الشعراء

كان أربعة من الشعراء جالسين إلى خوان،١ وكان على الخوان إناء من الخمر.

فقال الشاعر الأول: «يخيل إليَّ أني أرى عبير هذا الخمر مرفوعًا في الفضاء كسحابة من الطيور في غاب مسحور.»

فرفع الشاعر الثاني رأسه، وقال: «أما أنا، فإني أسمع بأذني الباطنة هذه الطيور تغرد، فتأخذ ألحانها بمجامع قلبي٢ فتأسره الزنبقة والنحلة بين وريقاتها.»

فأغمض الشاعر الثالث عينيه، ورفع ذراعه، وقال: «أما فأنا فإني أكاد ألامسها بيدي، وأشعر بحفيف أجنحتها يهب في وجهي، كأنه لهاث جنية نائمة.»

فنهض الشاعر الرابع إذ ذاك، ورفع الإناء بيديه وقال: «عفوكم أيها الإخوان، فإني شحيح البصر، ثقيل السمع، كليل اللمس٣ فليس في طاقتي أن أراها، ولا أن أشعر برفرفة أجنحتها، أواه! إنني لا أشعر بغير الخمرة ذاتها ولذلك يجب أن أشربها لتوقظ حواسي الخاملة، وتشعل روحي بنار بركتكم العلوية ووحيكم الطهور.»

ثم وضع إناء الخمر على شفتيه، وأتى على آخر نقطة فيه.

أما الشعراء الثلاثة رفقاؤه فكانوا ينظرون إليه بدهشة فاتحين أشداقهم، وفي عيونهم غلة لا تروى لهبتها، وبغضة لا تخمد حدتها.

١  الخوان: ما يوضع عليه الطعام ليؤكل.
٢  مجامع القلب: أي كل أجزائه.
٣  كليل اللمس: أي ضعيفه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠