الفصل الأول

منظمة «المائة الحُمر»

ليس من حقك ولا من حقي أن نحكم على مانفريد وأعماله. أقول «مانفريد»، مع أني كان من الممكن أيضًا أن أقول «جونزاليس»، أو في هذا الصدد «بويكارت»؛ إذ إنهم مذنبون أو عظماء بالقدر نفسِه على ضوء رؤيتك لأفعالهم. من شأن أكثرنا خروجًا عن القانون أن يتردد في الدفاع عنهم، لكن لا يُمكن لأعظمنا إنسانيةً أن يُدينهم.

من وجهة نظرنا، نحن الذين نعيش في ظل القانون، ونُمارس شئوننا بما يتوافق مع القوانين، ونلتزم بالمضي بلا نقاش يسارًا أو يمينًا حسبما تُوجهنا الشرطة — كانت وسائلهم مريعة، وبلا مبرر، ومثيرة للاشمئزاز.

لا يُؤثر كثيرًا على المسألة أننا ندعوهم مجرمين؛ إذ لا توجد كلمة أفضل من ذلك. فمن شأن ذلك أن يكون إجماع البشرية، لكني أظن — بل أعرف — أنهم لا يُبالون بآراء الجنس البشري. أشك كثيرًا في أنهم توقَّعوا من الأجيال القادمة أن تُكرمهم.

كان الإجراء الذي اتخذوه تجاه وزير الحكومة هو القتل، ببساطة شديدة. ومع ذلك، على ضوء المشكلات الإنسانية الكبيرة المتعلقة بالأمر، من الذي سيصف هذا الإجراء بأنه شرير؟

بصراحة، ما أقوله عن الرجال الثلاثة الذين قتلوا السير فيليب رامون، والذين قتلوا بلا رحمة باسم العدالة، هو أنني متعاطف معهم. توجد جرائمُ بلا عقوبة كافية لها، وتوجد أفعال مُجَرَّمة لا تستطيع آلية القانون المكتوب أن تمحوَها. وهنا يكمن مبرر «رجال العدالة الأربعة» أو «مجلس العدالة»؛ إذ صاروا يُطلقون على أنفسهم حاليًّا مجلسًا من أشخاص ذوي عقليات عظيمة، وبلا أحاسيس.

ولم يمضِ وقت طويل بعد وفاة السير فيليب، وبينما كانت أصداء ذلك العمل البطولي ما زالت تتردد في إنجلترا، حتى قاموا بإجراء أو مجموعة من الإجراءات التي لم تنَل نوعًا من القَبول غير الرسمي من حكومة بريطانيا العظمى فحسب، وإنما من حكومات أوروبا، وتحققت رغبة فالموث. ففي هذه المرة شنوا حربًا على مجرمي حرب كبار؛ استنفروا قوتهم، ودهاءهم، وعقولهم الرائعة في مواجهة أقوى منظمة سرية، في مواجهة خبراء قدامى في فنون الشر، وعقول تُضاهيهم ذكاءً.

كان يومًا مشهودًا من أيام منظمة المائة الحمر. كان المجلس الدولي العجيب مجتمِعًا في لندن، وكان أولَ مجلس كبير للأناركية (اللاسلطوية) المعترَفِ بها. لم يكن اجتماعًا في الخفاء لرجال متعجلين يتكلمون خِلْسة، وإنما كان اجتماعًا علنيًّا وبلا خوف في وجود ثلاثة من رجال الشرطة معيَّنين خِصِّيصى لأداء مهمَّة خارجَ القاعة، وحاجب ليأخذ التذاكر عند البَهْو الخارجي، وكاتب اختزال لديه إلمامٌ باللغتَين الفَرنسية واليديشية ليُسجل ملاحظاتٍ بأبرز ما يُقال.

كان المجلس العجيب حقيقة واقعة. عندما طُرِح أمره في السابق ضحك أناسٌ من الفكرة؛ وكان منهم نيلوف من فيتبسك؛ لأنه لم يظنَّ أن تلك العلنية كانت ممكنة. لكن بيتر الصغير (كان له اسم سخيف هو كونوبلانيكوفا، وكان مراسلًا في الشئون المتعلقة بما يُسمَّى «روسكوي زنامزا») — بيتر الصغير هذا، الذي كان قد فكر في الأمر برُمَّته، وكان صاحب فكرة حشد مؤتمر لمنظمة المائة الحمر في لندن، واستأجر القاعة وأصدر الفواتير (التي كانت تحمل في الزاوية اليُسرى العليا مثلث منظمة «المائة» المقلوب) طالبًا من أولئك الروس في لندن المهتمين ببناء مقرِّ البحَّارة الروس أن يتقدموا للحصول على التذاكر، وهو أيضًا من وفر قاعة كان التشويش فيها مستحيلًا — كان سعيدًا؛ أجل، أيها الإخوة الصغار، كان يومًا عظيمًا لبيتر.

قال بيتر الصغير بحماس: «يُمكنك دومًا أن تخدع الشرطة. ادعُ إلى اجتماع بهدف خيري وهكذا يتحقق الأمر!»

كتب المفتش فالموث إلى مساعد مفوض الشرطة:

وصلتني رسالة سيادتكم. الاجتماع الذي سيُعقَد الليلة في قاعة فينكس، بشارع ميدلسكس، إي، بهدف جمع تمويلات لمقرِّ البحَّارة الروس، هو، بالطبع، أول مجلس دولي لمنظمة المائة الحمر. لن أتمكَّن من إدخال رجل إلى الداخل، ولكن لا أظن ذلك مهمًّا للغاية؛ لأن الاجتماع سينشغل بإلقاء المجتمعين الزهور أحدهم على الآخر ولن يبدأ العمل الجدِّي حتى اجتماع اللجنة الداخلية. مُرْفَق طيَّه قائمة بالرجال الذين وصلوا بالفعل إلى لندن، وأتشرف بأن أطلب أن تُرسل لي صورًا للرجال المذكورين أدناه.

كان يوجد ثلاثة مبعوثين من بادن، السيد شميدت من فرايبورج، والسيد بلومو من كارلسروه، والسيد فون دونوب من منهايم. لم يكونوا شخصياتٍ ذاتَ حيثية، حتى في أعين عالم الأناركية؛ لم يكن بهم ما يَلفت الانتباهَ على نحو خاص؛ لذا بات الأمر الغريب الذي حدث لهم ليلة انعقاد المجلس جديرًا تمامًا بالملاحظة.

كان السيد شميدت قد غادر النُّزُل الذي كان مقيمًا فيه في بلومزبري، وكان يمضي مسرعًا جهة الشرق. كانت أمسية في أواخر الخريف وكان مطر بارد يتساقط، وكان السيد شميدت يُناقش في عقله ما إذا كان ينبغي أن يتَّجه مباشرة إلى مكان اللقاء حيث كان قد وعد بلقاء مواطنَيه، أو ينبغي أن يطلب سيارة أجرة ويتجه مباشرة بالسيارة إلى القاعة، عندما أمسكَت يدٌ بذراعه.

استدار بسرعة ووضع يده في جيبه. وقف رجلان خلفه ولكن الميدان الذي يعبره بدا لهما خاليًا.

قبل أن يتمكَّن من الإمساك بمسدسه من نوع براونينج، قبض أحدهم على ذراعه الأخرى وتكلم أطولُ الرجلَين.

سأله: «أنت أوجستس شميدت؟»

«ذاك هو اسمي.»

«هل أنت أناركي؟»

«ذاك شأني.»

«هل أنت الآن في طريقك إلى اجتماع لمنظمة المائة الحمر؟»

اتسعَت عينا السيد شميدت في ذهول حقيقي.

تساءل: «كيف عرَفت ذلك؟»

جاءته الإجابة سريعًا: «أنا المفتش سيمبسون من سكوتلاند يارد، وسأُلقي القبض عليك.»

سأله الألماني: «بأي تهمة؟»

«سأُخبرك بذلك لاحقًا.»

هزَّ الرجل القادم من بادن كتفَيه.

«لم أكن أعرف أن اعتناق الآراء جريمة في إنجلترا.»

دخلت سيارةٌ مغلقةٌ الميدان، وصفَّر أقصر الرجلَين فاقترب السائق من المجموعة.

استدار الأناركي إلى الرجل الذي قبض عليه.

قال بغضب شديد: «أُحذرك من أنك ستخضع للمساءلة من أجل هذا. لديَّ ارتباط مهم جعلتني أفوته بسبب حماقتك و…» قاطعه الرجل الطويل باقتضاب قائلًا: «ادخل!»

دخل شميدت السيارة وأُغْلِق الباب بقوة من خلفه.

كان بمفرده في الظلام. تابعت السيارة سيرها وعندئذٍ اكتشف شميدت أنه لم تكن ثمة نوافذُ في السيارة. راودته فكرة جامحة أن بإمكانه الهربَ. حاول فتح باب السيارة؛ ولكنه كان جامدًا. دق عليه بحذر. كان مبطنًا بصفائحَ رقيقة من الفولاذ.

تمتم وهو يسب: «سجن على عجلات.» وانزوى عائدًا إلى ركن السيارة.

لم يكن يعرف لندن؛ لذا لم يكن لديه أدنى فكرة عن الوجهة التي كان ذاهبًا إليها. لمدة عشر دقائق تابعت السيارة تحركها. كان متحيرًا. لم يكن رجلا الشرطة هذان قد أخذا منه أي شيء، وكان لا يزال محتفظًا بمسدسه. لم يُحاولوا حتى أن يُفتشوه بحثًا عن وثائق إثبات. ولم يكن بحوزته أيُّ وثائق، عدا تصريح الدخول للمؤتمر و… الكود الداخلي!

بحق السماء! لا بد أن يُتلفه. دس يده في الجيب الداخلي لمعطفه. كان خاليًا. كانت الحافظة الجلدية الرفيعة قد اختفت! علا وجهَه الشحوب، فمنظمة المائة الحمر لم تكن تنظيمًا سريًّا خياليًّا، بل منظَّمة ذات فكر دموي، ورحمتها بالحمقى من أفرادها أقلُّ من رحمتها بأعدائها اللدودين. في ظلام السيارة الحالك تحسست أصابعه جيوبه كلَّها. لم يكن ثمة شكٌّ على الإطلاق في أن الأوراق قد اختفت.

أثناء بحثه في جيوبه توقفت السيارة. استل المسدس المسطَّح من جيبه. كان موقفه ميئوسًا منه ولم يكن بالرجل الذي يتهرب من المخاطرة.

ذات مرة باع أحد الإخوة من منظمة المائة الحمر كلمة سر للشرطة السرية. وهرب الأخ من روسيا. كانت ثمة امرأةٌ متورطة في الأمر، وكانت القصة عبارةً عن قصة صغيرة وضيعة لا تستحق أن تُروى. كل ما حدث أن الرجل والمرأة هربا، وذهبا إلى بادن، وتعرَّف شميدت عليهما من الصورتَين اللتَين كان قد تلقاهما من مركز القيادة، وذات ليلة، أنت تفهم أنه لم يكن ثمة أيُّ مهارة أو براعة في الأمر. كانت الصحف الإنجليزية ستصف الأمر بأنه «جريمة قتل مقززة»؛ لأن تفاصيل الجريمة كانت صادمة إلى حد كبير. الأمر الذي كان في صالح شميدت في سجلات التنظيم هو أن القاتل لم يُكتَشَف.

عادت ذكرى هذه الواقعة تجول برأس الأناركي عندما توقفت السيارة؛ ربما كان هذا هو الأمر الذي اكتشفته الشرطة؟ من زوايا عقله المظلمة أتى المشهد مجددًا، وصوت الرجل وهو يقول: «لا تفعل! لا تفعل! بحق المسيح! لا تفعل!» وتَعَرَّق شميدت.

فُتِح باب السيارة وأزاح غطاء مسدسه بهدوء مجددًا.

قال صوت هادئ في العتمة بالخارج: «لا تُطلق النار، ها هنا بعض من أصدقائك.»

خفض مسدسه؛ إذ التقطت أذناه الذكيتان صوتَ سعال مصحوبًا بأزيز.

صاح في ذهول: «فون دونوب!»

قال الصوت نفسه: «والسيد بلومو. ادخلا أنتما الاثنان.»

دخل رجلان السيارة وهما يتخبطان، وكان أحدهما مذهولًا ولم ينبس بصوت — عدا صوت السعال المصحوب بالأزيز — بينما كان الآخر يسبُّ ويلعن وطلق اللسان.

زمجر بلومو قائلًا: «انتظر، يا صديقي! انتظر! سأجعلك تندم.»

أُغْلِق الباب وتابعت السيارة مسيرها.

راقب الرجلان اللذان كانا في الخارج السيارة وهي تختفي بركَّابها التعساء منعطِفةً عند ناصية، ثم سارا ببطء مبتعدَين.

قال الرجل الأطول: «رجال استثنائيون.»

أجاب الآخر: «للغاية.» ثم أضاف: «فون دونوب، أليس هو؟»

«الرجل الذي ألقى بالقنبلة على الرئيس السويسري، أجل.»

ابتسم الرجل الأقصر في الظلام.

ثم قال: «إذا اعتبرنا أن لديه ضميرًا، فإنه يُكابد ساعته.»

سار الرجلان في صمت وانعطفا إلى شارع أوكسفورد عندما كانت ساعة الكنيسة تدق معلنةً أنها الثامنة.

رفع الرجل الأطول عصا السير خاصته، فتوقفت عند الرصيف سيارةُ أجرةٍ كانت تمشي على مهل.

قال: «محطة ألدجيت.» واتخذ الرجلان مقعدَيهما في سيارة الأجرة.

لم يتكلم أيٌّ من الرجلَين حتى التفَّت سيارة الأجرة لتدخل شارع نيوجيت، عندئذٍ سأل أقصرهما:

«أتُفكر بشأن المرأة؟»

أومأَ الآخر برأسه فعاد رفيقه إلى الصمت؛ ثم تكلم مجددًا:

«إنها تُمثل مشكلة وصعوبة، بطريقة ما؛ لكنها أخطرهم جميعًا. والمدهش في الأمر أنها لو لم تكن جميلة وشابة لما كانت ستُمثل مشكلة على الإطلاق. نحن نسلك مسلكًا بشريًّا محضًا، يا جورج. الرب جعلنا غير منطقيِّين بحيث لا تتداخل صغائر أمور الحياة مع المخطط الكبير. والمخطط الكبير هو أن بهائم الرجال ينبغي أن يختاروا بهائم النساء ليصرن أمهاتٍ لأطفالهم.»

اقتبس الآخر مقولة باللاتينية: «السم يُتَجَرَّع في كئوس من ذهب.» وهو ما يُبين أنه كان مفتشًا استثنائيًّا، ثم أضاف: «وبالنسبة لي لا يعنيني إن كان القاتل الطائش امرأة جميلة أو زنجيًّا مشوَّه الخِلقة.»

صرفا سيارة الأجرة عند محطة ألدجيت وانعطفا إلى شارع ميدلسكس.

كان ملتقى المؤتمر الكبير هو قاعة شيدها في الأصل رجال مسيحيون متحمسون كانت نقطة ضعفهم هي هداية اليهود إلى الكنيسة المشيخية الجديدة. ولهذا الهدف المحمود افتُتِحَت باحتفال مهيب وغناء لأناشيد وتحدث المُبَشِّر المتحمس بتلك المناسبة لساعتَين وأربعين دقيقة حسب الساعة.

بعد جهد دام اثنَي عشر شهرًا اكتشف الرجال المسيحيون أن مميزات المسيحية لا تستميل إلا اليهود ذوي الثراء الفاحش بالفعل، تستميل آل كوهين الذين يتحولون إلى آل كوان، وآل إيزاك الذين يتحولون إلى آل جراهام، واليهود الفضوليين من الطبقات الدنيا الذين تُماثل علاقتُهم بإخوتهم علاقةَ «كفار جنوب أفريقيا البيض» بالمجتمع الأوروبي.

وهكذا انتقلت القاعة من مالكٍ إلى مالك، وإذ فشلت في الحصول على ترخيص بالموسيقى والرقص، عادت إلى مرحلة قاعة التبشير.

كانت الأجيال اللاحقة من الصِّبية الصغار قد دمرَت نوافذها ولوَّثت حوائطها. كانت ملصقاتُ الحوائط قد لوَّنَت وجهها الأبيض. الليلة لم يكن يوجد أي شيء يوحي بأن ثمَّة أيَّ شأن ذا أهمية غير عادية يجري في داخلها. لا يُثير اجتماع لمِّ شمل روسي أو يديشي اهتمامَ شارع ميدلسكس كثيرًا، ولم يكن من شأن إعلان بيتر الصغير بجُرأة أن مجلس منظمة المائة الحمر سيجتمع هناك بكامل هيئته أن يُثير أي اهتمام محلي، وفي الحقيقة، ربما كان سيظلُّ يحصل على خدمات رجال الشرطة الثلاثة والمفوض.

لهذا السيد الفاضل، المهندم، نظيف الهيئة، الذي يضع على صدره ميداليات إغاثة حملات شيترال والسودان، سلَّم الرجلان النصفَين المثقبَين لتذكرتَيهما وعبَرا البهو الخارجي إلى غرفة صغيرة. أمام باب في الطرَف الآخر وقف رجل رفيع له لحية غير مشذبة. كانت عيناه حمراوَين وواهنتَين، وكان يلبس حذاءً ضيقًا طويل الرقبة ذا أزرار، وكان رأسه يميل إلى الأمام وعلى الجانبَين مثل دجاجة فضولية.

تساءل، متحدثًا بلغة ألمانية مثل شخص غير معتاد على اللغة، قائلًا: «هل معكما الكلمة، أيها الأخَوان؟»

رمق أطولُ الرجلَين الغريبَين الحارس بنظرة سريعة استوعبت السائل من حذائه الجلدي طويلِ الرقبة المتشقق اللامع وحتى سلسلة ساعته المبهرجة. ثم أجاب بلغة إيطالية:

«لا شيء!»

غمر السرورُ وجه الحارس لدى سماعه للغة مألوفة.

«مر، أيها الأخ؛ إنه لمن الرائع أن أسمع تلك اللغة.»

صدم هواءُ القاعة المزدحمة الرجلَين في وجهَيهما مثل ضربة من مدمرة. كان غيرَ نظيف؛ غير صحي، كرائحة مأوًى للمشردين في الصباح الباكر.

كانت القاعة ممتلئة، والنافذة مغلقة وتُغطيها الستائر، وكإجراء احترازي، كان بيتر الصغير قد وضع ملاءاتٍ سميكةً أمام مراوح التهوية.

في أحد طرَفَي القاعة كانت توجد مِنصة وُضِعَت عليها مقاعدُ على هيئة نصف دائرة، وفي المنتصف طاولة تكتسي بغطاء أحمر اللون. وعلى الحائط خلف المقاعد — التي كانت كلها مشغولة — كان يوجد علم أحمر ضخم يحمل في المنت صف حرف «سي» أبيض كبير. كان مثبتًا في الحائط، ولكن أحد أركانه كان منفصلًا كاشفًا عن جزء من لفيفة عمال التبشير المطلية:

… لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ.

شق الدخيلان طريقهما عبر مجموعة كانت محتشدة عند الباب. كانت توجد ثلاثة ممرات تمتد بطول المبنى، وشقَّا طريقهما عبر الممشى المركزي ووجدا مقعدَين بالقرب من المنصة.

كان أحد الإخوة يتكلم. كان عاملًا جيدًا ومتحمسًا لكنه كان خطيبًا سيئًا. تحدث بالألمانية وأفصح عن بديهيات بتوكيد بصوت أجش. قال كلَّ الأمور التي كان الرجال الآخرون قد قالوها ونسوها. كانت جملة «هذا هو الوقت المناسب لكي نضرب ضربتنا» هي جملتَه الأبرز، وكانت بارزة فقط لأنها أثارت ضجة خافتة من التصفيق.

تململ الجمهور بانعدام صبر. كان بنتفيتش الطيب قد تعدى الوقت المخصَّص له للحديث؛ وكان ثمة أناسٌ آخرون سيتحدثون؛ وكانوا ضجرين من ذلك. وكانت الساعة على وشك أن تدقَّ العاشرة قبل أن تنهض «امرأة جراتس».

كان ضجيجُ الثرثرة مرتفعًا إلى أقصاه في ركن القاعة، حيث كان بيتر الصغير يتحدث إلى جمهور خاص به، وكل الأعين مسلَّطة عليه والحواجب مرفوعة اندهاشًا.

«هذا مستحيل، هذا غير معقول، هذه حماقة بالغة!» ارتفع صوته الرفيع بهذه العبارات حتى كاد يصير صراخًا. «سأضحك من هذا الأمر، سنضحك كلُّنا، ولكن امرأة جراتس أخذَت الأمر على محمل الجِد، وهي خائفة!»

«خائفة!»

«هُراء!»

«أوه، يا بيتر، إنها حمقاء!»

قيلت أمور أخرى؛ لأن جميع من كانوا بالقرب أبدَوا رأيًا. كان بيتر مُغتمًّا، ولكن ليس بسبب النعوت. كان منكسرًا، ومُهانًا، وتغلبت عليه أنباؤه المروعة. كاد أن يبكي من الفكرة الرهيبة. كانت امرأة جراتس خائفة! امرأة جراتس التي، كان أمرًا لا يُمكن تصوره.

أدار عينَيه صوب المنصة، لكنها لم تكن هناك.

قالت له أصوات كثيرة بلهجة متوسلة: «أخبرنا عن الأمر، يا بيتر»؛ لكن الرجل الضئيل الحجم الذي كانت الدموع تلتمع على رموشه الفاتحة اللون تجاهلهم.

حتى ذلك الحين كان ما عرَفوه من كلامه غير المترابط هو هذا فحسب؛ أن امرأة جراتس كانت خائفة.

وكان ذلك سيئًا بما يكفي.

فقد كانت هذه المرأة — كانت فتاة في الواقع، فتاة تخطت لتوِّها مرحلة الطفولة وكان ينبغي أن تستكمل دراستها في مكانٍ ما في ألمانيا — هذه المرأة نفسها نهضت ذات يوم وصعقت العالم.

جرى لقاء في بلدة مجَرية صغيرة لمناقشة السبل والوسائل. وعندما كان الرجال قد انتهَوا من شجْبهم للنمسا، نهضَت وتكلمت. فتاة صغيرة ذات تنورة قصيرة وشعر كتاني مجدول بجديلتَين طويلتَين، ورِجلَين نحيفتَين، وصدر مسطح، وعظام بارزة، وبدون أرداف؛ ذلك ما لاحظه رجال جراتس وهم يُخفون ابتساماتهم بأيديهم ويتساءلون عن السبب في جلب والدها لها إلى الاجتماع.

لكن خُطبتها، لقد ظلت طيلة ساعتَين تتحدث ولم يتحرك أيٌّ من الرجال. فتاة صغيرة مسطحة الصدر زاخرة بالعبارات الرنانة، التي كانت في الأغلب قد جمعَتها من الحديث في مطبخ مطعم «جوزيف العجوز»، لكن بقدرة ما لديها جمعَت تلك الحقائق البديهية التافهة معًا، ومنحتها حيوية عجيبة.

كانت إحقاقًا للحق قديمة، بديهيات قديمة، لكن في وقت ما في تاريخ الثورة، كان عبقريٌّ مات منذ أمدٍ طويل قد صاغها، وكانت قد شكلت عقول الرجال ووجهت أعمالهم العظيمة والمروعة بعدما صُمِّمت على طراز حديث في أتون روحه.

هكذا جاءت امرأة جراتس، وتحدثوا عنها وتداولوا خطبها بجميع اللغات. وكَبُرَت. امتلأت قسمات وجه هذه الفتاة النحيفة، واستدار النهد المسطَّح واكتست بنية عظامها البارزة بخطوط وانحناءات أنعم، وقبل حتى أن يُدركوا الحقيقة، صارت جميلة.

وهكذا تعاظمت شهرتها حتى مات والدها وذهبت إلى روسيا. ثم حدثت سلسلة من الاعتداءات التي يُمكن سردها على نحوٍ تصنيفي ومختصر:
  • (١)

    أُردِي الجنرال مالوف قتيلًا على يد امرأة مجهولة في غرفته الخاصة في مكتب الشرطة بموسكو.

  • (٢)

    أُردِيَ الأمير هازالاركوف قتيلًا على يد امرأة مجهولة في شوارع بيتروجراد.

  • (٣)

    قُتِل الكولونيل كافيردافسكوف بقنبلة ألقتها امرأة ثم لاذت بالفرار.

وازدادت فجأة شهرة امرأة جراتس. كانت قد قُبِض عليها مرات كثيرة، وجُلِدَت مرتَين، لكنهم لم يستطيعوا أن يُثبتوا أي شيء عليها ولا استطاعوا أن يستخلصوا منها أي شيء؛ وكانت بالغة الجمال.

والآن، وعلى صوت التصفيق المدوي للمندوبين المنتظرين، صعدت على المنصة وأخذت مكان المتحدث الأخير بجوار الطاولة المغطاة بغطاء أحمر.

رفعت يدها فحلَّ صمتٌ مطلق وتام على القاعة، لدرجة أن كلماتها الأولى بدَت حادة وصاخبة؛ لأنها كانت قد كيفت صوتها مع الجلبة. ثم استعادت درجة صوتها وأخفضته إلى مستوى الحديث.

وقفت ببساطة ويداها مشتبكتان خلف ظهرها ولم تستخدمهما في أي تلويحات؛ إذ نقلت المشاعر التي بداخلها عبر صوتها الرائع. حقًّا، تكمن قوة الخطاب في إلقائه وليس في مضمونه؛ إذ لم تَحِد عن النص غيرِ المكتوب للأناركية إلا من حين لآخر: حق المقهور في الإطاحة بالطاغية، قدسية العنف، طهارة التضحية والاستشهاد في سبيل التنوير. ابتعدت عبارة واحدة عن نمط خطابها العادي. كانت تتحدث عن المنظِّرين الذين ينصحون بالإصلاح ويُدينون العنف، «هؤلاء المُسَحَاء الذين يُفوضون معذبيهم»، هكذا دعتهم بسخرية بديعة، وضجَّت القاعة بموافقتها على التصوير المجازي.

كانت ضراوة التهليل هي ما أربكها؛ وأدرك أطولُ الرجلَين، اللذَين كانا جالسَين يُشاهدانها، ذلك كثيرًا. فحين خفَت الصياح وسعت للمتابعة، تلعثمت وتلجلجت ثم صمتت. بعد ذلك، وفجأة وبحرارة مدهشة بدأت مجددًا. لكنها غيرت اتجاه خُطبتها، وتحدثت حينئذٍ في موضوع آخر؛ موضوع كان أقرب إليها في تلك اللحظة من أي موضوع آخر؛ إذ توردَت وجنتاها وظهر وميض محموم في عينَيها وهي تتحدث.

«… والآن، مع كل تنظيمنا المثالي، والعالم يكاد يكون في متناول أيدينا — يأتي أحدهم ويقول: «توقفوا!» — ونحن، الذين أرهبنا ملوكًا وسيطرنا على مجالس إمبراطوريات، نحن أنفسنا مهددون!»

ساد صمت تام بين الجمهور. كانوا صامتين قبلئذٍ، ولكن الآن كان الصمت مؤلمًا.

تململ الرجلان اللذان كانا يُشاهدانها قليلًا في جِلستهما، كما لو أن شيئًا في حديثها كان صادمًا. في الحقيقة، كان الإيحاء بالتبجُّح في جزمها بقوة منظمة المائة الحمر قد أصاب نغمة نشازًا.

تابعت الفتاة الحديث بسرعة.

«لقد سمعنا — وسمعتم — هؤلاء الرجال الذين كتبوا إلينا ونعرفهم.» وارتفعت نبرة صوتها وهي تقول: «يقولون إننا لا ينبغي أن نفعل ما نفعله. إنهم يُهددوننا — يُهددونني — بأننا يجب أن نُغير أساليبنا، وإلا فسيُعاقَبون مثلما — مثلما نحن — نُعاقَب؛ سيُقتَلون مثلما نحن نُقتَل.»

سرَت همهمةٌ بين الجمهور ونظر الرجال أحدهم إلى الآخر في ذهول. كان الرعب يرتسم جليًّا وبوضوح على وجهها الشاحب ويلتمع من عينَيها الرائعتَين.

«لكننا سنتحدى …»

قاطعتها أصوات مرتفعة وصوت شجار في حجرة الانتظار الصغيرة، وجعلت كلمة تحذير، صاح بها أحدهم، الجمهور ينتصب واقفًا.

«الشرطة!»

امتدت مائة يدٍ خِلسة إلى جيوب سرية، لكن شخصًا ما قفز صاعدًا فوق أحد المقاعد، بالقرب من المدخل، ورفع يدًا آمرة.

«أيها السادة، لا يوجد ما يدعو إلى الفزع؛ أنا المفتش فالموث من سكوتلاند يارد، ولستُ في نزاع مع منظمة المائة الحمر.»

شق بيتر الصغير، الذي كان مذهولًا حينئذٍ، طريقه نحو المفتش.

سأله: «ماذا تريد؟ ماذا تريد؟»

وقف المفتش وظهره إلى الباب وأجاب.

«أريد رجلَين شُوهدا يدخلان هذه القاعة؛ عضوَي تنظيم خارج نطاق منظمة المائة الحمر. إنهما …»

«أها!» مالت المرأة، التي كانت لا تزال واقفة على المنصة، إلى الأمام بعينَين متقِدتَين.

صاحت بتلهُّف: «أعرف، أعرف! الرجال الذين يُهددوننا، الذين يُهددونني، «رجال العدالة الأربعة!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١