الفصل الحادي عشر

الإلكترونيات البيولوجية: تصادُم قاري

في عام ٢٠٠٢، شاركتُ في تأليف كتاب يتحدَّث عن الكيفية التي بدأ بها عالَمَا الإلكترونيات والبيولوجيا في الاندماج؛ إذ اكتشف الباحثون كيفيةَ ربط الترانزستورات بالخلايا العصبية، أو ربط شبكة العين الصناعية بالقشرة الدماغية البصرية. كان الكتاب باللغة الألمانية، وسرعان ما تعرَّضَ للمشاكل؛ إذ طالبَتْ إحدى الشركات بحقوق ملكية العلامة التجارية للمرادف الألماني لكلمة «الإلكترونيات البيولوجية». لهذا، على مدار عامين حتى حُسِمت تلك المشكلة القانونية، ظلَّ المقال التالي — الذي كُتِب لمجلة «بايو-آي تي وورلد» كاشتقاقٍ من الكتاب — مصدر الشرح الوحيد لفكرة الإلكترونيات البيولوجية في النطاق العام.

إنَّ الأحياء علمٌ ثري ومتنوِّع، ويتفرَّع في العديد من الاتجاهات ويشترك في العديد من التخصُّصات الأخرى مع مجالات بحثية متداخلة المناهج. وإلى جانب مجالَي الكيمياء الحيوية والفيزياء الحيوية القديمين والمهيبين، توجد إضافات عصرية وجديدة، مثل علم الأحياء الفلكي وعلم الأحياء الاجتماعي. وفيما يبدو، فإن عددًا متزايدًا من المجالات الجديدة يعتمد على العناصر التي يشاركها علم الأحياء مع الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات. وأودُّ أن أقول إن هذا التطوُّرَ ليس مجرد اتجاه حديث، وإنه يعكس عمليةَ دمج فعلية بين عالَمَيِ المعالجة المعلوماتية البيولوجية والتكنولوجية. ونلاحظ تصادُمًا قاريًّا بين العالَمَين سيجعل الفواصلَ بينهما تختفي ويخلق مجالاتٍ جديدةً تمامًا.

من وجهة النظر التقليدية العامة التي توارثناها على مدار أجيال عديدة، فإن المنظومتين الطبيعية والتكنولوجية متعارِضتان تمامًا ولا مجال للتداخل بينهما. ولطالما صمَّمَ الناس أدواتٍ مستوحاةً من الطبيعة، بدايةً من الروافع وحتى الكاميرات، إلا أن الأجهزة التكنولوجية حقَّقَتْ أهدافها بطرقٍ مختلفة عن نظيرتها الطبيعية. وحتى اليوم، لا يوجد كمبيوتر يعمل مثل عقل الإنسان، ولا ميكروفون يعمل مثل الأذن، ولا كاميرا تعمل مثل العين. وفي موروثنا الثقافي، مَنِ انتهكوا هذا الحد الفاصل — ولعل أشهرهم الدكتور فرانكنشتاين — لاقَوا عقابهم.

مع ذلك، تعمل التطورات الحالية على إزالة هذا الحد الفاصل تدريجيًّا، ويبدو أنه خلال عشر سنوات لن يكون له وجود مطلقًا؛ فالفواصل تتآكل من كلا الجانبين. تستوحي التكنولوجيا أفكارًا من علم الأحياء الخلوي أكثر من ذي قبل، ويعتمد مجال تكنولوجيا النانو بأكمله على فكرة أن آليات الخلية تعمل بمقياس النانومتر. ومن ثمَّ، يطرح علماء تكنولوجيا النانو السؤال المحوري التالي: لماذا لا نبني آلاتٍ بهذا المقياس أيضًا؟ فبتصغير مقياس التكنولوجيا وصولًا إلى المقياس الخلوي، يمكننا أن نتبع خطى الطبيعة عن كثب إلى حدٍّ ما. على سبيل المثال، يمكننا أن نستعير آلات جاهزة — مثل المحركات الجزيئية — من الخلية ونستخدمها لأغراضنا الخاصة، أو يمكننا بدلًا من ذلك أن نطبِّق مبدأَ تصميم الآلات من البروتينات، ولكن بتصميمنا الخاص.

وحتى إذا استخدمنا جزيئاتنا (الصناعية) الخاصة، مثل الدندريمر أو الروتاكسينز، فإننا لا نزال في هذه الحالة نستخدم مبادئ البنية البيولوجية، مثل أفكار التركيب الذاتي، أو التفاعلات الضعيفة (اللاتساهمية)، أو التصميم المعياري، أو تكوين مركب تدريجي معقَّد من عناصر أساسية بسيطة. وعلى أية حال، فإن الوسائل التكنولوجية المستقبلية التي ستحقِّق حلمَ مقياس النانو سوف تحتوي على بعض العناصر ذات الأصل البيولوجي.

على الجانب الآخَر من هذا الفصل التقليدي بين المجالين، فإن فهم ما يدور داخل الخلية الحية قد تطوَّرَ على نحوٍ هائلٍ على مدار الخمسين عامًا الماضية، وبعض الجوانب التي ظهرت بمقياس النانو تشبه وسائلنا التكنولوجية القديمة ذات المقياس الكبير؛ فالخلية تحتوي على محركاتٍ دورانية وخطيَّة، وخطوطِ تجميع وتفكيك جزيئية، ومضخاتٍ ولوحاتِ مفاتيح، والعديد من الأشياء المفيدة الأخرى، حتى إن بعضها يحتوي على خلايا شمسية أو مصابيح ضوئية أو ساعات. وبحسب الطرق التي تخزِّن بها كلُّ خليةٍ المعلوماتِ وتعالجها، فإن كلًّا منها يتمتَّع ببعض سمات الكمبيوتر المتناهي الصِّغَر.

كلما فهمنا الجوانب الآلية للخلية وتعلَّمنا حُسنَ استغلال العناصر البيولوجية في وسائلنا التكنولوجية، أصبح من الأيسر تكوين مجالات مشتركة جديدة تجمع بين الجانبين. في الوقت الحالي، من الممكن بالفعل زرعُ شبكيةِ عينٍ صناعية بدائية داخل عين الإنسان وربطها بالجهاز العصبي للمريض المستفيد من عملية الزرع، وذلك بطريقة تتيح له فعلًا الرؤيةَ بصورة طبيعية. وفي بحث حديث مثير للجدل إلى حدٍّ ما، استطاع علماء من جامعة ولاية نيويورك إدخالَ جهاز تحكُّمٍ عن بُعد في الجهاز العصبي المركزي لفأر، لينتجوا «فأرًا آليًّا» يوجِّهون تحرُّكاته عن طريق رسائل اتصال مباشِرة صادرة من الكمبيوتر إلى المخ.

مع أن شبح الخوف من حادثة سوء الاستغلال التي وقع فيها فرانكنشتاين لا يفارقنا أبدًا عندما يتعلَّق الأمر بربط أسلاك بالخلايا الحية، فثمة العديد من المزايا التي لا جدال فيها، والتي يمكن أن تنبع من القدرة على تكوين حلقات وصل بين الخلايا العصبية والإلكترونيات التقليدية؛ فالمصابون بالشلل السفلي سيتعلمون السيرَ، والصُّمُّ سيسمعون، والعميان سيرون، بشرط توصيل تلك الأسلاك بأدمغتهم بالطريقة المناسبة.

أما خارج الجسم، فإن الاتجاه الخاص ﺑ «الحاسبات القابلة للارتداء» قد أنتج أدواتٍ لتكنولوجيا المعلومات يمكن أن تُركَّب في النظارات أو في الثياب. ومع أن هذا المجال قد ظلَّ حتى الآن ملعبًا لمهووسي العلم، فإنه ليس من الصعب التنبؤ بأن بعض التطبيقات الطبية المفيدة بحقٍّ يمكن أن تُنتَج بمجرد ابتكار أجهزةٍ قابلةٍ للارتداء ميسورةِ التكلفة (سواء أكانت قابلةً للارتداء تحت الجلد أم فوقه) لتتفاعل مع وظائف جسم الإنسان بطريقةٍ ذات معنًى. ومن الأجهزة المرشَّحة الواعدة موزِّعُ الأنسولين/مستشعر الجلوكوز المشترك للمرضى المصابين بالسكر، وهو ما يمكن أن يصبح متاحًا في غضون بضع سنوات.

في مجال تكنولوجيا المعلومات، فإننا نلمس بالفعل مزايا الاندماج مع علم الأحياء، ومن المتوقَّع أن يظهر المزيد منها في المستقبل القريب؛ فالانفجار الحالي في المعلومات الجينومية لم يكن ليصبح متاحًا دون أجهزة الكمبيوتر الموجودة اليوم، بل إنه يدفع أيضًا إلى تطور تكنولوجيا المعلومات في بعض المجالات. وعلى الجانب الآخَر، فمن المتوقَّع أن النمو المطرد في أداء أجهزة الكمبيوتر الذي تنبَّأ به قانونُ مور سوف يتغلَّب على العقبة الأخيرة في وقتٍ ما خلال العقد القادم، وتُعتبَر الجزيئات الحيوية من بين المرشحين الواعدين لمزيد من التطوير.

في المستقبل غير البعيد، قد تُستخدَم مع المرضى أجهزةٌ طبية بالكاد تكون مرئيةً، قد تستعين بالجزيئات الحيوية كمستشعراتٍ، ثم بعض الأجهزة الإلكترونية التقليدية لمعالجة المعلومات، ثم أخيرًا الكيمياء من أجل التشغيل. وسيُحسَّن أداءُ تلك الأجهزة ككلٍّ بحيث لا يتعرَّف عليها الجهازُ المناعي للمستفيد باعتباره جسمًا دخيلًا. وعند هذه المرحلة، لن يكون من المنطقي بعد ذلك تحديدُ الأجزاء البيولوجية والتكنولوجية من هذه الأجهزة؛ إذ سيكون الأمرُ أشبهَ باندماج قارتين لتكوين قارة واحدة.

(٢٠٠٢)

أحدث التطورات

في عام ٢٠٠٦، استطاع الباحثون ربطَ الأسلاك النانوية بالخلايا العصبية، مثلما سأصف لاحقًا (انظر مقال «إدخال الأسلاك النانوية إلى الخلايا العصبية»).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١