الفصل الرابع

الراسمة النانوية المدهشة

تكنولوجيا النانو اكتشافٌ رائع، أو هذا ما أتمنَّاه (على الرغم من أنني لم أراجِع الأمر مع الأولاد بعدُ). بعد أن نشرْتُ كتابَ «مغامرات في عالم النانو»، الذي استعرضتُ فيه طرقَ استفادة تكنولوجيا النانو من الأنظمة النانوية البيولوجية، حاولتُ أن أواكِب هذا المجالَ السريع الإيقاع بكتابة مقالٍ من وقتٍ إلى آخَر عن الأجهزة والأدوات النانوية الجديدة. فاجأَتْني تقنيةُ الطباعة بانغماس القلم كواحدةٍ من أروع هذه الأدوات. علاوة على ذلك، بصفتي كاتبًا، فإنني أهتم بتقنيات الكتابة الجديدة، ولديَّ أيضًا مثال مبكِّر (ومستفيض) لنسق الكتابة المفضَّل إليَّ، وهو المقال المصغَّر المكوَّن من ٨٠٠ كلمة، الذي شهد عصره الذهبي في الفترة ما بين عامَيْ ٢٠٠٠ و٢٠٠٣، عندما كنتُ أساهِم بانتظام بصفحة واحدة في عمود «فرنتيرزر» بمجلة «كميستري إن بريتين».

في ديسمبر ١٩٥٩، تحدَّى عالِم الفيزياء الشهير ريتشارد فاينمان زملاءه لتقليص صفحة كتاب بمقدار ٢٥ ألف مرة. ويقلِّص معامِل التصغير هذا طولَ كتاب ورقي كبير (٢١سم) إلى أقل من جزء من المائة في الملِّيمتر (١٠ ميكرونات) بما يلائم تقريبًا حجم خلية دم حمراء. بينما يقلص طول حرف كبير عادي (بنوع خط Times Roman، وحجم ١٢ نقطة) من ثلاثة ملِّيمترات إلى جزء من العشرة في الميكرون، وبالتالي يمكن أن تبتلعه بكتيريا واحدة. والآن، يُنظَر إلى خطبة فاينمان، التي ألقَاها بعد الغداء وشجَّعَ فيها زملاءه من العلماء على «التفكير في التصغير»، على أنها لحظة ميلاد المفهوم المستقبلي لتكنولوجيا النانو، تلك التكنولوجيا المعتمِدة على آلات صغيرة بصِغَر حجم الجزيئات الموجودة في الخلايا الحية.

مضَتْ ستة وعشرون عامًا قبل أن يتحوَّل حلم فاينمان إلى واقع. ففي عام ١٩٨٥، برمَجَ توماس نيومان — خريج جامعة ستانفورد — جهاز أشعة إلكترونية لنَسْخ أول صفحة من رواية ديكنز «قصة مدينتين»، وذلك بطبع كلِّ حرف من حروفها على سطح أصغر من سن الإبرة. رُسِمت الحروف بأبسط شكل ممكن، وكان حجم الخطوط والنقاط حوالي ٦٠ ذرة عَرضًا. ولا تزال الطباعة بالأشعة الإلكترونية أدق الأدوات التي توصَّلنا إليها لتكوين بنًى متناهية الصغر، إلا أنها غير صالحة للتطبيق تجاريًّا بالنسبة إلى الأعداد الكبيرة من النُّسَخ؛ لأنه يجب رسم السمات بالتعاقُب (نقطة تلو الأخرى) بدلًا من طباعتها كلِّها دفعة واحدة.

في مجال التصنيع، تُستخدَم الموجات الضوئية لطباعة أنماط صغيرة بأعداد هائلة من النُّسَخ، فتُنسَخ من أصلٍ (وجه) واحدٍ عادةً ما يصنعه شعاع من الإلكترونات. وهذه هي الطريقة التي تُصنَّع بها رقاقات الكمبيوتر. وتوجد أيضًا طُرُقٌ مماثلة تُستخدَم في إنتاج الأجهزة الكهروميكانيكية المجهرية، بما في ذلك المجس المسئول عن تشغيل معظم الوسائد الهوائية المستخدَمة في السيارات اليوم. ولكن، بما أن الطول الموجي للضوء المرئي يبلغ حوالي نصف ميكرون، فإنه من الصعب للغاية تطبيق هذه الطرق على مقياس ٠٫١ ميكرون (١٠٠ نانومتر) الذي تخيَّلَه فاينمان. ونظرًا لأن الأطوال الموجية المطلوبة تتغيَّر بدرجة كبيرة في نطاق المنطقة فوق البنفسجية غير المرئية، ثم أخيرًا في نطاق الأشعة السينية، فإن الطباعة الضوئية تصبح أكثر تعقيدًا. وغياب البصريات المناسبة لتركيز الأشعة السينية يقيِّد هذه التقنيةَ بشدة.

على النقيض من ذلك، يَسهُل تركيزُ الشعاع الإلكتروني، ولو حتى بمقاييس متناهية الصغر. ويقتصر استخدامه فقط على آثار ميكانيكا الكم التي تجعل الحياةَ مثيرةً بالمقياس الذري؛ فهو يستطيع إنتاجَ سمات في صِغَر عشرة نانومترات عَرضًا. وفي العادة، فإنه يُستخدَم لتصنيع نماذج أولية أو لتصنيع بنًى لازمة في الأبحاث، بالإضافة إلى الأقنعة المستخدَمة في الطباعة الضوئية. ولكن إذا حاولنا زيادةَ مقياس طريقة الكتابة اليدوية هذه لإنتاج أعداد كبيرة من النُّسَخ بكفاءة معقولة، فسيكون الأمر أشبه بإجبارِ الرُّهبان الذين يكتبون بالريش على منافسة آلة الطباعة.

لكن مع طرح نوع جديد من مقاييس النانومتر «انغماس القلم»، بدأت موازين القوى تتغيَّر لصالح الرُّهبان؛ ففي عام ١٩٩٩، استعان تشاد ميركين من جامعة نورثويسترن في إيفانستون بولاية إلينوي بميكروسكوب القوى الذرية (وهو أداة عادةً ما تُستخدَم لتصوير بنى الأسطح الصغيرة غير المرئية) لتنفيذ كتابةٍ يدوية دقيقة ﺑ «الحبر» الجزيئي على لوحِ «ورق» مصنوعٍ من الذهب. وقد استعان بتأثيرٍ عادةً ما يضايِق الأفرادَ الذين يريدون استخدامَ ميكروسكوب القوى الذرية في أغراضه الأصلية التي صُنع أساسًا من أجلها، فالمسافة المتناهية الصِّغَر بين السطح المقصود وأقصى طرف في ميكروسكوب القوى الذرية تجذب الرطوبةَ وكأنها أنبوبٌ شِعري. وإذا لم تُجرَ التجربةُ في بيئة جافة تمامًا، فسيظل يوجد دائمًا سطح هلالي من الماء يربط الطرف بالركيزة. وفي التقنية الجديدة، التي أطلق عليها ميركين «الطباعةَ النانوية بانغماس القلم»، فإن هذا السطح الهلالي للماء يكون بمنزلة شريحة تنزلق عليها الجزيئات العضوية التي تصنع الحبر وصولًا إلى سطح الذهب.

fig20
شكل ٤-١: الطباعة النانوية بانغماس القلم. تعتمد هذه الطريقة، التي ابتكرها فريقٌ بقيادة تشاد ميركين، على نقل سائلٍ من طرف ميكروسكوب القوى الذرية إلى أحد الأسطح.

عن طريق تغذية طرف الميكروسكوب بالحبر، أدرك الباحثون أن السرعة التي انتشر بها الحبر على سطح الذهب تعتمد بصورةٍ حاسمة على أبعاد السطح الهلالي للماء، الذي يمكن أيضًا التحكُّمُ فيه بتنويع رطوبة الجو المحيط. وأتاح هذا لهم رسمَ نقاطٍ وخطوطٍ ذات كثافة محكَمة جيدًا، وبلغ عَرض أرفع الخطوط التي استطاعوا إنتاجها ٣٠ نانومترًا، وهو ما سيكون مناسبًا للصفحة المطبوعة المختزلة بمعدل ٢٥ ألف مرة التي يتطلَّبُها تحدِّي فاينمان. لكن لم تكن تقنيةُ انغماس القلم نفسها هي ما منعهم من المضي قدمًا في هذا الشأن، وإنما البنية الحُبيبية لسطح الذهب الذي كانوا يكتبون عليه.

مثلما كان الأمر مع صفحة ديكنز المصغَّرة التي اختزلها نيومان، فإن هذا الإنجاز كان مثيرًا للإعجاب كأمرٍ يحدث لمرة واحدة فقط وعلى نطاقٍ محدودٍ، ولكنه لا يصلح للتطبيقات التقنية الموسَّعة، حيث سيتطلَّب الأمر غالبًا عملَ أعداد هائلة من النُّسَخ المتطابقة من بنيةٍ معينةٍ؛ ولهذا السبب، واصَلَ معملُ ميركين بحثَه لاحتمالات تصميم آلة تحتوي على عدة أقلام نانوية تكتب بنفس النمط تمامًا. وفي يونيو ٢٠٠٠، أعلنوا نجاحَهم الأول في هذه التجربة في مجلة «ساينس».

لقد أدركوا — ويا لدهشتهم الشديدة — أن السرعة التي يسير بها الحبر من طرف الميكروسكوب إلى الركيزة لا تعتمد على القوة التي يُضغَط بها الاثنان معًا؛ مما أتاح لهم إعدادَ أكثر من طرفٍ لميكروسكوب القوى الذرية، بحيث يمكن التحكُّمُ فيها جميعًا بنفس الأسلوب. ويمكن التغاضي — دون قلق — عن الاختلافات الدقيقة بين القوى العمودية التي يتعرَّض لها كلُّ طرف، والتي قد تنشأ من عدم الانتظام في سطح ورق الكتابة. وبهذه الطريقة، أنتج الفريقُ ما أطلقوا عليه اسم الراسمة النانوية، التي تعمل بالتسلسل وبالتوازي، ويمكن للأطراف أن تلتقط الحبرَ من الأجزاء الدقيقة لورق الترشيح. وبالمثل، يمكن «غسلها» عن طريق تعريضِ ورق الترشيح المنقوع لمادة مذيبة مناسِبة.

بعد أن طبَّقوا المبدأَ بواسطة الراسمة النانوية ذات الطرفين، عمدوا إلى تصميم نسق يتضمَّن ثمانية أطراف، يمكن التحكُّم في طرف واحد منه بواسطة المشغِّلات، في حين تَنسخ الأطراف السبعة الأخرى عشوائيًّا بغضِّ النظر عمَّا فعله الطرف الأول. وبعد أن رسموا أشكالًا هندسية بسيطة مثل المربعات والمثمَّنات في ثماني نُسَخ، اكتشفوا أن مقاييس النُّسَخ متطابِقةٌ بحدود مقبولة، بل زعموا أيضًا أن «ما من سببٍ يمنعهم من زيادة عدد الأقلام ليصل إلى مئات أو حتى ألف» دون آليات تحكُّمٍ إضافية.

بالتالي، لن تقتصر الطباعة النانوية بانغماس القلم بعد الآن على الإنتاج اليدوي لنُسَخ فردية؛ إذ يمكن لدورة الطباعة العادية لصفحة ديكنز أن تتمَّ خلال يوم، والأهم من ذلك أن الاختيار الذكي للحبر والورق سيتيح لمهندسي النانو المستقبليين إنتاجَ عناصر بمقياس النانو لا يَسَعُ مصنِّعو الرقاقات اليومَ إلا أن يحلموا بها. ويمكن تأسيسُ مصانع نانوية كيميائية، حيث يتم توجيه أعداد متناهية الصِّغَر من الجزيئات لتتلاقَى في تسلسُل محدَّد من التفاعلات. ويمكن أن تكون العناصر الإلكترونية — بما في ذلك رقاقات الكمبيوتر — متناهيةَ الصغر للغاية، حتى إنها قد تكون بحجم النقطة في حرف i، أو تدخل حتى في الخلية الحية. وهكذا، فإن ثورة تكنولوجيا النانو التي كانت ضربًا من الخيال منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين أوشَكَتْ أن تتحقَّق.

(٢٠٠٠)

أحدث التطورات

واصَلَ فريق ميركين استكشافَ إمكانات الطباعة النانوية بانغماس القلم بنجاحٍ كبيرٍ، فأنتجوا نُظمًا نانوية بروتينية وبنًى نانوية بهذه التكنولوجيا.

قراءات إضافية

  • R. D. Piner et al., Science, 1999, 283, 661.
  • K.-B. Lee et al., Science, 2002, 295, 1702.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠