرجة كبيرة على عدم المجازفة بأرواح جنودي في مجازفة ثانية، ولم يصرفني عن عزمي سوى ما قدمته لي شفويًّا، وبصورة رسمية من اعتبارات، بالإضافة إلى ما قدَّمه باسم أهل الإسكندرية الشوربجي، أو رئيس القضاة بها، الأمر الذي أغراني بالقيام مرة أخرى بالهجوم على رشيد؛ حيث إنك قد ذكرت ثانية أن المجاعة أمر محقق، إذا بقيَ الجيش في البلاد الإسكندرية من غير امتلاك رشيد … إلخ … وحيث إنك ذكرت — علاوة على ذلك — أنك واثق كل الثقة أن ظهورنا ثانيةً أمام رشيد بقوات تبعث على الاحترام، وإطلاق القنابل والرصاص على المدينة كفيلان بتسليمها إلينا فورًا، فكان بناء على هذا الاستحثاث، وهذه اللجاجة أن قمت بهذه المحاولة الثانية، ولكنه على ما يبدو، وكما يتضح حتى الآن، وبالرغم من كل الجهود التي بذلناها دون نجاح أفضل، والحقيقة أن الواجب كان يُحتِّمُ عليَّ بسبب ما نتكبده يوميًّا من خسائر في رجالنا دون طائل، أن أرغب قبل الآن بمدة أن أسحب جندي من رشيد لولا أن جعلتني رسائل المماليك — وقد جاءتني هذه عن طريقك — أتوقع تعاونًا سريعًا وفعالًا من جانبهم معنا، ولكن حتى في هذا لم ألقَ للآن سوى خيبة الأمل، ولمَّا كان احتمال نزولهم من الصعيد ضئيلًا، والتقارير تترى عن مجيء النجدات من القاهرة للانضمام إلى العدو، فإني أخشى ألا يكون هناك مَعْدَى — بحكم الضرورة غير المرضية — عن إصدار الأمر للجنود بالارتداد إلى الإسكندرية، معرضهم بذلك هم وأهل الإسكندرية لتحمل كل ذلك البلاء الذي ذكرته أنت، وأوضحته رسميًّا، وأمَّا فيما يتعلق بالحصول على الغِلال من مشايخ العربان، فإني أخشى تعذر الاعتماد على هؤلاء في ذلك بتاتًا، وإذا حدث اتخاذ هذا الإجراء سالف الذكر، ويبدو أن هناك كل احتمال لاتخاذه، فإني لا أرى هناك أي أمل: لا في قدرتهم على إمدادنا، ولا حتى في رغبتهم في ذلك.

وصفوة القول أني لا أجد أمامي سوى طريق واحد لاتباعه، إذا أُرغمتُ على الانسحاب من أمام رشيد، هو ترك هذه البلاد ومبارحتها فورًا، وذلك ليس لإنقاذ أنفسنا فحسب، بل ولإنقاذ أهل الإسكندرية التعساء كذلك من الموت جوعًا، وإني إذ أذكر هذا لك في ثقة تامة إنما أبغي أن أعدَّكَ لتوقُّع ما قد يكون عليه الحال فعلًا.»

وواضح من هذا الكتاب أنَّ «فريزر» في مساء يوم المعركة لم يكن يدري شيئًا عنها، ويقينًا لا يدري شيئًا عن نتيجتها، وإن كان قد توقع بسبب الأخبار التي بلغته عن مرور النجدات الآتية من القاهرة ببلدة فوة في طريقها إلى رشيد، أن اشتباكًا قد يقع بينها وبين قوات الجنرال «ستيوارت» وأن هذا الأخير قد يضطر إلى رفع الحصار عن رشيد والانسحاب إلى الإسكندرية، وتلك هزيمة لا سبيل إلى منعها، ومعناها استحالة امتلاك رشيد وقلعة جوليان والرحمانية؛ أي الأماكن التي أصر «مسيت» على ضرورة احتلالها لتأمين الجيش البريطاني بالإسكندرية والإسكندريين أنفسهم من خطر المجاعة، ويترتب على هذه الهزيمة — في نظر «فريزر» — ضرورة الجلاء فورًا عن الإسكندرية.

ولا جدال في أن شعور «فريزر» بخطورة الموقف — وهو شعور جاء متأخرًا — قد جعله يستعرض مع نفسه الأسباب التي أقنعته بخرق التعليمات التي لديه بالدرجة التي وافق فيها على القيام بمحاولتين ضد رشيد فشلت أولاهما، وصار من المتوقع يقينًا فشل ثانيتهما، ولم يفت عليه أنه لا مناص من تحديد البواعث التي جعلت خَرْقَ تعليمات حكومته ممكنًا، وتعيين الأسباب التي أفضت إلى هذه الهزيمة، وقد شرحت رسالته إلى «مسيت» هذه البواعث والأسباب، وقد بسطها «فريزر» بصورة حمَّلت «مسيت» نفسه مسئولية الفشل لأمور أربعة معينة، أولها: لجاجة «مسيت» في وجوب احتلال رشيد لتجنيب الإسكندرية خطر المجاعة، وثانيها: زعمه بأن رشيد سوف تفتح أبوابها مرحبة بالغزاة البريطانيين بمجرد ظهور هؤلاء أمام أسوارها، وثالثها: قوله بأن المصريين — عمومًا — يُكِنُّونَ صداقة عظيمة للبريطانيين ويعتبرونهم محررين ومنقذين لهم من طغيان الأرنئود واستبدادهم بهم، وأنهم لذلك سوف يرحبون بهم، ويُسْدُونَ لهم كل معاونة، ورابعها: تأكيده بأن المماليك سوف يأتون لا محالة لنجدة الإنجليز، وتلك ولا شك كانت عوامل حاسمة في فشل عمليات الإنجليز ضد رشيد، لا سيما عدم نزول المماليك من الصعيد، ولا تقِلُّ في خطورتها عن العوامل الأخرى التي سببت الهزيمة، وأهمها عجز نظام المخابرات الذي أنشأه «مسيت» نفسه، والطريقة التي اتُّبِعتْ في إرسال الأنباء والمعلومات إلى معسكر الجنرال «ستيوارت»، ثم ما ظهر من أخطاء عسكرية فنية، سواء عند اختيار مواقع الجيش في الحماد وأمام رشيد وقواعد تموينه ومخازن إمداداته على بحيرة إدكو، أو أثناء عمليات حصار رشيد ومعركة الحماد.

وقد فَطِنَ «مسيت» إلى الغرض الذي استهدفه «فريزر» من رسالته هذه إليه، وأدرك هو الآخر خطورة المسئولية، ثم خطورة موقفه إذا وقعت عليه هو تبعة الهزيمة، ثم راعه — إلى جانب هذا — ألا يرى «فريزر» مخرجًا من مأزقه سوى ترك البلاد والجلاء عن الإسكندرية كلية؛ أي تحطيم ذلك المشروع الذي سيطر على ذهن «مسيت»، وملك عليه قلبه ولبه، والذي أراد به — على نحو ما ذكرنا مرارًا — احتلال البريطانيين لمصر، وتأسيس حكومة مملوكية خاضعة لحمايتهم، بعد طرد محمد علي والأرنئود منها؛ وعلى ذلك فقد راح «مسيت» في الأيام التالية ينفي عن نفسه مسئولية الهزيمة، ويبسط الأسباب التي أفضت — في نظره — إلى فشل العمليات العسكرية ضد رشيد، ويحاول بكل ما وسعه من جهد وحيلة إقناع «فريزر»، وإقناع الحكومة الإنجليزية خصوصًا بضرورة البقاء في البلاد، أو على الأقل الاحتفاظ بالإسكندرية، وتلقي دعاوى «مسيت» وحججه ضوءًا كثيرًا على أسباب الفشل الذي مني به الإنجليز في محاولتهم الثانية ضد رشيد.

فإنه ما إن وصل «مسيت» يوم ٢٢ أبريل بالإسكندرية خطاب «فريزر» حتى بادر بالرد عليه في التو والساعة في دفاع طويل استهله بدهشته الكبيرة من أنه قد جُعِلَ مسئولًا عن فشل الجيش البريطاني في هذه البلاد، ثم استطرد يقول: «لقد أوصيت فعلًا بمهاجمة رشيد، واحتلال الرحمانية؛ لأنه بدون رشيد والرحمانية تظل الإسكندرية محرومة من بعض ضرورات الحياة، ولكنه لم يخطر لي بتاتًا الاجتراء على اقتراح الطريقة التي ينبغي أن يحصل بها هذا الهجوم، وسوف يُدْهش العالم أجمع عند سماعه أن جيشًا أوروبيًّا قد عجز عن أخذ بلدة مثل رشيد، لقد أوصيت بالهجوم عليها أولًا يوم ٢٠ من الشهر السابق (مارس)، عندما كانت تتألف حاميتها من ٢٥٠ رجلًا فحسب، ثم إني عدتُ فأوصيت بذلك مرة أخرى كتابة يوم ٢٣ مارس عندما كان لا يزيد عدد حاميتها على ٥٥٠ رجلًا، ولكن هذه التوصية لم يعمل بها إلا يوم ٢٩ مارس، ثم إنه عند العمل بها، لم يزوَّد الجند إلا بمؤن تكفيهم لمدة يومين فقط، ولا يحدوني إلى ذكر ذلك شيء، غير ما نما إليَّ من أن أولئك الذين أصدروا الأمر بالقهقرى من رشيد يوم ٣١ مارس يحتجون لتسويغ مسلكهم بأن الجند لم يكونوا بالمؤن الكافية لعيشهم، ولقد أوصيت فعلًا مرة أخرى بمهاجمة رشيد على أمل استرداد سمعة الجيش البريطاني، ونفوذنا في البلاد، وهو نفوذ كان قد تأثر بدرجة كبيرة من جراء ما لحق بنا من محاولتنا الفاشلة ضد مكان مثل رشيد، ولكنه مع أن غرض هذه الحملة الثانية كان ضرب هذه المدينة بالمدافع وهدمها، فإن وسائل ما لم تهيأ لنقل الذخائر من إدكو إلى رشيد، حتى إنه لكان قد امتنع على البريجادير جنرال «ستيوارت» ولم يكن في مقدوره تنفيذ أوامركم من مبدأ الأمر لو أنه لم يَرَ من الحكمة أن يأخذ على عاتقه ترك عتاد المعسكر خلفه، وأن يستخدم ما لدى إدارة مهمات الجيش من جِمال لنقل الذخائر.

لقد قلت، ولا أتردد في تكرار القول بأن سكان مصر أصدقاء للإنجليز، وأنهم يتوقعون التحرر من نير الأتراك والأرنئود، ولكنني لم أعطِ سببًا واحدًا لأي إنسان يخوله أن يستخلص من ذلك أن هؤلاء سوف يسلحون أنفسهم وينضمون إلى الجيش البريطاني، وأما أنهم يكنون عواطف طيبة لنا فينهض دليلًا عليه مبادرة الإسكندريين بعرض تسليم مدينتهم بمجرد أن صار في وسعهم العمل وفق رغباتهم، وثمة دليل آخر هو ما يأتي به أهل الجهات المجاورة يوميًّا من مؤن وإمدادات إلى الإسكندرية وإلى الجند أمام رشيد.

وميل العربان البدو للنهب والسلب أمر معروف جيدًا من قديم الزمن، حتى إني لأعجب من أن تكون هناك ضرورة لإعطاء أية معلومات خاصة عن هذا الموضوع سلفًا أو أن يُطلبَ من أحد إعطاؤها، ومع ذلك، فلو أن إدارات هذا الجيش المختلفة كانت قد ضمت إليها بعض الضباط الذين خدموا في الحملة الأولى ضد مصر — ويقصد «مسيت» الحملة التي أُرسلتْ لطرد الفرنسيين من مصر عام ١٨٠١ — لأفاد الجيش — كما هو في وسعي أن أقوله بحرية تامة — من مثل هذه التعيينات منافع عظيمة، ولتَسنَّى اجتناب حادثات من طراز ما وقع في الجهة المقابلة لقيروان سراي، ومن الواجب أن يظل موضع الأسف دائمًا أن تخلو هيئة قيادة هذا الجيش حتى من فرد واحد له أي إلمام بالحالة العسكرية أو السياسية في مصر.

ولقد ذكرتُ في خطابي بتاريخ ٢٠ الجاري إلى الكولونيل «أيري» Airey أنه ليس لديَّ ما أعلل به تأخر المماليك سوى افتراض سماعهم بتقهقرنا من رشيد، أو أنهم آثروا الانتظار حتى يتعرفوا إلى نوايا القائد البريطاني الأعلى، قبل أن يتركوا أملاكهم في الصعيد، وحيث إن من صالحهم — كما هو واضح — الاتحاد معنا، فإني لا أزال أميل للاعتقاد بأنهم سوف ينفذون في آخر الأمر تلك العروض التي تضمنتها خطاباتهم الأخيرة لكم ولي، ولو أنه جاءني قبلًا ما يفيد بأن العزم منعقد على إرسال حملة إلى هذه البلاد، لكنت قد بذلتُ قصارى جهدي لإقناع البكوات، ولدي من الأسباب ما يجعلني لا أتوقع خيبة الرجاء عندئذٍ بالنزول من الصعيد إلى الوجه البحري، حيث كان من الممكن أن يتم تهيؤهم به للتعاون مع الجنود الذين تحت قيادتكم، ولكنه حتى مجيء المركب «ويزارد» إلى الإسكندرية في ١٣ مارس لم أكن أعلم بصورة محققة — ولو أني كنت أرجو — أن الحكومة الإنجليزية تريد احتلال الإسكندرية، ومن غير التأكد من هذا لم يكن في وسعي أن آخذ على عاتقي دعوة المماليك لمغادرة الصعيد.»

تلك إذن كانت الدعاوى التي استند عليها «مسيت» في الدفاع عن نفسه، على أن الأمر الذي روَّعه حقًّا، كان ما اتضح له من رسالة «فريزر»، من تفكير هذا الأخير في الجلاء عن الإسكندرية، مما يتعارض — كما قدمنا — مع مشروعات «مسيت»، الأمر الذي جعل هذا الأخير في القسم الباقي من رسالته إلى «فريزر»، يحاول جهده لاقتلاع هذه الفكرة من ذهنه بتقديم الأدلة والدعاوى التي هدف من سوقها إثناء «فريزر» عن عزمه، فقال: «وحيث إن الجنرال «ستيوارت» قد أُرغِمَ على رفع الحصار عن رشيد، فإني أستخلص من قراءة الفقرة الأخيرة التي جاءت في خطابكم، أنكم تنوون إخلاء مصر كلية، ولا شك في أنكم قد أخذتم بعين الاعتبار عند الوصول إلى هذا القرار النتائج المترتبة على اتخاذ مثل هذه الخطوة، وعبء المسئولية الثقيل المتصل بها، وقدرتم ذلك كله حق قدره، ولا يمكن بحال أن يغيب عنكم مبلغ الاهتمام النشيط الذي لبريطانيا العظمى بهذه البلاد، والقلق الذي يستبد بحكومة جلالة الملك، وخشيتها من سقوط هذا الموقع الذي هو بمثابة المفتاح لممتلكاتنا في الهند الشرقية في أيدي الفرنسيين، وأنتم أقْدرُ مني على معرفة ما قد يكلفه من رجال استرجاع المركز الذي لنا الآن، ولا شك أيضًا في أن حامية قوية من الأرنئود سوف تحتل الإسكندرية بمجرد أن يغادرها الجنود البريطانيون، وأن تحصينات هذه المدينة سوف يجري فورًا ترميمها، وربما قام بذلك مهندسون فرنسيون.

وأما فيما يتعلق بالبأساء التي سوف يتعرض لها سكان هذه المدينة بسبب الحاجة إلى المؤن، فإن هؤلاء سوف يعتبرونها من ضروب الحرمان الطفيف، إذا قيست هذه بما سوف يلقونه من عدوان فظيع عليهم من جانب عصابات مسلحة استفزها الغضب الشديد من منع الإسكندريين لهم من دخول مدينتهم في نفس اليوم الذي شوهد فيه من هذا الميناء الأسطول البريطاني، علاوة على أن تركهم يقعون فريسة للظلم العاتي وصمة عار تلطخ الخُلُقَ البريطاني إلى الأبد.

واسمح لي يا سيدي — أن أذكر لك أن الفرنسيين تحملوا وهم بهذه المدينة حصارًا استطال خمسة شهور — (ويشير «مسيت» هنا إلى الحصار الذي ضُرِبَ على «منو» بها عام ١٨٠١) وذلك في ظروف أسوأ بكثير من تلك التي يجد فيها الآن الجيش البريطاني نفسه؛ لأن الفرنسيين لم تكن لهم السيطرة في البحر، ولو لم يكن الرفض نصيب المذكرات التي قدمها السيد «بريجز» وقدمتها أن كذلك بتاريخ ٢٧ مارس إليكم وإلى السير «جون داكويرث» لكانت عدة سفن في طريقها الآن إلى هذا الميناء تحمل أصنافًا منوعة من المؤن، حقيقة لا توجد غِلال بالإسكندرية ولكن هناك كميات وافرة من الأرز، ومن الممكن عند تشجيع العرب بالوسائل المناسبة إغراء هؤلاء بإحضار قدر معين من القمح والشعير إلى سوق الإسكندرية، ومن الممكن كذلك أن تأتي سفن اليونان بالوقود والنبيذ والزيوت من جزر بحر الأرخبيل وساحل القرمان بالأناضول بالكميات الكافية لسد حاجة الجيش والبحرية وسكان الإسكندرية، وذلك حتى تصلك النجدات التي تمكنك من استئناف القتال مرة أخرى.»

ولقد خشي «مسيت» بسبب هزيمتَي رشيد والحماد وما أبداه «فريزر» من رغبة في الجلاء عن هذه البلاد أن تتأثر الحكومة الإنجليزية بحجج ودعاوى العسكريين، فتأمر بإخلاء الإسكندرية وبانسحاب الجيش إلى قواعده في صقلية؛ لاستخدامه في مسائل أخرى، ثم إنَّه خشي كذلك أن تلقى محاولات «فريزر» تحميله مسئولية فشل الهجوم المتكرر على رشيد صدى في دوائر حكومته، فعمد منذ ٢٦ أبريل إلى إرسال صورة لها من رسالة «فريزر» له في ٢١ أبريل، ثم جوابه عليها في اليوم التالي، وكتب إلى الوزير «وندهام» يدفع عن نفسه تُهمةَ التقصير أو التضليل، لا سيما فيما يتعلق بموضوعي المماليك ورغبتهم في التعاون مع الحملة، وصداقة أهل البلاد وموقفهم من الإنجليز، كما راح — في واقع الأمر — يحذر حكومته من مَغبَّةِ الجلاء عن البلاد الآن؛ حيث إنَّه افترض حتمًا أن هذه الحكومة لن تجد مناصًا من العودة إلى احتلال الإسكندرية بعد ذلك لدفع خطر الغزو الفرنسي عن مصر؛ ولتأسيس النفوذ البريطاني بها.

وقد استهل «مسيت» خطابه إلى «وندهام» في ٢٦ أبريل بقوله: إنه قد سبق له أن أبلغ الوزير في تقريره إليه بتاريخ ١٢ أبريل وقد سبقت الإشارة إلى هذا التقرير ما وقع للحملة الأولى على رشيد، ثم استطرد يقول: «وقد وقع لسوء الحظ كل ما تنبأت به من نتائج قدَّرتُ ترتبها وقتئذٍ على فشل عملياتنا ضد رشيد، فقد التحقت جملة قبائل من العرب بخدمة الباشا، بينما اعترفت بصراحة قبائل أخرى أنها لا تستطيع الاشتراك معنا بصورة إيجابية، إلا إذا أحرزنا تفوقًا ملحوظًا على العدو، ولم يعد الأرنئود الذين انتشوا بحمَّى النصر يتخذون موقف الدفاع، وهم الذين كثيرًا ما انهزموا في خزي على يد حفنة من المماليك، وأما البكوات الذين كانوا قد عرضوا كما ترون من الترجمة المرفقة طيه لرسائلهم بتاريخ أول أبريل إلى الميجور جنرال «فريزر» وإليَّ، أن يضعوا فورًا قسمًا من جنودهم تحت قيادة «فريزر» قد وقفوا فجأة عند المنيا، ولم تصلنا أية أخبار منهم حتى الآن.»

وإذا كان التهور سبب فشل الحملة الأولى ضد رشيد، فإن مرد عدم النجاح في الهجوم الثاني، إنما هو إلى الحيطة والحذر بدرجة أكبر مما ينبغي، ولا يريد «فريزر»، بل ولا الجيش بأسره أن يصدق أن أهل مصر ذوو ميول ودية نحو الإنجليز، والسبب الوحيد في عدم تصديقهم لهذه الحقيقة هو أن أحدًا من المصريين لم يقم بتأييد قضيتنا بقوة السلاح، غير أنه قد فات عليهم أنه لو كان في استطاعة المصريين أن يقوموا بهذا الجهد، لما كانوا رضوا كل هذه المدة الطويلة باحتمال ما يُنزِلُه بهم من صنوف الاستبداد بضعة آلاف من الأرنئود.

ولما كان الجنرال «فريزر» متأثرًا بفكرة أن المصريين ليسوا أصدقاءنا، فقد صار شديد الرغبة في إبقاء حامية قوية بالإسكندرية، الأمر الذي جعل متعذرًا عليه إرسال العدد الكافي من الجنود لحصار رشيد محاصرة تامة، أو اتخاذ موقع في الدلتا يستطيع منه وقف النجدات والإمدادات التي تدفقت يومًا بعد يوم على رشيد، ولقد تبين بعد استمرار الضرب الشديد عليها بالرصاص والقنابل أنه طالما بقيت لحاميتها حرية الاتصال بالدلتا ذهب ضربنا لها إليه أولًا من ضرورة الاستيلاء على رشيد والرحمانية لتأمين حاجة الجيش والإسكندريين إلى المؤن والأغذية، وبين ما يذهب إليه الآن من إمكان بقاء الجيش في احتلال الإسكندرية دون تعرضه أو تعرض الإسكندريين أنفسهم لخطر المجاعة، واتخذ من هذه المسألة ذاتها وسيلة للتخلص من مسئولية الرأي الذي أشار به على «فريزر»، من حيث ضرورة امتلاك قلعة جوليان ورشيد والرحمانية، وهو الرأي الذي كان — كما شهدنا — مبعث الكوارث التي نزلت بالحملة، والذي أراد «فريزر» أن يعزو إليه السبب في خروجه على نَصِّ وروح التعليمات المعطاة له، فكتب «مسيت» إلى «وندهام» في ٢٩ أبريل، يعلق على رسالتي إبراهيم وشاهين سالفتي الذكر بقوله: ومنها تلاحظون أن إبراهيم بك وجماعته لا يميلون إلى الاتحاد معنا، إلا إذا أحرزنا تفوقًا عسكريًّا في الميدان وبدأنا مهاجمة القاهرة، ومن الواضح، ولو أن البكوات لا يذكرون ذلك في عبارات صريحة، أن هزيمتنا الأولى في رشيد والتي بلغتهم أخبارها وهم بالمنيا، هي التي جعلتهم يقفون بها حيث إنهم لا يريدون ترك الصعيد حتى يتأكدوا من أنه في استطاعتنا جعلهم يملكون البلاد بأسرها.

وقد شجع الجنرال «فريزر» كما شجعت شاهين بك الألفي على المضي في سيره من الصعيد، وهو على ما جاء في رسالته الخاصة إلي، يظهر بمظهر من ورث عن الألفي سيده المُتوفَّى كل أطماعه، ويكفل لنا وجوده بالبحيرة السيطرة على هذا الإقليم، ويمكننا من الحصول على إمدادات وفيرة من المؤن، وقد يُمكِّنُنا كذلك من إنشاء مستودعات للقمح والشعير، ولكن من واجبي أن أعترف لك أني صرت أخشى أن يمنعه تقهقرنا الثاني من حصار رشيد من تنفيذ وعوده لنا، ومن المحتمل أن يستخلص من حجز أنفسنا داخل أسوار الإسكندرية أننا سوف نكون عاجزين عن إسداء أية معونة له، إذا هوجم بقوات متفوقة عليه، وتحت تأثير هذه الفكرة سوف يكون طبيعيًّا إذا ارتد منسحبًا إلى حيث يوجد زملاؤه.

ولما كنت قد ذكرت في رسالتي بتاريخ ٢٣ مارس إلى الجنرال «فريزر» أن أهل الإسكندرية سوف يحرمون من الأغذية والمؤن إذا لم نمتلك رشيد والرحمانية، ثم عدت فذكرت في رسالتي إليه بتاريخ ٢٢ أبريل أن هناك سدى وتعذر علينا إخضاعها، ولما كانت قد جاءت الأخبار عن أن جيشًا للعدو في طريقة إلى نجدتها، فقد رئي من الأنسب سحب الجنود المحاصِرين لرشيد، غير أن الأوامر الصادرة بذلك لم تفهم — على ما يبدو — على وجهها الصحيح؛ لأن قسمًا قويًّا من الجيش تحت قيادة «ماكليود» قد انعزل عن بقيته، ولا يزال من غير المقطوع به ما إذا كان هؤلاء قد سُلِّموا كأسرى حرب أو أنهم لقوا حتفهم على يد العدو؟ ويؤسفني جدًّا أن أذكر أن الكابتن «تابرنا» سكرتير البعثة، وهو الذي خدم مع الجيش منذ نزوله في هذه البلاد وبناء على رجاء «ستيوارت» له، من ضمن المفقودين، وهكذا فإنه لما كنا قد أخفقنا في كل عمل قمنا به، وصرنا مطوَّقين أو محصورين بالإسكندرية، فسوف نلقى صعوبات عظيمة في الحصول على المؤن والإمدادات، ولكنه إذا كان على الجيش أن يخضع لكل صنوف الحرمان، ففي رأيي أن هذا أفضل بكثير من ترك مركز هام كالإسكندرية.

ولقد أعطيتُ هدايا لكثيرين من رؤساء العرب لإغرائهم بجلب المؤن إلى الإسكندرية، ورجائي أن ينال هذا العمل موافقتكم؛ حيث إنَّ هذه هي الوسيلة الوحيدة التي تمكِّن الجيش من الاحتفاظ بالمكان الذي دخل في حوزته في مصر.

ولا ينبغي أن أخفي عنكم أنه حتى يتسنى لنا استرجاع نفوذنا في هذه البلاد فسوف يتحتم علينا إرغام الأرنئود على إخلائها، وبعد المزايا التي صارت لهؤلاء على جنودنا، وحيث إنَّ قائد القوات البحرية لا يجد في مقدوره فرض الحصار على دمياط، فسوف يكون ضروريًّا الاستعانة بقوات مسلحة عظيمة لبلوغ هذه الغاية …

ثم إن «مسيت» بمجرد أن جاءته وجاءت «فريزر» في ٢٨ أبريل رسالتا شاهين الألفي وإبراهيم بك، بعث بترجمة هاتين الرسالتين إلى «وندهام»، كما كتب إليه من جديد يفسر مسلك البكوات الذين عزا توقُّفَهم في المنيا، وعدم مجيئهم لنجدة «فريزر» إلى انهزام الحملة الأولى في رشيد، ولما كان في رده على «فريزر» في ٢٢ أبريل قد حاول إقناعه بأنه لا سبب يدعو للخوف من حدوث مجاعة بالإسكندرية، وذلك لاقتلاع فكرة إخلائها من ذهنه، فقد شعر بأن الواجب يقتضيه تفسير بواعث هذا التناقض الظاهر بين ما ذهب كميات كبيرة من الأرز بالإسكندرية، وأن العرب البدو إذا شُجِّعُوا بوسائل مناسبة فقد يمكن إغراؤهم لإحضار كميات من القمح والشعير تسد حاجة البحرية والجيش والسكان، فهناك تناقض ظاهر بين هذين القولين، أرى لزامًا عليَّ أن أوضحه، فمعظم الأرز الموجود الآن بهذه المدينة كان قد أُودِعَ في بطون سفن مختلفة من المنتظر إبحارها مباشرة، وذلك بعد دخول الجيش إلى الإسكندرية، ولكن لم تلبث أن صدرت الأوامر بإنزال الأرز من السفن بعد فشل الهجوم الأول على رشيد، وذلك هو سبب توفُّرِ هذه المادة أو الأرز الموجود الآن، وحيث إنَّ القمح صار نادر الوجود جدًّا، ولا يمكن العثور عليه إلا بعد دفع الثمن مقدمًا، فقد صار لا مَعْدَى عن أن يعيش معظم السكان على الأرز والشعير، وقد أعلن هؤلاء إلى الجنرال «فريزر» بطريق الشيخ محمد المسيري أنهم سوف يقنعون بالاعتماد في غذائهم على الأرز والزيت مدة شهر أو شهرين من الزمان، الأمر الذي يفضلونه كثيرًا على تسليمهم إلى أيدي الأرنئود، ومع ذلك، فمن المُحقَّقِ قَطْعًا أنه لا يمكن بحال أن تكون حكومة جلالة الملك قد أرادت عندما أرسلت جيشًا إلى مصر أن يكون الحرمان من الخبز واللحم نصيب الإسكندريين طوال مدة احتلالنا لهذه المدينة؛ ولهذا فقد وجدتُ لزامًا عليَّ أن أوصي بامتلاك رشيد والرحمانية؛ من أجل الحصول على المؤن وجلبها إلى الإسكندرية.

على أن هذه الحجج والدعاوى التي ساقها «مسيت» للدفاع عن نفسه وزحزحة عبء المسئولية في الفشل الذي لازم عمليات الجيش ضد رشيد عن كاهله، ثم محاولته لإغراء قائد الحملة أو حكومته بالبقاء في احتلال الإسكندرية، لم تفد شيئًا لا في إقناع «فريزر» بأن «مسيت» لم يكن مسئولًا عن المركز الدقيق الذي وجد الجيش فيه نفسه الآن بعد نقص قواته وشِبْه محاصر في الإسكندرية، أو بنزوله عن فكرة إخلاء الإسكندرية إلا إذا أرسلت إليه حكومته بالنجدات الوفيرة من الرجال والمال والمؤن، ولا في إقناع الحكومة الإنجليزية بالتخلي عن أهدافها الأساسية الأولى عند إرسالها حملة «فريزر» إلى الإسكندرية، وذلك فيما يتعلق بموقف الحكومة الإنجليزية؛ لأن بواعث هذه الحملة كانت — كما قدمنا وكما سيأتي ذكره — مرتبطة بتطورات الموقف العسكري والسياسي في أوروبا، ولأنه فيما يتعلق بأسباب فشل العمليات العسكرية ضد رشيد، استمر «فريزر» يُنحِّي باللائحة على «مسيت» الذي زوده بمعلومات مُضلِّلةٍ عن حركةِ المماليك، كان مبعثها عجز نظام المخابرات الذي أوجده «مسيت»، ثم إنَّ «فريزر» لم يلبث أن وجد مأخذًا آخر على مسلك «مسيت» في جعله البكوات يعتقدون أن غرض الحملة الأول إنما هو إرجاعهم إلى الحكم، وأن واجب الإنجليز أن يفعلوا ذلك بتدابيرهم الخاصة، ودون حاجة إلى معونة المماليك، أو انتظار لها، ويتضح ذلك كله من تبرُّمِ «فريزر» بالحالة التي صار عليها جيشه بعد هزيمة ٢١ أبريل خصوصًا، وتبرمه بمسيت الذي يبدو بسبب لحاجته في تبرئة نفسه من المسئولية من جهة، وإظهاره لمزايا البقاء في احتلال الإسكندرية من جهة أخرى؛ لاستئناف العمليات العسكرية في أول فرصة ملائمة لاحتلال البلاد؛ حتى يتسنى طرد الأرنئود منها والقضاء على نفوذ الوكلاء الفرنسيين، ومنع فرنسا من غزو مصر، وتهديد ممتلكات الإنجليز في الهند من جديد، أنه لم يفلح إلا في جعل «فريزر» يزداد يقينًا بضرورة إخلاء الإسكندرية، إذا لم تعمد حكومته إلى اتخاذ إجراءات سريعة لمعالجة الموقف، ويزداد تشبثًا بتحميل «مسيت» مسئولية الهزائم التي حلَّت بجيشه، ينهض دليلًا على ذلك قول «فريزر» في رسالة له إلى «وندهام» من الإسكندرية في أول مايو لقد أظهر المماليك قطعًا مصادقتهم لنا، وجعلونا نعتقد في وقت من الأوقات أنهم سوف يبعثون بقسم من قواتهم إلى هذا الجزء من البلاد للتعاون معنا، ولكنه يبدو أن الأكثر في رأيهم أن نساعدهم نحن على امتلاك القاهرة، بدلًا من أن يعاونوا هم على الاحتفاظ بالإسكندرية، ولهم من الأسباب يقينًا ما يجعلهم يتوقعون ذلك بسبب كتاب بعث به إليهم الميجور «مسيت» قبل وصولنا إلى هذا المكان الإسكندرية، يبدو أنه كان مفرغًا في عبارات تعوزها الحيطة والحذر، حيث أكد لهم على هذا الكتاب أنه لا مناص من إرجاعهم إلى الحكم في هذه البلاد.

ولقد تحقق الآن بصورة قاطعة أنهم لم ينزلوا من الصعيد إلى مكان يقرب من الدلتا، ولا حتى إلى القاهرة، وذلك في الوقت الذي كثيرًا ما كانت تجعلنا التقارير الكاذبة نعتقد أنهم على مسافة قصيرة جدًّا من جندنا في رشيد، ومنذ عودة الجيش إلى هذا المكان وُجِدَتْ به أي الإسكندرية كميات كبيرة من الأرز؛ ولذلك فقد يتسنى — لنا ما دام العدو لا يفرض علينا حصارًا صارمًا — الحصول على بعض المؤن وما يلزمنا من الماء من الجهات المجاورة بالقدر الذي يكفي الحامية والسكان، ومع ذلك، وبالرغم من رغبتي في العمل بما يوجبه نَصُّ التعليمات الصادرة إليَّ بشأن التمسك بهذا الموقع، أعتقد من واجبي أن أذكر لكم دون مواربة، وبعد أن فكرت في الأمر تفكيرًا عميقًا، وقدَّرتُ كل دقائقه حق قدرها، أني مقتنع تمامًا بأنه من المتعذر الاحتفاظ بهذا المكان الإسكندرية كموقع بريطاني في بلد يملكه العدو، بل يجب أن يكون امتلاكه والاحتفاظ به بناء على معاهدة مبرمة لهذا الغرض مع الباب العالي، أو إرسال قوات بدرجة من الضخامة، تمكننا من أن نصبح — بمعاونة جماعة أو أخرى هنا — سادة هذه البلاد، كما أني مقتنع تمامًا ولو أنه من المحتمل الاحتفاظ بهذا الموقع بعض الوقت إذا أتتنا فورًا النجدات من الرجال، وزُوِّدْنا بالمال والمؤن، فإن الإسكندرية يجب إخلاؤها في النهاية.»

وقد حدث أن استطاع أحد العربان، وكان يعمل ترجمانًا مع القوات الإنجليزية في الحماد، الهرب والوصول إلى الإسكندرية مساء ٣٠ أبريل، فروى تفاصيل حادث يوم ٢١ أبريل، وكيف فوجئ «ماكليود» في صبيحة ذلك اليوم بمشاهدة أربعة آلاف من مشاة وفرسان العدو تحملهم السفن في النيل، وكيف تغلَّبَ هؤلاء على ميسرة خطوط الإنجليز عند الحماد أولًا، ثم أحاطوا بالمراكز التي في الوسط وفي الميمنة، وتغلبوا عليها كذلك، كما ذكر هذا الأعرابي أن «فوجلسانج» مع سائر أسرى الإنجليز في طريقهم إلى القاهرة، وأن «ماكليود» نفسه من بين الجرحى من هؤلاء الأسرى، ولم يدرِ الأعرابي أن «ماكليود» قد قُتلَ أثناء المعركة، وقد نقل «فريزر» إلى الجنرال «فوكس» في أول مايو هذه التفاصيل التي جاءته والتي يؤخذ منها — وذلك ما حدث فعلًا — أن «ماكليود» لم يكن يتوقع أن يهاجمه الأرنئود، وبكل هذه القوات الكبيرة في صبيحة اليوم الذي وقعت فيه المعركة، ولما كان «مسيت» مسئولًا عن تقصي أخبار العدو؛ لإبلاغ ما يقف عليه منها إلى قيادة الحملة، فقد وجد لزامًا عليه، ولدفع تهمة التقصير والإهمال عن نفسه أن يفسر لحكومته سبب هذه المفاجأة التي فوجئ بها «ماكليود»، فكتب إلى الوزير «وندهام» يوم أول مايو أنه يبدو من الأخبار التي جاء بها الأعرابي أن العدو قد فاجأ وسط الموقع الذي يحتله جيش «ماكليود»، وأن «ماكليود» الذي بدأ يتقهقر من اليمين، لم يلبث أن وجد نفسه — بغتة وعلى غير انتظار — محاطًا بفرسان الأتراك، فقاتل الإنجليز ساعة من الزمان ثم سلموا للعدو، ثم أنشأ يقول: وأما أن يفاجأ جنودنا هذه المفاجأة، فهو أمر يتعذر نوعًا تعليله؛ لأن كان قد نما إلينا منذ يوم ١٠ أبريل وأبلغنا بأن الباشا يسير بنفسه على رأس قوة من ألفين من الفرسان وألف من المشاة لنجدة رشيد، ولقد كتب إليَّ الكابتن «تابرنا» الذي عمل رئيسًا لأدلاء الجيش، يوم ١٩ أبريل أي قبل الواقعة بيومين يقول ما نَصُّه: لقد اتضح كذب كل ما بلغنا عن محمد علي أثناء هذه الأيام القليلة الماضية، ولكنه الآن يبلغنا أن كتخداه يسير صوب رشيد بقوات عظيمة، وليس هناك أي شك في أن المدخل إلى رشيد مفتوح تمامًا للعدو، وطالما أن جيشنا لا يتخذ من الإجراءات ما يكفل تأمين الجانب الآخر من النيل، فلن يكون في وسعنا أن نفعل شيئًا، ويكفي تأمين الجانب الآخر من النيل، فلن يكون في وسعنا أن نفعل شيئًا، ويكفي خمسمائة جندي زيادة على القوات التي لدينا لتأمين هذا الجزء من الدلتا، ولكن أين هم؟ هذا وبمجرد أن بلغ الباشا أن شاهين بك الألفي قد وصل إلى بني سويف يبغي الاستمرار في سيره صوب الدلتا، استدعى محمد علي فجأة الجنود الذين كانوا يعملون في رفع الحصار عن رشيد، وينهض اتخاذه مثل هذا الإجراء دليلًا لا يمكن دحضه على أنه لو كان المماليك لم يوقفوا سيرهم عند المنيا على أثر سماعهم بفشلنا الأول أمام رشيد، لكان محمد علي قد اضطر لجمع كل قواته تركيزها بجوار القاهرة، ولما كان في وسعه أن يعطل عملياتنا في الوجه البحري.»

تلك إذن كانت الحجج والدعاوى التي حاول بها «مسيت» أن يبرر مسلكه، وأن يفسر أسباب الهزيمة في رشيد والحماد، وأن يتحرر من مسئولية هذا الفشل الذي منيت به القوات الإنجليزية، وهو الفشل الذي حاول «فريزر» أن يحمله تبعته، ولا جدال في أن الرجلين مشتركان في المسئولية: مسيت؛ لأنه كان — كما يقول «بنبري» Bunbury مدير مهمات الجيش البريطاني في صقلية وقتئذٍ، ومؤرخ الحرب الكبيرة مع فرنسا — قد صار كَلِفًا بمشروع فخم عظيم، ويحاول إغراء مواطنيه بغزو مصر وفتحها، مما ترتَّبَ عليه أن تأثرت نصائحه لقائد الحملة بهذه الرغبة، فكان أكبر خطأ ارتكبه الإصرار على أنه لا سبيل إلى احتفاظ الجيش البريطاني بالإسكندرية من غير الاستيلاء على رشيد والرحمانية، بل والاستيلاء على دمياط كذلك، ثم تأكيده القاطع لقائد الحملة والمسئولين بأن البكوات المماليك — لا محالة — حاضرون لمعاونة الجيش البريطاني، وفضلًا عن ذلك، فقد ظهر فساد نظام المخابرات الذي أوجده، وهو نظام نجح في تضليل «مسيت» نفسه؛ أي في تضليل مبتدعه من حيث جعله يتوهم أن أهل البلاد بأسرهم أصدقاء للإنجليز، ومن حيث إشاعة الأنباء الكاذبة سواء عن حركات البكوات المماليك أو عن حركات محمد علي، وأما «فريزر» فلأنه رضيَ بتجاوز نَصِّ وروح التعليمات المعطاة له قبل التحقق بصورة قاطعة من ضرورة الإقدام على هذا التجاوز، وهو المسئول الأول عن نجاح أو إخفاق حملته، برغم ما جاء في تعليماته من التوصية بالاستماع إلى نصائح «مسيت»، ثم إنه عجز عن اختيار الخطة العسكرية الناجعة لبلوغ مقصده، سواء عند تدبير أمر الحملة الأولى أو الحملة الثانية ضد رشيد، وظل بمنأى عن العمليات العسكرية، بعيدًا عن الميدان في ظروف حرمته من مراقبة العمليات عن كثب، وإصدار ما قد يتطلبه الموقف من تعليمات وأوامر عاجلة في الوقت المناسب.

ولقد كان ممكنًا حتى في اللحظة الأخيرة أن ينسحب الجيش من مواقعه أمام رشيد وفي الحماد دون تكبد خسائر كبيرة، لو أن «مسيت» بقي مع «ستيوارت» فأبلغه في الوقت المناسب المعلومات التي جاءت يوم ٢٠ أبريل عن مرور قوات حسن باشا و«طبوز أوغلي» ببلدة فوة قبل ذلك بيومين، ولو أن «فريزر» لم يتخذ مقر قيادته على ظهر السفينة الحربية «كانوب» في خليج أبي قير فخضعت خطوط مواصلاته لنقل التعليمات والأخبار وما إليها إلى «ستيوارت» لرحمة الريح وهياج البحر، ثم إنَّه لا يمكن كذلك تبرئة القواد البحريين: السير «جون داكويرث» والسير «توماس لويس» والكابتن «هالويل» من تبعة هذه الهزيمة؛ لموافقتهم على العمليات العسكرية ضد رشيد ورضاهم بالاعتماد على بحيرة إدكو كطريق للمواصلات لنقل الإمدادات والذخائر والمدفعية، ورفضهم اتخاذ طريق العجمي رشيد البحري لهذه الغاية، بدعوى وجود الأمواج الشاطئية عند مصب النيل، الأمر الذي ترتب عليه عدا ما صادفه الجيشان المهاجمان لرشيد من مشقات وصعوبات أثرت على سير العمليات العسكرية ذاتها للأسباب التي سبق توضيحها في موضعها بتنظيم خطة الحرب بصورة حصرت نشاط البريطانيين في ميدان تعذر فيه عليهم بسبب طبيعة أرضه وجغرافيته اتخاذ مواقع منيعة تكفل لهم حرية التصرف والمناورة النشيطة والمجدية، سواء لاستمرار عملياتهم أو لتقهقرهم، لا سيما وأنه لم يكن في وسع قيادتهم إمداد الجيش المقاتل بأية نجدات من الإسكندرية، عندما كان الغرض الأساسي عند تأليف الحملة امتلاك الإسكندرية فحسب والاحتفاظ بها، زد على ذلك أن نبذ طريق العجمي رشيد البحري قد منع الإنجليز من الاستيلاء على قلعة جوليان والمراكز التي كانت للأرنئود على شاطئ النهر المقابل كخطوة مبدئية لا غنى عنها لإحكام الحصار على رشيد، ولمنع وصول نجدات العدو إليها، وبخاصة عندما كان هدف المحاولة الثانية ضدها إخضاعها بتسديد الضرب الشديد إليها، وعدم اقتحامها اقتحامًا كما حدث في محاولة «ووكوب» الأولى.

وعلى كل حال، وسواء كان «مسيت» أو «فريزر» أو القواد البحريون أو كل أولئك جميعًا مسئولين عن إخفاق الحملة ضد رشيد، فقد صار موضع اهتمام «فريزر» بعد عودة جيشه المنهزم إلى الإسكندرية، هو التفكير الآن في خير الوسائل التي يمكن بفضلها على الأقل تنفيذ التعليمات الصادرة إليه بشأن البقاء في احتلال الإسكندرية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١