الفصل الثاني عشر

المحسن المعلم

إن الإحسان إلى ذوي الحاجات فضيلة من أشرف فضائل العظمة الإنسانية وأقربها إلى الصفات الإلهية؛ لأنها قوة في العظيم تعمل عملها في إعانة الضعيف ولا تعمل عملها في إذلاله وإرغامه، على ديدن العظمة التي قد تُوصَف بأنها قوة فرد عظيم، ولكنها لا تُنسَب إلى الإنسانية ولا تسمو إلى مقاربة الصفات الإلهية.

وقد كان الإحسان إلى المعوزين والضعفاء أول صفة من صفات الأستاذ الإمام، يعرفها مَنْ يعاشرونه في معيشته، ولا تقتصر معرفتهم به على المعرفة بأعماله العامة، ولكننا — على حبنا للأستاذ الإمام من أجل هذه الفضيلة بعينها — نكاد نستصغرها في كتابة سيرته؛ لأن إطعام هذا الجائع وإغاثة هذا الملهوف، وتلبية الرجاء من ذلك الطالب، وإسداء المال الميسور إلى ذلك الفقير؛ كل أولئك خير وبر وكرم، ولكنه — في النهاية — بر من واحد إلى آحاد، لا يكاد يُذكَر إلى جانب ذلك الخير العميم الذي نرى من أعمال الرجل في جملتها أنه يغدقه على الدنيا بكل ما أوتي من قدرة وهمة ومضاء، وأنه يدأب نهاره وليله ولا يكاد يفرغ لنفسه ساعة من النهار والليل وهو يفكر في ذلك الخير، ويعمل لذلك الخير، ويسعد ويشقى في سبيل ذلك الخير، ولا يقنعه منه أن يختص به محتاجًا إلى المعونة أو شاكيًا من الظلم، إلا أن يكون خيرًا للأمم، وخيرًا للعاملين، وخيرًا لتوفير السعادة الإنسانية التي لا يخطر بباله وهو يدأب لها أنه يستثني منها أحدًا من بني آدم وحواء.

وخصلة أخرى يحسب الناظر إلى إحسان هذا الرجل أنها خليقة أن تغض من فضله في هذه الفضيلة العالية، وتلك هي صدورها منه كما تصدر الدوافع الضرورية التي تملك على الإنسان مشيئته ولا تكاد تبقي له مشيئة يملكها بها أو يقاومها فيها، فإن دوافع الإحسان في نفس هذا العظيم الكريم أشبه شيء بدافع الحنان في نفس الأب الرحيم، وأي فضل للأب الرحيم في عطفه على طفله الجائع أو طفله الباكي أو طفله السقيم؟

إن فضل هذه الفضيلة يستصغر في هذه المسيرة ليبلغ غاية الكبر الذي تبلغه سجية إنسانية، فقُلْ إنْ شئت إنه لا فضل لمحمد عبده في إحسانه إلا كفضل الأب في الإحسان إلى البنين، ولكنك إذن تشهد بالفضل الذي لا فضل بعده للرجل الذي تملكه رحمته بجميع الناس كما تملك الأب رحمته ببنيه.

كان محمد عبده يحسن إلى صاحب الحاجة وهو في منفاه فقير لا مورد له غير مرتبه من عمله، وكان يحسن إلى أصحاب الحاجة وهم من ذرية أعدائه المفترين عليه، وكان يحسن إلى المنقطعين عن الكسب وهو مريض محتاج إلى ماله القليل لتدبير علاجه ومعيشته في مقامه وسفره، وكان يحسن إليهم وهو في مرض الموت، ويموت وفي ودائع سره صدقات للمستعينين به لم يكن يُطْلِع عليها أحدًا من أقرب المقرَّبين إليه.

روى السيد رشيد رضا مما علمه من أخباره يوم كان منفيًّا ببيروت أن صاحبًا له توفي والده وليس عنده ما ينفقه في تشييعه، فأعطاه كل ما في حوزته من مال، وهو مرتبه الذي قبضه يومئذٍ من المدرسة السلطانية، ولولا أن رجلًا في مصر أحسن إليه مثل ذلك الإحسان قبل نفيه وَفَّى له بدينه وحوَّله إليه على مصرف بيروت، لاضطر إلى القرض لينفق بقية الشهر على نفسه وأهله.

ولم تكن صحيفة الجوائب المصرية من الصحف التي تتطوع لنشر مآثر المفتي، وإن لم تكن كذلك من الصحف التي سُخِّرَتْ للحملة عليه، ولكن صاحبها خليل مطران كان يلقى علماء الأزهر كما يظهر من حديثه مع شيخه ومن الردود في صحيفته، وكان يعرف شواغلهم وشواغل الأستاذ الإمام، وهو الذي روى بعض مآثره في مقال تأبينه، فقال عن بره بأعدائه الثائرين عليه: «إن أنجال المشايخ في الأزهر كانوا يتناولون مرتبات آبائهم بالوراثة، فرأى الأستاذ في ذلك غبنًا للعلماء؛ لأن هذه المرتبات إنما هي وقف عليهم، فأعاده الأستاذ إليهم وعوَّض أنجال المشايخ عنها بما كان يجمعه بسعيه في رأس كل شهر من أمواله وأموال محبيه، ولقد شوهد وهو ساعٍ هذا السعي عقب اعتزاله الأزهر وقيام الشيوخ في وجهه محاربين.»

وقد كانت له معونة شهرية لطائفة من الأدباء يأوون إليه، ومنهم حافظ وإمام والكاظمي والشنقيطي العالم اللغوي المشهور، وهو الذي قال يرثي نفسه ويذكر معونة الإمام له في غربته المنقطعة دون القادرين على المعونة في عصره:

تذكَّرت مَن يبكي عليَّ فلم أَجِدْ
سوى كُتُب تختان بعدي أو علمي
وغير الفتى المفتي محمد عبده
صديقي الصدوق الصادق الودِّ والكلمِ

وكانت توصيته للمطابع ودور النشر من أقوى المشجعات على طبع الكتب القديمة والحديثة التي يعجز الأدباء عن الاستقلال بطبعها ونشرها، ويستفيدون من تأليفها أو الوقوف على تصحيحها؛ لأنه — أجزل الله مثوبته — كان يتولى توزيعها على معاهد العلم، ويرسلها باسمه إلى مريديه من سَرَوات الأقاليم وكبار موظفيها، وقد تسلَّم من حافظ أكثر نُسَخ البؤساء بعد صدور الجزء الأول، ثم أسلم حافظًا من ثمنها ما يكفيه سنوات — كما قال لنا حافظ — لولا أن رزق السنوات لا يجاوز في يدَيْ حافظ مدى الشهور، وهو الذي قال من قصيدته التائية في رثائه:

لقد كنتُ أخشى عادي الموت قبله
فأصبحتُ أخشى أن تطول حياتي

وصحيفة الصاعقة — كما ينبئ عنها اسمها — ليست من الصحف التي تسخو بالثناء على أحد من الأحياء أو الموتى؛ إذ كانت مرصدة للهجاء الاجتماعي والنقد اللاذع صادقًا أو غير صادق، وكان صاحبها يُلقَّب بالحطيئة الناثر؛ لأنه كان كالحطيئة الشاعر يهجو نفسه وأقرب الناس إليه، ولكنه بكى فيه تلك المروءة السخية التي كان هو من العارفين بجدواها، فرثاه بمقال طويل افتتحه بهذا البيت:

اليوم نامت أَعْيُنٌ بِكَ لم تَنَمْ
وتسهدت أخرى فعَزَّ منامُها

ثم قال: «أما مروءته فليس أقوى دلالة عليها من خروجه قبل أن تخرج الشمس من غمدها وجيبه ممتلئ برقاع امتلأ بحاجات الناس، فلا يرجع إلى داره إلا بعد أن يرجع الدهر عن معاكسة مَن وضعوا آمالهم فيه … وكم نظر الله إليه في جوف الليل وهو يمد يده بالحسنات إلى الفقراء والمساكين، ويعول أَنْفُسًا ماتت بموته اليوم.»

ولقد عرفنا نحن أناسًا نظروا إليه في جوف الليل يطرق عليهم الأبواب ويسلمهم ما قدر عليه من عاجل الصدقة، وهو يقول لهم إنه أمانة من جهات الخير يؤديها إليهم ولا يُعرِّفهم بنفسه، وكنا نسكن على خط المطرية التي كان فيها مسكنه، فنسمع أخباره هذه من أصحاب البيوت الكريمة التي فقدت عائلها، فلم يعرفوا أنه هو ذلك الرسول الذي كان يطرق عليهم أبوابهم تحت جُنْح الظلام إلا بعد أن افتقدوه على أثر وفاته.

وقد عهد أهله إلى تلميذه الحميم السيد رشيد رضا أن يرتِّب أوراقه عند سفره إلى الإسكندرية، فوجد في محافظ الأوراق صُرَرًا من النقود مكتوبًا على كلٍّ منها اسم مَن يُراد إعطاؤه إياها. وسأله — وهو يعدُّ العدة للسفر — عن الشاعر الكاظمي، فذكر له أنه مدين، فأسف لأنه لم يخبره بذلك قبل تصرُّف أخيه في نفقة السفر؛ لأن الكاظمي أحوج إليها.

ولو عرفت هذه الصدقات المستورة التي كان يبذلها أو يسعى فيها ويوصلها بيده وأيدي خاصته إلى مستحقيها، لظهر أنها شغل حياة كاملة تستغرق العمر ولا تَدَع فيه فراغًا لعمل سواها، وعجب الناس كيف كان يدبِّر لها وقتها مع تلك الأعمال الجسام التي كان يضطلع بها ولا يقبل الإنابة عنه في أدائها، ومثل هذا الشغلان بالإحسان فضل نادر في حياة العظماء الذين كانوا يُشغَلون بمثل شواغله، ويلقون من المصاعب والعقبات بعض ما كان يلقاه من أعدائه وأعوانه في أداء رسالته، ولكنه على هذه الندرة لم يكن بالخاصة المميزة التي تنطبع بها هذه النفس بين أقرانها ونظرائها، وإنما يمتاز الرجل في إحسانه بتلك المَزِيَّة التي انطبعت بها جميع صفاته وجهوده، وهي مَزِيَّة المعلم المطبوع على التعليم.

وما كان التعليم في مثل هذه الفطرة إلا شيئًا يعطيه من ذخيرة الفكر والروح.

فالشيخ محمد عبده كان رائد «الخدمة الاجتماعية» في وطنه قبل أن تُعرَف في هذا الوطن وفي غيره «مصالح الخدمة الاجتماعية»، التي سُمِّيت بعد ذلك بأسماء الوزارات والدواوين، ولم يكن يقنع بما يسديه من الخير بيده حتى يكون هذا الخير في مجاله الواسع عملًا عامًّا للمجتمع يتعود القائمون عليه أن يوطدوا له قواعده، ويتعاونوا على تنظيمه، ويتكلفوا بضمان البقاء بعدهم لمَنْ يخلفهم عليه.

فالإحسان المستور — يدًا بيد — عمل يستطيعه المحسن بينه وبين نفسه، ويحمد منه أن يكتمه ولا يعلمه لغيره، ولكن الإحسان في النكبات العامة لا يأتي بغير التعميم والتنظيم، وضمان الأمانة أو ضمان الدوام في غير الإغاثة الموقوتة التي تنقضي بانقضاء دواعيها، وهذه هي مواطن الإحسان التي كان محمد عبده يبادرها في ساعته كلما أَلَمَّ بالبلاد داعٍ من دواعيها، ولا يظهر اسمه للناس إلا كان مجرد ذكره ضمانًا للثقة والطمأنينة، وكان توجيه الدعوة باسمه ضمانًا للموافقة والإجابة، ثم يكون إشرافه على التدبير والإدارة ضمانًا لانتظام العمل ودوامه.

فمنذ عاد محمد عبده من منفاه لم يتخلف قطُّ عن الغوث العاجل للمستغيث، في نكبة من النكبات التي تصيب هذه البلاد ويقعد عنها ولاة الأمر والقادرون على الإغاثة بالمال أو السلطان، وكانت سنته في كل عمل من أعمال الغوث أن يندب له الجماعة من أهل الكفاية والأمانة بين خاصة صحبه، وأن ينهض هو بعبء تنظيمه ونشر الدعوة باسمه، ولم يحدث قطُّ أن نهض بهذا العبء في عمل من تلك الأعمال إلا كان نهوضه به أمانًا من الفوضى والاختلال.

تركت حملة السودان في هذا البلد جيشًا من الأيتام والأرامل والعاطلين وجرحى الحرب والمنكوبين لا عائل لهم ولا مورد لمعونتهم، وأمسكت الحكومة يدها عن كل معونة لهذا الجيش الزاخر؛ لأنها اعتذرت بنفاد المال في نفقات الحملة، وعجز الخزانة عن ترتيب المعاشات أو التعويضات بين مصارفها المحدودة، فبادر الشيخ محمد عبده — وكان يومئذٍ قاضيًا بمحكمة الاستئناف — إلى تأليف هيئة خاصة لحصر ضحايا الحرب وتنظيم المعونة لهم مما يتبرع به المحسنون، وتسهم به خزانة الحكومة وخزانة الأوقاف وغيرها من جهات البر والمساعدة، وجعل قوام اللجنة من رجال القضاء وأهل الثقة من كبار الأغنياء، وحرص على إحاطة هذه الهيئة بالضمانات «الرسمية» لضبط مواردها ومصارفها على نظام الحساب المتَّبَع في دواوين الحكومة، وقامت هذه الهيئة بأمانتها على وجهها الأمثل، ثم تبعتها الحكومة والجماعات الخيرية في طريقها، بعد تمهيدها بهذه الفاتحة التي لم يكن لأولئك المكنوبين — لولاها — من مسألة يلتفت إليها.

واحترقت بلدة ميت غمر في أوائل صيف سنة ١٩٠٢، فبلغ عدد المنكوبين بالحريق أكثر من خمسة آلاف، لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم، ولا بين غنيهم وفقيرهم في الحاجة إلى المأوى والطعام. وقال الأستاذ الإمام في وصف الحادث من بيانه الذي نشره على الناس في الصحف: «ليس الحادث بذي الخطب اليسير، فالمصابون خمسة آلاف وبضع مئين، منهم الأطفال الذين فقدوا عائليهم، والتجار والصناع الذين هلكت آلاتهم ورءوس أموالهم، ويتعذر عليهم أن يبتدئوا الحياة مرة أخرى إلا بمعونة من إخوانهم، وإلا أصبحوا متشردين متلصصين أو سائلين …»

وقد بذل الأستاذ الإمام من معونة الجمعية الخيرية الإسلامية — التي كان يرأسها يومئذٍ — كل ما تحتمله مواردها، وألَّف لتعمير البلدة وإغاثة أهلها جماعةً كبيرةً تمدها بالمال وتحث الناس على إمدادها به في عواصم البلاد وقُرَاها، وطاف بنفسه على بيوت الأمراء والوجهاء وأصحاب الثروة يسألهم النجدة في حينها قبل فوات أوانها، واستخدام كل وسيلة من وسائل الحض والدعوة يقدر عليها، ومنها حث الشعراء على النظم في موضوع هذه النكبة، وفي طليعتهم شاعره حافظ إبراهيم الذي نظم فيها قصيدة قال في أولها:

سائلوا الليل عنها والنهارا
كيف باتت نساؤهم والعذارى
أين طوفان صاحب الفلك يروي
هذه النار فهي تشكو الأوارا

وقال منها يستنجد بالمنشاوي (باشا) في سجنه:

أيهذا السجين لا يمنع السجنُ
كريمًا من أنْ يُقِيل العثارا
مُرْ بألفٍ لهم وإنْ شئتَ زِدْها
وأَجِرْهم كما أَجَرْتَ النصارى

وهو يشير هنا إلى أحمد المنشاوي (باشا) عميد القرشية الذي سُجِن يومئذٍ في قضيةٍ لعبت فيها السياسة لعبها، وكان من مروءته أيام الثورة العرابية أنه آمن الأوربيين الخائفين في داره، وسبق في ترجمة الأستاذ الإمام كلام عن صلة أبيه بهذه الأسرة العريقة في القرشية، وسنرى فيما يلي أنه كان أحد المحسنين القلائل الذين كان الأستاذ الإمام يعتمد عليهم في إنجاز مشروعاته الاجتماعية، وقد جمع من أسرته ومن سائر الأسر الكريمة ألوف الجنيهات، وذهب بنفسه إلى ميت غمر ليُشْرِف مع الهيئة المختارة على إنفاقها في تعمير القرية وتعويض أهلها.

ولقد كان أثر المحسن المعلم في المؤسسات الباقية أبرز وأثبت من أثره في هذه المساعدات التي تدعو إليها الحوادث الموقوتة، كحوادث الحرب، وحادث الحريق، وأشباه هذه الحوادث المرهونة بأوقاتها؛ فإن المؤسسات الخيرية التي نشأت برعايته وهدايته كانت أثبت الجمعيات المصرية وأنفعها وأقدرها على أداء مقاصدها من محاربة الجهل والفاقة؛ ولا تزال أكبر هذه الجمعيات في مصر جمعيتان تأسَّسَتَا بمعاونته وهدايته، وعاشَتَا منذ تمَّ تأسيسهما نحو ستين سنة تعملان وتتقدمان على هداه؛ إحداهما الجمعية الخيرية الإسلامية، والأخرى جمعية العروة الوثقى، وقد سُمِّيت باسم جمعيته التي اشترك في تأليفها وإدارتها على البعد في منفاه مع السيد جمال الدين، وقد أسهم في تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية ثم تولَّى رئاستها، فزادت مواردها وأعمالها ضعفين في سنوات رئاسته الخمس (من ١٣١٧ إلى ١٣٢٢ هجرية)؛ إذ كانت مدارسها أربعًا فأصحبت سبعًا، وكان عدد تلاميذها (٣١١) تلميذًا فأصبح (٧٦٦)، وكانت تملك مائتين وثمانين فدانًا فأصبح لها من الأرض خمسمائة وثلاثة وثلاثون فدانًا، غير الموارد الأخرى التي ارتفعت في جملتها من ٤٤٣٠ جنيهًا إلى ١٠٣٩٥ جنيهًا، وازدادت — تبعًا لذلك — قدرتها على التعليم بالمجان وترتيب المعونة للمُعْوِزين.

ولم يتسع عمر الأستاذ لإتمام المشروعات التي كان يفكر فيها ويهيئ الأذهان لإعداد أسبابها وضمان إقامتها ودوامها، وكان يرجو أن يتسنى له إتمامها في مدى قريب بعد الفراغ لها من بعض شواغله الأزهرية، ولكنه فارق الحياة في السنة التي اعتزل فيها مجلس الإدارة الأزهري بعد شهور من اعتزاله، ويمكن أن يُقَال — على هذا — إنه ما من عمل من أعمال الخدمة الاجتماعية تَمَّ بعد وفاته إلا كان من مشروعاته التي هَيَّأ لها الأذهان ومهَّد لها الطريق وبدأ فعلًا بالاستعداد لتنفيذها، ومنها الجامعة المصرية التي كان يُعنَى بها أن «تقوم على تعليم العلوم وفقًا للمناهج الحديثة، وتسهم في تجديد الحضارة العربية القديمة»، وقال عنها فيما نشره الأستاذ روجرفيل من وصيته بعد وفاته: «إذا نظرنا إلى التعليم الذي تنشره الحكومة من حيث قيمته، فلا بد أن نلاحظ أنه لا يكاد يقدر إلا على تعليم رجل محترف بحرفة يكتسب بها عيشه، ومن المستحيل أن يستطيع هذا التعليم تكوين عالِم أو كاتب أو فيلسوف، فضلًا عن تكوين نابغة، وكل ما لدينا من المدارس التي تمثِّل التعليم العالي في مصر إنما هي مدارس الحقوق والطب والهندسة، وأما بقية الفروع التي يتكون منها العلم الإنساني، فقد ينال منها المصري صورًا سطحية في المدارس الإعدادية، ويكاد يكون من المستحيل أن يتقن منها شيئًا وهو في الغالب مُكْرَه على أن يجهلها جهلًا دائمًا، وذلك شأن الفلسفة القديمة والحديثة والآداب العربية والأوربية والفنون الجميلة أيضًا؛ كل ذلك مجهول لا يُدرَّس في مدرسة مصرية … فلا ترى في الطبقة المتعلمة الرجل الباحث، ولا المفكر، ولا الفيلسوف، ولا العالم، ولا ترى الرجل ذا العقل الواسع والنفس العالية والشعور الكريم، ذلك الذي يرى حياته كلها في مثل أعلى يطمع فيه ويسمو إليه.»

وقد مرض الأستاذ الإمام مرض الوفاة، فلم يشغله المرض عن إعداد العدة لهذا المشروع الكبير، وزار صديقه أحمد المنشاوي باشا واستزاره غير مرة للبحث في وسائل بناء الجامعة وضمان الموارد التي ينفق منها عليها، وخاطب وزارة المالية في بيع عشرة آلاف فدان من ملك الحكومة يشتريها المحسن السري، ويسجل وَقْفها على بناء الجامعة ومصاريفها مع ما يربط عليها من الوقوف والأرصدة المالية، ولم يتوانَ ذلك المحسن الوفي في إنجاز هذا العمل بعد وفاة الأستاذ الإمام برًّا بذِكْرَاه وتحقيقًا لأمله. «وفي يوم السبت عاشر شوال سنة ١٣٢٢ﻫ/١٩٠٥م كتب المنشاوي باشا إلى مجلس النظار كتابًا يطلب فيه أن تبيعه الحكومة عشرة آلاف فدان معينة، ليجعلها وقفًا على مدرسة كلية يريد إنشاءها في ضواحي القاهرة، ويوقِّع عقد الوقفية في الوقت الذي وقَّعت فيه المالية عقد البيع … حتى إذا ما انتهت الوسائل قضى الرجل نحبه في الأسبوع الذي عيَّن فيه موعد العقد …»

•••

ويشاء الله أن يبرئ هذه النفس الزكية من كل ملامة يتجنى بها المتجني عليها، فيما اختاره لنفسه من إيثار خطة التعليم والإحسان في خدمة قومه على خطط خصومه المشغولين بسياسة الصحف والأحزاب، فما كانت لتعوزه — رحمه الله — زيادة لمستزيد في بغض المكائد السياسية والإيمان بفسادها وإفسادها لكل ما تمتد إليه من «اختصاصها» كما يقولون وغير اختصاصها، ولكنه كان يخطو في عمله خطوة بعد خطوة، وكأنه بحاجة إلى التذكير الجديد بلؤم تلك السياسة خوفًا عليه من نسيانه … وفي كل خطوة من تلك الخطوات كانت تبرز له الأدلة من هنا وهناك على استقامة خطاه واعوجاج الخطى من جانب خصومه؛ هنا نفع لا ريب فيه من خطة التعليم والإحسان، وهناك ضرر لا ريب فيه من سماسرة السياسة يلاحقه في أشرف أعماله وأكرم آماله، فما من مشروع من المشروعات التي ذكرناها فيما تقدَّم سلم من الوشاية الخفية أو المكابرة الصحفية. ولا نذكر المكائد التي رُصِدت له في مساعيه لطلب الكتب النادرة التي كان يعهد بطبعها إلى جماعة إحياء الكتب العربية، ولا المكائد التي رُصِدت له في جمع التبرعات لمنكوبي حرب السودان، ولكننا ندل على خِسَّة هذه المكائد بالإشارة إلى أغربها وأبعدها عن التصديق، وهي وشاية الوشاة عند الوكالة البريطانية بالجمعية الخيرية الإسلامية لاتهامها بأنها تجمع الأموال لإعانة مهدي السودان وتزويده بالذخيرة والسلاح، واجترائهم في ذلك على تلفيق الأختام المزوَّرة والبصمات المزيَّفة التي أقنعت دار الوكالة وأثارت شبهاتها، فأمرت بتفتيش مكاتب الجمعية ومراقبة مراكزها، ولولا تصدي الأستاذ الإمام لاحتمال التبعة في كل ما يثبت على الجمعية من هذه الوشايات واجتهاده لِكَشْف دخائل التزوير في تلك الوثائق المزيفة، لقُضِي على الجمعية في مهدها وقُضِي على حسناتها وصدقاتها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠