الفصل الخامس عشر

أبناء عمومتنا المُشعِرون

أتعجَّبُ من سبب الاستشهاد دائمًا بالشمبانزي الشائع بصفته أقرب الكائنات الحية شبهًا بنا! إذا أردنا الدقة، فالشمبانزي القزم المهووس بالجنس — قرد البونوبو — يُعتبَر الأقربَ إلينا. ولكن بالنظر إلى السلوكيات المتزمتة المنتشرة في بعض مناطق العالم التي يمكن أن تخطر ببالي، فليس من الغريب أن يُنظَر غالبًا إلى الشمبانزي الشائع الحسَنِ السيرة باعتباره الأقرب شبهًا بنا، وأن يتم تحديد تسلسله الجينومي أولًا. ومن ثَمَّ، فالمقال التالي ليس مثيرًا بالمعنى الحرفي للكلمة مثلما كان يمكن أن يكون، ولكنه يظل ملائمًا لهذا القسم …

أراد أسقف أكسفورد توضيحَ مسألة العلاقات العائلية على نحوٍ حاسم. وخلال الاجتماع المشهور للجمعية البريطانية لتقدُّم العلوم الذي انعقَدَ في متحف الجامعة الحديثِ البناءِ في أكسفورد، طرح صامويل ويلبرفورس سؤالًا على توماس هكسلي حول إن كان انحدَرَ من سلالة القرود من جانب جدِّه الكبير أم جدِّته الكبيرة، فأعلن هكسلي أنه يفضِّل أن يكون جدُّه الكبير قردًا عن أن يكون إنسانًا مثل ويلبرفورس. هذا على الأقل ما تخبرنا به الروايات الواردة عن هذه الحادثة. يميل المؤرخون المُفسِدون للبهجة إلى الإشارة إلى أن جميع أوصاف هذه المجادلة جاءت من مؤيدي هكسلي، وبالتالي فإن «النصر» المفترض للمعسكر الجديد المؤيِّد للتطور البيولوجي عزَّزه ناقِلو الخبر.

بعد قرابة قرن ونصف، يستطيع العلماء تناوُل هذه المسائل بهدوء وبالتفصيل باستخدام التسلسل الجينومي؛ وبالتالي نستطيع أن نُقِرَّ بقدرٍ من الثقة أن آخِر سلف مشترك يربط بين توماس هكسلي وكلينت، الذي هو أول شمبانزي يتم تحديد تسلسله الجينومي بالكامل، لا بد أنه قد عاش منذ خمسة ملايين سنة ماضية.

إذا وضعنا أشجار العائلة جانبًا، فإن جينوم الشمبانزي مفيد للغاية؛ لأنه يمثِّل بصفة أساسية مقارَنةً مساعِدة ونقطة مرجعية في دراسات عن السلالة التي أطلق عليها جارد دايموند «الشمبانزي الثالث»، وأعني بها «الكائنات العاقلة».

على سبيل المثال، يقدِّم الحمض النووي الخاص بالقرود معلوماتٍ حول تطوُّر جينومنا خلال الخمسة الملايين سنة الماضية، وحول تطوُّر جينات معينة والضغوط الانتقائية التي وجَّهَتْها. والأمر المثير للجدل أن أهم دور لجينوم الشمبانزي يتمثَّل في اعتباره مرجعًا خارجيًّا لدراسات التنوع الإنساني، وبصفة محدَّدة فيما يتعلَّق بالاستجابات المختلفة للأمراض والعقاقير (علم الوراثة الدوائي).

شجرة العائلة

دعونا نبدأ بمسألة شجرة العائلة لكي نُخرِج هذه الأسئلة المحيِّرة من بالنا. في عام ٢٠٠٢، استنتج موريس جودمان وزملاؤه — استنادًا إلى المعلومات الجينومية الجزئية المأخوذة من الشمبانزي وغيره من الرئيسيات — أن جنس «الهومو» (الذي يفصلنا نحن والكائنات البشرية المنقرضة مثل النياندرتال عن حيوانات الشمبانزي) ليس له دليل في علم الوراثة؛ فالتقسيم التقليدي الذي يرجع إلى عام ١٩٦٣، الذي جعل الشمبانزي أقربَ شبهًا بالغوريلا منه بالإنسان، قد دحضته أبحاث الجينوم. وبالتالي، اقترح جودمان توسيعَ جنس «الهومو» ليضمَّ كلًّا من الشمبانزي الشائع «بان تروجلودايتس» والبونوبو «بان بانيسكس».

في عام ٢٠٠٥، نشر اتحاد التحليل والتسلسل النووي للشمبانزي مسوَّدَةً كاملة بنسبة ٩٤٪ لجينوم الشمبانزي ومقارنة تمهيدية أولى مع الجينوم البشري؛ ليضيف بذلك المزيدَ من الأدلة التي تدعم صلة القرابة الشديدة. وبالنظر إلى الاختلافات الموجودة بين قواعد (حروف) محدَّدة للحمض النووي، اكتشف الباحثون أن ١٫٢٣٪ منها تختلف بين البشر والشمبانزي. ومع هذا، يرجع ١ / ٧ منها تقريبًا إلى التنوُّع الطبيعي في كلِّ سلالة؛ مما يخلِّف ١٫٠٦٪ تقريبًا فقط من الاختلافات الحقيقية.

يشير هذا الرقم إلى ٢٫٤ مليار قاعدة حمض نووي للشمبانزي استطاع الباحثون موازاتها (وضعها جنبًا إلى جنب لمقارنتها) مع الحمض النووي المقابل في جينوم الإنسان؛ وبالتالي تحتوي هذه المادة على حوالي ٢٥٫٤ مليونَ اختلافٍ ضئيل بيننا وبين أبناء عمومتنا. توجد في الجينوم البشري حوالي ٤ ملايين قاعدة تختلف من فرد لآخَر (ويشار إليها باسم التغيُّرات الفردية المتعدِّدة الأشكال للنيوكليوتيدة). وخلال التحليل الأولي، اكتشف الباحثون ١٫٦٦ مليون تغيُّر فردي متعدِّد الأشكال للنيوكليوتيدة في جينوم الشمبانزي.

لم تكن عمليات إحلال حروف بعينها هي الاختلافات الجينية الوحيدة التي فصلتنا عن الشمبانزي على مدار ملايين السنين؛ إذ يوجد قبل ذلك أيضًا عدد صغير من الإدخالات والمحذوفات لمقاطع أطول من الحمض النووي، معروفة إجمالًا باسم مقاطع «إدراج/حذف»، بالإضافة إلى إعادة الترتيب. قدَّرَ باحثو الجينوم أن خمسة ملايين مقطع إدراج/حذف قد أمَدَّتْ كلًّا من السلالتين بحوالي ٤٠ إلى ٤٥ مليونَ قاعدة غير موجودة في السلالة الثانية. وبصورة إجمالية، تبلغ الأنواع المتباينة من الاختلافات حوالي ٣٪ من الانحراف الجيني بين الشمبانزي والإنسان، لكن إذا كنتَ تنتمي إلى المدرسة الفكرية «المتفائلة»، فيمكنك بدلًا من ذلك أن تقول إننا نتطابَقُ وراثيًّا بنسبة ٩٧٪ مع أبناء عمومتنا المُشعِرين.

ولكن هل يجب أن تكون درجة التشابه العالية هذه مبررًا لنا لكي نأكل الموز أو نتصرف كالحيوانات؟ أثبت علم الجينوم المقارن في جوانب أخرى من مملكة الحيوان أن نسبة التطابق مؤشِّر مفيد للتاريخ التطوُّري، ولكنها ليست بالضرورة مقياسًا للتشابه بين السلالات.

يستعين دارسو القرود بمثال سلالتَي الفئران المختلفتين وراثيًّا تمامًا كاختلاف البشر عن الشمبانزي، لكنها تبدو مماثِلة تمامًا من الخارج. تمثِّل سلالات الكلاب النقيض العكسي؛ فباستخدام ٠٫١٥٪ فقط من التنوع الوراثي، يستطيع مربُّو الكلابِ إنتاجَ كلاب ذات مظاهر خارجية مختلفة على نحوٍ مذهل.

fig17
شكل ١٥-١: الشمبانزي الشائع (بان تروجلودايتس) والبونوبو أو الشمبانزي القزم (بان بانيسكس) هما أقرب الكائنات الحية شبهًا بنا. لقد قدَّمَتْ أبحاث جينوم الشمبانزي معلوماتٍ مهمة حول التاريخ التطوُّري والتنوُّع الوراثي الحالي لسلالتنا البشرية.

الدرس التحذيري المستفاد هنا هو أن المظاهر تعتمد على عددٍ صغير من الجينات، وهذا أيضًا هو السبب في أن مفهوم «الأعراق» البشرية لا جدوى له عمليًّا في علم الوراثة؛ فثمة تنوُّع وراثي بين الأفارقة (الذين يُفترَض أنهم جميعًا ينتمون إلى العرق الأسود) أكثر بكثيرٍ من جميع الأعراق البشرية الأخرى إجمالًا.

حتى بالنسبة إلى الخصائص الخفية التي ربما نفتخر نحن البشر بها، فإن بضعة جينات يمكن أن يكون لها تأثيرٌ مختلف. وإحدى نقاط الضعف الشهيرة هي مجموعة من البروتينات التنظيمية المعروفة باسم عوامل النَّسْخ؛ إذ إنها تتحكَّم في نَسْخ الحمض النووي إلى الحمض النووي الريبي الرسول، وبالتالي في نشاط العديد من الجينات الأخرى، وطفرةٌ واحدة في مثل هذا العامل كفيلة بكل سهولة بأن تفسد عملية الأيض، أو النمو الجنيني، أو دورة الانقسام الخلوي. على سبيل المثال، ترتبط الطفرات التي تحدث في عامل النسخ «بي ٥٣» p53 بكثير من السرطانات البشرية.

لهذا، سيكون من السذاجة أن ننسب الاختلافات الواضحة وغير الواضحة بين القرود الساكنة الأشجار وبين أولئك الذين يقودون السيارات أو يكتبون الكتبَ العلمية المشهورة؛ إلى هذا الاختلاف الذي تبلغ نسبته ٣٪. ووحده الفهم التفصيلي لوظيفة الجينوم بأكمله في النمو الجنيني هو ما سيمكِّنُنَا من فهم الاختلاف الضئيل بين السلالات الأقرب شبهًا بنا.

مقارنة الجينات

دعونا الآن ننظر عن كثبٍ إلى الجينومات لنكتشف ما يمكن أن نتعلَّمَه من الشمبانزي وغيره من الحيوانات بخصوص جيناتنا. انتقى الفريق الذي حلَّل جينوم الشمبانزي ١٣٤٥٤ جينًا يمكن مقارنتها مباشرةً بين البشر والشمبانزي. كما حدَّدَ الباحثون أيضًا مجموعةً أصغر مكوَّنة من ٧٠٤٣ جينًا يمكن مقارنتها بين البشر والشمبانزي والجرذان والفئران.

ولكي يحدِّد الباحثون السرعةَ التي يتم بها انتقاء الطفرات المفيدة وقمع الطفرات الضارة، فإنهم في العادة يقارِنون بين معدل التبادلات القاعدية التي تؤدِّي إلى حدوث اختلاف في الحمض الأميني الذي يتمُّ التشفير له، وبين تلك التي لا تؤدِّي إلى حدوث هذا (كما هو الحال غالبًا بالنسبة إلى القاعدة الثالثة في كودون مكوَّن من ثلاثة حروف). وتتمثل الفكرة في أن التغيرات القاعدية المرادفة أو «الصامتة» من المفترض أنها تشير إلى معدل الطفرات الطبيعي، في حين أن الطفرات المشفَّرة عرضةٌ للانتقاء الطبيعي.

يقارِن الباحثون التكرارَ النسبي لكلا النوعين من الطفرات؛ فإذا تكرَّرتِ الطفراتُ «المشفِّرة» أكثر من الطفرات الصامتة في جين معيَّن أو منطقة معينة، فإن هذا يشير إلى أن الانتقاء الطبيعي قد مالَ لصالح صفات معينة. وفي الحالة المعاكِسة، يكون الانتقاء الطبيعي مشغولًا بالحفاظ على سلامة الجين وحمايته من الطفرات الضارة.

بتطبيق هذا النوع من التحليل على الجينوم البشري كلِّه بالمقارَنة مع السلف المشترك بين البشر والشمبانزي، اكتشف الباحثون أن الطفرات غير الصامتة تقل بنسبة ٧٨٪ مقارَنةً بالطفرات الصامتة؛ وبالتالي كان قرابة ثلاثة أرباع الطفرات غير الصامتة ضارة بما يكفي لأن يقمعها الانتقاء الطبيعي.

ومع هذا، استطاعت بعض الطفرات الضارة، المعروفة الآن بالاختلالات الوراثية، توطيدَ نفسها. وبناءً على المقارنات الجينومية، قدَّر الباحثون أن ربع الطفرات غير الصامتة التي استطاعت الصمودَ تتَّسِم ببعض الآثار السلبية. (قد يرجع صمودها إلى تأثيرها الذي يظهر في مرحلةٍ لاحقة من الحياة، أو إلى الآثار الجانبية الإيجابية التي تفيد حاملي الطفرة؛ كما في مثال فقر الدم المِنجلي الذي يَرِد في الكتب الأكاديمية الكلاسيكية.)

أثبتَتِ المقارنةُ الجينومية الرباعية التي تضمَّنت أيضًا الجرذانَ والفئرانَ أن القوارضَ قد مرَّتْ بضغطٍ انتقائي أكثر بكثير من الرئيسيات.

أصداء ذلك في علم الوراثة السكَّانية

إنَّ المعلومات التي أُتِيحت عن جينوم الشمبانزي تفيد أيضًا مجالًا بحثيًّا لا علاقةَ له مطلقًا بالقردة أو أية سلالة حيوانية أخرى، أَلَا وهو علم الوراثة السكَّانية. بعد فكِّ شفرة الجينوم البشري، بدأ الباحثون في تناوُلِ الاختلافات بين الأفراد وبين الجماعات العِرقية، ويكمن الحافز الرئيسي وراء هذا في حقيقةِ أن فاعليةَ الأدوية والقدرةَ على تحمُّلها تعتمدان غالبًا على التركيب الوراثي لكلِّ مريض على حدة. وعلم الوراثة الدوائي هو منهج علمي يهدف إلى التنبُّؤ بالعقَّار الذي سيفيد كل مريض على حدة.

أثمرَتْ هذه المجهودات بالفعل عن تحديدِ أكثر من سبعة ملايين تغيُّرٍ فردي متعدِّد الأشكال للنيوكليوتيدة (تغيُّرات أحادية الحرف). ومع هذا، فاكتشافُنا أن ثمة اختلافاتٍ بين الأفراد لا يكشف لنا عن كيفية حدوثها؛ أيُّها النسخة «الأصلية» وأيُّها الطفرة؟ وكيف انتشرَتِ الطفرةُ؟ لا يمكن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة بواسطة الجينوم البشري وحده، وإنما أيضًا بواسطة جينوم الشمبانزي كنقطة مرجعية.

بمساعدة جينوم الشمبانزي كلينت، استطاع الباحثون بالفعل توضيحَ أصول ٨٠٪ من التغيُّرات الفردية المتعدِّدة الأشكال للنيوكليوتيدة في البشر. وفي الحالات التي لا تزال غامضةً (إذ ربما تكون قاعدة الشمبانزي متغيِّرة أو مختلفة عن النُّسَخ البشرية)، فمن المأمول أن يوضِّح المزيدُ من جينومات الرئيسيات تلك الأمورَ.

(٢٠٠٥)

أحدث التطورات

حتى عام ٢٠٠٧، ظلَّ الباحثون مشغولين بسدِّ الثغرات الأخيرة في جينوم الشمبانزي؛ ليحدِّدوا الجينات والوظائف التي تقوم بها. يمكنك مشاهدة ما يتم إنجازه في هذا الشأن على الموقع الإلكتروني: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/genome/guide/chimp/ في محاولةٍ لتحسين فهمنا لجينومنا البشري بمساعدة السلالات الشبيهة، ويُعتبَر تحديدُ التسلسل النووي المستمر لإنسان النياندرتال (انظر مقال «كشف أسرار إنسان النياندرتال») على القدر نفسه من الأهمية بالنسبة إلى مشروع الشمبانزي.

قراءات إضافية

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠