تمهيد

نبدأ هذا الكتاب بفصل عن عصر اليقظة، يليه فصل عن حياة القرية المصرية في ذلك العصر، يليه فصل عن الجامع الأزهر فيما اتصلت به حياة القرية من رسالته الفكرية والاجتماعية؛ لأننا نفضي من كل تاريخ من هذه التواريخ الثلاثة إلى تاريخ صاحب السيرة، أعظم مَنْ أنجبته القرية ونهض برسالة الأزهر في عصره، عبقري الإصلاح والهداية محمد عبده، قدَّس الله روحه وأعاننا على التعريف بفضله والتعريف بواجبنا من بعده.

تمهيد نفتتح به هذه السيرة العطرة، لنبسطها على ما نتحراه في سير العظماء جميعًا، صورة نفسية تعنينا منها حوادث الزمن ومواقع الأمكنة وأرقام السنين بمقدار ما تمثِّله لنا من ملامح الصورة ومعالم الحياة التي تصورها، وكل ما في هذه الصفحات من أحاديث التاريخ والرواية عن محمد عبده في نشأته وأسرته وصحبته وعوارض أوقاته من مولده إلى وفاته، فالذي نتحراه منه أن يكون عضوًا من أعضاء قوة حية، قبل أن نتحراه جزءًا من فترات التاريخ وجزءًا من الخريطة الجغرافية، ويملى لنا في مقصدنا أن صاحب هذه السيرة — خاصةً — ينبوع قوة روحانية تطوي عوارض الزمن وصغائر الدنيا فيما تفيض به من حياة إنسانية، يخلص لنا منها بعد تمحيص الجوهر عن نفايات الأوشاب والأخلاط، أشرف ما تتحلى به نفس الإنسان، في العالم الخالد الذي يذهب بالزبد ويبقى ما ينفع الناس.

وسنبلغ مقصدنا من هذه الصفحات إذا جلونا بها صورة يلتفت إليها طلاب القدوة الحسنة من أبناء هذا الجيل، فيجدون أمام أعينهم — محمد عبده — إمامًا هو أولى أئمة العصر أن يأتمَّ به المقتدي فيما اضطلع به من أمانة العقيدة، وأمانة الفكر، وأمانة الخير، وأمانة الحق، وأمانة الإخلاص للخلق والخالق، في كل ما يتولاه الإنسان — الجدير باسم الإنسان — من نية وعمل، ومن سرٍّ وعلانية.

عباس محمود العقاد

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠