الفصل الأول

تقهقر رومة الداخلي وأزمة القرن الثالث

النظام الكولوني وتأخر الزراعة

كان من جراء التوسُّع العسكري الروماني أَنْ تعاظم كسب قادة الجيش وضباطه وحكَّام الولايات وكبار الموظفين، فعادوا إلى أوطانهم متمتعين بجميع ضروب التنعم والترف، مشبعين بغطرسة مَنْ ذاق لذة السلطة المطلقة بعيدًا عن وازع الشريعة الرومانية وقيود النُّظُم الجمهورية. ولم يكن في نظر الرومانيين ليليق بشيوخهم وعظمائهم ووجوههم أن يتعاطَوُا التجارة أو الصناعة، فتهافت الأغنياء والكبراء على اقتناء المزارع يضمون بعضها إلى بعض، فيكوِّنون منها مزارعَ مترامية متسعة، ويستاقون إليها من ملكت أيمانهم من الأرقاء. ولم يقوَ المزارع الصغير على مزاحمة جاره الكبير فضم أرضه الصغيرة إلى أرض جاره الكبيرة، وربط نفسه بتلك الأرض إلى الأبد. ومع أن هذا النظام الكولوني لم يجعل منه رقيقًا لسيده، فإنه فقد حريته أن يذهب حيث يشاء، وتعددتْ هذه المزارعُ الضخمةُ في إيطالية وصقلية وإسبانية، ولم يَبق من المزارع الصغيرة القديمة إلا نزرٌ يسير.

وكانت حياة الرقيق في هذه المزارع شاقة تعسة؛ فإنه كان يُحشر ليلًا في الثكنات حشرًا ويُساق نهارًا إلى الحقل سَوْقًا، وكان يُكوى بمياسمَ؛ ليبقى الوسمُ علامة يعرف بها عند الفرار، فنفر الرقيق من صُحبة سيده وانقبضتْ نفسه عن العمل له بإخلاص وأمانة. واضطر سيدُهُ أن يكلفه من العمل أنواعًا معينة، تلك التي لا تتطلب الكثير من الأمانة والإخلاص، فحمله على تربية المواشي ورعايتها، فتضائلتْ — على الأيام — حقولُ القمح وبساتين الزيتون وكروم العنب، وبار بعضُ الأراضي وتُرك لينبت فيه العشب فترعاه تلك المواشي. واعتمدت رومة على قمح مصر وحُبُوبها لتغذية أبنائها وأبناء المدن الإيطالية الأخرى، وحذرت تصدير هذه الحبوب إلى أي مكان آخر، وسئم المزارع الكولوني هذا النظام، فهجر الأرياف وازدحم في المدن، ولا سيما رومة، ونافس غيره من الفقراء فيها على نصيبٍ ينالُهُ معهم من إحسان الدولة، وكانت رومة قد أخذت تقل حروبها منذ عهد أوغوسطوس قيصر فيتناقص معها عدد الأسرى، وقلت اليد العاملة، فبارت الأرض لهذا السبب أيضًا، وضعف الإنتاج الزراعي.

عداء مزمن بين الأغنياء والفقراء

وثار العبيد الأرقاء قبل أوغوسطوس أكثر من مرة، ودامت ثورتُهُم الثالثة بقيادة أسبارتاكوس سنتين (٧٣–٧١ق.م)، وانتفضوا على سادتهم في صقلِّية وقتلوهم وأعلنوا استقلالهم عن رومة، ونفر أصحاب الحقول الأحرار في إيطالية وغيرها وأحرقوا المزارع الكبيرة التي أنشأها كبار الملاكين، فكان هذا كله مظهرًا للضغائن في الصدور بين الأغنياء والفقراء، ولم ينته صراع العبيد والفقراء بانتصار ليكينيوس كراسوس على أسبارتاكوس،١ بل استمر متقطعًا ما دامت الإمبراطورية الرومانية، ومن هنا قول ماكروبوس الفيلسوف السياسي الذي عاش في القرن الخامس بعد الميلاد: «عبيدنا أعداؤنا.» وكان كلما صُرع سيد بيد مجهولة اتهم بقتله أرقاؤه وقاسوا من جراء ذلك شتى ألوان العذاب، وربما فقدوا الحياة.
ولا يخفى أن رومة ميزت في شرائعها بين فصيلتين من الرقيق: أرقاء الأرياف، وأرقاء المدن،٢ وكان هؤلاء يشملون في عدادهم الخدم والحشم والأطباء والأساتذة ورجال الفن والقلم وحاشية الأباطرة وكبار الرجال في السياسة والحرب. ولما كان الجهاز الإداري مربوطًا بشخص الإمبراطور؛ فإنه أصبح — منذ عهد كلوديوس — يعج بهؤلاء الأرقاء من رجال الأباطرة، بَيْدَ أن الأرقاء لم ينظموا صفوفهم، ولم يكن لديهم — في وقت من الأوقات — برنامجٌ سياسيٌّ معين يسعون لتحقيقه، وجُلُّ ما بلغوا إليه أنهم كرهوا أسيادهم، وثاروا في وجههم، وتمنوا زوال نعمتهم، وذلك بحركات متفرقة في غالب الأحيان.

تَأَخُّر الصناعة والتجارة

وأَدَّى توسع رومة في الشمال والجنوب والشرق والغرب إلى توسُّع مماثل في أفق أبنائها العاملين في حقلَي الصناعة والتجارة، فخرجوا من إيطالية إلى الولايات الجديدة يوظفون أموالهم فيها، وقام من أبناء هذه الولايات نفسها، ولا سيما الشرقية منها، مَنْ شاطر هؤلاء عملَهم وإنتاجهم، فنشطت الزراعة والصناعة والتجارة في الولايات، وأخذت آسية الصغرى مثلًا تصدر ذرتها وخمرها وسمكها المجفف ومنسوجاتها الصوفية وصباغها الأرجواني، وعاد زجاج الساحل اللبناني إلى سابق تفوقه، ومثله كتان هذا الساحل وحريره وصوفه المصبوغ. وعادت الجاليات اللبنانية السورية إلى سابق عهدها في الغرب، توزِّع بضاعة البلد الأم في إيطالية وصقلية وغالية ووادي الرين وبريطانية، وظهرت نشيطة قوية في تراقية ووادي الدانوب الأسفل وجنوبي روسية، ومع الزمن فقدت إيطالية سيطرتها الاقتصادية التي كانت قد كسبتها في حروب التوسُّع المتتالية، وإنتاجها الصناعي الذي كانت تنتجه بالكميات الكبيرة قَلَّ وتدنى فأصبح في مُسْتَهَلِّ القرن الثالث بعد الميلاد إنتاجًا إفراديًّا قليلًا، وقلَّ الدخل عمومًا، فقَلَّ دخل الدولة، والتجأ الأباطرة إلى غش العملة، فأصبحت هذه في عهد مرقوس أوريليوس مغشوشة بمقدار ربع وزنها، وبعد جيلين فقط لم يَبْقَ في النقود الفضية أكثر من خمسةٍ في المائة مِنْ زِنَتِهَا فضة.

انحطاط الجيش

وكانت الخدمة العسكرية في أوائل عهد رومة محصورة في المواطنين الرومانيين أولئك الذين ملكوا أرض رومة وسنوا شرائعها، وكان على كل جندي أن يُقْسم بكل وقار واحترام يمينَ الطاعة لقادته والولاء للإمبراطور والإمبراطورية، وجاء يوليوس قيصر فمنح حقوق المواطن الروماني٣ بعضَ وجوه الولايات وأعيانها ممن ليس فيهم الولاءُ والإخلاصُ لرومة وإمبراطوريتها، وقضتْ ظروفُ الفتح والتوسُّع بتكبير الجيش، فجندت رومة أبناء الولايات في وحدات «مساعدة»، وفي أيام أدريانوس وخلفائه تساهلتْ رومة فمنحت كل من لمست فيه استعدادًا لتفهمها والامتزاج بأبنائها هذا الحق الكبير. ثم جاءت يولية دمنة الحمصية وابنها كركلا؛ فأباحا هذا الحق في السنة ٢١٢ لجميع سكان الإمبراطورية، فأصبح الجيش — والحالة هذه — مؤلَّفًا من جميع عناصر حوض البحر المتوسط.

وأدى التوسُّع العسكري الكبير إلى تغييرٍ آخرَ في الجيش؛ فالحدود الشاسعة الطويلة والأعمال الحربية المتتابعة المتتالية قضتْ بتطويل مدة الخدمة العسكرية، والتأخرُ الاقتصادي اضطر الحكومة الرومانية أَنْ تقطع جنود الحدود أراضي يحرثونها وأن تُجيز لهم أَنْ يَتَأَهَّلُوا وأن يُقيموا في أكواخهم قرب الحدود؛ فقضى الجنود حياتهم بأكملها في خدمة العلم وأصبحوا طائفةً عسكرية تعيش لنفسها، لا جيشًا شعبيًّا يقوم بخدمة الدولة.

ومما عجَّل كثيرًا في انحطاط الجيشِ أَنَّ أوغوسطوس قيصر لم يعنَ بإيجاد طريقة قانونية لانتخاب الإمبراطور تنتقل سلطة الإمبراطور بموجبها من سلفٍ إلى خلفٍ دونما خلل يقطع الاستمرار، فنتج عن هذا الخلل أنه أصبح في طاقة الجُند أن يختاروا مَنْ يرضون عنه، وأن يعزلوه وأن يُعَيِّنُوا غيره مكانه، كما أَمْسَى الإمبراطورُ نفسه قليلَ المهابة والاحترام.

الإمبراطور

وكان الإمبراطور في بدء الأمر وجيهًا رومانيًّا كبيرًا خُوِّل سلطة عسكرية واسعة في ظروف حربية قاهرة، وكانت هذه السلطة أو هذه القيادة٤ تنتهي بانتهاء الحرب، وكان مجلس الشيوخ يُقيم — في ظروف معينة — أكثرَ من قائد واحد في وقت واحد، ثم جاءت الإمبراطورية بطولها وعرضها وتعددت مشاكلها، فوكلت رومة القيادة إلى رجل واحد طوال عمره، وبقيت سيادة الدولة الرومانية تُظلُّ هذا الإمبراطور الفرد ومنها يستمد سلطته، وبقي هو ممثل الجمهورية٥ الأوحد، واستحق لقب أوغوسطوس؛ أي قديس؛ لأنه كان في نظر الرومانيين رمز إلهة رومة الحي،٦ ويرى بعض رجال الاختصاص أن سلطة الإمبراطور كانت في البدء سلطة عسكرية لأنها لم تطبق قبل عهد سبيتميوس سويروس إلا في خارج رومة وفي خارج إيطالية، ويرون أيضًا أن سائر الألقاب٧ التي حملها الأباطرة الأولون لم تزدهم سلطة أبدًا.
وتقادمت المجالس القوميسية٨ في رومة وأصابها الهرم، فانحصرت السلطة التشريعية بيد مجلس الشيوخ٩ وكذلك إدارة الدولة وفرض الضرائب فيها وجبايتها، ولو دام هذا الحصر لَصَحَّ القولُ بأن الدولة الرومانية كانت أرستوقراطية يرأسها ديكتاتور عسكري، ولكن شيئًا من هذا لم يكن، فالإمبراطورُ كان منذ البدء قد شاطر مجلس الشيوخ السلطة في الولايات، فترتب عليه منذ بداية الإمبراطورية أن يكون لديه حكام وأن يفصل بين ماليته ومالية الدولة، ولما كانت القوة العسكرية بيده كان من الطبيعي جدًّا أن يتطاول على حُقُوق مجلس الشيوخ في نطاق سلطته وأن تتدرج الدولة الرومانية في سلم الملكية.

وحاول الإمبراطور الروماني اللبناني سويروس ألكسندروس (٢٢٢–٢٣٥ب.م) الذي نشأ وترعرع في عرقة عكار أن يعيد إلى مجلس الشيوخ حقوقه المسلوبة، فشاور المجلس في جميع أعماله وطلب إليه انتقاء كبار الموظفين في رومة وفي الولايات وتقديم الأكفاء لجميع الوظائف الأخرى، ورقَّى حكام الولايات إلى رتبة عضو في مجلس الشيوخ كي لا ينظر في أمرهم من كان دون هذه الرتبة. وبعبارة وجيزة: حاول ألا يفعل شيئًا يعكر صفو العلاقات بينه وبين مجلس الشيوخ.

وعني سويروس ألكسندروس بشئون الجيش، فراقب — عن كثب — حركات الوحدات وأَمَّنَ العدلَ بينهم وأَقْطَعَهم الأرضَ عند الحدود وزَوَّدَهم بالمواشي والأرقاء لحراثتها وزرعها؛ شرط أن يدخلوا أبناءهم في الخدمة بعدهم، ولكنهم لم يرضوا عن المفاوضات التي أجراها مع القبائل الألمانية عبر الرين في السنة ٢٣٥ وأخذوا عليه انقيادَه لوالدته، ففاوضوا مكسيميانوس مدرب الجيش وكانوا قد أحبوه لشجاعته وكرمه، وقتلوا الإمبراطور ووالدته، ونادَوا بمكسيميانوس إمبراطورًا، فدخلت الإمبراطورية الرومانية في أزمة سياسية مخيفة كادتْ تمزقها تمزيقًا وتهوي بها إلى الحضيض، وانكشف ضعفها وتبين أن أوغوسطوس قيصر ذاك المصلح الكبير لم يوفق إلى طريقة قانونية لانتقاء الإمبراطور تنتقل بموجبها سلطته من سلف إلى خلف دونما خلل يقطع الاستمرار. وتبين أيضًا أن الجيش بعد أن انفصل عن الشعب الروماني وأصبح خليطًا من كل مَنْ هَبَّ ودَبَّ بقي يمارس سلطة هائلة في انتقاء الإمبراطور بالاشتراك مع مجلس الشيوخ، وأن هذه السلطة أصبحت غاشمة بعد انحطاط الجيش — كما سبق أن أشرنا.

أزمة القرن الثالث

وهبَّ مكسيميانوس (٢٣٥–٢٣٨ب.م)، وكان عملاقًا في جسمه؛ يتابع الحرب فيما وراء الرين، ولكن الجنود في إفريقية لم يرضوا عنه فأعلنوا غورديانوس الأول إمبراطورًا في السنة ٢٣٧ وكان هذا قد ناهز الثمانين من العمر فأشرك ابنه غورديانوس الثاني في الحكم معه، وقاومهما والي موريتانية «الجزائر» فقُتل غورديانوس الثاني في ميدان القتال وانتحر والدُهُ العجوز، وثار جُنُود مكسيميانوس في وجهه فقتلوه في أثناء حصار أكريلية في ولاية البندقية.

وتدخل مجلس الشيوخ فانتخب بوبيانوس وبلبينوس فغورديانوس الثالث حفيد الأول؛ نزولًا عند رغبة الشعب، ولكن الحرس الإمبراطوري قتل الأولَين وأبقى غورديانوس الثالث حفيد غورديانوس الأول وكان لا يزال في الثالثة عشرة من عمره (٢٣٨–٢٤٤) ثم خَرَّ صريعًا في السنة ٢٤٤ بيد قائد الحرس. وكان قد اضطر غورديانوس الثالث أن يشرك فيلوبوس العربي معه في الحكم في السنة ٢٤٣؛ نزولًا عند رغبة جنود الشرق، فعقد هذا صلحًا مع الساسانيين وهرول إلى رومة، وتَسَلَّمَ أزمة الحكم فيها (٢٤٤–٢٤٩ب.م).

ومما يروى عنه أنه تَقَبَّلَ النصرانية سرًّا، وفي السنة ٢٤٩ انتقض الجند في مناطق الدانوب، فأرسل فيلوبوس العربي القائد ديقيوس ليخمد ثورتهم، وما إن وصل إليهم حتى نادَوا به إمبراطورًا (٢٤٩–٢٥١) فحارب فيلوبوس وقتله في موقعة فارونة، وقام ديقيوس يُحارب القوط في البلقان في السنة ٢٥١ فسقط في ميدان القتال في ما وراء الدانوب، فنادى الجند بغالوس إمبراطورًا (٢٥١–٢٥٣) وأشرك هذا هوستيليانوس بن ديقيوس في الحكم معه ثم قتله، وعَمَّ داء الطاعون في أثناء حكمه جميع أنحاء الإمبراطورية فزاد في الطين بلة.

ثم عمد إميليانوس هذا، وهو قاهر القوط، إلى خلع الإمبراطور في السنة ٢٥٣ فحلَّ محله، ولكن الجنود قتلوه بعد أربعة أشهر من الحكم ونادوا بفاليريانوس إمبراطورًا بعده (٢٥٣–٢٦٠ب.م) فأشرك هذا ابنه غاليانوس في الحكم معه، وقاما يحاربان قبائل الإفرنج في غالية والألماني في شمالي إيطالية، والقوط عند الدانوب، والساسانيين عند الفرات، وفي أثناء حصار الرها في السنة ٢٦٠ وقع فاليريانوس أسيرًا في يد شابور وتُوُفِّيَ أسيرًا، وتابع غاليانوس الحكم بعد أبيه (٢٦٠–٢٦٨) وجَابَهَ ما كان أشد هولًا: ضغط البرابرة، ولا سيما القوط الذين انقضوا من البحر الأسود بمراكبهم الخاطفة، وظهور عدد كبير من المنافسين، فدخلت الإمبراطورية في فترة الطغاة الثلاثين وأشهرهم تتريقوس في غالية وإسبانية.

ولا يجوز القول إن أُذينة العربي كان منهم؛ لأنه حافظ طوال عهده على الولاء القانوني الشكلي لغاليانوس، واعتبره هذا شريكًا له في الحكم، وسقط غاليانوس محاربًا ضد أوريولوس في السنة ٢٦٨، ولكن الجنود نادوا بكلوديوس الثاني (٢٦٨–٢٧٠) إمبراطورًا، فقتل هذا أوريولوس وقهر الألماني والقوط ولكنه تُوُفي بالطاعون، فخلفه أوريليانوس (٢٧٠–٢٧٥) إذ نادى به جنودُهُ إمبراطورًا، وصالح القوط وتنازل عن حقوق رومة في ما وراء الدانواب وأخضع زينب، ثم قهر تتريقوس في غالية واتحذ لنفسه لقب: معيد الدولة العالمية،١٠ ولكنه قُتل في حملة قام بها على الساسان، فانتخب مجلس الشيوخ تسيتوس إمبراطورًا؛ بإيعاز من الجند (٢٧٥)، وتُوُفي هذا بعد ثلاثة أشهر في أثناء الحملة التي شَنَّهَا على قبيلة الألاني في آسيا الصغرى، ولم يفلح أخوه في تسنم الحكم بعده؛ لانكساره أمام بروبوس (٢٧٦–٢٨٢ب.م).
وردَّ بروبوس هجمات الإفرنج والبورغنديين والألماني، والفندال، وشغل الجنود بتجفيف المستنقعات وإنشاء الترع وبناء الطرق، فثاروا عليه وقتلوه، فتولى الأمر بعده قائدُ الحرس كاروس (٢٨٢–٢٨٣) ولكنَّ صاعقةً أصابتْه بعد أن احتل طيسفون عاصمة ساسان، فخلفه ابنه نومريانوس (٢٨٤) ولكنه قُتل بمؤامرة والد زوجته كارينوس الذي طمع في ملك صهره، فلم يفلح لأن الجند كانوا قد نادوا بديوقليتيانوس الشهير (٢٨٤–٣٠٥).١١

غزوات الشعوب الجرمانية

وكان يقطن ألمانية وسائر أوروبة الشمالية برابرةٌ مِنَ الجنس الهندي الأوروبي، شُقْرُ الشعور زُرق العينين طوال القامة، لم يرتقوا كثيرًا منذ عهد إنسان العصر الحجري. وكانت كل قبلية منهم تُقيم في منطقة محدودة لا يتجاوز قطرها ستين كيلومترًا، ولا يَزيد عدد نفوسها عن خمسة وعشرين ألفًا أو ثلاثين، وكانوا يقيمون في قُرًى تضم كل واحدة منها مائة عائلة، وكانت المنازلُ التي يسكنونها أكواخًا حقيرة يَسْهُلُ نقلها. وكان السكان — على وجه الجملة — لا يرغبون في الفلاحة والزراعة، بل كانوا يُؤْثرون رعاية المواشي وتربيتها، وكانوا يجهلون الكتابة تمامًا ولا يتعاطون التجارة إلا قليلًا. وكانوا أقوياء البنية ذوي بأس وجلد، يميلون إلى الحرب والغزو والنهب، ويتنقلون من مكان إلى آخرَ يتبعهم نساؤُهُم وأولادهم في مركبات ضخمة، وكانوا يُجيدون ركوب الخيل ويعتنون بها عناية فائقة.

وكانت رومة قد جعلت من الرين والدانوب وما بينهما حدودًا فاصلة بينها وبين هذه القبائل، وحَصَّنَتْ هذه الحدود وأقامت عليها فرقًا تحميها، لكن هذا كله لم يمنع تسرُّب جماعات من الجرمان إلى داخل حدود الإمبراطورية. وأغوسطوس نفسه كان قد أذن لبعض هؤلاء بالبقاء داخل الحدود، وكان يوليوس قيصر مِنْ قَبْلِهِ قد أدخل الجرمان في خدمة الجيش، لا سيما فِرَق الخيالة. وكان قد أدى التقهقر الاقتصادي وقلة اليد العاملة إلى قبول بعض العناصر الجرمانية في المزارع الكبيرة، كما أدى ضعف الحكم عمومًا إلى التساهُل مع بعض القبائل الجرمانية تدخل برمتها البلاد ويستخدم رجالها في الجيش جنودًا مرتزقة.

وفي أوائل القرن الثالث بعد الميلاد كانت قبيلة الإفرنج لا تزال مُرابطة عند ضفاف الرين الأسفل، ووراءها إلى الشرق قبيلة السكسون السويفي فالفندال، وجميعها في شمال ألمانية، وكانت قبائل الألماني مرابطة بين الدانوب والرين الأعلى، وكانت قبائل القوط قد نزحت عن البلدان الاسكندنافية منذ نهاية القرن الثاني بعد الميلاد وحلت ضيوفًا ثقيلةً على الألاني والسرامطة في جنوب روسية، فأقام القوط الشرقيون بين نهري الدنيبر والدنيستر والقوط الغربيون في ما نسميه اليوم رومانية والمجر، وأدى ضعف الدولة الرومانية واضطراب أحوالها إلى تيقُّظ هذه القبائل واشتداد طمعها، فحاول بعضها قطع الحدود الرومانية فزادوا الإمبراطورية بعملهم هذا انهماكًا وتعبًا وتقهقرًا.

وفي ربيع السنة ٢٦٧ بعد الميلاد احتشد عددٌ غفيرٌ من القوط وغيرهم من قبائل الدانوب وجنوبي روسية عند مصب نهر الدنيستر، فأبحر بعضهم على متن بضعة آلاف مركب صغير واتجهوا جنوبًا ولحق بهم الباقون برًّا، ونزل بعض المبحرين منهم في بيثينية وتوغلوا في آسية الصغرى، وتابع الباقون سفرَهم البحري فدخلوا البوسفور وحاولوا اقتحام بيزنطة لكنهم لم يفلحوا، فاستأنفوا رحلتهم إلى بحر إيجه فغزوا ثيسالونيكية وكسندرية وسائر سواحل اليونان، وبلغ بعضُهُم إلى كريت ورودوس وقبرص، فتصدى لهم بروبوس حاكم مصر عند بامفيلية بما جمع من سُفُن رومانية ورَدَّهُم على أعقابهم، وفعل مثل هذا أُذينة العربي في آسية الصغرى. وهب الإمبراطور كلوديوس إلى محاربتهم في البلقان فسجل انتصارًا كبيرًا بالقُرب من نيش وقتل منهم خمسين ألفا وطارد الباقين عبر مقدونية، فهلك بعضُهُم بالطاعون ودخل الباقون في خدمة الجيش الروماني، ونال كلوديوس — بحق — لقب «قاهر القوط»،١٢ وتعددتْ هذه الهجمات البربرية وتعاقبتْ طوال هذا القرن.

الأفلاطونية الجديدة

وأدى تقهقُر رومة الداخلي إلى نزعات جديدة في الفكر، فدفعت الفوضى والحروب والأوبئة وما تبعها؛ بعضَ رجال الفكر إلى الابتعاد عن هذا العالم الفاني والتأمُّل في عالم أزلي ملؤُهُ الخير والجمال، فعكف عددٌ مِنْ رجال الفلسفة على فيثاغورس زاهدين ورعين مستوحين، قائلين بالسحر والعرافة، جاعلين مِنْ بعض حلقاتهم انتداءات سحرية، فظهرتْ فيثاغوريةٌ جديدةٌ قال بها فلاسفةٌ في الشرق والغرب معًا.

ودعا آخرون إلى أفلاطون ووجدوا في كتابه الطيماوس Timaeus قوتًا قامت به أنفسهم فانتعشتْ، فأكدوا قوله بالواحد الأوحد، وقالوا بالثنائية الأفلاطونية، ففرقوا بين النفس والجسد، وجعلوا مِنْ خيال أفلاطون في الحياة بعد الموت عقيدة، وتَقَبَّلُوا نظريته في الوسطاء بين الله والبشر Daimones، وأكدوا أن رائد الإنسان إنما هو أَنْ يَصيرَ مشابهًا لله، فظهرتْ أفلاطونيةٌ جديدةٌ كان لها شأنٌ كبيرٌ في عالم الفكر حتى أواخر القرن الخامس.١٣
وأول من اشتهر بالأفلاطونية الجديدة نومانيوس فيلسوف أبامية بين حماة والمعرة، ولا نعلم الشيءَ الكثيرَ مِن أخباره، ويجوز القول: إنه علم في النصف الثاني من القرن الثاني، وأن أَفلوطين اعتمد عليه — فيما يظهر — وكتب نومانيوس في «مذاهب أفلاطون السرية» فشرح ما جاء عن النفس في فيدروس وفي الجمهورية، واطلع على حكمة اليهود وتعاليم المسيخ فأَولها، ورأى في أفلاطون موسى فدعاهُ: موسى اليوناني، واعتبره نبيًّا. ورأى أن الوجود منقسم إلى مملكتين: مملكة العناية ومملكة المادة، وأن المادة أصل الشرور والمفاسد، وأنه ليس يليق أن نعزو صنع العالم إلى الإله الأعلى، وأن الابن هو الصانع الذي نَظَّمَ الكتلة المادية يتأمل النموذج تارة ويتحول عنه طورًا ليحرك الفلك، فيصير حينئذٍ النفس الكلية.١٤
وأشهر المؤسسين في هذا الحقل أفلوطين Plotinus، ولد في مصر في ليقوبوليس في السنة ٢٠٤ بعد الميلاد، وبدأ دروسه الفلسفية في سِنٍّ متقدمة في الثامنة والعشرين في مدينة الإسكندرية، ولكن ما لقيه في هذه الدروس خَيَّبَ أمله واعترف بذلك إلى أحد أصدقائه، فقَدَّمَه هذا فورًا إلى أمونيوس سكاس، فعادت رغبتُهُ إليه، وبعد أن قضى إحدى عشرةَ سنة في معية هذا المعلم علم أن الإمبراطور غورديانوس فتح أبواب هيكل يانوس في رومة ليعلن الحرب على ساسان، فصمم الفيلسوف الطالب على الالتحاق بهذه الحملة العسكرية ليسمع عن فلسفة الفرس والهنود، والتحق بجيش غورديانوس ووصل معه إلى الفُرات، ثم تمرد الجند واغتالوا الإمبراطور عند دورة، فعاد أفلوطين إلى أنطاكية (٢٤٤) وزار أبامية ليطلع عن كثب على فلسفة نومانيوس، ثم قام من أنطاكية إلى رومة وبدأ يعلم فيها، وتميز بسُمُو أخلاقه ونفاذ بصيرته فصادف نجاحًا، وأقبل على الأخذ عنه عدد من أفراد الأسر الممتازة.١٥
وكان قد قام في الإسكندرية في القرن الأول بعد الميلاد فيلون اليهودي وجمع بين الحكمة اليونانية والديانة الإسرائيلية، فاستند إلى نظرية أفلاطون في الكلمة فجعلها متوسطة بين الإله والعالم، وقال إن الإله هو سبب الكلمة وإن الكلمة هي علة الروح، وإن الروح تُحرك العالم بأسره وتشيع فيه حكمة الخالق، وكان أفلاطون قد فرق بين الخير الأعلى والعقل والنفس، وكان أرسطو قد جعل الإله عقلًا محضًا، وكان الرواقيون قد قالوا إن الله هو روح العالم. فأخذ فيلون من هؤلاء جميعًا وقال إن الواحد هو مبدأ كل شيء وإنه الأقنوم الأول، وإن العقل هو الأقنوم الثاني ولكنه دون الواحد في الكمال، وإن الأقنوم الثالث هو النفس. وقال: إن الواحد هو الخير الذي يفيض عنه الوجود من غير أن ينقصه هذا الفيض شيئًا، والوجود يفيض عنه لجوده كما تفيض الحرارة عن النار والنور عن الشمس، وقال: كما أن كل شيء يصدر عن الواحد فكذلك كل شيء يعود إليه، والنفس أيضًا تعود إلى خالقها عن طريق الرياضة والتأمل والاستغراق والغيبة عن الوجود.١٦
وأظهر تلاميذ أفلوطين بورفيريوس السوري (٢٣٣–٣٠٥)، ولد في البثينة من أعمال حوران وتعلم في صور، ثم درس الفلسفة على لونجينوس الحمصي في أثينة، فأعجب لونجينوس بشغفه بالعلم ومواهبه النادرة، وكان يُدعى مالكًا فأطلق عليه لونجينوس اسم «الأرجواني» بورفيريوس، وفي السنة ٢٦٣ قام إلى رومة فلزم أفلوطين فيها واتبع طريقته، وأعجب به أفلوطين، وكان المعلم يمقت البيان ويستثقل العناية بالجُمَل والألفاظ، وأدرك الحاجة إلى إعادة النظر فيما كتب، فوكل ذلك إلى تلميذه بورفيريوس، فقبل التلميذُ المهمةَ ولكنه لم ينفذ شيئًا منها إلا بعد وفاة معلمه وإلحاح طُلَّاب الفلسفة، فدوَّن حياة أُستاذه وجمع محاضراته في مجلداتٍ ستة عرفت ﺑ «الأقسام» Ennead التاسوعات وشَرَحها،١٧ ووضع «المدخل إلى المعقولات» آخذًا عن التاسوعات، و«المدخل إلى مقولات أرسطو»؛ أي كتاب الإيساغوجي، واشتهر بكتابه ضد النصرانية وجعله خمس عشرة رسالة، فانتقد نسب السيد كما جاء في متَّى، وادعى أن الأناجيل الأربعة متناقضةٌ وأن بطرس وبولس غير متفقين في رسائلهما، وهاله عبث المسيحيين بالتراث الثقافي الديني اليوناني.١٨
وقام في النصف الثاني من القرن الثالث في خلقيس «مجدل عنجر لبنان» يمبليخوس العيطوري يدعو إلى الأفلاطونية الجديدة ويُدافع عنها، وهو تلميذ بورفيريوس أخذ عنه في رومة ودرس الرياضيات على أناتوليوس، وعاد إلى بلاده يعلم في أبامية وفي مجدل عنجر، فقال بصدور الموجودات بعضها عن بعض، ورأى أن أفلوطين حين سمى الواحد الأوحد خيرًا بالذات فقد حبسه بصفة فوضع فوقه واحدًا غير معين ووضع بعده العالم المعقول، فأصبح لديه حدودٌ ثلاثة، وجعل العالم المعقول ثلاثة حدود أيضًا: العقل، والصانع، وبينهما القدرة الإلهية، وجعل للعالم الاستدلالي ثلاثة حدود أخرى: الاب والقوة والفهم.١٩
١  Licinius Crassus, Spartacus.
٢  Familia Rustica, Familia Urbana.
٣  Civis romanus.
٤  Imperium.
٥  Respublica.
٦  Dea Roma.
٧  Pontifex Maximus, Princeps Senatus.
٨  Camice.
٩  Senatus.
١٠  Restitutor Orbis.
١١  Maximianus Gordianus, Pubienus Maximus, Calius Balbinus, Philippus Arabs, Decius, Gallus, Aemilianus, Valerianus, Gallienus, Tetricus, Claudius, Aurelianus, Tacitus, Probus, Carus, Numerianus, Carinus, Diocletianus.
١٢  Gothicus Maximus.
١٣  Nock, A. D., Paganism in the Roman Empire, Cam. Anc. Hist. XII, 438ff.
١٤  الفلسفة اليونانية ليوسف كرم، ص٢٨٥-٢٨٦.
Leemans, E. A., Numenius (Collection of Fragments) Brussels, 1937.
١٥  Bibez, J., Lit. and Philosophy in the Eastern Half of the Empire, Cam. Anc. Hist. XII, 621ff.
١٦  من أفلاطون إلى ابن سينا، للدكتور جميل صليبا، ص٣٤-٣٥.
١٧  Henri, P., Enseignement de Plotin, Bull. Acad. Belge. Lettres. 1937, 310ff.
١٨  Bidez, J., Vie de Porphyre, Ghent, 1918.
١٩  Bidez, J., Jamblique et son Ecole, Rev. Etudes Grecques, 1919, 31ff.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤