الفصل الثاني

القرية

إذا أحاطت ألفاف الظلام ببقعة من الأرض خفيت معالمها ولم يتبين منها موضع من موضع، وخُيِّلَ إلى الناظر إليها على البعد أنها خلاء بلقع، أو أنها مسكن مهجور لا يأوي إليه ديَّار، ولا ينبعث منه بصيص نور.

ويقترب السالك إليه فلا ينمحي أمام عينيه آية الظلام، ولكنه يرى معها شيئًا غير الظلمات التي أطبق بعضها على بعض، شيئًا من النور هنا وهناك؛ بين سراجٍ ضئيل على باب دار، أو فتيلة خافتة عند زاوية جدار، أو نارٍ تشب للهداية، أو موقدٍ يُضرَم للطعام، شيئًا آخَر من بصيص النور غير ألفاف الظلام.

على حالة مثل هذه الحالة كانت صورة القرية المصرية في العصر المخضرم بين أواسط القرن الثامن عشر وأواسط القرن التاسع عشر: صورتها من خلال التاريخ العام ظلام وموات، وصورتها من قريب تتجلى عن شيء غير الظلام والموات، بصيص من النور ورمق من الحياة.

ينظر القارئ في صفحات التاريخ العام منذ قرون ترجع إلى ما قبل الميلاد، فلا يفرغ من قصة دولة طاغية إلا ليبدأ في قصة دولة باغية، ولا ينتهي من حكم دخيل إلا لينتقل إلى حكم أصيل، يضطرب بين الضعف والشقاق وبين العسف والجمود، وينطمس في أثناء ذلك كل ما تخلله من بريق هنا ووميض هناك، فلا تنطبق الصفحات آخِر الأمر إلا على ألفاف من الظلمات، كتلك الألفاف التي تحيط بالسالك في غياهب الليل، فلا يبصر وراءها غير ظلام مطبق على ظلام.

وينتقل قارئ التاريخ العام من تاريخ القرية على حدة، فيرى شيئًا آخَر إلى جانب الطغيان والمذلة، شيئًا من العزة هنا ومن السخط هناك، وشيئًا من الشعور بغير التسليم وراء كل تسليم، ولكنه متفرق متقطع يراه الناظر إذا تبيَّنه وفتش عنه، ولا يكاد ينكشف له من النظرة الأولى في نطاق أوسع من نطاق الآحاد منفردين متفرقين.

ومن الحق ألا يعجب قارئ التاريخ العام من هذه الصورة المختلفة للقرية المصرية في تلك الفترة، فإنه كان أحرى أن يعجب لتلك القرية أن تبقى فيها بقية من التربة المخصبة بعد جوائح القحط والجدب والاغتصاب والانتهاب، وعوارض الجفاف من سوء الزرع وسوء الري أو سوء توزيع المياه إن فاضت به مجارٍ، فإذا كان هذا كله لم يستنفذ ذخيرة الخصب في هذه الأرض العتيقة، فلا عجب أن تبقى للنفس البشرية ذخيرة من قوة الحياة بعد أن أصابها من غوائل الزمن ما أصاب أرضها من خراب وجدب واغتصاب.

وواقع التاريخ العام — عند التأمل فيه — أنه لم يَخْلُ قطُّ من دلائل القوة الكامنة وراء ظواهر التسليم والجمود، وإن طال الكمون والجمود أحيانًا إلى أجيال وراء أجيال.

فالتاريخ العام لم يَخْلُ من ثورة المقاومة بعد مظالم بناة الأهرام، ولم يَخْلُ منها في إبَّان دولة الرومان، وربما كانت المسيحية المصرية شعلة من شُعَل هذه الثورة بما شرعته لأهلها من عقيدة تنكر عقيدة الدولة الحاكمة، وربما ساقت إليه العازفين عن الطاعة العمياء من عزلة الدير ووحدة الرهبانية … ومَن أبى تلك الطاعة العمياء من غير أهل الخير والتقوى، فلعله لم يحمل سلاح العصيان ولم يذهب مع العصب والمناسر إلا استباحة لعصيان الحاكم الظالم قبل استباحته للحرام من الأنفس والأموال.

وينبغي أن نذكر أن الحاكم الظالم لم يكن في وسعه أن يستأصل جذور الحياة في القرية لو أراد، وأنه لم يكن له مأرب في استئصالها، ولم تكن له خبرة بوسائل استئصالها لو كان له من بعد النظر ما يخيفه من عواقبها في الزمن البعيد، فأما مأربه منها في حاضر وقته فكل همه منه محصول الزرع الذي يُحمَل إليه وهو قابع في قصور المدينة، ومَن حمله إليه من أعوانه فهو في تسخيره للحارثين والكادحين لا يستغني عن مسألة فريق منهم ومداراة آخرين، بل عن بذل الرشوة لمَن يعرفون في القرية من العاملين والمتمردين.

وكان ملتزم الزرع والضريبة لأصحاب السلطان في دولة المماليك أحوج ما يكون إلى تلك المداراة، سواء في القرى التي يملكها أبناؤها أو في القرى التي تزرع على «الروك» كما كانوا يسمون الزرع المشاع بعد أيام الأيوبيين.

فالمالكون لأرضهم على قلَّتهم كانوا في بلادهم أرسخ قدمًا وأعصى مقادًا على الملتزم، من أن يسوقهم بعصا الإكراه والتسخير، وقد يرضي فريقًا منهم بالتزامات صغيرة إلى جانب التزامه الكبير.

والزارعون في أرض «الروك» غرباء عن الملتزم في كل قرية غير قريته التي وُلِد فيها إن كان من أهل القرى، أو هم غرباء عن مدينته إن كان من أهل العواصم البعيدين عن الريف، فسبيله إليهم أن يُرضِي مَن يعرفهم وأن يحسب لهؤلاء حسابهم؛ لأنهم إنْ كانوا أضعف بأسًا من أن يقدروا عليه، فهو أقصر يدًا وأعجز وسيلة من أن يقدر عليهم أجمعين، وأن يستفيد من قدرته عليهم كارهين مضربين.

وقد كانت لموارد القطر كله حصيلة يحسبونها بالقراريط أربعة وعشرين قيراطًا، موزَّعة بين الأمراء والجند ومرافق الدواوين وأعمال القناطر والجسور والأحواض، وكانت من هذه القراريط حصة محجوزة لأولئك الرؤساء المقدمين بين أبناء الريف، يسمُّونهم في سجلات الدولة بالعلماء أو مشايخ العربان، ويسمُّون «بأبناء العرب» كلَّ مَنْ لم يكن من أبناء الترك والجراكسة وأعاجم الجند من كل قبيل، فلم يكن «مشايخ العربان» كلهم بدوًا يعيشون في مضارب الخيام، بل كان أكثرهم من الفلاحين والقرويين.

•••

إن منفذ الحرية، أو منفذ المقاومة، أو منفذ الشكاية الذي بقي لأبناء القرى في أواخر عهد المماليك، قد يتمثل لنا في حادث من حوادث كثيرة رواها المؤرخون لتلك الفترة، ولكن هذا الحادث قد جمع من مراجع السلطة وأساليب المقاومة، واشترك فيه الأمراء والعلماء وجمهرة الشعب على مثال يستحق أن نفرده بالذكر في هذا المقام.

روى الجبرتي في الجزء الثاني أن الفلاحين في قرية من قرى مركز بلبيس شكوا في شهر ذي الحجة سنة ١٢٠٩ هجرية/١٧٩٥ ميلادية، إلى الشيخ عبد الله الشرقاوي كبير علماء الأزهر، ظلمًا لحق بهم من أتباع محمد بك الألفي أمير المماليك المشهور، فأبلغ الشيخ شكواهم إلى كلٍّ من مراد بك وإبراهيم بك، ليخاطبا الألفي بك في هذه الشكوى ويطلبا إليه أن يكفَّ أتباعه عما يوجبها، وانقضى زمن على هذا البلاغ بغير جدوى، فجمع الشيخ الشرقاوي علماء الأزهر وتشاوروا في الأمر مليًّا، فانتهوا إلى إنذار الأمراء جهرةً بالمقاومة، واتفقوا على إغلاق أبواب الجامع ودعوة التجار وأصحاب الأعمال إلى إغلاق الدكاكين وحوانيت التجارة، وإعلان ما نسميه اليوم بالإضراب العام، ثم ركب الشيخ الشرقاوي والعلماء في اليوم التالي وتبعتهم جماهير الشعب إلى منزل الشيخ السادات، لإشراكه وإشراك أتباعه معهم في مقاومة الأمراء حتى يستجيبوا إلى مطالبهم، وكان لإبراهيم بك قصر بجوار بيت السادات، فرأى هذه الجموع التي لا يكف عنها المدد مما حوله، وهالته كثرتها، فأرسل مَن يسأل عن سبب اجتماعها، ثم علم بالسبب، فلم يجسر على الذهاب بنفسه إلى مكان الاجتماع، وأناب عنه الدفتردار أيوب بك لاستماع أقوال العلماء والسعي في تحقيق ما طلبوه، فعلم منهم أنهم يريدون كفَّ المظالم وصيانة الأموال والأرواح ورفع المكوس والضرائب إلا ما يرتضيه الرعية، فخاطبهم أيوب بك في تخفيف بعض هذه المطالب، والاكتفاء بتعجيل بعضها مما يستطاع إنجازه لوقته، وقال: إن رفع المكوس والضرائب دَفْعة واحدة متعذِر، وإنه قد يُرفع شيئًا فشيئًا، وإلا «ضاقت علينا المعايش والأرزاق». فصارحه العلماء قائلين: إن الأمراء ينفقون الأموال فيما لا حاجة به ولا خير فيه، وما الحاجة إلى إنفاق المال في البذخ والترف والاستكثار من الجواري والمماليك؟ إن الأمير يعطي ولا يأخذ ما في أيدي الناس، وإن الإنفاق على اللذات وضروب الزينة الخاوية إسراف وفضول.

ولم يستمع العلماء جوابًا شافيًا في ذلك المجلس، فباتوا ليلتهم في حرم المسجد على أن يخرجوا في الصباح إلى الميادين والساحات العامة، معلنين الأمراء بخلع الطاعة والاستجابة إلى أحكام الشريعة، فبادر إبراهيم بك إلى طلب المعذرة منهم، وأحال التبعة في رفض مطالبهم إلى إصرار المخالفين له من أمراء المماليك، وعلى رأسهم صاحبه مراد بك، وأبلغهم أنه يؤيدهم ويحارب في صفوفهم إذا أصر المخالفون على الرفض والمراوغة، وكاشف مراد بك في الأمر مستحثًّا له على عمل شيء عاجل لتهدئة المدينة قبل انفجار الشعب كله بالعصيان.

وكان الوالي الأكبر يرقب الحالة لينظر ما يصنعه أمراء المماليك لتدارك الخطر قبل استفحاله، فلما كان اليوم الثالث ولم يصنعوا شيئًا، قصد إلى قصر إبراهيم بك وجمع هناك كبار الجند وأصحاب الكلمة النافذة في عساكر المماليك، وأرسلوا إلى العلماء والرؤساء يدعونهم للمشاورة ويَعِدونهم بإبرام الأمر على ما يحبون، فحضر من رؤسائهم كلٌّ من الشيخ الشرقاوي، والشيخ الأمير، والشيخ السادات، والسيد عمر مكرم، والشيخ البكري، وهم نواب الأمة المختارون لهذه الملمات، وانفض الاجتماع بعد طول الأخذ والرد بقبول ما طلبه العلماء، وكتابة مَوْثِقٍ بذلك على الأمراء أن يتبعوه ولا يخالفوه، ووقَّعوا جميعًا على الحجة الشرعية التي تسجِّل هذا الموثق وخلاصتها: أن يدين الأمراء بقضاء المحاكم في قضايا الحقوق، وأن تُفرَض الضرائب بموافقة الرعية على حسب الأحكام الشرعية، وأن يمتنع عدوان الحاكم بغير جريرة من المحكومين. وسُمِّيَتْ هذه الوثيقة بالحجة الشرعية على عادة قضاة الشريعة في تسمية هذه العقود، ولو أنها كُتِبت في بعض البلاد الأوروبية لجاءنا خبرها مع كُتُب القوم في علوم السياسة الحديثة، بعنوانٍ من تلك العناوين الكثيرة عن حقوق الشعب، أو الدستور الأكبر، أو «الماجنا كارتا»، وما إليها من مصطلحاتهم التاريخية، ولكن العلماء الذين دعوا أمراء العصر إلى توقيع ذلك العهد، لم يحسبوا أنهم جاءوا إلى الناس بعهد جديد غير التذكير بعهد كتاب الله وسنة رسول الله التي نسبها أولئك الأمراء، وكُتِب الموثق «حجةً» عليهم بشهادة الرعية وشهادة «الأمة» التي تأمر بالمعروف من عباده العلماء.

•••

وقد بقيت للقرية هذه البقية الصالحة من القدرة على المطالبة والشكوى من الظالم إلى ما بعد عهد المماليك بزمن طويل، ولم تكن في كثير من الأوقات كافية لرفع المظالم وكفِّ يد الظالم، ولكنها كانت في أحلك الأوقات كافية لتحريك القوة الكامنة في قلب إنسانٍ مؤمنٍ بالعدل والخير، متحفزٍ للجهر بما يؤمن به حيث يجدي الجهر بالإيمان، أو يجد له مستمعًا من القلوب والآذان.

وقد أرَّخ إمامنا صاحبُ هذه السيرة لهذه الظاهرة الاجتماعية في تلك الفترة بعينها، فقال رحمه الله في مقاله عن محمد علي رأس الأسرة الخديوية: إن الأمراء «اضطروا أن يخففوا من ظلمهم، وأن يتخذوا لهم من الأهلين أنصارًا يؤازرونهم عند قيام الحرب بينهم وبين خصومهم، فلما أحسَّ الأهلون بحاجة الأمراء إليهم، زادوا في الدولة واضطروهم إلى قبول مطالبهم، فعظمت قوة الإرادة الشعبية عند أولئك الذين كانوا عبيدًا بمقتضى الحكومة، وانتهى بهم الأمر أن قيَّدوا الأمراء والملوك معًا … نعم كانت الحكومة في مصر على نوعٍ تخالِف به الحكومات الشرقية، وكانت البلاد موزَّعة بين أمراء كلٌّ منهم يستغل قسمًا منها ويتصرف فيه كما يهوى، وكان كلٌّ منهم يطلب من القوة ما يسمح له بمد يده إلى ما في يد الآخَر أو يدفع به صولته، فالخصام كان دأبهم والحرب كانت أهم عملهم؛ لذلك كان كلٌّ منهم يستكثر من المماليك ما استطاع ليعدَّ منهم جنده، وكانت تعوزهم مؤنتهم إذا كثروا فاضطروا إلى اتخاذ أعوان من أهالي البلاد، فوجدوا من العرب أحزابًا كما وجدوا منهم خصومًا، ثم رجعوا إلى سكان القرى فوجدوا فيهم ما يحتاجون إليه، فاتخذوا بيوتًا منها أنصارًا لهم عند الحاجة، وعرف هؤلاء حاجة الأمراء إليهم فارتفعوا في أعينهم وصار لهم من الأمر مثل ما لهم أو ما يقرب من ذلك؛ لهذا كنتَ ترى في البيوت المصرية بيوتًا كبيرة لها رؤساء يعظم نفوذهم ويعلو جاههم … وذلك كان يقضي على كل أمير من أولئك الأمراء أن يصرف زمنه في التدبير واستجلاب النصير، وإعداد ما يستطيع من قوة لحفظ ما في يده والتمكن من إخضاع غيره، وكان أنصاره من الأهالي يجارونه في ذلك خوفًا من تعدِّي أعوان خصمه عليهم … وهذا يُحدِث بطبعه في النفوس شَمَمًا وفي العزائم قوة، ويُكسِب القوى البدنية والمعنوية حياةً حقيقية مهما احتقرت نوعها، فكانت العناصر جميعها في استعداد لأن يتكون منها جسم حي واحد يحفظ كونه ويعرف العالم مكانته».

ثم انتقل إلى عصر محمد علي، فقال ما فحواه إنه خاف على سلطانه من أبناء البلاد، «فوجَّه عنايته إلى رؤساء البيوت الرفيعة، فلم يَدَعْ منها رأسًا يستتر فيه ضمير (أنا)، واتخذ من المحافظة على الأمن سبيلًا لجمع السلاح من الأهلين، وتكرَّر ذلك منه مرارًا حتى فسد بأس الأهالي وزالت مَلَكة الشجاعة منهم، وأجهز على ما بقي في البلاد من حياة في أَنْفُس بعض أفرادها، فلم يُبْقِ في البلاد رأسًا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه، أو نفاه مع بقية بلده إلى السودان فهلك فيه. وأخذ يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى، كأنه كان يحنُّ لشبهٍ فيه ورِثَه عن أصله الكريم حتى انحط الكرام وساد اللئام، ولم يبق في البلاد إلا آلات له يستعملها في جباية الأموال وجمع العساكر بأية طريقة وعلى أيِّ وجه … فمحق بذلك جميع عناصر الحياة الطيبة من رأي وعزيمة واستقلال نفسي، ليصيِّر البلاد جميعها إقطاعًا واحدًا له ولأولاده، على إثر إقطاعات كثيرة كانت لأمراء عدة».

ثم قال: «أين البيوت المصرية التي أقيمت في عهده على قواعد التربية الحسنة؟ أين البيوت المصرية التي كانت لها القدم السابقة في إدارة حكومة أو سياساتها أو سياسة جندها مع كثرة ما كان في مصر من البيوت الرفيعة العماد، الثابتة الأوتاد؟ … إنه أرسل جماعةً من طلاب العلم إلى أوروبا ليتعلموا فيها، فهل أطلق لهم الحرية أن يبثوا في البلاد ما استفادوا؟ كلا، ولكنه اتخذهم آلاتٍ تصنع له ما يريد … وظهر بعض الأطباء الممتازين وهم قليل، وظهر بعض المهندسين الماهرين وهم ليسوا بكثير، والسبب في ذلك أن محمد علي ومَن معه لم يكن فيهم طبيب ولا مهندس، فاحتاجوا إلى بعض المصريين، ولم يكن أحدٌ من الأعوان مسلطًا على المهندس عند رسم ما يلزم له من الأعمال، ولا على الطبيب عند تركيب أجزاء العلاج، فظهر أثر استقلال الإرادة في الصناعة عند أولئك النفر القليل من النابغين، وكان ذلك مما لا تُخشَى عاقبته على المستبدين.»

•••

ومن المحقَّق أن الخطة التي نسبها الأستاذ الإمام إلى محمد علي إنما كانت إحدى خططه المرسومة في سياسته العامة، التي أراد بها أن يحصر الأمر كله بين يديه، وأن يجرِّد البلد من كلِّ قوة تحدِّث نفسها بمقاومته، أو الانتقاض على حكمه، أو منازعته في شأنٍ من شئون الدولة، سواء بدرت هذه المنازعة من جانب أبناء الترك كما كانوا يسمون المماليك عامةً، أو من جانب أبناء العرب كما كانوا يسمون الفلاحين عامةً، بغير تفرقة بين أبناء البادية وأبناء الريف، وكان همه الأكبر أن يتخلص من أولئك السادة الذين رشَّحوه للولاية وتقدَّموا مرة بعد مرة لمحاسبة الأمراء من قبله؛ لأنه علِمَ أنهم قادرون على ترشيح غيره كما رشَّحوه، وعلى محاسبته كما حاسبوا غيره، وخشي من جانب الريف أن يدين أبناؤه لصاحب جاهٍ أو صاحب «عزوة» من أهله، وبخاصة بعد التحالف بين بعض أبناء الريف وبعض خصومه الذين هجروا العاصمة فرارًا من القتل والغيلة. ولم يَنْسَ محمد علي أن قبائل الأطراف ربما استقلت بالحكم زمنًا، وامتنعت عن أداء الخراج لولاة الأمر في القاهرة كلما اتهمهم بالمروق من سلطان الدولة أو بالجور على حقوق الرعية، فلم يَكْفِه أن يجرِّد أصحاب الجاه من قدرتهم على العصيان والانشقاق، بل حرص على تجريدهم من كل جاهٍ لا يستمدونه منه ولا يرجعون به إليه.

غير أن الحاكم المستبدَّ قد يستطيع أن يستأصل الغروس النامية، ولكنه لا يستطيع — مهما بلغ من طغيانه وحرصه — أن يستأصل الجذور الكامنة في أعماق أرضها، ولا البذور المدفونة في انتظار نبع يسري إليها أو سحابة تهطل عليها، وتتركها لما قسم لها من الحياة في تربتها.

ويظهر من سياسة الولاة بعد محمد علي أن سياسة التجريد والاستئصال لم تجرِّد الريف من تلك العناصر التي يحسب الوالي حسابها، ويشفق من عواقب إهمالها كما يشفق من عواقب استئصالها؛ فإن الوالي محمد سعيد لم يلبث أن شعر بسوء المغبة من هذا الإهمال، وأدرك ضرورة الاستعانة في حكم الريف، فكتب إلى الأقاليم قبل انقضاء جيل محمد علي مراسيمه التي يقول في أحدها بعد تمهيد وجيز: «وقد سنح لخاطرنا أن أجعل الحكام ممَّن يُوثَق باعتمادهم في الأمور الدينية والمدنية من عُمَدِ أبناء العرب بنواحي المديريات مع أبناء الترك، على سبيل التجربة وإبراز ما انطووا عليه من الثمرات المقصودة بالذات أو ضدها، وهناك يكون الإقدام على تقدُّمهم أو بتعيين تأخُّرهم عن برهان واضح، فابتدأنا بتنصيب اثنين من عُمَد نواحي مديرية المنيا وبني مزار نظار أقسام، وجعلناهما موقعًا للتجربة، وأمرنا مدير الجهة المذكورة بتنصيب جانب من العُمَد حكَّامَ أخطاط. والآن تعلَّقت إرادتنا أن يكون حصول ذلك بسائر الأقاليم، فأصدرنا أوامرنا إلى المديرين عمومًا وهذا إليكم لتنتخبوا من عُمَدِ أبناء العرب المجربين الأطوار المتصفين بحسن الاستقامة والسياسة، مَن يليق بالتقدُّم لمناصب الحكومة، وترتبوا نظار أقسام مديريتكم على الثلث منهم، بأن يكون اثنان — هكذا — نظار أقسام من أبناء الترك وواحد من أبناء العرب، كما أن حكَّام الأخطاط يكون منهم ثلاثة من أبناء الترك وواحد من أبناء العرب، وقبل أن ترتبوهم اعرضوا علينا بيان أسمائهم وأسماء بلادهم وأقسامهم وأخطاطهم …»

وازداد شعور الولاة بضرورة المعاونة بينهم وبين أبناء القرى على حكمها وولاية شئونها، فشاعت الدعوة إلى الحكم النيابي في عهد إسماعيل، وكان من أغراض إسماعيل في مجاراته لهذه الدعوة أن يستخلص بعض السلطة من الرقابة الأجنبية باسم الأمة، ليتصرف به ما استطاع على أيدي أعوانه وأوليائه من الوجهاء وعُمَد الأقاليم، ولكنه — ولا ريب — كان يعمد إلى هذه الحيلة؛ لأنه يدرك أن مشاركةَ هؤلاء الريفيين في حصة من الحكم وسيلةٌ لا غنى عنها لتوطيد سلطان الحاكم وضمان البقاء لصاحب الولاية الكبرى في العاصمة، ولم تكن ثورة عرابي في عصر خليفته توفيق إلا أثرًا من آثار التهاون في اتباع هذه السياسة، أو أثرًا من آثار العدول عنها لتغليب عنصر «أبناء الترك» على عنصر «أبناء العرب» في وظائف الجيش والحكومة.

على أن ودائع الخير في القرية لم تكن في عصر من العصور محصورة في أبناء «البيوتات» التي تتميز بالجاه والمال وسعة الثراء من الأرض والعتاد، فإن هذه البيوت نفسها لم تكن لتستقر في مكانها لو لم يكن قرارها على أساسٍ آخَرَ مكينٍ … هو أساس الأسرة أو أساس «البيت» على الإجمال، وليس بالنادر أن يكون البيت الصغير دعامةً للبيوتات العالية تعزها وتعتز بها، وتتصل جميعًا بوشيجة جامعة من النسب والمصاهرة، وربما تعرَّضت البيوتات العالية لسطوة الحاكم المستبد إذا وقفت منه موقف المناجزة، أو وقف منها موقف الحذر والريبة؛ لأنه أقوى من كل بيت منها على حدة، وأقدر على أن يأخذها متفرقة واحدة بعد واحدة قبل أن تأخذه دفعة واحدة وهي متفقة عليه. أما البيوت الصغيرة التي تتوارى عن بصر الحاكم الكبير وتغلب الظلم بالكثرة، فهي الذخيرة الخالدة التي لا تفنى مواردها، ولا يتأتى للطغيان أن يجرِّدها من مروءة العرف التي تتوشج مع الشعور بحقوق القرابة والمصاهرة، وحياء النسيب من النسيب، ودالة الصغيرة على الكبيرة، وكرامة الكبير على الصغير، وليس من شأن القروي الذي ينتمي إلى قرابة واسعة موفورة العدد من هذه القرابات المعروفة في بلاد الريف أن يستكين إلى حاكمه الصغير في القرية إلى غير نهاية، وليس من شأنه أن يعجز عن النجاة بنفسه من جوار إلى جوار بين عشرته وذوي قُرْباه، كلما ضاقت به الحال وبلغ به الجور والنكاية غاية الاحتمال.

والأسرة على أوضاعها العريقة هي عصمة القروي من جور حكامه وعوارض زمانه، سواء منها ما يتوطد بالجاه والعصبة القوية، وما يتوطد بالعدد الكثير والنسب المتشعب والصهر المتجدد والعرف الموروث، متلاحقًا متمكنًا على مدى الأسلاف والأعقاب.

وقد صادفتنا هذه الحقيقة في ترجمتنا لسعد زغلول كما تصادفنا الآن في ترجمتنا لأستاذه وزميله محمد عبده، فقلنا في فصولها الأولى: «إن الآصِرة عظيمة الشأن في آداب المصريين من أقدم عصور التاريخ، ولم يتجرد المصري من عواطف الأرحام بين أبوة وأمومة وبنوة وقرابة وآصِرة دانية أو قاصية.» وذلك هو قوام العرف الاجتماعي في أخلاقه وعلاقاته، وهو أيضًا قوام المحافظة المصرية التي تحب الألفة وتعرض عن البدع والخوارق. والوصايا باتخاذ الأسرة معروفة في الأدب المصري منذ آلاف السنين، ففي وصايا بتاح حوتب التي كُتِبت قبل أكثر من ستة وأربعين قرنًا يقول الوزير لتلميذه: «إذا كنتَ رجلًا ذا منزلة، فاتخذْ لك منزلًا وأحببْ قرينتك الحب الجميل، وأطعمها واكْسُها، وطيِّبْ أوصالها، وأَدْخِل السرور على قلبها طول حياتك …» ولم تُنْسَ الوصية بتوقير الأسرة وصِلَة الأرحام بعد ذلك كلما كُتِبت الوصايا في العهد القديم، ففي نسخة من وصية عاني محفوظة في مخطوطات الأسرة الثانية والعشرين يقول الحكيم: «اتخِذْ لك زوجة في شبابك لتنجب لك ولدًا تربيه وأنت في صباك، وتعيش حتى تراه في عِداد الرجال، وما أسعد الرجل الذي له عشيرة كبيرة، إن الناس يوقرونه من أجل بنيه.»

وفي هذه الوصايا يقول الحكيم: «ضاعِفْ لأمك خبزها، واحملها كما حملتك، لقد أثقلتها وما نبذتك، وظلت تحملك حول عنقها بعد ميلادك، وظل ثديها ثلاث سنوات في فمك، ولم تأنف من تنظيفك، ولم تقل قطُّ: ماذا أصنع بهذا؟ وأرسلتك إلى المدرسة تتعلم الكتابة، ووقفت لك بالخبز والشراب كل يوم تنتظرك. واذكر إذا تزوجت وانفردت بمنزلك كيف ولدتك أمك، وكيف ربتك وتعهدتك بكل ما عندها من وسيلة عسى ألا تصيبك بضرر، ولا ترفع يديها إلى الله بالدعاء عليك، ولا يستمع الله منها إلى شكاية.»

فهذه الرحمة البيتية قديمة لم تتغير في الزمن الحديث، ومن عِظَم الرأفة بالبنين أن يمتد زمن الرضاع لهم إلى ثلاث سنوات كما يُفهَم من هذه الوصية، وأن الرأفة في تلك الأجيال السحيقة الغريبة ولو كانت رأفة الآباء بالبنين … فالمصري اجتماعي من ناحية الأسرة وعراقة المعيشة الحضرية، أو اجتماعي من ناحية انتظام العادات والعلاقات منذ أجيال مديدة على نظام الأسر والبيوت، وهذا هو أقوى ما يربطه بالمجتمع أو يربطه بالأمة والحياة القومية.

•••

إن العصور المتطاولة قد استنزفت من ثروة القرية — أنفسًا وأموالًا — غاية ما استطاعت أن تسلبه أو تقنيه مما لا يحصره الإحصاء، وقد نحصره بتقدير الحساب فيكفينا أن نعلم أن تعداد أبناء مصر هبط إلى ما دون الملايين الثلاثة في أخريات عهد المماليك، بعد أن أربى على الثلاثين في بعض عصور الفراعنة على تقدير بعض المؤرخين!

وربما هبط سكان القرى إلى نحو الثلثين على الأكثر من هذه الملايين الثلاثة التي بقيت في القرن السابع عشر بعد الهجرة إلى المدن والفرار على غير قرار.

وجاء عصر الإقطاع بعد الدولة الأيوبية، فصفى هذا العدد تصفيته الأخيرة حين قسَّم أبناء القرى إلى فريق ملازم للقرية وسماهم بالقراريين، وفريق متردد بين القرى لا ينتسب إلى مكان معلوم منها سماهم بالفراريين، ومن ذلك الحين أصبحت صفة «القراري» عنوانًا على العمل المتقن والصنعة المحكمة، وقيل عن كل صانع يحسن عمله ولا يبالي أن يحمد عليه إنه قراري في هذه الصناعة، حتى بلغ من سوء استخدام هذه الكلمة في غير موضعها أن وُصِف بها «اللص القراري» والمحتال القراري، بعد أن كانت وصفًا للزارع الخبير بشئون السقي والبذر والحرث والحصاد، لاستقراره في القرية وعلمه بطبيعة الأرض والجو وتقلبات الأهوية وعوارض الآفات، خلافًا للزارع الفراري الذي لا يعرف من كل قرية غير موسمه فيها وأجرته من محصولها.

هؤلاء الفلاحون «القراريون» حملوا أوزار المظالم من قديمها، ولكنهم احتفظوا كذلك بذخيرة العرف وشريعة من الحياء من أصولها، وحسبهم من هذه الذخيرة أن يأنف أحدهم أن يخزى هذا القريب أو ذاك النسيب بالعار الموروث، وكل عار في القرى موروث إلى الأعقاب وأبناء الأعقاب … أو حسبهم أن يقف بهم الاحتمال عند الحد الذي لا يحمد بعده احتمال، ثم ينقلب بعد ذلك من الصبر إلى الثأر، أو يتحول من هذا الجوار إلى ذلك الجوار، فإنْ عَمَّ البلاء كل جوار حوله في حقبة من الزمن، فهو البلاء الذي يعم عاره ولا تلصق وصمته بهذا الجبين دون ذلك الجبين، بين آلاف ومئين.

وفي هذا القرار من القرية نشأ في القرن التاسع عشر رفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك، وعبد الله فكري، وحسن الطويل، وأحمد عرابي، ومحمد عبده … وكلهم بعثت به القرية إلى الجامع الأزهر، وبعث به الجامع الأزهر إلى ميدان الكفاح والإصلاح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤