الفصل الثالث عشر

الْتِوَاء ودوران

بصفتي شخصًا عمل مع الجزيئات البيولوجية لعدة سنوات، فإني أتفهَّم الإحباطَ الناجم عن حقيقة أن هذه الجزيئات تكون في العادة غير مرئية وغير ملموسة. ولا بد أن كلَّ مَن تعامَلَ مع البروتينات أو الأحماض النووية قد تمنَّى في مرحلةٍ ما أن يكون قادرًا على أن يشدَّ طرفَي البوليمر البيولوجي ويمزِّقه، أو يلويه في هذا الاتجاه أو ذاك. ومنذ بضع سنوات، تحوَّلَ هذا الحلمُ إلى حقيقة.

امسك حبلًا في يديك والْوِه. إذا لففتَه في نفس الاتجاه الذي لُفَّتْ به خيوطُ الحبل الفردية بعضها حول بعض، فستصل إلى مرحلةٍ لا يكون فيها الحبل قابلًا للَّفِّ أكثر من ذلك، وسيحاول أن يتجعَّدَ في أشكال ذات التواءات أكبر. وإذا لففتَه في الاتجاه المعاكس، فستنفصل أليافُ الحبل بعضها عن بعض في مكانٍ واحد على الأقل، لتكوِّن أنشوطة.

تخيَّلِ الآن أن معك ملقاطًا متناهي الصِّغَر يُمكِّنك من عمل نفس نوع الالتواء والدوران الذي قمتَ به مع الحبل، ولكن هذه المرة مع الحمض النووي المزدوج الجديلة. وحسبما أعلن فينسنت كروكيت في اجتماع ورشة عمل عُقِد عام ٢٠٠٣ لمؤسسة نانونيت التي يموِّلها المجلسُ البحثي للعلوم الفيزيائية والهندسية، فإن فريقه من معمل الفيزياء الإحصائية التابع للمركز القومي للأبحاث العلمية في باريس قد توصَّلَ في واقع الأمر إلى طريقةٍ معروفةٍ باسم «المِلقاط المغناطيسي» أتاحت لهم تحقيق هذا. وبصفة عامة، يلصق الباحثون أحدَ طرفَي اللولب المزدوج للحمض النووي بدعامة صلبة، والطرف الآخَر بكُريَّة مغناطيسية يمكنهم تحريكها وقلْبها في مجالٍ مغناطيسي غير متجانس.

يُعتبَر الشكل الذي تدور به الكُريَّة لتلتوي وتفك الحبل الجزيئي مثالًا آخَر للأشياء المذهلة التي يمكن للمرء أن يفعلها على المستوى النانوي هذه الأيام. ولكن هذه الحالة تتميَّز بميزة إضافية نظرًا لكونها مفيدةً بعدة طرق، حسبما يتضح من اهتمام علماء البيولوجيا الجزيئية، المتحمسين لاستخدام المِلقاط المغناطيسي لحلِّ المشكلات التي يواجهونها في تضاعُف الحمض النووي واستنساخه. وعمومًا، فإن جميع العمليات الطبيعية التي تنطوي على تعديل الحمض النووي أو قراءته تتطلَّب قدرًا من الالتواء. وعندما يراقب الباحثون كلًّا من الدوران والقوى المستخدَمة، فإنهم يستطيعون أن يتوصَّلوا إلى معلومات غير مسبوقة حول هذه التفاعلات. يقول كروكيت: «النتيجةُ الأكثر روعة أنك ترى إنزيمًا في أثناء عمله فعليًّا.»

لقد تعاوَنَ كروكيت بالفعل مع فريق زميله جي شارفين من المركز القومي الفرنسي للأبحاث العلمية للعمل على إنزيمات توبوأيزوميريز الحمض النووي (وهي إنزيمات تفكُّ التفافَ الحمض النووي بعمل قَطْعٍ مؤقَّتٍ في إحدى الجديلتين، يمكن للجديلة الثانية المرور من خلاله) وبالتعاون مع فريقٍ بقيادة جوزيبي ليا من جامعة ميلان عمل على البروتين الكابح «جال» Gal الذي يمنع الاستنساخ عن طريق ربط الحمض النووي في أنشوطة. وأثبتَتِ الدراساتُ التي أُجرِيت على الجزيئات الأحادية حدوثَ انحلالٍ بسيط في اللولب المزدوج يصبُّ في صالح ارتباط بروتين شبيه بالهيستون معروف باسم «إتش يو» HU، يعمل عندئذٍ على ربط الجزء الضعيف من الحلزون بحيث يتمكَّن جزيئَا البروتين الكابح من إغلاقِ الدائرة.
في ورشة العمل، قدَّمَ كروكيت أبحاثًا جديدة عن الحلزونين «يو في آر-دي» Uvr-D و«آر إي سي-كيو» Rec-Q. يستطيع هذان الإنزيمان الاتحاد بطرف مفكوك بارز من اللولب المزدوج وفك البنية من هذا المكان. وفي العادة، يظلان ملتصقين بجديلة حمض نووي محدَّدة، ويتحركان من الطرف ٣ إلى الطرف ٥ ؛ أيْ عكس اتجاه القراءة الطبيعي. ومع أن مثل هذه الإنزيمات ضروريةٌ لعدة أنواع مختلفة من إصلاح الحمض النووي، ومن أجل تضاعُف عددٍ من البلازميدات؛ فإنه لم يُعرَف الكثيرُ عن وظيفتها بتفاصيل جزيئية. وفي بحث لاحق، وصف كروكيت وزملاؤه بالتفصيل السلوكَ الميكانيكي لهيليكاز «يو في آر دي» UvrD.

وفي نفس ورشة العمل، قدَّمَ رالف زايدل من الجامعة التكنولوجية في مدينة دلفت (هولندا) مشروعًا آخَر باستخدام المِلقاط المغناطيسي، وهو مشروع مشترك بين معامل كيس ديكر في مدينة دلفت (المشهورة بأبحاثها عن الأنابيب النانوية الكربونية)، وكيث فيرمان من جامعة بورتسموث في إنجلترا الذي ينظِّم ورش عمل نانونيت. يدرس هؤلاء الباحثون النمطَ ١ من الإنزيم القاطع الداخلي، وهو نوع من إنزيمات تعديل الحمض النووي التي تتميَّز بوجود مسافة طويلة بين تسلسلات الحمض النووي التي تتعرَّف عليها وتلك التي تستطيع فعلًا قطْعَها.

بين هذين الحدثين، لا بد أن ينتقل الإنزيم مسافةً تصل إلى بضعة آلاف من الأزواج القاعدية بطول اللولب المزدوج، مُتبِعًا الالتواء الحلزوني. لكن على العكس، هذا يعني أن إنزيمًا ثابتًا بهذا النوع يستطيع تحريك جديلة الحمض النووي المزدوجة بنفس الطول، في نفس الوقت الذي يلفها فيه. وباستخدام أسلوب الكُريَّة المغناطيسية، يستطيع الباحثون الآن تسجيلَ هذه الحركة، وكذلك تطبيق قوة مضادة لقياس مدى قوة الإنزيم الداخلي وفاعليته باعتباره محركًا جزيئيًّا، وقد قاسوا سرعةَ التحرُّك لأكثر من ٥٠٠ زوج قاعدي في الثانية.

ولكن بخلاف فائدة قياس البيانات الفيزيائية على المستوى الجزيئي، فثمة احتمالية أيضًا لظهور تطبيقاتٍ عملية. يصف كيس ديكر هذا الأمر بقوله إنه «الخطوة الأولى نحو تصميم محرِّك بيولوجي. ويستطيع هذا الجهاز أن يربط بين العالَمَيْن البيولوجي والسليكوني.»

بالنسبة إلى أيِّ شخص يفكِّر في استخدام هذه التقنية في التعامل مع الجزيئات، فإنني أودُّ أن أبشِّرَه بأن مستقبلها واعد. يقول كروكيت: «نتعاون حاليًّا لابتكار جهاز مِلقاط مغناطيسي قابل للاستخدام التجاري.» ومع أن أسلوب القياس يتطلَّب عادةً مساعدةَ عالِم فيزياء في البداية، فإنه يَعِدُ بأنها سرعان ما ستصبح إجراءً روتينيًّا سهلًا، كما أن «المهارة البيولوجية هي أهم جانب»؛ وهو ما يعني أنك إذا استطعْتَ أن تحرِّك الجزيء الذي تدرسه وتلصِق كُريَّةً بالطرف الآخَر، فستكون قادرًا أيضًا على أن تلويه.

(٢٠٠٤)

أحدث التطورات

لم تبلغ مسامعي أي أخبار مؤخرًا عن هذا المجال، ولكننا بانتظار معلومات قريبًا.

قراءات إضافية

  • G. Charvin et al., Proc. Natl Acad. Sci. USA, 2003, 100, 9820.
  • G. Lia et al., Proc. Natl Acad. Sci. USA, 2003, 100, 11373.
  • Nanonet UK: www.nanonet.org.uk.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤