الفصل الرابع عشر

في محكمة أولد بيلي

كان من استطاعوا دخول محكمة أولد بيلي هم أصحاب الامتيازات؛ أشخاص بحوزتهم بطاقات دخول حصلوا عليها من مأموري تنفيذ الأحكام، ومراسلون صحفيون، وممثلون عِظام، ومؤلفون ناجحون جدًّا. أعلنت الطبعات الأولى من الصحف المسائية عن وصول هذه الشخصيات الأخيرة من المشاهدين. اكتفى الحشد خارج المحكمة بمناقشة ماضي السجين ومستقبله المحتمل.

كانت صحيفة «ميجافون» قد أحرزت فوزًا كبيرًا مجددًا؛ إذ نشرت تفاصيل وصية السجين بالكامل. وأشارت بطرق متنوعة إلى هذه الوصية في أعمدتها التحريرية بوصفها «وثيقة مذهلة» و«قصاصة غير عادية». كانت استثنائية نظرًا للقيمة المالية الموصى بها، ولوفرة الموروثات المذكورة فيها على السواء.

كان المبلغ المتروك يُقارب نصف مليون جنيه، أوصى منه بمبلغ ٦٠٠٠٠ جنيه إلى «الطائفة المعروفة باسم «المؤمنين العقلانيين» من أجل تعزيز حملتهم ضد عقوبة الإعدام»؛ إرث مذهل إذا ما تذكرنا أن تنظيم رجال العدالة الأربعة لم يعرف إلا عقوبة واحدة فقط للأشخاص الذين أدانهم التنظيم.

قال المحامي بعدما وُثِّقَت الوصية: «بالطبع سترغب في أن يبقى هذا في طي الكتمان.»

قال مانفريد: «على الإطلاق؛ في الواقع أعتقد أنه كان من الأفضل أن تُسَلِّم نسخة لصحيفة «ميجافون».»

سأله المحامي مذهولًا: «هل أنت جادٌّ فيما تقول؟»

قال الآخر: «جادٌّ تمامًا.» وابتسم مضيفًا: «من يعرف، فربما تُؤثر على الرأي العام ﻟ… لصالحي.»

وهكذا أصبحت الوصية الشهيرة ملكية عامة، وعندما ارتقى السلالم الخشبية الضيقة التي قادت إلى قفص اتهام محكمة أولد بيلي، وأصبح أمام قاعة المحكمة المزدحمة، كان تصرفه الغريب الأخير هذا هو محورَ نقاش همهمات المحتشدين في قاعة المحكمة.

«صمتًا!»

أخذ ينظر حول قفص الاتهام الكبير بفضول، وعندما أشار أحد الحراس إلى المقعد، أومأ برأسه، وجلس. قام واقفًا عندما تُلي قرار الاتهام.

سُئِل: «هل أنت مذنب أم غير مذنب؟» وأجاب باقتضاب:

«لن أُقدِّم دفعًا.»

كان مهتمًّا بالإجراءات. كان أكثر ما أثار اهتمامه هو القاضي ذو الحُلة القرمزية بوجهه المسن الذي ينم عن حكمة، ومظهره المتزن غير المعتاد. مأمورو تنفيذ الأحكام الجادون الذين كانوا يلبسون معاطف من الفراء، ورجل الدين الذي جلس واضعًا ساقًا على الأخرى، والصفوف الثلاثة من المحامين الذين كانوا يضعون شعورًا مستعارة، والمقعد الطويل الذي يضم المراسلين الكادحين وهمسات تعليماتهم الحادة وهم يُمررون نسختهم إلى الصبية المنتظرين، وقوة الشرطة الشديدة البأس التي كانت تُنظم قاعة المحكمة؛ كل هؤلاء كان يُوليهم اهتمامًا خاصًّا.

كان رئيس هيئة الادعاء رجلًا ضئيل الحجم له وجه قوي صارم وأداء درامي مقنع. كان يبدو أن ثمة رغبةً في التعامل بإنصاف مع الأمور تُسيطر عليه طوال الوقت، متحريًا الإنصاف مع ممثل التاج ومع السجين. قال إنه لم يكن مستعدًّا لبذل جهد في نقاط معينة سبق أن عُرِضَت في تحقيق محكمة الشرطة، أو أن يُقنع المحلَّفين بأن المتهم لم يكن لديه أي صفات إيجابية.

ما كان حتى ليقول إن الرجل الذي قُتِل، والذي كان مانفريد متهمًّا بقتله، كان مواطنًا من مواطني الدولة من ذوي الشأن أو المكانة. التزم الشهود، الذين كانوا قد تقدموا ليشهدوا بما يعرفونه عن المتوفَّى، صمتًا منذرًا بسوء العاقبة فيما يتعلق بنقطة أخلاقه الشخصية. كان على أتم استعداد لقَبول القول إنه كان رجلًا سيئًا، ذا تأثير شرير على شركائه، وذا تأثير مفسِد على الشابة التي كانت تعمل تحت إمرته، وإنه كان منتهكًا للقوانين، ووغدًا، وفاسقًا.

قال ممثل الادعاء بطريقة مؤثرة: «ولكن أيها السادة أعضاء هيئة المحلفين، إن مجتمعًا متحضرًا كمجتمعنا قبل نظامًا — مع ما قد يكون عليه من تعقيد ونقص — يُعاقَب بواسطته الأثيم والشرير. فصاغ جيل بعد جيل من المشرعين درجات من العقوبات وعدَّلَها لمواجهة كل جنوح معروف. لقد أنشأ المجتمع نظامه بجهد شديد، مقدمًا تضحيات وطنية من أجل المبادئ المتعلقة بذلك النظام. لقد انتزع بدمه مواثيق حرية عظيمة؛ حرية قانون يتولى إدارتَه مسئولوه المختارون ويُطَبَّق انطلاقًا من روح المساواة البريئة.»

وهكذا مضى يتحدث عن رجال العدالة الأربعة الذين وضعوا آلية للعقاب، وجنحوا عن القانون وتخطَّوه؛ وأصدروا حكمهم ونفذوه بمعزل عن القوانين القائمة وفي تحدٍّ لها.

مجددًا أقول، إنني لن أُلزِم نفسي بالإقرار بأنهم عاقبوا على نحو غير قانوني؛ لأنه بالأدلة التي كانت بحوزتهم ضد ضحاياهم، كان موظفو إنفاذ القانون التابعون للتاج سيترددون في الشروع في تحريك دعوى ضدهم. إذا كان قد أسعدهم أنهم نظروا نظرة مجردة لهذه الجريمة أو تلك، وقالوا إن هذا الرجل أو ذاك مستحق للعقاب، فإننا، نحن ممثلي القانون القائم، ما كنا لنستطيع أن نُشكك لحظة في عدالة منطقهم. لكننا دخلنا في تضارب حول مسألة ملاءمة العقوبة، وحول المسألة الأخطر المتعلقة بحق الفرد في إيقاع تلك العقوبة، والذي يُؤدي إلى مثول هذا الرجل في قفص الاتهام بتهمة قتل.»

طوال الخطبة الافتتاحية، مال مانفريد بجذعه إلى الأمام، متابعًا كلمات ممثل الادعاء.

مرة أو مرتَين أومأ برأسه، كما لو كان متفقًا مع المتحدث، ولم يُظْهِر مطلقًا ولا حتى مرة واحدة أي علامة اعتراض.

جاء الشهود واحدًا تلو الآخر. الشرطي مجددًا، والطبيب، والرجل الفصيح الأحول. وكلما كان ممثل الادعاء ينتهي من استجواب واحد منهم، كان يسأل مانفريد إن كان يُريد أن يطرح أي سؤال، لكن مانفريد كان يهز رأسه نفيًا.

سأل القاضي الشاهد الأخير: «هل رأيت المتهم من قبل؟»

قال الشاهد مؤكدًا: «لا، يا سيدي، لم أرَه من قبل. ليس لديَّ ما أقوله ضده.»

بينما كان يُغادر منصة الشهادة، قال بصوت مسموع:

«ما زال يوجد ثلاثة آخرون. لا أرغب في أن ألقى حتفي.» ووسط الضحك الذي أعقب هذا الإبداء للحذر، استدعاه مانفريد بحدة.

قال: «إذا لم يكن لديك اعتراض، يا سيدي؟»

أجاب القاضي بلباقة: «لا اعتراض على الإطلاق.»

قال: «لقد ذكرت شيئًا عن ثلاثة آخرين. هل تُلْمِح إلى أنهم قد هدَّدوك؟»

قال الرجل الضئيل الحجم بحماس: «لا، يا سيدي، لا!»

قال مانفريد مبتسمًا: «لا يُمكنني أن أسأل ممثل الادعاء، لكني ألفت انتباهه إلى أنه لا يوجد ما يُشير إلى حدوث ترهيب للشهود في هذه القضية.»

سارع ممثل الادعاء إلى القول: «لم يحدث أي ترهيب على الإطلاق؛ من حقك أن تُدليَ بتلك الإفادة.»

أشار السجين إلى منصة الشهادة قائلًا: «ليس لدينا ضد هذا الرجل أي شيء من شأنه أن يُبرر فعلنا. إنه مهرب للسكَّر، ويُتاجر في المسروقات، لكن القانون سيتولى أمره.»

قال الرجل الضئيل الحجم في المقصورة، وقد علا وجهَه الشحوبُ وأخذ يرتعد: «هذا كذب؛ هذا تشهير.»

ابتسم مانفريد مجددًا وصرفه بإشارة من يده.

كان من الممكن للقاضي أن يُوبخ السجين على اتهامه الذي لم يكن له صلةٌ بالقضية، ولكنه سمح بتجاوز الواقعة.

كان الادعاء على وشك إنهاء عرض القضية عندما جاء أحد موظَّفي المحكمة إلى جانب القاضي، ومال عليه، وبدأ حديثًا هامسًا معه.

بعد أن غادر الشاهد الأخير، أعلن القاضي رفع الجلسة، واستُدعي ممثل الادعاء إلى غرفة سيادته الخاصة.

في الزنازين أسفل المحكمة، تلقى مانفريد تلميحًا بشأن ما هو آتٍ وبدا متجهمًا.

بعد فترة الاستراحة، وعند جلوس القاضي على مقعده، خاطب المحلفين قائلًا:

«في قضية تُظهِر السمات غير المعتادة التي تُميز هذه القضية، من المتوقع أن تحدث وقائعُ ذات طبيعة تكاد تكون غير مسبوقة. غير أن الملابسات التي ستُقَدَّم في ظلها الأدلة الآن ليست غير مسبوقة تمامًا.» وفتح كتابَ قانون سميكًا أمامه عند موضعٍ مُعَلَّمٍ بقصاصة ورق. «هنا في الحكم في قضية الملكة ضد فورسيث، وقبلها، في قضية الملكة ضد بيرنادر، وحتى في حكم أسبق واستُشهِد به في كل هذه الأحكام، وهو حكم الملك ضد السير توماس ماندوري، لدينا قضايا متماثلة.» وأغلق الكتاب.

«مع أن المتهم لم يُبدِ تلميحًا برغبته في استدعاء شهود نيابةً عنه، فقد تطوع أحد السادة لتقديم دليله. وهو يود أن يُحْجَب اسمه، وثمة ظروف خاصة تفرض عليَّ أن أُلبي طلبه. كونوا على ثقة، أيها السادة أعضاء هيئة المحلفين، أنني مطمئن إلى هوية الشاهد، وكذلك إلى أنه من كل النواحي أهل للتصديق.»

وأومأ برأسه إلى أحد الموظفين، وعبر باب غرفة القاضي سار شاب إلى منصة الشهادة. كان يرتدي معطفًا طويلًا ضيقًا، وكان يضع قناعًا على الجزء العلوي من وجهه.

مال قليلًا على الحاجز، ناظرًا إلى مانفريد بابتسامة خفيفة على فمه الحسن الشكل، واستوقفته عينا مانفريد.

سأله القاضي: «هل جئت لتتحدث نيابةً عن المتهم؟»

«أجل، يا سيدي.»

كان السؤال التالي هو السؤال الذي أثار شهقة اندهاش عبر قاعة المحكمة المزدحمة.

«هل تدعي أنك مسئول عن أفعاله بالدرجة نفسها؟»

«أجل، يا سيدي!»

«هل أنت، في الواقع، عضو في التنظيم المعروف باسم رجال العدالة الأربعة؟»

«أجل.»

كان يتحدث بهدوء، ولم يُؤثر فيه الاضطراب الذي سرى في القاعة على أثر هذا الاعتراف.

قال القاضي، مراجعًا ورقة أمامه: «أنت تزعم، أيضًا، أنك شاركت في مشاوراتهم، أليس كذلك؟»

«أجل، أزعم ذلك.»

كان ثمة توقف طويل بين الأسئلة؛ لأن القاضيَ كان يتحقق من الإجابات وكان ممثل الادعاء منكبًّا على الكتابة.

«وتقول إنك تتفق مع أهدافهم وكذلك مع وسائلهم، أليس كذلك؟»

«تمامًا.»

«هل عاونتَ في تنفيذ حكمهم؟»

«فعلت ذلك.»

«وهل منحت الأمر موافقتك؟»

«أجل.»

«وهل تُصرح بأن أحكامهم كانت مدفوعة بشعورٍ عالٍ بواجبهم ومسئوليتهم نحو الإنسانية؟»

«ذلك هو ما قلتُه حرفيًّا.»

«وأن الرجال الذين قتلوهم كانوا يستحقون الموت؟»

«أنا مقتنع بذلك.»

«هل تُصرح بهذا نتيجةً لمعرفتك الشخصية وتحرياتك؟»

«أُصرح بهذا بِناءً على معرفتي الشخصية في حالتَين، وبناءً على تحريات قمت بها بنفسي وشهادة مستقلة من سلطة قانونية عليا.»

قال القاضي: «وهو ما يقودني إلى سؤالي التالي؛ هل سبق أن أوكلت إلى لجنة ما التحريَ في كل ملابسات الحالات المعروفة المتورط فيها تنظيم رجال العدالة الأربعة؟»

«أجل، فعلت.»

«هل كانت مؤلفة من رئيس محكمة عليا لدولة أوروبية معينة، وأربعة محامين جنائيين بارزين؟»

«كانت كذلك.»

«وهل ما قلتَه هو جوهر إنشاء تلك اللجنة؟»

«أجل.»

أومأ القاضي برأسه بجدية ووقف المدعي العام ليستجوب الشاهد.

قال: «قبل أن أُوجه لك أي سؤال، لا يسعني إلا أن أُعرب عن اتفاقي التام مع سيادته بشأن سياسة السماح بالإبقاء على هُويتك مستترة.» فانحنى له الشاب.

قال ممثل الادعاء: «والآن، دعني أوجه لك السؤال التالي؛ منذ متى وأنت مرتبط بتنظيم رجال العدالة الأربعة؟»

قال الآخر: «منذ ستة أشهر.»

«إذن فأنت في الحقيقة لست في وضع يُمَكِّنُك من تقديم أدلة فيما يتعلق بوقائع هذه القضية، التي أُذكرك بأنه قد مر عليها خمسة أعوام.»

«باستثناء أدلة اللجنة.»

«دعني أُوجه لك هذا السؤال التالي، ولكن يتعين عليَّ أن أُخبرك بأنك لست ملزمًا بالإجابة إلا إذا شئت، هل أنت مقتنع بأن رجال العدالة الأربعة كانوا مسئولين عن تلك الفاجعة؟»

قال الشاب على الفور: «لا شك عندي في هذا.» «هل يوجد أي شيء يُمكن أن يجعلك تشك في هذا؟»

قال الشاهد مبتسمًا: «أجل، إذا ما أنكره مانفريد، فلن أشك في هذا فحسب، بل سأكون على يقين تام من براءته.»

«أتقول إنك تُوافق على وسائلهم وكذلك أهدافهم؟»

«أجل.»

«دعني أفترض أنك كنت رئيس شركة كبرى تتحكم في ألف من العاملين، مع وجود قواعد ولوائح من أجل توجيههم ومعيار للغرامات والعقوبات للحفاظ على الالتزام. وافترض أنك وجدت أن واحدًا من أولئك العاملين قد نَصَّب نفسه حَكَمًا على القيادة، وفرض على قواعدك مجموعة قوانين من عنده.»

«ما سؤالك؟»

«سؤالي هو ماذا كان سيُصبح موقفك من ذلك الرجل؟»

«إذا كانت القواعد التي استحدثها حكيمة وضرورية فسأدمجها في لوائحي.»

«دعني أفترض حالة أخرى. افترض أنك كنت تحكم إقليمًا، وتُطبق القوانين التي …»

قاطعه الشاهد قائلًا: «أعرف ما ستقوله، وإجابتي هي أن قوانين كثيرة من قوانين البلد هي بمثابة أسوار وُضِعَت لمصلحة المجتمع. ولكن مهما حاولت، فستظل الثغرات والفجوات موجودة، وبعض الرجال سيفعلون ما يحلو لهم؛ إما باستغلال تلك الثغرات، أو بالمرور بجرأة عبر تلك الفجوات.»

«وهل ستُرحب بوجود صورة غير رسمية من العدالة تضطلع بتطبيق نوع من الرادع الأخلاقي؟»

«سأُرحب بوجود عدالة نزيهة.»

«إذا ما قُدِّمَت لك على صورة اقتراح مجرد، هل ستقبله؟»

تريَّث الشاب قبل أن يُجيب.

ثم قال: «من الصعب أن يُكَيِّف المرء عقله مع ما هو مجرد، مع وجود تلك الأدلة الملموسة على فاعلية نظام رجال العدالة الأربعة جليةً أمام المرء.»

قال ممثل الادعاء: «ربما يكون ذلك صحيحًا.» وأفاد بأنه قد انتهى من سؤال الشاهد.

تردد الشاهد قبل أن يُغادر منصة الشهادة، ونظر إلى السجين، لكن مانفريد هز رأسه مبتسمًا، وغادر الشاب النحيل قاعة المحكمة من حيث أتى.

بعد مغادرته أخذ الحاضرون يتهامسون فيما بينهم في أحاديث جانبية جامحة ساعد في مرورها بلا ضابط أن القاضيَ وممثل الادعاء أخذا يتشاوران بجدية عبر منصة القضاء.

عَبَّر جاريت، الذي كان جالسًا بالأسفل وسط الصحفيين، عن الفكرة المبهمة التي كانت حاضرة في أذهان جميع من كانوا في قاعة المحكمة.

قال مخاطبًا جيمس سنكلير من صحيفة «ذا ريفيو»: «ألا ترى معي أن هذه المحاكمة زائفة جدًّا؟ ألا تفتقد جوهرَ المحاكمة الجنائية، كآبتها وهولها؟ ها هو شخص قد قُتِل ولم يتحدث ممثِّل الادعاء ولو مرة قائلًا: «هذا الرجل المسكين قُتِل في مقتبل العمر» أو قال أي شيء جعلك تنظر إلى السجين لترى رد فعله. إنه نقاش فلسفي في نهايته مشنقة.»

قال جيمس: «فعلًا.»

قال جاريت: «لأنهم إذا توصلوا إلى أنه مذنب، فلا بد أن يُعْدَم. لا شك في ذلك؛ فلو لم يشنقوه، فسينهار الدستور البريطاني، والماجنا كارتا، واجتماع مجلس فورمس، وبضعة أمور أخرى كان بيل سيدون يتشدَّق بها.»

كانت إشارته الخالية من أي احترام تتعلق بالخطبة الافتتاحية للمدعي العام. والآن وقف السير ويليام سيدون من جديد، مبتدئًا في توجيه حديثه الختامي إلى المحلفين. بذل جهده في الحديث عن الدليل الذي كان قد قدمه، وعن رفض السجين الطعن في صحة هذا الدليل، وبطريقة تقليدية تتبع خطوةً بخطوة النقاطَ التي قيلت ضد الرجل الموضوع في قفص الاتهام. تطرق إلى ظهور الرجل المقنَّع على منصة الشهادة. فمع أن الأمر قد لا يكون ذا قيمة، فإنه كان يستحق أن يأخذوه في الاعتبار، لكنه لم يُؤثر على القضية المعروضة أمام المحكمة. فالغرض من وجود المحلفين كان التوصل إلى قرار يتماشى مع القانون القائم، وليس كما لو لم يكن القانون موجودًا على الإطلاق، أي إن واجبهم كان إنفاذ القانون، وليس استحداثه. وأضاف أن الفرصة ستُتاح للسجين ليتحدث دفاعًا عن نفسه. كان مستشار التاج قد تنازل عن حقه في إلقاء الكلمة الأخيرة. لو أن السجين قد تحدث، كانوا سيُصغون إليه بإنصات، مانحين إياه ميزة أي شك يُمكن أن يكون قائمًا في أذهانهم. لكن لم يكن بوسعه أن يفهم، ولا أن يتخيَّل على نحو معقول، أن يكون بوسع المحلفين أن يتوصلوا إلى أي قرار غير قرار واحد.

بدا لوهلة أن مانفريد لم يكن ينوي أن يستفيد من الفرصة؛ لأنه لم يُبدِ أي بادرة، ثم قام واقفًا، وأسند يدَيه على الحافة التي كانت أمامه:

قال: «سيادة القاضي.» واستدار بطريقة تنم عن الاعتذار إلى المحلفين، وأضاف: «والسادة المحلفين.»

كان السكون يعم قاعة المحكمة حتى إنه كان بوسعه أن يسمع صوت أقلام المراسلين وهم يكتبون، وأتت ضوضاء غير متوقعة من الشارع بالخارج.

قال: «أشك في أنه سيكون من الحكمة أن أتكلم وأشك أيضًا في أنَّ ثمة قيمةً لكلامي، ولا أُلْمِح بذلك إلى أنكم قد اتخذتم قراركم بأنني مذنب دون أسباب جيدة للغاية ومقنعة.»

قال: «أنا مدين للمدعي العام.» وانحنى له، وتابع: «لأنه أعفاني من سخافات الحديث تلك التي خشيتُ أن تُفسد هذه المحاكمة. لم يُحاول أن يُضفيَ البراءة على الرجل الذي قتلناه، ولا أن ينفي عنه جرائمه الفظيعة والخسيسة. على العكس من ذلك، أوضح الموقف الدقيق للقانون بشأني، وأنا متفق اتفاقًا كاملًا مع كل ما قاله. إن عدم مساواة القانون أمر معروف للجميع، وأعترف باستحالة تعديل القانون، حسب تكوين المجتمع، بحيث تتناسب العقوبات مع جرائم كتلك التي تعاملنا معها. أنا لا ألوم القدَر الذي أرسلني إلى هنا. عندما أقدمت على مهمتي، أقدمت عليها وأنا على دراية كاملة بالعواقب، لأنني أنا أيضًا»، وابتسم للوجوه الشاخصة إلى أعلى للجالسين على مقعد أعضاء الادعاء، وتابع: «أنا أيضًا عليم بالقانون، وأمورٍ أخرى.

يوجد من يتخيلون أن لديَّ رغبةً متأججة في تغيير قوانين هذا البلد؛ وذلك ليس صحيحًا. لا يُمكن تطويع القوانين الوضعية، ذات البنية غير المرنة، حسب وقائع قضية معينة، وهذا صحيح بخاصة عندما تكون مسألة «الوقائع» نقطة خلافية. إن قوانين إنجلترا قوانين جيدة، وحكيمة، وعادلة، ومُنْصِفة. أي إشادة أخرى واجبة أكثر من هذه الحقيقة الوحيدة، وهي أنني أُقر بأنني معرَّض لفقدان حياتي بواسطة تلك القوانين، وأُوافق على العدالة التي تُدينني.»

تابع ببساطة: «ومع ذلك، عندما أنال حريتي من جديد، فسأظل مستحقًّا لحكمك لأنه يوجد بداخلي ما يبين بجلاء أي طريق سأسلكه، وأفضل وسيلة أخدم بها البشرية. إذا قلتَ إنني بانتقائي ضحية هنا وضحية هناك لأدينها، بالغًا فحسبُ أقصى حدود عالم الوضاعة، فأنا نفسي غير عادل — لأنني أترك كثيرين وأُعاقب قليلين — فجوابي أنه مقابل كل رجل أزهقنا روحه، يوجد مائة رجل رجعوا عن غيهم رعبًا من اسمنا وسلكوا الطريق المستقيم؛ فعبرة موت واحد أنقذت الآلاف. وإن سألت جادًّا: هل ساعدتَ في إصلاح البشرية؟ فسأُجيب جادًّا؛ أجل.»

كان يتحدث طوال هذا الوقت مخاطبًا القاضي.

«سيكون من قبيل الجنون أن تُعيد دولة متحضرة إلى بربرية عصر كان فيه الموت هو جزاءَ كل جريمة أخرى، ولن أُهين ذكاءك بإنكار أنني اقترحت تلك العودة إلى الأيام السيئة. لكن خرج إلى حيز الوجود شكلٌ زائف من النزعة الإنسانية، فقدَ ممثلوها، على ما يبدو، حسَّ القدرة على موازنة الأمور، ورفعوا الخوف من الألم إلى مرتبة العقيدة؛ ونسُوا أن عصر المنطق لم يأتِ بعد، وأن الرجال الذين يُماثلون الحيوان في كل شيء عدا المظهر البشري الخارجي يتشاركون مع الحيوان في انقياده للتقويم التأديبي، إنما يتشاركون معه أيضًا في خوفه الأعمى من الموت، ويُذعنون للوسائل التي تُهدد راحتهم أو حياتهم.»

أشار بيده نحو القاضي.

وصاح: «أنت، يا سيدي، هل يُمكنك أن تأمر بجلد بهيمة كادت أن تقتل أحد بني جنسها، دون أن تتحمل صيحات الغضب المعترضة من الرجال والنساء؟ أيُمكنك أن تحكم على رجل بالموت لارتكابه جريمة قتل وحشية دون أن تجد ألف شخص من نتاج زمننا يصرخون ويُهرَعون هنا وهناك كالنمل، باذلين قصارى جهدهم لإطلاق سراحه؟ دون مجموعة من المشفقين، الذين لم تُؤثر فيهم ضحية وحشيته المشوهة؟ إنهم في الواقع يقولون: «القتل، القتل المتعمد والعنيف الذي يقترفه الإنسان هو قضاء وقدر؛ لكن عقوبة الإعدام الشرعية هي قتل عمدي.» لذلك لا أتوقع تعاطفًا مع الوسائل التي اعتمدها رجال العدالة الأربعة. لقد مثلنا قانونًا، ونفذنا أحكامنا على وجه السرعة. لقد قتلنا عمدًا إن شئت القول. وفقًا لروح ونص قوانين إنجلترا، ارتكبنا القتل العمد. أنا أُقر بعدالة إدانتي. ولا أرغب في تخفيف ظروف جريمتي. ولكن مع ذلك فإن الفعل الذي ليس بوُسعي أن أُبرره بما يُرضيك، أجده أنا مبرَّرًا.»

عاد للجلوس.

سأل أحد المحامين المدعيَ العامَّ، وهو يميل عليه من الخلف:

«ما رأيك في ذلك؟»

هز السير ويليام رأسه.

قال بقنوط: «أمر محير.»

كان العرض المجمل الذي قام به القاضي هو أوجز عرض موثَّق.

كان على المحلَّفين أن يُقنعوا عقولهم بأن السجين ارتكب الجريمة التي كان متهَمًا بها، وأنهم يجب ألا يُزعجوا أنفسهم بأي جانب آخر من جوانب القضية غير ذلك الجانب الواضح أمامهم. هل كان الرجل الماثل في قفص الاتهام مسئولًا عن قتل ليبسكي؟

ودون أن تُغادر هيئة المحلفين منصتها، أصدرت حكمها.

«مذنب!»

لاحظ أولئك المعتادون على تلك المشاهد أن القاضيَ أثناء إصداره الحكم بالإعدام قد أسقط الكلمات البارزة والكئيبة التي تُصاحب عادةً الحكم الأخير للقانون، وأنه تكلم أيضًا دون انفعال.

قال جاريت: «إما أنه سيحصل على إيقاف لتنفيذ الحكم أو أن القاضيَ متيقن من أنه سيهرب، والتفسير الأخير يبدو سخيفًا.»

قال رفيقه وهما يعبران ببطء مع الحشد إلى الطريق المُعَبَّد: «بالمناسبة، من كان ذلك المتأنق الذي جاء متأخرًا وجلس مع هيئة المحكمة؟»

قال تشارلز: «ذاك كان صاحب السمو أمير الإسكوريال. إنه في لندن حاليًّا يقضي شهر العسل.»

قال جيمي: «أنا على علم بذلك، لكنني سمعته يتحدث إلى مأمور تنفيذ الأحكام قبيل خروجنا، وقد استرعى انتباهي أنني قد سمعت صوته من قبل.»

قال تشارلز: «بدا لي كذلك.» قال ذلك بحذر، بل بحذر شديد حقًّا، حتى إنه لم يُلمح مطلقًا لرئيس التحرير بأن الرجل المقنَّع الغامض الذي قدم أدلة نيابة عن جورج مانفريد لم يكن سوى صاحب السمو الملكي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤