الفصل الثالث والعشرون

النهوض بالدولة: قسطنطين السابع ورومانوس ليكابينوس

٩١٢–٩٥٩

قصور ووصاية (٩١٢–٩١٩)

وتُوُفي لاوون السادس الحكيم في الحادي عشر من أيار سنة ٩١٢، وكان منذ التاسع من حزيران سنة ٩١١ قد جعل للدولة ثلاثة أباطرة: لاوون وأخاه ألكسندروس وقسطنطين السابع الأرجواني المولد Porphyrogénitus، وكان قسطنطين لا يزال في السادسة من عمره، وكان عمه الإسكندر في الثانية والأربعين، وما إن تسلم مقاليدَ الوصاية والحُكم حتى طرد زوية من القصر وخلع أفثيميوس البطريرك، وأعاد نيقولاووس إلى الكرسي، فأنزل هذا كل من أيَّد زواج لاوون من رؤساء الأساقفة عن كراسيهم، فدخلت الكنيسةُ في نزاعٍ داخليٍّ جديدٍ، وامتنع عددٌ من رؤساء الأساقفة عن الاعتراف برئاسة نيقولاووس، وأشهر هؤلاء أريثاس متروبوليت قيصرية، ورفض ألكسندروس تنفيذ بعض شُرُوط المعاهدة التي أبرمها لاوون مع ملك البلغار، فأدى عملُهُ هذا إلى حربٍ بلغاريةٍ جديدةٍ، وتُوُفي في السادس من حزيران سنة ٩١٣ بعد أن أقام مجلس وصاية برئاسة البطريرك، فنشب نزاعٌ شديدٌ بين البطريرك رئيس مجلس الوصاية وزوية أم الفسيلفس القاصر، وقد دام سِتَّ سنوات (٩١٣–٩١٩).
وكان من الطبيعي جدًّا أن يستغل الموقف كُلُّ مَنْ سوَّلت له نفسه الملك، وحاول ذلك كلٌّ من قسطنطين دوقاس أولًا (٩١٣)، ولاوون فوقاس بعده (٩١٨-٩١٩) ولكنهما أَخْفَقَا، وشاءَ القدرُ أَنْ يكون رومانوس ليكابينوس قائدَ العمارة البحرية في البحر الأسود أكبرَ حظًّا من هذين العسكريين، فاحتل البلاط في آذار السنة ٩١٩ وطرد زوية ومن شدَّ أزرها، واستحوذ على شخص الفسيلفس الصغير، وأزوجه من ابنته هيلانة، وأَعْلَنَ نفسه Basileopator أبا الملك، وتقبل التاج قيصرًا في أيلول من السنة نفسها، وتوَّج زوجته وأشرك أولاده خريسطوفوروس وإسطفانوس وقسطنطين في الحكم معه، ثم أعلن نفسه فسيلفسًا في كانون الأول من السنة نفسها أيضًا،١ وعلى الرغم من أنه أبقى لصهره لقبه الفسيلفس؛ فإنه لم يسمح له بالخروج من البلاط.
وعقد نيقولاووس البطريرك المسكوني مجمعًا في تموز سنة ٩٢٠ مؤلفًا من أساقفة الشرق نيقولاويين وأفثيميين، وبعد مُراجعة قوانين الآباء حرَّم هذا المجمعُ مجمعَ السنة ٩٠٦، وأقر بالإجماع قرارًا واحدًا في أمر الزواج أَسْمَاهُ كتاب الاتحاد Tomus Unionis منع فيه الزيجة الرابعة منعًا قطعيًّا، وحرَّم على المتجاسر عليها الدخولَ إلى الكنيسة ما دام مصرًّا على غيِّه، واعتبره غريبًا عن الهيئة المسيحية، ونعت الزيجة الثالثة بالدناسة، ومنعها على الذين لهم أولاد، والذي يزيد عمرهم على الأربعين، ووضع المتزوجين الزيجة الثالثة تحت قصاص الابتعاد عن المناولة خمس سنوات.

الحرب البلغارية

وكان تشامخ الفسيلفس الإسكندر قد أدَّى إلى اندلاع نار الحرب ثانيةً بين الروم والبلغار، فاستغل سمعان ملك البلغار هذه القلاقل الداخلية وظهر بجيوشه أمام أسوار القسطنطينية في صيف السنة ٩١٣، وفي السنة ٩١٤ استولى على أندرينوبل، وسحق في السنة ٩١٧ جيشًا بيزنطيًّا بالقرب من أنخيالوس، فاضطر البطريرك نيقولاووس الوصي أن يستعطف الملك البلغاري تارة، ويتهدده تارة أخرى، وعبثًا حاول ساسة الروم إلهاء سمعان باستهواء البتشناغ الأتراك الذين كانوا قد احتلوا ما وقع بين الدانوب والدنيبر، وباسترضاء القبائل الصربية وزجها في ميدان القتال. واستولى سمعان على جميع تراقية وكل مقدونية، ولم يبقَ أمامه سوى اقتحام القسطنطينية نفسها، فجاءَها محاصرًا في السنة ٩٢٤، وطاف به جنوده إزاء أسوار العاصمة محيينه تارة بالفسيلفس وطورًا بإمبراطور البلغار والروم، وآثر هو المفاوضةَ على العنف، فطلب مقابلة الفسيلفس رومانوس، فقبل رومانوس والتجأ إلى كنيسة العذراء مصليًا متضرعًا، ثم لفَّ صدره برداء العذراء العجائبي Maphorion وخرج إلى مقابلة خصمه، فكلَّمه كلامًا مؤثرًا، وكان سمعان قد استنجد المسلمين فلم يُلَبُّوا الطلب، ولم يكن لديه ما يحاصر به العاصمة من البحر فاتعظ وفاوض في أمر الصلح،٢ فكان هذا بدء تقهقر الإمبراطورية البلغارية.٣

وكان لسمعان أن استحصل من رومة على لقب الإمبراطور وأن رقى رئيس كنيسته إلى رتبة بطريرك، فمثل حبر رومة في البلقان الدور نفسه الذي كان قد مثله سلفُهُ عندما جعل من كارلوس الكبير إمبراطورًا في الغرب، فمهَّد بعمله هذا إلى انشقاق الكنيسة الأُم إلى كنيستين — كما سنرى.

وكان سمعان يحب العلم والعلماء، فأحاط نفسه بهم ونقل إلى البلغارية أفضل مصنفات الروم: تآليف باسيليوس، واثناسيوس، ويوحنا الدمشقي، وخرونيقون ملالاس، وجمع هو بنفسه مختارات شائقة من مواعظ يوحنا الذهبي الفم وأقواله.

وتُوُفي سمعان في السنة ٩٢٧ وخلفه ابن بطرس الصغير، وتولى الوصاية على الملك الطفل جاورجيوس سرسبول، فاستغل الروم الموقف فأعادوا إمارة الصرب إلى الوجود وشملوها برعايتهم وحمايتهم، وهدد المجر الحد الشمالي، وشق بعض أمراء الإقطاع عصا الطاعة، فاضطر سرسبول أن يفاوض الروم في الوصول إلى سِلْم دائم، ووَقَّعَ في السنة ٩٢٧ معاهدةً مع رومانوس الأول، وأَهَمُّ شُرُوطُ هذه المعاهدة أن الروم أبقوا للبلغار كل ما ضمه سمعان حتى جبال الرودوب، واعترفوا لبطرس بلقب فسيلفس، كما أقروا للكنيسة البلغارية كيانًا مستقلًّا استقلالًا محليًّا، وأزوجوا بطرس من مريم حفيدة رومانوس الأول، فأصبح بطرس «ابن الفسيلفس العزيز» وحليفه، ودامت هذه الصداقة طوال عهد بطرس (٩٢٧–٩٦٨)، وعظم شأنُ الروم في بلغارية واكتسحوا الموقف اكتساحًا.٤

رومانوس الأول والعرب (٩٢٠–٩٤٤)

وكان الخلفاء العباسيون لا يزالون مغلوبين على أمرهم لقلة طاعة الجُند، ولشدة نفوذ الخدم، ولدسائس أمهات الأمراء ووشاياتهن ومؤامراتهن، ولشغب الجند على القادة وتنازع هؤلاء السيادة، وكان أن شعر الولاة بضعف الخلفاء، فانصرفوا إلى جَمْع المال وحبسوا رزق العمال عن أصحابه، فعمد الخلفاء إلى اغتيال الوُلاة، فكثر العصيان، واضطربت الأحوال، وفُقد الأمن، وقامت الثورات، ولم يتمكن الخلفاءُ من استغلال ظُرُوف الروم في البَلقان في أثناء حروبهم ضد سمعان والبلغاريين.

وقُبيل انتهاء الحرب البلغارية أحرز الرومُ نصرًا كبيرًا في البحر؛ فإنهم حَطَّمُوا في السنة ٩٢٤ عمارة لاوون الطرابلسي في مياه لمنوس، ونجا لاوون نفسه بأعجوبة،٥ وما إنْ وضعت الحربُ البلغاريةُ أَوْزَارَها في السنة ٩٢٧ حتى بادر الرومُ إلى الهجوم، وهب غرغون القائد Jean Courcouas إلى القتال في آسية الصغرى فأحرز انتصارات متتالية (٩٢٢–٩٤٤)، وتمكن من جعل دجلة والفرات الحد الفاصل بين الدولتين بدلًا من الهاليس، ونفخ في الجُنُود روحًا جديدة، فاستحق بذلك كله إعجابَ المعاصرين، وعاونه في هذه الحروب عددٌ من كِبار الضباط قُدِّر لهم فيما بعد أن يُتابعوا هذا العمل الحربيَّ وأن ينتصروا هم أيضًا كما انتصر غرغون نفسه. وأشهر هؤلاء ثيوفيلوس بن غرغون، وبرداس فوقاس وابناه نيقيفوروس ولاوون. ففي السنة ٩٢٨ احتل الرومُ أرضروم وأخرجوا العرب من أرمينية، وفي السنة ٩٣٤ استولوا على ملاطية، ثم ناوأهم سيفُ الدولة صاحبُ الموصل، وتَمَكَّنَ من إيقاف تَقَدُّمِهم، ولكنهم عادوا إلى الهجوم بين السنة ٩٤١ والسنة ٩٤٢، فاحتلوا دارا ونصيبين وميافارقين وقاربوا حلب.
وفي السنة ٩٤٤ توَّج غرغون انتصاراته بأن نقل بموكب فخم «منديل السيد» — الذي كان قد احتفظ به أبجر الملك — من الرها إلى القسطنطينية،٦ وأُعجب رومانوس بهذا كله فاعترف بفضل غرغون، وأحب أن يربط أُسرة هذا القائد الفاتح بأسرته المالكة، فقاومه أبناؤه وأبعدوا غرغون وأذَّلوه.

قسطنطين السابع (٩٤٥–٩٥٩)

وكان عظماءُ العاصمة لا يزالون يَدينون بالولاء للأُسرة المقدونية، وكان رومانوس لا يزال باخسًا قسطنطين حَقَّهُ في المُلك، وكان قد زاد تطاولُهُ فنصَب ابنه ثيوفيلكتوس بطريركًا على الرغم من حداثة سنه، فكرهه الزعماء واستغلوا موقفَ أبنائه منه في حادث غرغون، فحركوا ابن رومانوس الأصغر إسطفانوس، فقام على والده وطرده من القصر ونفاه إلى الجزيرة بروتي من جزائر الأمراء وأَكْرَهَهُ على قَبُول النذر وحبسه في دير هناك في التاسع عشر من كانون الأول سنة ٩٤٤ وتسلم أَزِمَّةَ الحُكم بالاشتراك مع أخيه وصهره، وإذ لم يتفقوا اتحد الأخوان ضد الصهر، وعلمت أختهما هيلانة بما يجري فأخبرتْ زوجها قسطنطين بذلك، فألقى القبض على الأخوين، ونفاهما في السابع والعشرين من كانون الثاني سنة ٩٤٥ وأكرههما على قبول النذر.٧
وكان قسطنطين السابع قد قضى خمسًا وعشرين سنة في عُزلة عن الحُكم وعن الناس، منهمكًا في المطالعة والدرس، محبًّا للعلم والعلماء، مشتغلًا في التصوير والنحت، باحثًا منقبًا عن تاريخ الروم وآثارهم، فلما رقي العرش في الثامنة والثلاثين من عمره آثر متابعة دروسه وأبحاثه على الحُكم والإدارة، فتسلمت زوجته أَزِمَّةَ الحكم بيدها، يعاونها في ذلك باسيليوس بن رومانوس غير الشرعي، وعلى الرغم من عدم تَعَمُّق قسطنطين في أبحاثه؛ نظرًا لكثرتها وتَنَوُّعها، فإنه خدم العلم في أنه شوَّق الناس إليه في عصره، فكان شغفُهُ بالعلم مِنْ أبرز أسبابِ اليقظة العلمية في القرن العاشر، وفي أنه خلَّف لنا مراجعَ لتفهم عصره،٨ فرسالتُهُ في الثيمات هي سجلٌّ كاملٌ للولايات وحدودها وسكانها ومواردها، وكتابُهُ في إدارة الإمبراطورية يشتمل على أشياء وأشياء عن الدول والشعوب المجاورة، وأطول مؤلفاته وأغزرها مادةً كتابُهُ في التشريفات، وقد وصف فيه سلطة الفسيلفس الرسمية وواجباتها وحقوقها، كما أَبَانَ كيفية تنظيم الاحتفالات الرسمية وإدارة القصر وغير ذلك. وإليك عناوين هذه المؤلفات كما جاءَت باللاتينية:
De Thematibus, De Ceremoniis aulae Bizantinae, De Administrado Imperio.

قسطنطين وسيف الدولة

ولم يقع أي تمزيق جديد في جسم الدولة العباسية في أيام المعتضد (٨٩٢–٩٠٢)، والمكتفي (٩٠٢–٩٠٨)، وفي عهد المقتدر (٩٠٨–٩٣٢) عادت الدولة إلى ما كانت عليه من التفكُّك، ثم أضاع القاهر (٩٣٢–٩٣٤) والراضي (٩٣٤–٩٤٠) والمتقي (٩٤٠–٩٤٤) والمستكفي (٩٤٤–٩٤٦) آخِرَ ولاياتهم، فاضمحلتْ بذلك سُلطةُ الخليفة الزمنية بكاملها، وكان بين الطامعين في المُلك والسلطان في أثناء هذا الانحلال بعضُ القبائل البدوية العربية، ولعل أشهر هؤلاء بنو تغلب؛ فإن كبيرهم الأمير عبد الله بن حمدان تمكن في السنة ٩٠٥ في عهد المكتفي من انتزاع حاكمية الموصل من يد الخليفة، وتمكن ولداه حسن وعلي في السنة ٩٤٢ من انتزاع اللقبين ناصر الدولة للأول وسيف الدولة للثاني، وتغلغل سيف الدولة في البلاد حتى شمال سورية الشرقي في السنة ٩٣٧، وفي السنة ٩٤٤ دخل حلب وأسس فيها دولة دامت حتى السنة ١٠٠٣، وبقي ناصر الدولة في الموصل يُسَكِّن الفتن في بغداد بينما هَبَّ سيف الدولة يمتشق حسام الإسلام في وجه الروم، وما فتئ كذلك حتى أدركته المنية في السنة ٩٦٧.

ولما استقر سيف الدولة في حلب وجعلها عاصمةً لملكه وقاعدةً لأعماله الحربية؛ تحول القتال الرئيسي بين الروم والعرب من جبهة أرمينية إلى خط قتال جديد امتد من قيليقية حتى ديار بكر، وكانت الحدود بين الدولتين تبدأ من نقطة مجهولة على الفرات فوق سميساط، فتمر بين حصن منصور وزبطرة وفوق الحدث ومرعش متبعة سلسلتَي جبال طوروس حتى أبواب قيليقية واللامس أو الليموس، وتبدأ من النقطة نفسها على الفُرات فتتجه شمالًا إلى شرقي سميساط فأرمينية.

وكانت المبادرةُ في الحروب بين الروم والعرب قد أفلتت من يد العرب؛ نظرًا لِمَا كان قد حلَّ بالخلافة من انحلال ومصائب، وكان الدافعُ لمحاربة الروم قد أصبح واحدًا من اثنين أو الاثنين معًا: إما القيام بواجبِ الجهاد، أو إِحراز الغنائم، ولم تكن حُروبُ القرن العاشر حروبَ فَتْح كتلك التي قام بها الأُمويون والعباسيون المؤسسون، وأصبح موقفُ العرب دفاعيًّا أكثر بكثير منه هجوميًّا، ونيط الدفاع بحُكَّام الحُدُود، وانتقلت المبادرة في هذه الحروب إلى الروم، وأصبحتْ هجومية أكثر منها دفاعية، وقد رأينا الأسرة المقدونية تبدأ بأعمالٍ تمهيديةٍ، فتضرب البولسيين حلفاء العرب في تفريقية ضربةً قاضيةً، ثم تعترف بأَشوت البغرتوني ملك الأرمن وتحالفه، ثم تبدأ هجومها في عهد رومانوس ليكابينوس — كما سبق أن ذكرنا.

ويَرَى رجالُ الاختصاص أن انتصار الروم على العرب في القرن العاشر لم يكن نتيجة ضعف العباسيين فحسب، بل إنه تَأَتَّى عن تجددٍ عند الروم وتيقظٍ وتنشطٍ، وأن هؤلاء وإن اختلفوا في العنصر فقد اتحدوا في إيمانٍ واحدٍ، وفي المفاخرة بأمجادٍ ماضيةٍ، وشعروا بوجوب إعادةِ النظر في أَنْظِمَتِهِم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبوجوب إِتْقَان الجيش وتكميله؛ ليأتي بالفائدة المطلوبة، فالرومُ في القرن العاشر — في نظر هؤلاء — كانوا في يقظةٍ ونشاطٍ لا في غفلةٍ وانقسامٍ.٩
وأثقل الحمدانيون كاهل العشائر الضاربة في الجزيرة التابعة لحكمهم بالضرائب، وبين هؤلاء بنو حبيب، وكان بنو حبيب تغالبةٌ أيضًا، فشق عليهم الأمر، فانقبضوا ثم خرجوا للقتال، فجرد عليهم ناصر الدولة في السنة ٩٣٥ فقهرهم، فعوَّلوا على الرحيل، فقاموا عشرة آلاف فارس بنسائهم وأولادهم وعبيدهم وقطعوا الحُدُود والتجئوا إلى الروم وتَنَصَّرُوا، وحذا حذوهم غيرُهُم مِنْ عَشَائِرِ الجزيرة، فتوترت العلاقات بين الروم وبين الحمدانيين،١٠ وبدأ سيف الدولة غزواته في أرض الروم، فكان يقوم بها كلما شعر بهدوءٍ واستقرارٍ داخليٍّ، واشتهر في بغداد بالغازي.
وفي السنة ٩٣٨ سجل سيف الدولة انتصارَه الأول أمام حصن زياد، فدخله عَنْوَةً، ثم خرج منه يقاتلُ جيشًا كبيرًا أَنْفَذَهُ الرومُ عليه، وأدركه الروم بين حصن زياد وحصن سلام، واقتتل الطرفان فدارت الدائرةُ — فيما يظهر — على الروم وتَغَنَّى أبو فراس بالنصر، وفي السنة ٩٣٩ أنفذ الرومُ حملة عسكرية إلى القوقاس لتأديب الكرج «الإيبريين» الذين كانوا قد امتنعوا مرارًا عن غزو الأراضي العربية على الرغم من كونهم أرثوذكسيين يدينون بدين الفسيلفس، فاستنجد الكرج الحمدانيين، فهبَّ سيف الدولة لمعونتهم وأجلى الروم عن بلادهم، وفي الربيع التالي سنة ٩٤٠ دخل إلى ثيمة خلدية، واستولى على عدد من الحُصُون والمُدُن فيها، ثم قام إلى كولونية وحاصرها،١١ فأصبح زعيم الجهاد الأكبر في الأقطار الإسلامية وعدو النصرانية عند الروم.

وشغلت سيف الدولة ما بين السنة ٩٤٠ والسنة ٩٤٤ مشاغلُ في عاصمة الخلافة كان محورها السلطة العليا، فأصبح أمير طرسوس عدو الروم الأوحد، فَانْقَضُّوا عليه في خريف السنة ٩٤٠ ووصلوا إلى منطقة كفرتوتة، ثم شغلوا في أوروبة فتراجعوا، وعادوا في مطلع السنة ٩٤٢ فانطلقوا في سُهُول قيليقية حتى حدود سورية فأسروا خمسة عشر ألف أسير، وفي خريف هذه السنة نفسها انقض غرغون على مقاطعة ديار بكر فاستولى على ميافارقين وغيرها — كما سبق وأشرنا — وكان ما كان من أمر المنديل.

وفي السنة ٩٤٤ دخل سيفُ الدولة حلب وحمص، وانتزعهما من يد الإخشيديين، فانطلق الرومُ في منطقة مرعش ومنطقة بغراس حتى أبواب أنطاكية، فردَّ سيفُ الدول بإغارة في منطقة عرابسوس، ودخل سيف الدولة في ربيع السنة ٩٤٥ في نزاع مع الإخشيديين فلم يستغل قسطنطين السابع هذا الظرفَ، وجاءَت السنةُ ٩٤٦ فتبادل الخصمان الأسرى عند لامس سلفكية، وفي ربيع السنة ٩٤٨ خرج الروم من ملاطية وسميساط واتجهوا نحو الجزيرة ليستولوا على ممر الحدث: مرعش، فصمد سيف الدولة في وجههم في معركة جلباط الوارد ذكرها في إحدى قصائد أبي فراس، وفي الربيع التالي ٩٤٩ ظهر لاوون بن فوقاس أمام الحدث محاصرًا، فدخلها عنوةً ودك حصونها،١٢ واستولى الروم في هذه السنة عينها على مرعش وقاتلوا عند أسوار طرسوس، وحملوا على جزيرة أقريطش ولكن دون جدوى،١٣ وفي ربيع السنة ٩٥٠ قام سيف الدولة إلى الجزيرة يتفقد شئونها، وأناب عنه في الحُكم في حلب ابن عمه محمد بن ناصر الدولة، فَانْقَضَّ لاوون بن فوقاس على شمالي سورية حتى مداخل أنطاكية، وحاصر بوقة في سهل العُمق، فهَبَّ محمدٌ لقتاله ولكنه فشل فشلًا ذريعًا. وأرسل قسطنطين السابع وفدًا يُفاوض في التهادُن، فمثل الوفد أمام سيف الدولة في آمد، وكاد الاتفاقُ يتم ولكن مروان القرمطي قتل أحد أعضاء الوفد، وأسرع سيف الدولة يعتذر ويُظهر استعداده للتعويض، ولكن قسطنطين أصر على تسيلم القاتل، فأبى سيفُ الدولة وانقطعت المفاوضات.١٤
وعاد سيف الدولة إلى حلب يستعد للقتال، فجمع ثلاثين ألف مقاتل واصطحب ثلاثة من الشعراء: المتنبي وأبا فراس وأبا زهير المهلهل، وقام في أواخر آب أو أوائل أيلول من السنة ٩٥٠ إلى مرعش فانضم إليه أربعةُ آلاف مقاتل من طرسوس، ثم نهض بجُمُوعه عن طريق ملاطية (قيصرية) فاحتل صارخة وقتل وسبى وأحرق، وأراد العودة إلى حلب نظرًا لحلول فصل الشتاء فعبر الهاليس واتجه جنوبًا، ثم علم أن لاوون بن فوقاس قد حشد جيشه في منطقة خَرشَنة Charsianon، فأوقف السير وعاد بنخبة من جنوده فعبر الهاليس وأنزل بالروم خسارة كبيرة، ثم اتجه نحو الجنوب.
ولمَّ الروم شعثهم ونظموا صفوهم وأسرعوا إلى جبال طوروس يكمنون لسيف الدولة، واستقروا في درب الجوزات بين الإلبستان والحدث، ومرت طلائع سيف الدولة ولم يحرِّك الروم ساكنًا، ثم أقبل سيف الدولة فوجد الممر مسدودًا مقطوعًا، فأمطره الروم حجارةً وصخورًا وسهامًا، فسقط عددٌ كبيرٌ من رجاله وأُسِرَ غيرُهُم، وتمكن سيف الدولة من اجتياز هذا الممر والوصول إلى أعلى الجبل، ولحق به الروم فأرهقوه وحملوه على ما لا يطيق، وكان عليه أن يمر بعقبة الشير فسبقه الرومُ إليها وقطعوها عليه، فاضطر أن يسلك طريقًا وعرة للغاية مستعينًا على ذلك بالأدلاء، فأدركه الرومُ وأرهقوه، وتفرَّق عنه رجالُهُ، ولم يبقَ معه مَن يستطيع القتال المنظم، فقتل الأسرى وأخرق الأمتعة وفرَّ هاربًا نحو حلب، فعُرفت هذه الحرب «بغزوة المصيبة»،١٥ وعاد سيفُ الدولة لأخذ الثأر في السنة ٩٥١، فدخل قبدوقية ليخرج منها مدحورًا، ثم قام قادةُ الروم بغزواتٍ متتاليةٍ بين السنة ٩٥٢ والسنة ٩٥٨ في قيليقية والجزيرة، انتصروا فيها وانخذلوا.١٦
وفي السنة ٩٥٨ بَدَتْ علاماتُ الضعف في مقاومة سيف الدولة، وتسلم قيادة الروم يوحنا شمشيق Jean Tzimisces فأحرز انتصاراتٍ متتاليةً في الجزيرة العُليا واحتلَّ أكثر مُدُنها، ثم حاصر سميساط على الفُرات وأنزل بسيف الدولة سلسلةً من الهزائم، وبعد السنة ٩٦٠ أضاف الرومُ إلى ملكهم كل ما وقع شرقي الفُرات، جاعلين من هذه المناطق ثيمة الجزيرة.١٧

احتلال أقريطش (٩٦٠-٩٦١)

وكان لقسطنطين السابع ولدٌ اسمه رومانوس، تزوج وهو ابن سبع عشرة سنة بابنةٍ اسمها ثيوفانو، وكانت ثيوفانو مِنْ أصلٍ وضيعٍ، ولكنها ذاتُ جمالٍ متناهٍ، وكانت تكره العيشة بين حماتها وبنات حميها، فأوعزت إلى زوجها رومانوس فدَسَّ السم لوالدة قسطنطين، وشرب منه جرعة، فلم يَعِشْ إلا سنة واحدة، ومات في السنة ٩٥٩، وكان رومانوس الثاني منصبًّا على الشهوات والملاهي، وكانت ثيوفانو تحب السلطة، فاتكل زوجها عليها وعلى رجل اسمه يوسف إبرينكاس Joseph Bringas.
ولمس إبرينكاس وقادة الجيش ضعفَ العرب، فرأوا الظرف ملائمًا لإرجاع أقريطش إلى حوزة الروم، فأعد نيقيفوروس فوقاس أسطولًا عظيمًا مؤلفًا من ألفي بارجة وألف وثلاثمائة نقالة، وقام بهذه القوة الكبيرة إلى أقريطش وحاصر مدينة الخندق، فهرع صاحبها عبد العزيز القطربي يستنجد المسلمين شرقًا وغربًا ولكن دون جدوى؛ فإن القليل الذي جاءَه من طرسوس ومن أفريقية حَطَّمَه الروم قبل وصوله إليه، واقتحم نيقيفوروس الخندق ودخلها عَنْوَةً في السابع من آذار سنة ٩٦١، ثم استولى على الجزيرة بأسرها،١٨ ونقل إليها جاليات يونانية وأرمنية، واستدعى نيقن مطانويتا؛ أي صاحب التوبة، القديس المبشِّر، ليكرز فيها بين سكانها المسلمين،١٩ وبسقوط أقريطش بيد الروم بَعُدَ شبح القرصنة والإغارات المفاجئة وتَهَيَّأَ للروم مركزٌ تجاريٌّ هامٌّ، وعادت سيادةُ البحر إليهم، فتَمَكَّنَ نيقيفوروس من القول بعد قليل: «إن القوة في البحر هي لي وحدي.»٢٠

مغارة الكحل (٩٦٠)

وظنَّ سيف الدولة أن حملة الروم على أقريطش أنقصت مقدرتهم على الحرب في بر الأناضول، فجهَّز ثلاثين ألفًا وقام بهم إلى خرشنة داخل حدود الروم، وأسرع لاوون فوقاس أخو نيقيفوروس إلى تلال طوروس يسد عليه طريق العودة، فكمن له في ممر جبلي أسماه العرب مغارة الكحل وأطلق عليه الروم اسم أنذراسوس Andrasus فهزمه فيه هزيمة شنعاء في الثامن من تشرين الثاني سنة ٩٦٠، وعظمتْ غنائمُ لاوون؛ فإنه أسر في هذه المعركة عددًا كبيرًا من العرب، وأطلق سراحَ جميع مَن كان قد وقع في الأسر من الروم.٢١

عين زربا وحلب (٩٦٢)

ورأى نيقيفوروس أن يستغل الكارثة التي حلت بسيف الدولة فيفتتح قيليقية أكبر المعاقل البحرية الإسلامية بعد أقريطش وأقرب الطرق إلى سورية، فجَالَ جولةً موفقة فيها في مطلع السنة ٩٦٢، واستولى في اثنين وعشرين يومًا على خمسين بلدةً أو حصنًا، وعاد في أول الصوم الكبير إلى قبدوقية، وفي خريف هذه السنة نفسها أَعَادَ الكَرَّةَ فافتتح عين زربا مفتاح سورية، ولم يقوَ سيف الدولة على الصمود في وجهه في ممرات الأمانوس، فتدفقت جيوشُ نيقيفوروس إلى سهول سورية حتى منبج على الفرات، ثم حاصر نيقيفوروس حلب أحد شعر يومًا (٢٠–٣١ كانون الأول سنة ٩٦٢) فاقتحم سورها واحتل البلدة، ولكنه لم يَقْوَ على القلعة، وعاد إلى القسطنطينية بغنائمَ عظيمة مالًا ورجالًا،٢٢ وعلم بوفاة رومانوس الثاني وهو في طريقه إلى العاصمة.
١  Runciman, S., Emperor Romanus I, Lecapenus, London, 1929; Diehl, C., Figures Byzantines, I, 208–215.
٢  Theophanes Continuatus, 380, 389-390, 405–408; Runciman, S., First Bulgarian Emp., 168ff.
٣  Diehl et Marçais, Monde Oriental, 450.
٤  Runciman, S., Romanus Lecapenus, 100.
٥  Theophanes Continuatus, 405.
٦  Theophanes, Op. Cit., 427.
٧  Liudprand, Antapodosis, V, 21; Bréhier, L., Byzance, 176–178.
٨  Liudprand, Antapodosis, III, 37; Theophanes Cont., 465–471; De Administrando Imperio, 9, 172-173; Rambaud, A., Emp. Grec, 77-78.
٩  Gelzer, H., Genesis der Byzantinischen Themenverfassung, 8; Canard, M., Dynastie des Hamdanides, I, 718-719.
١٠  اطلب ابن حوقل، فصله عن الجزيرة.
١١  Canard, M., Dynastie des Hamdanides, I, 741–747.
١٢  Cedrenus, G., Historiarum Compendium, II, 336.
١٣  Vasiliev, A. A., Byz. Et les Arabes, II, 285ff.
١٤  كمال الدين ابن العميد، زبدة الحلب في تاريخ حلب، في مجموعة كنار، ص٣٩٧.
١٥  Canard, M., Dynastie des Hamd. I, 702–770; Vasiliev, A. A., Byz. et les Arabes, II, 286–290.
١٦  Canard, M., Op. Cit., I, 770–783.
١٧  Philipson, A. E., Byzantinische Reich als Geographische Ercheinung, 173.
١٨  Schlumberger, G., Nicéphore Phocas, 37–114.
١٩  البطريرك مكسيموس، أخبار القديسين، ج١، ص٤٣٠–٤٣٤.
٢٠  Léon Diacre, 28-29.
٢١  Canard, M., Op. Cit., I, 800–803.
٢٢  Canard, M., Op. Cit., I, 805–817; Bréhier, L., Byz., Vie et Mort, 190-191.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤